حرائق غابات واحتجاجات تخيم على الاحتفالات... كيف استقبل العالم 2020؟

الألعاب النارية تضيء سماء فرنكفورت بألمانيا احتفالاً بقدوم 2020 (أ.ف.ب)
الألعاب النارية تضيء سماء فرنكفورت بألمانيا احتفالاً بقدوم 2020 (أ.ف.ب)
TT

حرائق غابات واحتجاجات تخيم على الاحتفالات... كيف استقبل العالم 2020؟

الألعاب النارية تضيء سماء فرنكفورت بألمانيا احتفالاً بقدوم 2020 (أ.ف.ب)
الألعاب النارية تضيء سماء فرنكفورت بألمانيا احتفالاً بقدوم 2020 (أ.ف.ب)

استقبل العالم العام الجديد 2020 منتصف ليل (الأربعاء) بعروض للألعاب النارية، انطلقت من سيدني إلى لندن، لكن الظلال القاتمة لحرائق الغابات المميتة في أستراليا، والاحتجاجات التي تشهدها هونغ كونغ والهند، والتوتر النووي مع كوريا الشمالية خيمت على الاحتفالات.
وتجمعت حشود غفيرة في العواصم الأوروبية للاستمتاع بعروض الألعاب النارية المبهرة التي أضاءت السماء فوق معالم مثل ساعة بيغ بن في لندن، وقوس النصر في باريس، ومعبد البارثينون في أثينا، والكرملين في موسكو، حسب ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.
وتوج تقليد إسقاط كرة كريستالية في ساحة تايمز سكوير في نيويورك عرضاً استمر ست ساعات في ليلة رأس السنة. ولم تؤثر أمطار متقطعة بدرجة تذكر على الاحتفال حيث تابع مئات الآلاف عروض نجم البوب بوست مالون وفرقة البوب الكورية «بي تي إس» والمغنية وكاتبة الأغاني ألانيس موريسيت.
https://twitter.com/NYPDnews/status/1212242322479558664
جدل في سيدني
في أستراليا، احتشد ما يصل إلى مليون شخص في ميناء سيدني والمناطق المجاورة لمشاهدة إطلاق أكثر من 100 ألف من الألعاب النارية فوق المدينة، رغم أن آلافاً من سكان الساحل الشرقي للبلاد تدفقوا على الشواطئ سعياً إلى ملاذ آمن من حرائق الغابات.
وقررت سيدني المضي قدماً بعرض الألعاب النارية رغم مطالبة بعض المواطنين بإلغائه تضامناً مع المناطق التي تستعر فيها حرائق الغابات في ولاية نيو ساوث ويلز، وسيدني عاصمة الولاية.
وقالت كلوفر مور رئيسة بلدية سيدني إن التخطيط للاحتفالات بدأ منذ 15 شهراً، كما أن الاحتفالات تدعم الاقتصاد.

وألغت بعض البلدات في شرق أستراليا احتفالات العام الجديد فيما ساعدت زوارق البحرية وطائرات هليكوبتر عسكرية فرق الإطفاء في إنقاذ السكان الفارين من الحرائق التي حولت مساحات كبيرة من نيو ساوث ويلز إلى أتون مشتعل.
وأودت الحرائق بحياة 12 شخصاً منذ أكتوبر (تشرين الأول) ودمرت أكثر من عشرة ملايين فدان وتسببت في حرمان بلدات ومناطق ريفية كثيرة من الكهرباء وخدمات الهاتف المحمول.

ورحب المحتفلون في أنحاء أخرى من العالم، من أوكلاند في نيوزيلندا إلى بيونغ يانغ عاصمة كوريا الشمالية، بالعام الجديد بعروض الألعاب النارية.
لكن مخاطر تصاعد التوتر المستمر منذ 10 سنوات بين واشنطن وبيونغ يانغ عادت مجدداً وسط الاحتفالات.
فقد قال زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون اليوم (الأربعاء) إن بلاده ستواصل تطوير برامج نووية وتستحدث «سلاحاً استراتيجياً جديداً» في المستقبل القريب، بعدما تجاهلت الولايات المتحدة مهلة انقضت بنهاية 2019 لاستئناف محادثات نزع السلاح النووي.
احتجاجات وبريكست
في هونغ كونغ، التي هزتها على مدى شهور مظاهرات مطالبة بالديمقراطية تحولت في بعض الأحيان إلى العنف، تلقى المحتجون بحسب كتابات في مواقع التواصل الاجتماعي دعوة لارتداء أقنعة في مظاهرة بمناسبة العام الجديد عنوانها «لا تنسوا 2019 وواصلوا في 2020».

ورحب الآلاف في هونغ كونغ بالعام الجديد في متنزهات ميناء فيكتوريا الخلاب المضاءة بمصابيح النيون، لكنهم شرعوا في ترديد الهتافات المؤيدة للديمقراطية بعد دقائق من انتهاء العد التنازلي إلى منتصف الليل.
وألغت السلطات في هونغ كونغ الألعاب النارية الرئيسية للمرة الأولى منذ عشر سنوات لدواع أمنية. ونُظم عرض «سيمفونية الأضواء» بدلاً منها، شاملاً عروضاً ضوئية على أطول ناطحات السحاب بالمدينة.
ونشرت السلطات نحو ستة آلاف من قوات الشرطة، ودعت الرئيسة التنفيذية كاري لام إلى الهدوء والمصالحة في كلمتها المصورة بمناسبة العام الجديد، بينما عبر الرئيس الصيني شي جين بينغ عن أمله في عودة «الوئام» إلى المدينة.
وفي اليابان تناوب الناس على دق أجراس المعابد البوذية وفقاً للتقاليد.
واستهل الآلاف في الهند العام الجديد بالتظاهر ضد قانون الجنسية الجديد الذي يرونه تمييزياً ضد المسلمين ولا يتماشى مع دستور الهند العلماني.

ووقف إرشاد علام (25 عاماً) المقيم في حي شاهين باغ بمنطقة نيودلهي وهو يحمل بين يديه رضيعه البالغ من العمر عاماً واحداً بينما تقف زوجته إلى جانبه. وقال إنه يشارك يومياً في الاحتجاجات التي بدأت قبل نحو ثلاثة أسابيع.
وأضاف: «درجات الحرارة تصل هنا إلى حد التجمد... لكننا لا نزال هنا لأننا نكترث بهذا الحراك».
وفي بريطانيا، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على تصويتها لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وعد رئيس الوزراء بوريس جونسون، الذي فاز بأغلبية برلمانية في انتخابات الشهر الماضي، بإنجاز الخروج من الاتحاد الأوروبي قبل نهاية هذا الشهر.

وأضاف في رسالته بمناسبة العام الجديد: «بينما نقول وداعاً لعام 2019، يمكننا أيضاً أن نطوي صفحة الانقسام والضغائن وعدم اليقين التي سيطرت على الحياة العامة وأعادتنا للوراء كثيراً».


مقالات ذات صلة

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

علوم جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي

«الشرق الأوسط» (سان دييغو)
العالم منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
العالم أحد أفراد خدمة إطفاء الحرائق الريفية في نيو ساوث ويلز يحمل خرطوم مياه بعد أن دمر حريق غابات منازلَ على طول طريق جلينروك في كوليونغ (أ.ب)

حرائق الغابات تدمر 40 منزلاً وتقتل رجل إطفاء في أستراليا

تُوفي رجل إطفاء وهو يكافح حرائق دمَّرت نحو 40 منزلاً في ولايتين أستراليتين، حسبما قال مسؤولون، اليوم (الاثنين).

آسيا نمور في الهند (متداولة)

وفاة امرأة وإصابة صبي في هجومين منفصلين لنمور في الهند

قال مسؤولون، الخميس، إن امرأة لقيت حتفها وأصيب صبي بجروح خطيرة في هجومين منفصلين لنمور في مقاطعة بهرايش بإقليم أوتاربراديش.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
شمال افريقيا عناصر الحماية المدنية الجزائرية خلال مكافحة حريق في منطقة تيبازة الواقعة على بعد 70 كيلومتراً غرب العاصمة (الحماية المدنية الجزائرية عبر «فيسبوك»)

رئيس الجزائر يأمر بفتح تحقيق لكشف أسباب اندلاع حرائق كبيرة مؤخراً

أمر رئيس الجزائر عبد المجيد تبّون، بفتح تحقيق بعد حرائق كبيرة شهدتها البلاد في الأيام الأخيرة، اعتبرت غير اعتيادية لشهر نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

ثلاثة قتلى في إطلاق نار في كندا من بينهم المشتبه به

أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
TT

ثلاثة قتلى في إطلاق نار في كندا من بينهم المشتبه به

أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)

أسفر إطلاق نار وقع الاثنين في حي يهودي في مونتريال عن مقتل ثلاثة أشخاص بينهم المشتبه بتنفيذ الهجوم، وفق ما أعلنت الشرطة الكندية.

ولم ترد أي معلومات بعد عن دافع الهجوم الذي أودى بشرطي ومواطن وأدى إلى إصابة شرطي آخر بجروح.

وقالت شرطة مونتريال في بيان نشرته على منصة «إكس»: «ببالغ الحزن نؤكد مقتل أحد ضباطنا أثناء تأديته واجبه».

وأعلنت بشكل منفصل عن مقتل المشتبه به وأحد السكان، وحَثّت على تجنب المنطقة.

لم تُعرف هوية القتيل المدني على الفور، لكن من المتوقع أن تتحدث شرطة مونتريال إلى الصحافيين بعد ظهر الاثنين بالتوقيت المحلي.


ثورة الذكاء الاصطناعي... معركة البنية التحتية وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية

صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
TT

ثورة الذكاء الاصطناعي... معركة البنية التحتية وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية

صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالتطبيقات المتسارعة للذكاء الاصطناعي، من روبوتات الدردشة إلى الأنظمة القادرة على إنتاج المحتوى وتحليل البيانات، تدور في الخلفية معركة أقل ظهوراً لكنها ذات أهمية بالغة، قد تحدّد موازين القوى الدولية خلال العقود المقبلة.

فبعيداً عن البرمجيات، باتت المنافسة العالمية تتركز على البنية التحتية التي تجعل الذكاء الاصطناعي ممكناً: الرقائق الإلكترونية المتقدمة، ومراكز البيانات العملاقة، وكميات ضخمة من الطاقة اللازمة لتشغيلها. ومع ازدياد اعتماد الاقتصادات الحديثة على هذه التكنولوجيا، بدأت هذه العناصر تتحوّل تدريجياً إلى قضية أمن قومي وجيوسياسية بامتياز.

من سباق البرمجيات إلى سباق البنية التحتية

خلال السنوات الماضية، انصبّ الاهتمام على الشركات التي تطوّر نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً. لكن مع ازدياد تعقيد هذه النماذج، أصبح واضحاً أن التفوّق لا يعتمد على جودة البرمجيات وحدها، بل أيضاً على القدرة على تأمين الموارد المادية اللازمة لتشغيلها.

ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، ومركزه واشنطن، إلى أن المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي انتقلت تدريجياً من سباق على الابتكار البرمجي إلى سباق على البنية التحتية، حيث باتت القدرة الحاسوبية والطاقة الكهربائية وسلاسل توريد الرقائق عناصر أساسية في تحديد من يستطيع تطوير الجيل المقبل من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويعني ذلك أن الدول لم تعد تتنافس على جذب المواهب والشركات التقنية فحسب، بل أيضاً على بناء منشآت ضخمة قادرة على استضافة مراكز البيانات وتأمين احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء.

شريحة إلكترونية من إنتاج شركة «إنفيديا» (Nvidia)... تُعدّ الرقائق المتطورة من أبرز المكونات التي تقوم عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة مما جعلها محوراً رئيسياً في المنافسة التكنولوجية العالمية (رويترز)

الرقائق الإلكترونية في قلب المنافسة

تمثّل الرقائق المتطورة العمود الفقري للذكاء الاصطناعي الحديث. فهذه المكونات الصغيرة توفّر القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج المتقدمة وتشغيلها، مما يجعل إنتاجها والتحكم في سلاسل توريدها مسألة ذات أبعاد استراتيجية متزايدة.

