ضياء العزاوي... معزوفة الشعر والفن والتحدي حداداً على دمار العراق

يعرض 250 عملاً بأحدث معارضه في نيويورك

ضياء العزاوي في الاستديو الخاص به في لندن (نيويورك تايمز)
ضياء العزاوي في الاستديو الخاص به في لندن (نيويورك تايمز)
TT

ضياء العزاوي... معزوفة الشعر والفن والتحدي حداداً على دمار العراق

ضياء العزاوي في الاستديو الخاص به في لندن (نيويورك تايمز)
ضياء العزاوي في الاستديو الخاص به في لندن (نيويورك تايمز)

بعد مرور نحو عام على احتلال القوات الأميركية للعاصمة العراقية، بغداد، جاء مواطن عراقي إلى الفنان ضياء العزاوي في مقهى كان يرتاده في عمان بالأردن عارضاً عليه بيع بعض اللوحات الفنية النادرة.
وكان العزاوي، الذي ساعد في جمع المقتنيات الفنية لصالح المتاحف العراقية بين ستينات وسبعينات القرن الماضي، يعلم تماماً أن اثنين من الأعمال المعروضة عليه للبيع منهوبان من «متحف بغداد للفن الحديث»، ولقد فشل في إقناع الرجل العراقي بإعادتها إلى بغداد.
وبعد مرور سنوات، لا يزال ضياء العزاوي يجد صعوبة بالغة في فهم أسباب نهب العراقيين لكثير من متاحف بلادهم الوطنية في عام 2003، تحت عيون ومراقبة القوات الأميركية التي أطاحت بنظام حكم صدام حسين.
وقال ضياء العزاوي: «كل الأشخاص الذين نهبوا كلّ شيء، ودمروا كل شيء، كانوا يفعلون ذلك وهم لا يدركون أنها غير مملوكة لحكومة صدام حسين، وإنما مملوكة لهم بالأساس»، جاء ذلك في مقابلة مطوَّلة أجريت معه في شقته بالعاصمة لندن، واستطرد قائلاً: «لقد فقدوا هويتهم ولم يعودوا يهتمون بأي شيء».
وبالنسبة إليه، يتضاءل هذا التدمير الوحشي الذاتي للممتلكات الثقافية العراقية عند المقارنة، بما ارتكبته عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي الذين حملوا المطارق، وانهالوا تحطيماً وتكسيراً على التماثيل القديمة التي يستحيل تعويضها. لقد أسفرت سنوات الحكم الديكتاتورية الطويلة، مع الحرب الضروس، والعقوبات الغربية الشديدة، عن انهيار المجتمع العراقي.
وكان تأثير هذه العقود المضنية على الفنانين العراقيين والأميركيين وغيرهم هو محل المعرض الكبير الذي يضم أكثر من 250 عملاً فنياً، في معرض «موما بي إس وان»، بمدينة نيويورك، حتى الأول من مارس (آذار)، تحت عنوان «مسرح العمليات: حروب الخليج العربي: 1991 - 2011».
تركز أغلب أعمال الفنان ضياء العزاوي من رسومات ومنحوتات على العواقب الوخيمة للحرب، ولقد أعار 11 من أعماله الفنية مع 28 قطعة من مجموعته الفنية الواسعة من الفن العراقي الحديث للمعرض. ولقد عمل معلماً مهماً للأجيال الشابة من الفنانين العراقيين.
ويمكن التماس الصبغة السياسية الواضحة في أعماله الفنية، بلمحتها القوية، والمؤثرة، والكاسحة التي تغمر المشاهد بمناظر العنف ومآسيه. وهناك أعمال أخرى أكثر تجريدية، تلك التي تجمع بين الألوان الزاهية، والحروف الأبجدية العربية، مع شظايا متناثرة من بقايا العصور القديمة، ومقتطفات من الشعر، التي تنقل رسالة معينة بين طياتها.
يقول ضياء العزاوي عن ذلك: «استعين بأشكال الخطوط لكي تكون جزءاً لا يتجزأ من الفن. ولا أستعين بها لقراءة اللغة العربية، بل إنها جزء من هويتي. كما أنها تعكس الأعراف الإسلامية المتمثلة في تجنب الفنون التصويرية الصريحة، أو أي لوحات مرسومة لصالح الكلمات المكتوبة».
وقالت ندى شبوت، أستاذة تاريخ الفنون في جامعة شمال تكساس، المتخصصة في الفنون العراقية، أن أعمال العزاوي الفنية دائمة الوجود.
