أميركا في 2019: إجراءات عزل تاريخية وقرارات أشعلت صراعات في البيت الأبيض

ترمب يُعدّ لمعركة انتخابية ساخنة... ويعوّل على تبرئته في «محاكمة الشيوخ»

نانسي بيلوسي ومايك بنس يصفقان بعد إلقاء ترمب خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس في 5 فبراير 2019 (أ.ف.ب)
نانسي بيلوسي ومايك بنس يصفقان بعد إلقاء ترمب خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس في 5 فبراير 2019 (أ.ف.ب)
TT

أميركا في 2019: إجراءات عزل تاريخية وقرارات أشعلت صراعات في البيت الأبيض

نانسي بيلوسي ومايك بنس يصفقان بعد إلقاء ترمب خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس في 5 فبراير 2019 (أ.ف.ب)
نانسي بيلوسي ومايك بنس يصفقان بعد إلقاء ترمب خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس في 5 فبراير 2019 (أ.ف.ب)

كان عام 2019 حافلاً بأحداث سوف يذكرها التاريخ، واجهت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحديات قلّما واجهتها إدارات أميركية في السابق. وأصبح ترمب خلالها الرئيس الثالث فقط في التاريخ الأميركي الذي يعزله مجلس النواب.
فشخصية ترمب مختلفة للغاية عن شخصيات سياسية تقليدية اعتادت عليها واشنطن وعرفتها. شخصية تصادمت مع الديمقراطيين وتحدّتهم ليصل الأمر بهم إلى محاولة خلعه من مقعد الرئاسة. شخصية تحدّت زعماء الدول الحليفة وواجهتهم من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وصولاً إلى رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو. هذه الشخصية تحدّت الأعراف والتقاليد، واعتمدت على سياسة التواصل عبر «تويتر»، والإعلان عن أهم القرارات في السياسة الأميركية داخلياً وخارجياً عبر تغريدات.
أبلغ ترمب من خلال تغريداته الأميركيين والعالم بسحب القوات الأميركية من سوريا، وبإلغاء الضربة العسكرية على إيران، وبمنع رئيسة مجلس النواب من السفر بسبب الإغلاق الحكومي، وباستقالة أو إقالة مسؤولين في الإدارة. ناهيك عن تغريداته اليومية التي حملت وابلاً من الانتقادات للمحقق الخاص روبرت مولر، وللديمقراطيين، وإجراءات عزله. ومما لا شك فيه أن تداعيات السياسات المذكورة ستمتد إلى العام المقبل، وتؤثر مباشرة على نتيجة الانتخابات الرئاسية والتشريعية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، في حلبة صراع مزدحمة بمرشحين ديمقراطيين ورئيس حالي هو الثالث الذي يصادق مجلس النواب على عزله في تاريخ الولايات المتحدة.

الإغلاق الحكومي الأطول
في تاريخ الولايات المتحدة

في الأول من يناير (كانون الثاني) 2019، استيقظ الأميركيون على وقع الإغلاق الحكومي الثالث في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لم يعرفوا حينها أنه سيكون الإغلاق الأطول في تاريخ الولايات المتحدة. فقد بدأ الإغلاق الجزئي في الثاني والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 2018 مع بدء عملية شد الحبال بين البيت الأبيض والكونغرس، بعد فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس النواب. السبب: ملف الهجرة غير الشرعية وبناء حائط مع المكسيك. ففي حين دفع الديمقراطيون باتجاه تمويل المرافق الحكومية من دون شروط، أصر البيت الأبيض على إضافة تمويل الحائط. ومع مطلع العام الجديد وتسلم نانسي بيلوسي مطرقة الرئاسة في مجلس النواب، بدا أن الوضع يتدهور أكثر فأكثر وتبددت الآمال بالتوصل إلى اتفاق.

