«انفتاح» أميركي وأوروبي على أكراد سوريا.. ولقاء باريس بحث نقل إمدادات السلاح إلى كوباني

«وحدات الحماية» تستعد لإطلاق المرحلة الثانية من المعركة.. و«داعش» يدفع بتعزيزات

ألسنة اللهب وأعمدة الدخان تتصاعد من كوباني بعد غارة شنتها طائرات التحالف على مواقع «داعش» في المدينة أمس (إ.ب.أ)
ألسنة اللهب وأعمدة الدخان تتصاعد من كوباني بعد غارة شنتها طائرات التحالف على مواقع «داعش» في المدينة أمس (إ.ب.أ)
TT

«انفتاح» أميركي وأوروبي على أكراد سوريا.. ولقاء باريس بحث نقل إمدادات السلاح إلى كوباني

ألسنة اللهب وأعمدة الدخان تتصاعد من كوباني بعد غارة شنتها طائرات التحالف على مواقع «داعش» في المدينة أمس (إ.ب.أ)
ألسنة اللهب وأعمدة الدخان تتصاعد من كوباني بعد غارة شنتها طائرات التحالف على مواقع «داعش» في المدينة أمس (إ.ب.أ)

كشف الناطق باسم حزب «الاتحاد الديمقراطي الكردي» (بي واي دي) نواف خليل لـ«الشرق الأوسط»، أن التواصل بين الحزب والمسؤولين الأميركيين «بدأ قبل عامين»، وأن واشنطن لم تعلن عنه في السابق «منعا لإغضاب تركيا»، مؤكدا أن المحادثات الأخيرة التي عقدت في فرنسا بين رئيس الحزب صالح مسلم والموفد الأميركي الخاص إلى سوريا دانيال روبنشتاين «بحثت تفعيل التنسيق العسكري بين وحدات حماية الشعب الكردي والتحالف العربي والدولي لمحاربة الإرهاب، إضافة إلى إيصال إمدادات السلاح للمقاتلين الأكراد في كوباني».
وجاءت تلك المحادثات بموازاة إعداد المقاتلين الأكراد للمرحلة الثانية من المعارك في مدينة كوباني (عين العرب) شمال سوريا قرب الحدود التركية، التي تتمثل بشن هجوم مضاد «بهدف استعادة السيطرة على كامل المدينة وأريافها» التي دخلها «داعش» منذ إطلاق حملته العسكرية ضد المقاطعة في 16 سبتمبر (أيلول) الماضي، كما قال مصدر عسكري ميداني في كوباني لـ«الشرق الأوسط». وأشار إلى تحقيق وحدات الحماية تقدما ميدانيا في منطقة الإذاعة ومحيطها في المدينة، بعدما قوّضت ضربات التحالف قدرة التنظيم على التمدد.
من جانبه، أكد خالد عيسى ممثل الاتحاد الديمقراطي في باريس، أمس، لقاء زعيم الحزب صالح مسلم في باريس في 12 الشهر الحالي الموفد الأميركي الخاص روبنشتاين. وكانت وزارة الخارجية الأميركية كشفت، الخميس الماضي، أن مسؤولين أميركيين التقوا أكرادا سوريين من حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، المحظور في تركيا.
وقال عيسى في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية إن «اللقاءات التشاورية بيننا وبين الولايات المتحدة ضرورية خاصة في هذه المرحلة»، مشددا على أن الولايات المتحدة «تقود تحالفا دوليا لمكافحة للإرهاب في سوريا والعراق، ونحن مع الحلفاء في الإدارة الذاتية (...) في الخندق الأمامي بمواجهة الإرهاب، ومقاومة شعبنا في كوباني خير دليل على ذلك».
وأكد أن «اللقاء الأخير في باريس كان في جو من الصراحة المتبادلة، وكان إيجابيا»، مشيرا إلى «تبادل وجهات النظر حول أهم المواضيع التي تتعلق بالشأن السوري والكردي». وأكد عيسى «التباحث حول خطر الإرهاب على شعوب شرق الأوسط، وسبل تعزيز التعاون الدولي لمواجهة هذا الخطر».
غير أن هذا اللقاء لم يكن الأول من نوعه، إذ كشف خليل في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن لقاءات كانت تُعقد بين مسؤولين أميركيين مع قادة في حزب «بي واي دي»، لكنه لم يُعلن عنها «منعا لإغضاب تركيا»، موضحا أن بعض تلك اللقاءات كان يشارك فيها سفير واشنطن السابق لدى سوريا روبرت فورد.
ورأى إن إعلان واشنطن بنفسها عن تلك اللقاءات «يعني أن هناك تقدما كبيرا على مستوى العلاقة بين الجانبين، رغم أننا كنا نتحفظ عن الإعلان عن تلك اللقاءات، التزاما منا بالبروتوكول مع المسؤولين الأميركيين».
وكشف خليل أن اللقاء الأخير «بحث في تفعيل التنسيق العسكري مع التحالف العربي والدولي لمحاربة الإرهاب، وإيصال الإمدادات العسكرية إلى الوحدات المقاتلة في كوباني، والتواصل مع الجانب الأميركي حول التنسيق العسكري». وأضاف: «لا شك أن هناك تنسيقا عسكريا عبر غرف عمليات عسكرية لتقديم إحداثيات عن مواقع (داعش) في المدينة، لكننا بحاجة أيضا إلى إمدادات من السلاح النوعي والذخيرة، كي نتمكن من مواجهة التنظيم»، مشيرا إلى أن «هناك تقدما على صعيد هذا الملف»، متحفظا عن الإدلاء بأي تفاصيل.