وأضافت تقول: «إنها أعمال فنية جميلة للغاية، ولكن عندما تمعن النظر إليها، فإنك ترى التفاصيل تطالعك مع هذه الرسائل القوية التي تحملها الحروف الأبجدية، مما يمنحك شعوراً غامراً بالتحدي والممانعة».
وضياء العزاوي يبلغ من العمر زهاء 80 عاماً، يتحلى بشجاعة كبيرة، مع شعر أشيب ممتد، وشارب أبيض وكثيف، مع ضحكات مكتومة خجولة.
وهو من مواليد عام 1939 في وسط العاصمة بغداد، وترتيبه الثالث بين عشرة من الأشقاء. وكان والده يملك بقالة في بغداد. وبلغ العزاوي مرحلة الشباب في خضمّ الهياج السياسي الذي غمر العراق في خمسينات القرن الماضي، حيث كانت الانقلابات العسكرية تطيح بالملكيات العربية هنا وهناك.
وإثر انبهاره بفكرة ورؤية الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر عن القومية العربية، جرى طرد ضياء العزاوي من المدرسة الثانوية، حيث كان يدرس لتزعمه مظاهرة من الطلاب اعتبرت مناهضة للحكومة العرقية في تلك الأثناء. وفي جامعة بغداد، كان يقضي الفترات الصباحية في دراسة تاريخ حضارات بلاد ما بين النهرين، وفترات ما بعد الظهيرة في دراسة الفنون الأوروبية. ولقد حصل على درجة البكالوريوس في الآداب في علوم الآثار من جامعة بغداد في عام 1962، ثم دبلوم معهد الفنون الجميلة العراقي بعد ذلك بعامين في 1964.
وكان ضياء العزاوي يعمل لدى وزارة الثقافة العراقية، وبدأ من هناك في تنظيم المعارض الفنية في المتاحف، وأغلبها كان يدور حول علوم الآثار والحفريات الأثرية.
كما ساعد العزاوي في تأسيس مجموعة معنية بالسياسة من الفنانين الشبان. كانت مساعيهم تتعلق بتأصيل الفنون العراقية الحديثة بماضي العراق القديم، مع اتخاذ مواقف واضحة من الأحداث الإقليمية الجارية. وبحلول عام 1975، شعر ضياء العزاوي بأن العراق قد تحول إلى دولة ذات نظام حكم شمولي، حيث يخدم الفن فقط في تمجيد وتعظيم حزب البعث الحاكم ورموزه ورجاله. فما كان منه إلا أن انتقل إلى العاصمة البريطانية لندن، ولم يرجع للحياة في العراق منذ ذلك الحين.
وفي لندن، اعتبرته الأكاديمية الملكية للفنون من الفنانين المخضرمين والمتمكنين للغاية، ولم تدخر جهداً في قبول انضمامه إلى عضويتها. ولكي يغطي تكاليف الحياة هناك عمل ضياء العزاوي في المركز الثقافي العراقي، حيث كان مهتماً بتنظيم المعارض الفنية من مختلف أنحاء العالم العربي.
وفي عام 1982، بينما كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يباشر سيطرته على العاصمة اللبنانية بيروت، تحركت الميليشيات في عمليات ذبح مروعة ضد المئات من اللاجئين الفلسطينيين في مخيمي صابرا وشاتيلا. وأصيب العزاوي بصدمة شديدة جراء تلك المذابح الدموية الفظيعة، التي كانت سبباً في خروج أول أعماله الفنية إلى النور، حيث رسم بانوراما فنية هائلة تحيط بالمذابح البشرية، تلك التي يملكها الآن معرض «تيت مودرن» للفنون الحديثة في العاصمة لندن. وقال إنه كان يرسم باندفاع محموم للغاية، ولا يفكر في صعوبة متابعة ذلك طيلة الوقت.
وقد كان العزاوي شديد الارتباط بالقضية الفلسطينية، التي تفاقمت كثيراً، إثر تدمير العراق، وقال عن ذلك بنفسه: «إنهم عرب، وأنا عربي مثلهم. ولكل فرد منا الحق في إعادة بناء تاريخه، وثقافته. كما لدينا الحق الأصيل في أن نكون جزءاً من العالم الذي يحتوينا ونعيش فيه جميعاً».
- خدمة «نيويورك تايمز»