ووفق تحليلات صادرة عن مركز «الدراسات الاستراتيجية والدولية»، فإن القيود التي فرضتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة على تصدير بعض الرقائق المتقدمة إلى الصين تعكس إدراكاً متزايداً للأهمية الجيوسياسية لهذه التكنولوجيا. فامتلاك الرقائق الأكثر تطوراً لا يمنح فقط مزايا اقتصادية، بل يمكن أن يؤثر في القدرات العلمية والعسكرية والتكنولوجية للدول.

وفي المقابل، ضخّت الصين استثمارات ضخمة لتعزيز قدراتها المحلية وتقليل اعتمادها على الموردين الأجانب، في مؤشر إلى أن المنافسة على الذكاء الاصطناعي باتت مرتبطة أيضاً بمسألة السيادة التكنولوجية.

موظف داخل مركز بيانات تابع لشركة «هيوليت باكارد إنتربرايز» في بنغالورو بالهند... تشكّل القدرة الحاسوبية التي توفرها هذه المنشآت أحد أهم العناصر التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)

مراكز البيانات... البنية التحتية الجديدة للقوة

إلى جانب الرقائق، برزت مراكز البيانات بوصفها أحد أهم الأصول الاستراتيجية في العصر الرقمي. فهذه المنشآت تضم آلاف الحواسيب المتخصصة عالية الأداء التي تقوم بتخزين البيانات وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتدريب النماذج المتقدمة.

ويشير معهد «بروكينغز»، ومركزه واشنطن، إلى أن النمو السريع للذكاء الاصطناعي يدفع إلى توسع غير مسبوق في بناء مراكز البيانات حول العالم، مما يفرض تحديات اقتصادية وتنظيمية وبيئية متزايدة. فهذه المنشآت تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات، كما تتطلب شبكات اتصالات متطورة وأنظمة تبريد متقدمة.

ويضيف المعهد أن التفاوت في امتلاك هذه البنية التحتية قد يؤدي إلى اتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول، إذ تتركز القدرات اللازمة لاستضافة وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة في عدد محدود من الاقتصادات المتقدمة، مقارنةً بالدول النامية.

في هذا السياق، بدأت بعض الحكومات تنظر إلى مراكز البيانات بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى البنى التحتية الحيوية الأخرى، نظراً إلى دورها المتنامي في الاقتصاد والأمن الوطني.

شعار شركة كهرباء فرنسا (EDF) أمام محطة سيفو النووية في فرنسا... يُنظر إلى الطاقة النووية بوصفها أحد الخيارات المطروحة لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء المرتبط بتوسع مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي (رويترز)

تحدّي الكهرباء

إذا كانت الرقائق ومراكز البيانات تمثّلان العمود الفقري للذكاء الاصطناعي، فإن الكهرباء تمثل الوقود الذي يحرّك هذه المنظومة بأكملها.

وتحذّر «وكالة الطاقة الدولية» في تقرير لها، من أن التوسع المتسارع في الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على الكهرباء خلال السنوات المقبلة. فمراكز البيانات الحديثة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة لتشغيل أجهزة حوسبة متقدّمة وأنظمة تبريد، فيما يتطلب تدريب النماذج المتقدمة موارد كهربائية متزايدة.

وتشير الوكالة إلى أن الطلب على الكهرباء المرتبط بمراكز البيانات قد ينمو بوتيرة سريعة خلال العقد المقبل، مما يفرض تحديات جديدة على شبكات الطاقة الوطنية. وفي بعض الدول، بدأت شركات التكنولوجيا بالفعل البحث عن مصادر إضافية للطاقة أو الاستثمار في مشاريع إنتاج كهرباء مخصصة لتلبية احتياجاتها المستقبلية.