والى جانب التقدم في المباحثات مع الجانب الأميركي، أشار خليل إلى تقدم مشابه على صعيد التواصل مع المسؤولين الأوروبيين، واصفا التصريحات الأوروبية الأخيرة عن الإدارة الذاتية الكردية، وخصوصا تصريح الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بـ«المتقدمة»، موضحا أن الموقف الأوروبي الأكثر تحفظا «كان موقف فرنسا، لكن اليوم هناك تبدل في موقفه». ورأى أن الفضل في ذلك «يعود إلى الإنجازات الميدانية التي حققتها وحدات الحماية، ومنعها (داعش) من السيطرة الميدانية على كامل المدينة»، وذلك يعود أيضا «لضربات التحالف المؤثرة والمهمة لمواقع التنظيم في كوباني».
وانعكست المباحثات الأوروبية والأميركية مع الأكراد، إيجابا على صعيد التعاطي التركي مع الأزمة، إذ يرى خليل أن دول الاتحاد الأوروبي وواشنطن، «مارست ضغوطا على أنقرة أجبرتها على تغيير موقفها بخصوص التخلي عن المنطقة العازلة وتحويلها إلى السعي لإيجاد منطقة آمنة»، مشيرا إلى أن تلك الضغوط أيضا «أجبرت الأتراك على الإعلان أنهم سيسمحون للكرد السوريين بالدخول إلى كوباني بهدف القتال».
وميدانيا، أعلنت القيادة العسكرية الأميركية للشرق الأوسط وآسيا الوسطى أن الطائرات الأميركية شنت، أول من أمس (الجمعة)، وأمس (السبت)، 15 غارة على مواقع تنظيم «داعش» في سوريا، و10 غارات على مواقعه في العراق.
وقال الجيش الأميركي في بيان إن غارتين استهدفتا الجهاديين قرب مدينة كوباني الكردية، مما أدى إلى «تدمير موقعين» للتنظيم الإسلامي المتطرف. كما استهدفت غارة أخرى «معسكرا لـ(داعش)» في محافظة الرقة و«أوقعت فيه أضرارا».
أما الغارات الأخرى فقد شملت إحداها منطقة قرب دير الزور في شرق سوريا، وكان الهدف منها «عرقلة موارد تمويل تنظيم (داعش) عبر تدمير مراكز لإنتاج النفط ونقله وتخزينه».
ويعتمد «داعش» بشكل أساسي على بيع النفط لتمويل نشاطاته.
وحلقت طائرات حربية فوق مدينة كوباني، بعد أيام من الضربات الجوية المكثفة التي تشنها الطائرات الحربية الأميركية، والتي أبطأت تقدم متشددي «داعش» على القوات الكردية التي تدافع عن البلدة الحدودية.
وكان الجيش الأميركي قال إن وتيرة الضربات الجوية «زادت بشكل كبير»، وشنت طائرة حربية أميركية 6 غارات جوية على مواقع «داعش» قرب كوباني، أول من أمس. كما استهدفت غارات أخرى أماكن في منطقة اللواء 93 في ريف بلدة عين عيسى في محافظة الرقة التي يسيطر عليها التنظيم.
وقتل 21 عنصرا من تنظيم «داعش» في الغارات الجوية على كوباني ومحيطها. في المقابل، قُتل 14 مقاتلا آخرين من التنظيم و3 مقاتلين أكراد في الاشتباكات بين الطرفين على محاور المدينة.
وتواصل، أمس، القتال بين الأكراد و«داعش» في مدينة كوباني، وسط تحضيرات وحدات حماية الشعب الكردي للانتقال إلى المرحلة الثانية من القتال، التي تتمثل بإطلاق الهجوم المضاد «لتحرير مدينة كوباني وأريافها»، كما قال مسؤول عسكري من الوحدات لـ«الشرق الأوسط». وأشار إلى أن الوحدات «استعادت مناطق في كوباني، بينها تحرير منطقة الإذاعة ومحيطها التي كانت لها رمزية كبيرة»، مؤكدا: «استعدنا زمام المبادرة وضربات التحالف كانت مفيدة كثيرا».
وفي المقابل، استقدم «داعش» خلال الساعات الماضية تعزيزات جديدة بالكثير والعتاد إلى المدينة، حيث تمكن المقاتلون الأكراد من صد هجوم جديد، بحسب المرصد السوري.
وأكد المسؤول الكردي المحلي إدريس نعسان أن التنظيم شن «ليلا هجوما عنيفا من شرق كوباني للوصول إلى المعبر الحدودي، إلا أن وحدات حماية الشعب ردت بقوة وصدته».
وأوضح المرصد السوري أن «التنظيم نفذ ليلا هجوما من محور كاني عربان، ومن جهة الصناعة (الشرق)، محاولا الالتفاف على مواقع لوحدات حماية الشعب تقع في الشمال، فلقي ما لا يقل عن 8 من مقاتليه مصرعهم، في كمين لوحدات حماية الشعب، قرب مبنى البلدية الواقع غرب المربع الأمني (شمال). وتمكن المقاتلون الأكراد بعد الكمين من استعادة مركز لهم في المنطقة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.