السعودية: إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري ضمن برامج إعادة التوطين

شملت الإطلاقات التي نفذها المركز خلال السنوات الماضية أكثر من 80 نوعاً من الأنواع الفطرية ذات الأولوية الوطنية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)
شملت الإطلاقات التي نفذها المركز خلال السنوات الماضية أكثر من 80 نوعاً من الأنواع الفطرية ذات الأولوية الوطنية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)
TT

السعودية: إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري ضمن برامج إعادة التوطين

شملت الإطلاقات التي نفذها المركز خلال السنوات الماضية أكثر من 80 نوعاً من الأنواع الفطرية ذات الأولوية الوطنية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)
شملت الإطلاقات التي نفذها المركز خلال السنوات الماضية أكثر من 80 نوعاً من الأنواع الفطرية ذات الأولوية الوطنية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

أعلن المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية أن إجمالي أعداد الكائنات الفطرية التي أطلقها ضمن برامجه لإكثار وإعادة توطين الأنواع المحلية المهددة بالانقراض تجاوز 10 آلاف كائن فطري، في إنجاز يعكس حجم الجهود المتواصلة التي يبذلها المركز في تنمية الحياة الفطرية، واستعادة النظم البيئية، وتعزيز التنوع الأحيائي في مختلف مناطق المملكة.

وشملت الإطلاقات التي نفذها المركز خلال السنوات الماضية أكثر من 80 نوعاً من الأنواع الفطرية ذات الأولوية الوطنية، من بينها ظباء الريم والمها الوضيحي، إلى جانب ظباء الإدمي، والوعول الجبلية، وطيور الحبارى، والنعام، والقطا، وذلك ضمن جهود تستهدف دعم تعافي التجمعات الطبيعية لهذه الأنواع وتعزيز استمراريتها ضمن نطاقها البيئي والتاريخي.

شملت الإطلاقات ظباء الريم والمها الوضيحي إلى جانب ظباء الإدمي والوعول الجبلية وطيور الحبارى والنعام والقطا (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

وأوضح الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، الدكتور محمد علي قربان، أن عمليات الإطلاق تُعد من الأدوات المهمة في استعادة النظم البيئية والحد من اختلالها، إذ تسهم عودة الكائنات الفطرية إلى موائلها الطبيعية في حماية التنوع الأحيائي وتحسين جودة البيئة، بما ينعكس على سلامة الموائل واستمرارية مكوناتها النباتية والحيوانية، وتعزيز وظائفها البيئية على المدى الطويل. كما أشار إلى أهمية عديد من الأنواع الفطرية في السلاسل الغذائية، ودورها في تلقيح النباتات ونشر البذور وتجدد الغطاء النباتي، بما يعزز استعادة العلاقات الطبيعية بين المفترسات والفرائس والنباتات، ويرفع قدرة النظم البيئية على التعافي والاستدامة ومكافحة التصحر.