وحسب دراسة أخرى لمركز «الدراسات الاستراتيجية والدولية»، فإن مسألة تأمين الكهرباء باتت جزءاً من المنافسة الدولية على الذكاء الاصطناعي، لأن امتلاك القدرة الحاسوبية يتطلب في نهاية المطاف تأمين الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات وأجهزة الحوسبة.

أبراج وخطوط نقل الكهرباء في منطقة يانكينغ بالعاصمة الصينية بكين... يُنظر إلى شبكات الطاقة القادرة على تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء بوصفها أحد المقومات الأساسية لتوسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي (رويترز)

البعد الجيوسياسي للبيانات

لا يقتصر السباق الحالي على الجوانب التقنية والاقتصادية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى قضايا السيادة والأمن القومي. ففي تقرير لمؤسسة «إس آند بي غلوبال S&P Global»، ومركزها نيويورك، برزت مسألة «سيادة البيانات» بوصفها أحد الاتجاهات الرئيسية التي تعيد تشكيل قطاع مراكز البيانات عالمياً.

وتسعى دول عديدة إلى ضمان بقاء البيانات الحساسة داخل حدودها الوطنية، وتقليل اعتمادها على بنى تحتية رقمية تقع تحت نفوذ قوى خارجية. ويعكس هذا التوجه اقتناعاً متزايداً بأن السيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية أصبحت جزءاً من عناصر النفوذ الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين.

كما يثير هذا الواقع مخاوف من احتمال انقسام العالم إلى كتل تكنولوجية متنافسة، لكل منها منظوماتها الخاصة في مجالات الرقائق والاتصالات والذكاء الاصطناعي.

العلمان الأميركي والصيني أمام لوحة إلكترونية... يُعدّ السباق على الرقائق الإلكترونية والقدرات الحاسوبية أحد أبرز أوجه المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي (رويترز)

في قلب موازين القوى الجديدة

بات الذكاء الاصطناعي، الذي أحدث ثورة تقنية واسعة النطاق، أحد أبرز العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية. فخلف التطبيقات التي يستخدمها ملايين الأشخاص يومياً، تتشكل منافسة عالمية على الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات والطاقة والقدرة الحاسوبية.

وفي عالم تزداد فيه أهمية الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والأمن والدفاع، قد لا تُقاس قوة الدول مستقبلاً فقط بما تنتجه من معرفة أو ابتكار، بل أيضاً بقدرتها على بناء وتشغيل البنية التحتية التي تقوم عليها هذه الثورة التكنولوجية المتسارعة.


كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
TT

كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)

عندما انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ساد اقتناع بأن العالم يدخل مرحلة جديدة من الاستقرار، وأن حقبة المواجهة -سواء «الباردة» أو العسكرية- بين القوى الكبرى انتهت. وتحدث السياسيون والباحثون آنذاك عن «عائد السلام» الذي سيتيح للدول توجيه الموارد المالية نحو التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، ومكافحة الفقر، والجهل، والأمراض، بدلاً من الإنفاق العسكري. غير أن هذه الآمال لم تعمّر طويلاً، إذ سرعان ما ظهرت تحديات جيوسياسية جديدة، وصراعات إقليمية متزايدة، ليعود التنافس العسكري إلى الواجهة على نحو أشد تعقيداً مما كان عليه خلال الحرب الباردة.

اليوم لا يشهد العالم مجرد عودة إلى منطق الردع النووي، بل يواجه سباق تسلح يمتد إلى مجالات متعددة تشمل -إضافة إلى الأسلحة النووية- الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والحروب السيبرانية، والفضاء الخارجي. ويصف بعض الباحثين هذا التحول بأنه بداية «حرب الخوارزميات» التي تصبح فيها البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من موازين القوة الدولية.

الذكاء الاصطناعي يطوّر القدرات العسكرية (رويترز)

وتؤكد الأرقام حجم هذا التحول، فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار عام 2025، بزيادة 2.9 في المائة عن العام 2024، وفق بيانات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري). واستحوذت الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي، الأمر الذي يعكس استمرار تركّز القوة العسكرية في أيدي القوى الكبرى.

*سباقات تسلّح

ورغم تراجع الإنفاق العسكري الأميركي إلى 954 مليار دولار عام 2025 نتيجة توقف إدارة الرئيس دونالد ترمب عن ضخ المساعدات العسكرية الجديدة لأوكرانيا، فإن هذا الانخفاض يبدو مؤقتاً. فقد واصلت واشنطن استثماراتها الضخمة في تحديث قواتها التقليدية، والنووية، بهدف الحفاظ على تفوقها العسكري، ومواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ. وتشير التوقعات إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأميركي مجدداً خلال السنوات المقبلة ليتجاوز 1.5 تريليون دولار سنوياً.

في المقابل، شهدت أوروبا أكبر زيادة في إنفاقها العسكري منذ انتهاء الحرب الباردة، مدفوعة بالحرب المستمرة في أوكرانيا، ومخاوف الدول الأوروبية من التهديدات الأمنية الروسية. وارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 14 في المائة ليصل إلى 864 مليار دولار في 2026، فيما رفعت روسيا إنفاقها إلى 203 مليارات دولار في 2026 وفق «سيبري»، بينما خصصت أوكرانيا نحو 40 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، أي نحو 85 مليار دولار، في مؤشر واضح لحجم الاستنزاف الذي تفرضه الحرب.

مركز عسكري أميركي للرقابة السيبرانية في كولورادو (رويترز)

أما الصين، فقد واصلت برنامجها العسكري الطموح للعام الحادي والثلاثين على التوالي، لترفع إنفاقها الدفاعي إلى 336 مليار دولار. ويعكس هذا المسار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية الصينية، وتحديثها، بما يمكن بكين من فرض حضورها كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة.

ومن أبرز مظاهر سباق التسلح الجديد «التهافت» على تطوير الصواريخ فرط الصوتية. وتمثل هذه الأسلحة نقلة نوعية في موازين القوى العسكرية، إذ تستطيع التحليق بسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، مع القدرة على المناورة أثناء الطيران، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ التقليدية. وتتصدر روسيا والصين والولايات المتحدة هذا السباق. فروسيا نشرت أنظمة مثل «أفانغارد»، و«كينجال» (الخنجر)، بينما طورت الصين منظومات مثل «دي إف-17» المصممة لاستهداف القطع البحرية والقواعد العسكرية بسرعة ودقة كبيرتين. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى سد الفجوة التقنية مع غريميها من خلال برامج متقدمة لتطوير أسلحة فرط صوتية، وقدرات دفاعية جديدة قادرة على اكتشاف هذه التهديدات، والتعامل معها.

*الخوارزميات والذكاء الاصطناعي

لكن التحدي الأكبر قد لا يكون في سرعة الصواريخ، بل في سرعة الخوارزميات. فقد صار الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من التطور العسكري، مع دخول أنظمة قتالية قادرة على تحديد الأهداف، ومهاجمتها بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن القرار البشري. وتشمل هذه الأنظمة أسراب الطائرات المسيّرة، والذخائر الجوالة (أسلحة تجول في الجو إلى أن تعثر على هدفها، وتنقضّ عليه)، وأنظمة المراقبة والقتال الذاتية. ويثير هذا التطور أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة تتعلق بالمسؤولية عن القرارات القاتلة، واحتمالات وقوع أخطاء تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة تبلغ أحياناً حد الفاجعة.

جندي أوكراني يحمل مسيّرة (رويترز)

ويحذر خبراء من أن انتشار الأسلحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد يجعل اللجوء إلى الحرب أكثر سهولة من الناحية السياسية. فكلما تراجع الاعتماد على الجنود في ساحات القتال، انخفضت الكلفة البشرية المباشرة للحروب، وبالتالي الضغط الشعبي على المنظومات الحاكمة، وهذا ما قد يضعف أحد أهم عوامل الردع التقليدية. كما أن تحويل أبحاث الذكاء الاصطناعي المدنية إلى مشاريع عسكرية قد يؤدي إلى تقييد التعاون العلمي الدولي، وفرض قيود على الباحثين، والمؤسسات الأكاديمية، على غرار ما حدث في مجالات الفيزياء النووية والصواريخ خلال الحرب الباردة.