قصة خطاب حالة الاتحاد

علاقة ترمب ببيلوسي علاقة يصفها الكثيرون في واشنطن بالمضطربة في أفضل أيامها، ولعل أبرز مثال على ذلك قصة خطاب حال الاتحاد. فهذا التقليد المرسخ في العلاقة بين الكونغرس والبيت الأبيض شهد أكبر أزمة في تاريخه: بيلوسي سحبت الدعوة التي سبق وأن وجّهتها لترمب لإلقاء خطاب حال الاتحاد السنوي في التاسع والعشرين من يناير، بسبب الإغلاق الحكومي. فردّ عليها ترمب من خلال إلغاء زيارتها الرسمية إلى مصر وأفغانستان وبلجيكا. واستمرت عملية شد الحبال هذه إلى أن تم التوصل إلى اتفاق لفتح المرافق الحكومية بعد خمسة وثلاثين يوماً من إغلاقها. لكن بيلوسي لم تخرج من الصورة، حرفياً. فبعد فتح المرافق الحكومية أبوابها، ألقى ترمب خطاب حال الاتحاد في الخامس من فبراير (شباط)، ووراءه مباشرة جلست رئيسة المجلس، لتصبح صورتها وهي تصفق بسخرية للرئيس الصورة الأشهر تلك الليلة. ويتحدث مدير مكتب صحيفة «بوليتيكو»، جون بريسناهن، عن المراحل المتعدّدة التي مرت بها علاقة ترمب ببيلوسي. ويقول: «لقد بدأت بتغطية الكونغرس في أوائل عام 1990، وعلاقة ترمب ببيلوسي هي أكثر علاقة مشحونة ومتوترة تجمع بين رئيس أميركي ورئيس مجلس نواب. إن العلاقة تدهورت بشكل دراماتيكي منذ تسلم بيلوسي مطرقة رئاسة في المجلس، وهما بالكاد يتحدثان مع بعضهما بعضاً اليوم. وفي كل مرة يتحدثان فيها، تحصل مواجهة كبيرة ويغادر أحدهما قاعة الاجتماع. هذا أمر غير مسبوق».

جيمس ماتيس وسوريا

دخل ترمب العام الجديد من دون وزير دفاع في إدارته. فجايمس ماتيس قدّم استقالته بعد خلافات عميقة بين الرجلين بسبب قرار ترمب سحب القوات الأميركية من سوريا، ودراسة سحب القوات من أفغانستان. وجاءت استقالة الجنرال المتقاعد بعد يوم من تصريحات مفاجئة للرئيس الأميركي يعلن فيها عن انسحاب القوات الأميركية من سوريا والفوز على تنظيم «داعش» الإرهابي. تصريحات ترمب هزت وزارتي الدفاع والخارجية؛ إذ تزامنت مع تكرار مسؤولين في الوزارتين لتصريحات مفادها أن القتال ضد التنظيم في سوريا لم ينته بعد.
الموضوع الآخر الذي دفع بماتيس إلى اتخاذ قراره بالاستقالة هو طلب ترمب من البنتاغون العمل على استراتيجية لسحب عدد من القوات الأميركية من أفغانستان، على الرغم من معارضة وزير دفاعه.
غياب ماتيس هز الأوساط السياسية في واشنطن، خاصة في الكونغرس، حيث يتمتّع الرجل بسمعة طيبة ويحظى بثقة المشرعين من الحزبين، وقد عادلت هذه الصدمة التي تلقاها المشرعون لدى استقالة ماتيس صدمة سماعهم بنية ترمب الانسحاب من سوريا. ولعلّ خير دليل على هذا تصريح أقرب حلفاء ترمب في الكونغرس، زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل الذي قال حينها: «لقد أحزنني خبر استقالة ماتيس، وأنا مستاء ومضطرب من أنه قدّم استقالته بسبب خلافات عميقة مع الرئيس متعلقة بمظاهر أساسية للدور القيادي العالمي الذي تؤديه الولايات المتحدة».

دان كوتس وروسيا

وجه آخر استاء أعضاء الكونغرس من مغادرته الإدارة هو دان كوتس، مدير الاستخبارات الوطنية. كوتس السياسي المخضرم الذي خدم في مجلسي الشيوخ والنواب وعُيّن سفيراً للولايات المتحدة في ألمانيا أيام جورج بوش الابن، كان مستاءً من موقف الإدارة حيال روسيا. وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن كوتس قرّر تقديم استقالته لأسباب متعلقة بمحاولات الإدارة المتكررة للتخفيف من حدة الانتقادات لروسيا بسبب تدخلها في الانتخابات الأميركية.

جون كيلي و«الناتو»

استقالة أخرى هزت الإدارة هي استقالة جون كيلي، كبير موظفي البيت الأبيض ووزير الأمن القومي السابق. ويقول داعمو كيلي، إن وجوده في البيت الأبيض ساعد في ملفات عدة، أبرزها إقناع ترمب بعدم سحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية، وإبقاء عضوية الولايات المتحدة في حلف شمالي الأطلسي.

كيرستن نيلسن وجدل الهجرة

استقالة جون كيلي حوّلت الأنظار إلى خليفته في منصبه السابق، وزيرة الأمن القومي كيرستن نيلسن. فنيلسن واجهت أحد أكثر الملفات حماوة في واشنطن: ملف الهجرة غير الشرعية، وقد أدت سياسة فصل الأطفال عن أهاليهم على الحدود الأميركية - المكسيكية إلى موجة من الانتقادات الديمقراطية لتعاطي نيلسن مع الملف. وعندما احتدم النقاش في الإدارة الأميركية لمحاولة إصلاح سياسة الهجرة غير الشرعية، أعلن الرئيس الأميركي عن نيته اعتماد سياسة أكثر صرامة، فقدّمت وزيرة الأمن القومي هي الأخرى استقالتها.

جون بولتون وإيران

لم تتوقف موجة الاستقالات عند نيلسن، ولعل الاستقالة الأكثر دراماتيكية حتى الساعة هي استقالة مستشار الأمن القومي جون بولتون. علاقة ترمب ببولتون، وهو من صقور الجمهوريين، كانت متوترة على مدى السبعة عشر شهراً التي أمضاها في منصبه. ووصلت إلى درجة الانفجار لدى مغادرة بولتون، فقد غرد ترمب بأنه طلب من بولتون الاستقالة، في حين أصر بولتون على أنه قرر تقديم استقالته بنفسه.
ولعل السبب الأبرز الذي أدّى إلى استقالة بولتون أو إقالته، هو محاولاته الحثيثة عرقلة مساعي ترمب للتوقيع على اتفاق سلام مع حركة «طالبان» في كامب ديفيد. وقد غيّر ترمب رأيه في اللحظة الأخيرة وألغى الاجتماع بعد أن تبنت «طالبان» انفجار سيارة مفخخة في كابول أودى بحياة جندي أميركي.
واتهم ترمب بولتون بتسريب أخبار الاجتماع في كامب ديفيد لإفشاله. وواجه الرئيس الأميركي انتقادات كثيرة من قبل حزبه والديمقراطيين، خاصة أن اللقاء كان سيتزامن مع ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول).
ويتحدث ماثيو برودسكي الباحث في مجموعة الدراسات الأمنية في واشنطن عن هذه الاستقالات المتتالية في الإدارة الأميركية وتأثيرها على البيت الأبيض: «إن أي استقالة تؤثر بطريقة مختلفة على كل حزب. عندما أصبح ترمب رئيساً، قال الديمقراطيون إن من حوله سيشكلون درعاً لحماية البلاد، وسوف يحرصون على ألا يتخذ قرارات متشددة. الديمقراطيون وثقوا بماتيس كثيراً، وفقدوا صوابهم عندما غادر. أما الجمهوريون من الصقور مثلي، فاعتبروا مغادرة بولتون أمراً محزناً لأنه كان يركز كصقر على تهديدات مثل إيران وكوريا الشمالية».
تأثير الصقور كبولتون كاد أن يُترجم في يوليو (تموز) 2019 عندما أسقطت إيران طائرة أميركية من دون طيار فوق مضيق هرمز. قال ترمب حينها، إن إيران «ارتكبت خطأً كبيراً»، وقرّر الرد عبر شن ضربة عسكرية. غير أنه تراجع في اللحظة الأخيرة، مفاجئاً جنرالاته وحلفائه. وبرر هذا القرار في تغريدة قال فيها: «أوقفت الغارة قبل 10 دقائق من موعد تنفيذها؛ لأن الرد لا يتناسب مع إسقاط طائرة من دون طيار». وقال ترمب إنه ألغى الضربات عندما قيل له إن 150 شخصاً سيذهبون ضحايا لها.
الديمقراطيون تنفسوا الصعداء لدى إلغاء الضربة. وقالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، إن الولايات المتحدة ليست لديها رغبة في الحرب مع إيران، في حين وصف نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن استراتيجية ترمب في إيران بأنها كارثية. أما صقور الجمهوريين فقد خاب أملهم من قرار ترمب، موقف فسّره ماثيو برودسكي الذي عمل مستشاراً في الخارجية الأميركية للملف الإيراني: «أعتقد أن الولايات المتحدة كان يجب أن تضرب إيران، فالضعف يؤدي إلى مزيد من الأفعال الاستفزازية من قبل أعدائنا... إن النظام الإيراني يحاول التلاعب بأوروبا والولايات المتحدة. وفي نهاية المطاف، على الأرجح أن تستمر أوروبا باسترضاء إيران، وعلى الولايات المتحدة وضع خط أحمر والالتزام به».

مولر وحملة الاعتقالات

في حين تشابكت الاضطرابات على صعيد السياسة الخارجية، كان ترمب يواجه فيضاً من الهجمات الداخلية، فطرده لمدير الـ«إف بي آي» جايمس كومي كانت له تداعيات كبيرة، تمثلت بقرار وزارة العدل حينها تعيين المحقق الخاص روبرت مولر للنظر في احتمال وجود تواطؤ بين حملة ترمب الانتخابية وروسيا. تحقيق وصفه ترمب مراراً وتكراراً بـ«حملة مطاردة الساحرات». مولر وبعد تحقيق استمر قرابة العامين، أصدر تقريره النهائي في أبريل (نيسان) من عام 2019. وقد أدت تحقيقاته إلى إدانة 34 شخصاً، منهم مدير حملة ترمب السابق بول مانافورت، ومستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، ومحامي ترمب السابق مايكل كوهين، وغيرهم.
وعلى الرغم من أن التقرير بخلاصته برأ ترمب من أي تواطؤ مباشر مع الروس، فإنه لم يحسم موضوع عرقلته للعدالة. وقد قال مولر حينها للكونغرس: «ليست لدينا الثقة الكافية لنقول بعد التحقيق إن الرئيس لم يقم بأي عرقلة للعدالة». وترك مولر الباب مفتوحاً أمام الكونغرس للنظر في هذه النقطة على وجه التحديد.
لكن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي لم تر حينها وجود أدلة كافية لفتح باب التحقيق، إلى أن ظهرت شكوى المُبلغ في فضيحة أوكرانيا وانقلبت كل المعطيات.
ويشرح جون برسناهن، مدير مكتب «بوليتيكو» في الكونغرس، كيف تغيرت حسابات الديمقراطيين: «عندما انكشفت فضيحة أوكرانيا، تزايد الدعم الديمقراطي لعزل الرئيس، لكن هذا لم يبدأ من الصفر. فقد كان هناك عدد لا بأس به من الديمقراطيين الذين أرادوا عزل ترمب بعد تقرير مولر. اتصال ترمب الشهير بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جرى في الخامس والعشرين من يوليو بعد يوم واحد من إدلاء مولر بإفادته أمام الكونغرس».

المصادقة التاريخية على العزل

في الرابع والعشرين من سبتمبر 2019، أعلنت نانسي بيلوسي عن بدء التحقيق في عزل الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليصبح الرئيس الرابع في تاريخ الولايات المتحدة الذي يواجه إجراءات العزل. سبقه كل من أندرو جونسون في عام 1868، وريتشارد نيكسون في عام 1974، الذي استقال قبل مباشرة إجراءات العزل ضده، وبيل كلينتون في عام 1998.
بيلوسي ترددت كثيراً قبل اتخاذ القرار، لكن اتصال الخامس والعشرين من يوليو الشهير بين ترمب والرئيس الأوكراني زيلينسكي كان كافياً لإقناعها بالمضي قدماً. فخلال الاتصال، طلب ترمب من زيلينسكي فتح تحقيق بشركة «بوريسما» الأوكرانية. وقال ترمب، بحسب النص الذي نشره البيت الأبيض: «هناك حديث عن نجل بايدن وعن أن بايدن أوقف التحقيق بالشركة، ويريد أشخاص كثر أن يعرفوا المزيد عن هذا الموضوع؛ لذلك فإن أي شيء تستطيع أن تفعله في هذا الخصوص مع النائب العام سيكون رائعاً». وكان ترمب يشير إلى هنتر بايدن، الذي يتمتع بمقعد في مجلس إدارة شركة «بوريسما».
وثارت ثائرة الديمقراطيين؛ فهم رأوا أن الاتصال يثبت أن ترمب جمّد المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا للضغط على زيلينسكي في سبيل الإعلان عن إجراء تحقيق بخصم سياسي. في حين نفى ترمب والجمهوريون هذه الاتهامات، وقالوا إن الرئيس الأميركي كان يتحدث عن الفساد في أوكرانيا بشكل عام، وإنه جمّد المساعدات لهذا السبب قبل الإفراج عنها.
وبدأ مسلسل إجراءات العزل عبر عقد جلسات استماع مغلقة ومفتوحة، تم استدعاء أكثر من 17 شاهداً خلالها. شهود من المقربين لترمب ومسؤولين حاليين وسابقين في الإدارة الأميركية، منهم من لبّى دعوة الكونغرس، ومنهم من رفضها احتراماً لرغبة البيت الأبيض.
في مساء الثامن عشر من ديسمبر (كانون الأول)، صادق مجلس النواب على عزل الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة. وهي المرة الثالثة فقط في التاريخ الأميركي التي يصوت فيها مجلس النواب لعزل رئيس أميركي حالي. فقد صوّت المجلس لعزل أندرو جونسون وبيل كلينتون.
ومع انتقال إجراءات العزل إلى مجلس الشيوخ، تبقى النتيجة شبه محسومة لصالح الرئيس. فالجمهوريون يسيطرون على المجلس المسؤول عن محاكمة الرئيس، وبيده القرار الأخير لخلعه عن الرئاسة. الأمر المستحيل نسبياً كون القرار بحاجة إلى ثلثي الأصوات، ليصبح مصير ترمب مشابهاً إلى حد كبير لمصير الرئيسين السابقين أندرو جونسون وبيل كلينتون. فقد صوّت مجلس النواب لعزل جونسون وكلينتون، لكنّ مجلس الشيوخ لم ينجح في إدانتيهما، فأكملا رئاستيهما حتى نهاية عهديهما.
ويشرح جون برسناهن الفرق بين إجراءات عزل كلينتون ونيكسون من جهة، وترمب من جهة أخرى: «هناك فرق كبير في إجراءات عزل كلينتون ونيكسون وترمب؛ فنيكسون وكلينتون كانا في ولايتهما الثانية عند بدء إجراءات عزلهما ولم يكن متوقعاً أن يخوضا معركة رئاسية. ترمب مرشح لولاية ثانية، وعلى الجمهوريين التضامن معه وإلا فسوف يدفعون الثمن في نوفمبر المقبل».
وسيخوض ترمب معركة رئاسية محتدمة في نوفمبر 2020، يراها البعض بمثابة محاكمة شعبية له في حال لم يعزله مجلس الشيوخ. لكن الرئيس الأميركي مطمئن، فعندما سأله أحد الصحافيين ما إذا كان قلقاً من تأثير العزل على نتيجة الانتخابات، رد ترمب: «أبداً! أبداً! هذه خدعة كبيرة سخيفة».


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.