وأضاف الدكتور قربان أن إطلاق الكائنات الفطرية في البرية يسهم في تكوين جماعات جديدة قادرة على التكاثر ذاتياً، وهو امتداد طبيعي لبرامج الإكثار في الأسر التي تسهم في رفع أعداد الأنواع المهددة بالانقراض»، مبيناً أن هذه الإطلاقات تدعم التنوع الوراثي داخل الجماعات البرية، بما يعزز قدرتها على مقاومة الأمراض والتكيف مع التغيرات البيئية.

وأكد أن برامج الإكثار ارتفعت مؤخراً من 7 إلى 21 برنامجاً، مع استهداف الوصول إلى 50 برنامج إكثار بحلول عام 2030، موضحاً أن هذه البرامج تستند إلى أسس علمية وبحثية تبدأ باختيار السلالات المناسبة في مراكز الأبحاث، مروراً بالرعاية البيطرية وبرامج التغذية، ووصولاً إلى تأهيل الكائنات للإطلاق ومتابعتها ميدانياً باستخدام أحدث تقنيات الرصد وتحليل البيانات لدعم صناعة القرار وإدارة المجموعات الفطرية، بما يعكس جهود المركز في تطوير أساليب الحماية وتعزيز كفاءة الإدارة البيئية واستدامتها.

مواقع الإطلاق تتوزع في مختلف مناطق المملكة وتشمل أكثر من 60 موقعاً بيئياً (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

وبيّن أن خطط الإطلاق لكل نوع تتم ضمن نطاق توزيعه الجغرافي الطبيعي والتاريخي داخل السعودية، بما يضمن ملاءمة المواقع للأنواع المستهدفة، ويدعم تكوين تجمعات فطرية قادرة على الاستمرار والتكاثر وفق أسس علمية تراعي القدرة الاستيعابية للموائل الطبيعية ومتطلبات سلامة النظام البيئي، مع مراعاة أهمية الممرات البيئية الآمنة التي تربط بين المناطق المحمية لتعزيز حركة الأنواع واستدامة تجمعاتها.

وأشار إلى أن مواقع الإطلاق تتوزع في مختلف مناطق المملكة وتشمل أكثر من 60 موقعاً بيئياً، من بينها المحميات الطبيعية والمحميات الملكية والمتنزهات الوطنية، إضافةً إلى مواقع ضمن مشاريع السعودية الكبرى، في إطار تكامل الجهود الوطنية لاستعادة النظم البيئية وتعزيز التوازن البيئي.

ويواصل المركز تنفيذ خططه الاستراتيجية لتنمية الحياة الفطرية وحماية الأنواع المهددة بالانقراض ورفع كفاءة إدارة الموائل الطبيعية، من خلال التوسع في برامج الإكثار، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وبناء القدرات الوطنية، وتطبيق أفضل الممارسات العالمية في إدارة التنوع الأحيائي، إلى جانب تعزيز الوعي البيئي وتحفيز المجتمعات المحلية ودعم السياحة البيئية، بما يسهم في دعم مستهدفات «مبادرة السعودية الخضراء» و«رؤية المملكة 2030»، وتحقيق «الاستراتيجية الوطنية للبيئة»، وصولاً إلى حياة فطرية وتنوع أحيائي ونظم بيئية مزدهرة ومستدامة.


تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
TT

تطابق الحمض النووي لتوأمين يعقّد تحديد مرتكب جريمة قتل بفرنسا

تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)
تطابق الحمض النووي للتوأمين أربك جهود المحققين لتحديد مطلق النار (بيكسباي)

أربك توأمان متماثلان يُحاكمان في فرنسا بتهمة القتل جهود المحققين لتحديد مطلق النار؛ بسبب تطابق حمضهما النووي، وفقاً لوسائل إعلام فرنسية.

ويُعدّ الشقيقان، البالغان من العمر 33 عاماً، من بين 5 متهمين يُحاكمون قرب باريس، بتهمة ارتكاب جريمة قتل مزدوجة ومحاولات قتل عدة لاحقة في عام 2020، وفقاً لصحيفة «لو باريزيان» الفرنسية المرموقة.