*الميدان السيبراني

إلى جانب ذلك، أصبحت الحروب السيبرانية ساحة مواجهة رئيسة بين الدول. فبدلاً من استخدام الدبابات والطائرات فقط، باتت الدول تعتمد على البرمجيات الخبيثة، والهجمات الإلكترونية لتعطيل البنى التحتية الحيوية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة الطاقة. وأظهر هجوم «ستاكسنت» Stuxnet (استهدفت البرمجية أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية) في العام 2009 أن الشيفرات البرمجية يمكن أن تتسبب في أضرار مادية مباشرة في المنشآت الصناعية. كما أصبحت سرقة البيانات والمعلومات الاستراتيجية من المؤسسات الحكومية والعسكرية والشركات الكبرى جزءاً أساسياً من الصراع الدولي الحديث.

وفي الوقت نفسه، تحوّل الفضاء الخارجي إلى مجال تنافس عسكري متزايد الأهمية. فالجيوش الحديثة تعتمد بشكل كبير على الأقمار الاصطناعية في الملاحة، والاتصالات، والاستطلاع، والإنذار المبكر من الهجمات الصاروخية. ومن دون هذه الأنظمة ستتأثر بشكل كبير قدرة القوات المسلحة على تنفيذ العمليات الدقيقة، وإدارة المعارك. ولهذا السبب تعمل عدة دول على تطوير قدرات هجومية ودفاعية في الفضاء، تشمل أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية، وهجمات إلكترونية، وأنظمة تشويش متقدمة. كما أنشأت بعض القوى الكبرى فروعاً عسكرية متخصصة لإدارة العمليات الفضائية، وحماية الأصول الاستراتيجية الموجودة في المدار.

«ميغ 31» روسية تحمل صاروخ «كينجال» (رويترز)

*لماذا قرقعة السلاح؟

تعود أسباب سباق التسلح الحالي إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، والحرب الروسية-الأوكرانية، والتوترات المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ، ومنطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى تراجع فعالية اتفاقات الحد من التسلح التي أدت دوراً مهماً في ضبط التنافس العسكري خلال العقود الماضية.

ويرى كثير من الخبراء أن الوضع الراهن قد يكون أكثر خطورة من مرحلة الحرب الباردة نفسها. ففي تلك الحقبة كان التنافس يدور بشكل أساسي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ما جعل قواعد الردع أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع. أما اليوم، فإن العالم يشهد تنافساً متعدد الأقطاب بين الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، إلى جانب أدوار متنامية لقوى إقليمية، وجهات غير حكومية تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة.

كما أن انهيار عدد من اتفاقات الحد من الأسلحة، وتآكل منظومة الرقابة الدولية يزيدان أخطار سوء التقدير. ويضاف إلى ذلك دخول تقنيات جديدة -مثل الذكاء الاصطناعي، والأسلحة السيبرانية، والصواريخ فرط الصوتية- إلى المعادلة العسكرية، ما يقلص الوقت المتاح لاتخاذ القرارات في الأزمات، ويزيد احتمالات التصعيد المتسرّع.

في ظل هذا المشهد، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«الحرب الخوارزمية»، حيث لن يكون الردع قائماً على التوازن النووي التقليدي فحسب، بل أيضاً على السيطرة المعلوماتية، والقدرة على إدارة الأخطار الناتجة عن الأنظمة الذكية، والشبكات الرقمية. فالصراع المستقبلي لن يُحسم بعدد الرؤوس النووية، أو الدبابات، والطائرات وحدها، بل بقدرة الدول على التحكم بالخوارزميات، والبيانات، والفضاء الإلكتروني، والفضاء الخارجي القريب. وهكذا يعود سباق التسلح إلى الواجهة، لكن بأدوات أكثر تعقيداً، وأسرع تطوراً مقابل قدرة أضعف على الضبط، والاحتواء.