3 صحف مصرية أمام اختبار استعادة دورها في الحياة الثقافية

مشرط جابر عصفور يطال «القاهرة» و«إبداع» و«الهلال» ويطلق رهانات وانتقادات

غلاف جريدة {القاهرة}
غلاف جريدة {القاهرة}
TT

3 صحف مصرية أمام اختبار استعادة دورها في الحياة الثقافية

غلاف جريدة {القاهرة}
غلاف جريدة {القاهرة}

تاريخ طويل من المد والجذر، والصعود والانكسار، قطعته المجلات الثقافية في مصر، بلغ ذروته في الستينات من القرن الماضي، من حيث الكم والكيف، الذي شهد باقة متنوعة من المجلات الثقافية استطاعت أن تقدم وجبة دسمة لجمهور المبدعين والقارئ المتذوق العادي، في السينما والمسرح والقصة والشعر والفن، وقضايا الفكر الإنساني والثقافة بشكل عام، كما استطاعت هذه المجلات في تلك الفترة أن تشكل امتدادا حيا لجذورها القريبة والبعيدة، مثل مجلة «روضة المدارس المصرية» التي أسسها رفاعة الطهطاوي عام 1870. لينقل من خلالها الثقافة الأوروبية، التي عاشها خلال بعثته في أوروبا إلى القارئ المصري والعربي.
وتقاطعت هذه المجلات مع عدد من المجلات المهمة صدرت في خضم الحرب العالمية الثانية، من أبرزها «التطور» لأنور كامل 1940، «المجلة الجديدة» التي كان يصدرها المفكر سلامة موسي، ثم أصبح رمسيس يونان رئيسا لتحريرها عام 1943. وقد أفردت مساحات أكبر للفنون التشكيلية، ثم مجلة «الكاتب المصري» لطه حسين في عام 1945. كما شهد مخاض الحرب العالمية الثانية صدور 3 مجلات مهمة في تاريخ الحياة الثقافية المصرية والعربية، وهي مجلة «الرسالة» لأحمد حسن الزيات في عام 1933، و«الثقافة» لأحمد أمين في عام 1934، و«أبوللو» 1932، التي أسسها الشاعر أحمد زكي أبو شادي.
ربطت هذه المجلات قضايا الأدب والفن والفكر بالمجتمع، ودافعت عن حرية الرأي والتعبير، ورفضت التبعية لنظام الحكم، وكانت صوتا معارضا للاستبداد السياسي، وحفرت ركائز أساسية لأفكار التنوير والتأصيل والتغيير، وشكلت منابر حقيقية للكتاب والأدباء والشعراء في تلك الفترة، كما كشفت عن الكثير من المواهب الطليعية في شتى مناحي الإبداع.
ومع بداية حقبة السبعينات، بدأ نجم هذه المجلات في الأفول والانحسار، وطغت هزيمة 1967 العسكرية على مجريات الحياة في مصر، ووضعت النكسة المثقفين والمبدعين على المحك أمام سؤال الهوية بكل تبدياته الملتبسة، وكان لا بد من البحث عن صيغة لوضع المثقفين في خندق السلطة، لمواجهة هذه الهزيمة، وبوصف هذه المواجهة خيارا ثوريا وحيدا يتضمن ضمنيا الإجابة عن سؤال الهوية الشائك.
لكن، مع ذلك، جرى البطش بالمثقفين والكتّاب المعارضين للسلطة آنذاك، ومطالبتهم بمحاكمة المسؤولين عن الهزيمة. وعلى أرض الواقع أسفر هذا المناخ عن إغلاق وتصفية عدد من المجلات المحورية، كان أبرزها مجلة «الطليعة» صوت اليسار المصري، التي كان يرأسها الكاتب اليساري لطفي الخولي، كما جرى السطو على مجلة «الكاتب» ذات الطبيعة الاشتراكية التقدمية التي كان يرأسها الكاتب أحمد عباس صالح، وتحويلها إلى مجلة أدبية برئاسة الشاعر صلاح عبد الصبور. وكلتا المجلتين تصدر عن مؤسسة حكومية؛ الأولى عن مؤسسة صحيفة «الأهرام»، والثانية عن وزارة الثقافة.
خيمت أجواء هذا المناخ المعادي للثقافة على حقبتي الثمانينات والتسعينات، حتى إن البحث عن نقطة توازن بين التبعية الكاملة أو التناقض أو الصراع مع السلطة، كان بمثابة تهمة تصم المثقفين بالتميع والانتهازية، ومحاولة إرضاء كل الأطراف، التي تكرسها سياسة «مسك العصا من الوسط».. وفكريا، برزت قضايا الفن للفن، والعلم للعلم، والعودة للجذور الثقافية في تراثنا المحلي، ومراعاة قيم المجتمع وأعرافه وتقاليده، بل إن الإبداع الرفيع أيا كان، مسرحا أو شعرا أو رواية، أو قصة، أو فيلما سينمائيا أو فنا تشكيليا، اتهم بالغموض واحتقار وعي الجماهير العريضة.