وتشير الصحيفة إلى أن كليهما يُشتبه في تآمره لتدبير جريمة القتل المزدوجة، إلا أن الحمض النووي الموجود على بندقية هجومية استُخدمت في أحد الاشتباكات المسلحة اللاحقة لا يمكن أن يكون إلا لأحد التوأمين.

وأبلغ ضابط شرطة المحكمة أن خبراء الطب الشرعي لم يتمكنوا من تحديد أي من الشقيقين متورط بشكل قاطع.

ونُقل عن أحد المحققين قوله للمحكمة في بوبيني، شمال العاصمة الفرنسية: «أمهما فقط هي من تستطيع التمييز بينهما».

كما أفادت تقارير بوجود أجواء متوترة داخل قاعة المحكمة، حيث جرى إخراج التوأمين مؤقتاً بعد رفضهما الوقوف أثناء الجلسة.

وتعتقد الشرطة أنهما استغلا التشابه بينهما للتلاعب بسير التحقيق. ونقلت صحيفة «لو باريزيان» عن ضابط رفيع قوله إن التوأمين كانا يتبادلان الملابس والهواتف ووثائق الهوية بشكل متكرر.

وينشأ التوأم المتطابق من بويضة مخصبة واحدة تنقسم أثناء الحمل. ولأنهما ينشآن من البويضة والحيوان المنوي نفسيهما، فإنهما يتشاركان الحمض النووي نفسه تماماً؛ ما يجعل تحديد هويتهما جنائياً أمراً بالغ الصعوبة.

وبسبب عدم قدرة البيانات الجينية على التمييز بينهما، اعتمد المحققون على سجلات الهاتف، ولقطات المراقبة، والتنصت، وجهود التحقق من مكان وجودهما وتحركاتهما.

لكن السؤال المحوري حول هوية مطلق النار من السلاح الذي تم العثور عليه لا يزال مطروحاً.

وتستمر المحاكمة، ومن المقرر أن تصدر المحكمة حكمها في أواخر فبراير (شباط).


جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
TT

جيل اللا تواصل والقطيعة مع الأهل... بروكلين بيكهام ليس سوى عيِّنة من موضة رائجة

موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)
موضة قطع التواصل مع الأهل منتشرة في أوساط الجيل زد (بكسلز)

قالها الأديب والفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران قبل أكثر من قرن: «أولادُكم ليسوا لَكُم، أولادُكم أبناءُ الحياة». هو لم يقصد حينَها الانفصال بين الأولاد وأهلِهم إلى حدّ القطيعة، غير أنّ الجيل «زد» أخذَ مقولة جبران إلى أقصاها، فبات يُسمّى «جيل اللا تواصل».

ليسَ خلاف بروكلين بيكهام مع والدَيه ديفيد وفيكتوريا، سوى نموذج عن تحوّل اللا تواصل No Contact، من مجرّد «ترند» رائج على «السوشيال ميديا»، إلى واقعٍ يهزّ العلاقات العائلية. فما خفيَ تحت الضجيج الذي أحدَثَته قصة آل بيكهام، قضيةٌ اجتماعية مستجدّة هي قطعُ بعض الجيل «زد» وجيل الألفيّة علاقاتهم بذويهم لأسباب متعددة، على رأسها تلك النفسية.

وإذا كان ابنُ بيكهام قد ذكر معاناته مع القلق والتوتّر بسبب تحكّم ذويه بحياته وزواجه، فإنّ لائحة الأسباب التي يبرّر بها أبناء جيله القطيعة مع أهلهم طويلة.

القطيعة بين بروكلين بيكهام وذَويه نموذج عن موضة اللا تواصل المنتشرة بين الجيل «زد» وأهاليهم (إ.ب.أ)

«تيك توك»... المنصّة الشاهد

على «تيك توك»، تُحصى أعداد مُشاهَدات الفيديوهات المُرفقة بهاشتاغ #ToxicFamily أي «عائلة سامّة» و#NoContact (لا تواصل) بالملايين. يأتي ذلك في سياق موضة قطع العلاقات مع الوالدَين، والتي تأخذ حيّزاً كبيراً من النقاشات على المنصة الأحَبّ إلى قلب الجيل «زد».

وتَشهد «تيك توك» انقساماً حادّاً في الآراء حول الموضوع. ففي وقتٍ تُبدي غالبية روّاد المنصة دعمَها لمَن قرروا قطع التواصل مع أهاليهم، يعبّر قسمٌ آخر عن ذهوله أمام هذه الظاهرة. وفيما يبرّر الأولاد القطيعة بالقول إنها تحصل انطلاقاً من الحفاظ على الصحة النفسية واحترام الذات والحَدّ من القلق، يصرّون على أنّ رابط الدم لا يبرّر تقبّل سوء المعاملة. أما الأهالي ومَن ينتمون إلى جيلهم، فيُبدون ذهولهم غير مصدّقين ما يجري، وغير مستوعبين العبارات التي يستخدمها الأبناء تبريراً للهَجر، مثل «التربية النرجسية» أو «التلاعب بالعقول».

تتركّز غالبية حالات اللا تواصل في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، حيث ذهبت مقولاتٌ على غرار «العائلة أوّلاً»، و«العائلة إلى الأبد»، و«الدم لا ينقلب ماءً» أدراج الرياح.

@katherinechoiii

Even though I’m no longer living with them and am currently no contact, their reactions have still affected me. Every time I post, there’s a quiet awareness that they’re watching. And while that’s difficult, I don’t want them to continue silencing me after I’ve already left their home.

♬ autumn - Gede Yudis

مبرّرات القطيعة معظمها نفسيّ

في زمن فَورة الحديث عن الصحة النفسية وسقوط المحرّمات ووصمة العار التي كانت تُحيط بها سابقاً، ينطلق الجيل الجديد في قرار القطيعة مع ذويه من مسبّباتٍ معظمها نفسيّ.

يقولون إنهم حريصون على صَون سلامهم الداخلي واتّزانهم العقلي، حتى وإن كلّف ذلك بَترُ علاقاتٍ يعتبرونها سامّة مع أحد الوالدَين أو مع الاثنَين معاً. يستَقون كلماتٍ من قاموس علم النفس للتعبير عن المسبّبات التي دفعتهم إلى هذا القرار. يتحدّثون عن تصرّفاتٍ مؤذية صادرة عن الأهل، مثل «النرجسيّة»، و«التلاعب النفسي»، و«السلوك الصِدامي»، و«اضطراب الشخصية الحدّيّة»، و«التحكّم المفرط».

يَحدثُ كذلك أن يأتي قرار اللا تواصل كردّ فعلٍ على صدماتٍ وتجارب صعبة حصلت خلال الطفولة، ولم يتمكّن الولد التعامل معها وهو في سنٍ صغيرة. ومع تراكم السنوات والسكوتِ طويلاً عن جرحٍ تسبّبَ به الأهل، يقررون قطعَ الخيط ما إن تسنح لهم الظروف بذلك.

في المقابل، تبدو بعض أسباب ومبرّرات القطيعة غير منطقية أحياناً. يذكر الشبّان والشابات المنفصلون عن أهلهم من بينها الاختلاف في أسلوب العيش والقِيَم، والملل من القواعد التي تفرضها العائلة. يتحدّثون كذلك عن تخطّي ذويهم الحدود التي رسمَها الأولاد لهم. من بين الأسباب التي يبرّر بها الجيل الجديد كذلك الانقطاع عن العائلة، الاختلافات في الآراء السياسية، وكلام الأهل بطريقة سلبيّة عن شركائهم العاطفيين.

معظم الأسباب التي يبرر الأولاد القطيعة مع أهلهم هي نفسية (بكساباي)

«جائحة» اللا تواصل

وسط غياب الأرقام والإحصائيات الموثوقة، يلفت خبراء علم النفس إلى أنّ الظاهرة إلى تزايد، وهم يشبّهون قطع التواصل مع الأهل بـ«جائحة تصيب الأبناء البالغين». ووفق مجلّة «سيكولوجي توداي»، فإنّ الهَجرَ غالباً ما يحصل من دون سابق إنذار أو تفسير، فيُترَك الأهل في حالٍ من الألم العميق والتساؤل.

وكلّما كان الدافع النفسيّ جدّياً، كأن يكون الولد قد تعرّض لصدمة في الطفولة بسبب الوالدَين أو أحدهما، كلّما وجد لنفسه تبريراً للانسحاب وأسباباً تخفيفيّة لعدم الشعور بالذنب.

تشهد على ذلك فيديوهات «تيك توك» والمنتديات الإلكترونية المخصصة لظاهرة اللا تواصل، حيث يقدّم مَن اختبروا الأمر الدعم لبعضهم البعض. ويستند روّاد تلك المنتديات إلى نظرية تقول إنه إذا كان الخروج من علاقة زوجيّة سامّة مبرراً، فيجب أن ينطبق الأمر كذلك على العلاقات العائلية السامّة.

في حوار مع مجلّة «نيويوركر»، يقول المعالج النفسي جوشوا كولمان إنّ «القطيعة أصبحت أكثر شيوعاً، ويعود ذلك جزئياً إلى تغير المفاهيم حول ما يُعتبر سلوكاً ضاراَ أو مسيئاً أو صادماً»؛ بمعنى أنّ ما كان يُعَدّ إساءة عابرة في الماضي، بات يُرفع اليوم إلى مرتبة الصدمة النفسية. ويضيف كولمان إن مفهوم «أكرِم أباك وأمّك قد سقط على حساب مفاهيم كالسعادة الشخصية وحب الذات والصحة النفسية».

صراع الأجيال

ما بدأ كظاهرة اجتماعية بات يهدد بأن يتحول إلى عدوى نابعة من التأثّر بموجة تغزو وسائل التواصل الاجتماعي. لكن يكفي النظر بمنطقٍ إلى القضية المستجدّة، للاستنتاج أنها مرآةٌ لصراع الأجيال.

أساليب التربية المختلفة بين الأجيال هي أحد أسباب ظاهرة اللا تواصل مع الأهل (بكسلز)

نشأ جيل «طفرة المواليد» (1946 - 1964) على يد آباء من «الجيل الأعظم» (حتى 1927)، الذين كبروا خلال الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية، فتبنّوا أساليب تربية صارمة وسلطوية. كان يُتوقّع من الأطفال الطاعة والصمت. وكان الخوف، بما في ذلك العقاب الجسدي، وسيلة لضبط السلوك وبناء الشخصية.

رداً على ذلك، سعى كثير من أبناء طفرة المواليد إلى تربية مختلفة عن تلك التي عاشوها. فأصبحوا أكثر انخراطاً في حياة أبنائهم، وبرز مفهوم «الأبوّة المفرِطة». كما سعى «الجيل إكس» (1965 - 1980) وجيل الألفيّة (1981 - 1996) إلى بناء علاقات أكثر مساواةً مع أطفالهم، رافضين استخدام الخوف كأداة تربوية.

بدلاً من العقاب، اعتمدت هذه الأجيال على الحوار والتبرير، وأحياناً تجنّبت الصراع خشية الإضرار بالعلاقة. ومع نضوج الأبناء، أدَّى ضعف الخبرة في إدارة الغضب والخلافات الأسريّة إلى صعوبة تحمّل مشاعر الإحباط وخيبة الأمل. وفي بعض الحالات، تحوَّلت القطيعة مع الوالدين إلى وسيلة للتعامل مع هذه المشاعر، عبر إلقاء اللوم عليهم بدلاً من معالجة الصراع داخل الأسرة.