وباستثناء مجلتي «إبداع» في فترة رئاسة الدكتور عبد القادر القط، و«القاهرة»، في فترة رئاسة الدكتور غالي شكري، لم يكن ثمة نافذة ثقافية تُذكر في البلاد، خلال فترتي الثمانينات والتسعينات، ورغم دورهما النشط، فإنهما لم تتمكنا من سد الفراغ الثقافي، وحين توقفتا وتغير مسارهما برحيل الرجلين خلت مصر تقريبا من مجلة ثقافية حقيقية، فتكلست «إبداع» على يد مجلس تحرير رأسه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وأصبح مقياس النشر فيها يخضع في المقام الأول لذائقة مجلس التحرير نفسه، على عكس رحابة الدكتور القط، الذي أنشأ بابا خاصا بالمجلة سماه «تجارب»، أصبح سجلا للتجريب والحداثة الشعرية، كما تحولت مجلة «القاهرة» إلى صحيفة أسبوعية برئاسة الكاتب الصحافي صلاح عيسي، لكنها ظلت بمثابة عين لوزارة الثقافة أولا، تفسح المجال لكتبتها وسدنتها، ثم الحياة الثقافية ثانيا، وعلى استحياء بعيدا عن الدخول في معارك حقيقية يفرزها الحراك الثقافي وحركة الإبداع، وهو ما جعل الكتاب والمثقفين الجادين ينصرفون عنها.
وفي مسعى لاستعادة مجلات وزارة الثقافة دورها المفتقد في الحياة الثقافية، وجذب المثقفين والمبدعين للالتفاف حولها، ولتصبح نبضا حقيقيا لواقع مجتمع خاض ثورتين خلال السنوات الـ3 الأخيرة، أصدر الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة المصري قرارا بتولي الكاتب الصحافي الشاعر سيد محمود رئاسة تحرير صحيفة «القاهرة» الأسبوعية، لكن مشرط عصفور الإصلاحي أبقى على الكاتب الصحافي صلاح عيسى في منصب رئيس مجلس إدارة الصحيفة، وهو ما أثار انتقادات جمة في أوساط المثقفين، الذين تضافروا مع الصحيفة في ثوبها الجديد برئاسة محمود، بل راهنوا على أنها ستشكل إضافة حقيقة للثقافة المصرية.. ونجحت الصحيفة في هذا الرهان مع أول عدد جديد يصدر منها، محققا أعلى عائد توزيع لها على مدار تاريخها، وهو ما أشار له سيد محمود نفسه، في متابعته لمنافذ التوزيع في القاهرة والأقاليم.
وصف محمود مهمته الجدية في افتتاحية هذا العدد بـ«الشاقة»، واختتمها قائلا: «لكن ليس أمامنا سوى خيار المغامرة والتمسك بنور الخيال».. وحفل العدد بموضوعات ونصوص وتحقيقات وشهادات تؤكد روح المغامرة والحداثة والتجريب.
وفي مجلة «إبداع»، اتسم مشرط الوزير عصفور بروح ثورية، حيث أطاح بمجلس تحرير المجلة القديم برئاسة الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وأصدرا قرارا بتولي الكاتب والقاص الروائي محمد منسي قنديل رئاستها، وكذلك تولي القاص الشاب طارق إمام مسؤولية مدير تحرير المجلة، على أن تصدر بشكل شهري كما كانت في السابق. وكانت مجلة تحولت إلى مجلة فصلية نظرا لتدهور أوضاعها وتدني أرقام توزيعها.
يكمل هذا المشهد الذي يراه كثير من الكتاب والمبدعين بمثابة صحوة ثقافية تولي الكاتب الروائي الصحافي سعد القرش مسؤولية تحرير مجلة «الهلال» الشهرية، وهي واحدة من أقدم المجلات الثقافية في مصر، أسسها جورجي زيدان في عام 1892، ومن ضمن إصداراتها «روايات الهلال»، التي تصدر بشكل شهري، وتُعد سجلا للأدب الروائي الرفيع سواء في نسيجه المصري أو العربي أو العالمي. وأيضا عانت «الهلال» طيلة السنوات الماضية من رؤساء تحرير لا علاقة لهم بالثقافة والإبداع بمعناهما الحقيقيين، حتى تحولت إلى مجرد قالب فارغ من القيمة الفكرية والإبداعية في شتى المستويات.
دشن القرش هذا المعنى الحقيقي عن علاقة الإبداع بهموم الوطن، في افتتاحية عدد «الهلال» لشهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، قائلا: «مصر كبيرة، ولا يكاد قارئ تاريخ مصر يصدق أنها ما زالت تحيا، بعد قرون من الاستعمار والاستنزاف. لا يدرك هذه الحقيقة كثير من أبنائها، بمن فيهم المرضى بالشوفينية. بعد جمعة الغضب 28 يناير 2011 كان العرب، في بلادهم وفي المنافي، يرون جوهر مصر التي يحلمون بها (مصرهم) القادرة على صنع المستحيل، الناهضة من رماد الموت».



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة