انتهاكات حوثية متصاعدة وعمليات خطف وإخفاء تستهدف اليمنيات

منظمة دولية تتهم الجماعة باعتقال 35 فتاة من أماكن تعليمهن خلال أيام

يمنيون أمام إحدى الجمعيات الخيرية التي تقدم الطعام في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون أمام إحدى الجمعيات الخيرية التي تقدم الطعام في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

انتهاكات حوثية متصاعدة وعمليات خطف وإخفاء تستهدف اليمنيات

يمنيون أمام إحدى الجمعيات الخيرية التي تقدم الطعام في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون أمام إحدى الجمعيات الخيرية التي تقدم الطعام في صنعاء (إ.ب.أ)

اتهمت مصادر حقوقية يمنية وأخرى دولية الميليشيات الحوثية بالاستمرار في حملات التصعيد ضد النساء والفتيات اليمنيات على نحو غير مسبوق، من خلال اختطاف العشرات منهن من أماكن تعليمهن ومن الشوارع وإخفائهن بتهم ملفقة أو كيدية بهدف الابتزاز أو إذلال أقاربهن.
وفي أحدث تقرير لمنظمة «رايتس رادار» ومقرها هولندا، أوضحت أن ظاهرة اختطاف الفتيات والطالبات والنساء في العاصمة اليمنية صنعاء وفي المناطق التي تقع تحت سيطرة جماعة الحوثي، تصاعدت بصورة غير معهودة وغير مسبوقة في اليمن.
ووفقاً لشهود عيان لم يفصحوا عن أسمائهم لدواع أمنية، أكدت المنظمة أنه «تم اختطاف أكثر من 35 فتاة وطالبة من أماكن للدراسة ومن شوارع في العاصمة صنعاء خلال الفترة القصيرة الماضية، بعضهن للضغط على أسرهن، والبعض ربما لبلاغات كاذبة وكيدية، والبعض الآخر لحسابات أخرى لم تعرف بعد».
وذكرت المنظمة نقلاً عن مصادرها أن «المختطفات لا يعرف مكان احتجازهن وإخفائهن»، كما أشارت إلى أن عدداً من الفتيات كنّ يتعلمن خياطة الملابس عند إحدى معلمات الخياطة في محل للخياطة، وتم إعطاؤهن مادة مخدرة (غير معروفة) ونقلهن إلى بيت للدعارة ثم نقلهن إلى السجن بعد ذلك، في مدينة الطويلة بمحافظة المحويت (غرب صنعاء).
وبحسب إفادة والد إحدى المختطفات لمنظمة «رايتس رادار»، أوضح أنه «تم نقل ابنته المختطفة من بيت الدعارة إلى سجن في صنعاء مع 30 مختطفة أخرى من مناطق مختلفة»، مضيفا أنه تم رفض تسليم ابنته له حتى اللحظة.
ويناشد والد المختطفة المنظمات الحقوقية التدخل العاجل للإفراج عن ابنته وعن غيرها من المختطفات، وإيقاف هذا الإجرام في حق بناتهم والحفاظ على أعراضهم وسمعتهم.
وتقول المنظمة إنه «كل يوم يتم إنزال صور فتيات ضحايا الاختطاف، في شوارع وأمام مدارس في صنعاء وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، لمناشدة من يتعرف عليهن إبلاغ أهلهن عبر أرقام هواتف منشورة إلى جوار صور ضحايا الاختطاف».
وخلال الأسبوع الماضي فقط تم اختطاف 3 فتيات بالعاصمة صنعاء، منهن فتاتان شقيقتان؛ الكبرى 18 سنة والصغرى 13 سنة، في حي الأعناب بصنعاء، صباح الأحد 8 ديسمبر (كانون الأول) الحالي وهن في طريقهن للعمل في حي النهضة المجاور؛ بحسب مصادر المنظمة الحقوقية، أما الثالثة فهي طفلة في الصف الثامن الأساسي، اختفت عند السادسة والنصف مساء السبت 7 ديسمبر من أمام منزلها في منطقة معين بصنعاء. ووفقاً لشهود عيان، فإن الخاطفات ميليشيا نسائية يتبعن جماعة الحوثي.
وذكرت المنظمة في بيانها أن عناصر مسلحين تابعين لجماعة الحوثي دهموا معهداً للغات في منطقة حدة جنوب العاصمة يوم الاثنين 9 ديسمبر الحالي، وقمن باختطاف نساء يعملن في المعهد، وكانت تلك المداهمة والاختطاف بتوجيه من قيادي في جماعة الحوثي يعتقد أنه مدير للبحث الجنائي التابع لها في العاصمة صنعاء، ويدعى سلطان زابن، حيث تم تلفيق تهم لهن، مخلة بالشرف والأخلاق، من بينها تهمة الدعارة، لتبرير عملية الاختطاف والإخفاء القسري.
من جهتها، أفادت «المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر»، في وقت سابق بأن جماعة الحوثي المسلحة تواصل ممارسة أشد أنواع الانتهاكات بشاعة وفظاعة بحق نساء مختطفات ومخفيات قسراً في سجونها السرية.
وأعلنت المنظمة أن عدد النساء المخطوفات والمخفيات قسراً وصل إلى أكثر من 160 امرأة. وكشفت عن أن الميليشيات الحوثية عملت ومن خلال تواطؤ بعض الأجهزة القضائية على تحويل دفعة أولى من السجينات وعددهن 55 امرأة مختطفة من السجون السرية الخاصة إلى السجون العامة، بعد تلفيق تهم والتقاط صور خلال فترة الاختطاف لغرض الابتزاز وصرف الأنظار عن جريمتهم.
وأكدت «المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر» أن لديها أدلة ثابتة وقاطعة على وقائع الاختطاف والتعذيب التي تعرضت لها النساء المختطفات من قبل الميليشيات الحوثية.
في السياق نفسه، طالبت منظمة «رايتس رادار» الجماعة الحوثية بالتحقيق السريع في تلك الجرائم والانتهاكات والكشف عن مرتكبيها ومحاكمتهم، كون هذه الأعمال ـ بحسب المنظمة - «تمثل سابقة خطرة وتمس بالشرف والعرض، وتسيء لذوي الضحايا المختطفات إساءة بالغة، كما تمثل عاراً وجريمة كبرى في المجتمع اليمني، وتتنافى مع كافة الشرائع ومع الأديان والقيم والأخلاق والمروءة ومع الأعراف القبلية السائدة ومع المواثيق الدولية، وهي جريمة غير مسبوقة، في اليمن على وجه الخصوص، ومؤشر خطر قد تؤدي لردود أفعال مجتمعية معاكسة دفاعاً عن شرف المرأة وكرامتها وعرضها».
وأكدت المنظمة الحقوقية أن «مثل هذه الانتهاكات الصارخة بحق فتيات في عمر الزهور وبحق نساء في صنعاء وما حولها من المدن، والتي لم تعهدها من قبل، تتعارض حتى مع قيم وأخلاقيات جماعة الحوثي المعلنة، منذ سيطرتها على السلطة في صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية».
وطالبت «رايتس رادار» المنظمات والمؤسسات كافة المعنية بحقوق المرأة والطفل، المحلية والإقليمية والدولية، العاملة داخل اليمن وخارجه، بـ«التحرك السريع لوقف هذه الجرائم والممارسات الحوثية، وكسر حاجز الصمت حيالها، لأنها جرائم وانتهاكات لا يمكن السكوت عنها، والضغط على الجماعة بالوسائل والسبل كافة، وإلزامها بوضع حد لهذا العبث وهذه الجرائم والانتهاكات لحقوق المرأة والطفل».
في غضون ذلك، أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الميليشيات الحوثية عاودت استهداف شريحة النساء في العاصمة صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للجماعة من خلال فرض جبايات وإتاوات عينية ومالية تحت ذريعة إعداد وتجهيز قوافل غذاء ومال لدعم جبهاتها القتالية.
وتواصل ميليشيات الحوثي الانقلابية في الوقت الحالي - بحسب المصادر - تنفيذ حملة فرض جبايات، كانت بدأتها منتصف الأسبوع الماضي، وتستهدف من خلالها الطالبات، والتجمعات النسائية بعدد من مدارس ومناطق وأحياء العاصمة صنعاء.
وكشفت مصادر تربوية في العاصمة لـ«الشرق الأوسط» عن قيام مديرات مدارس ومعلمات ومشرفات حوثيات بتنفيذ حملة جبايات واسعة طالت في مرحلة أولى أكثر من 8 مدارس بنات في العاصمة صنعاء، بحجة تمويل قافلة غذاء لجبهات القتال الحوثية.
وبحسب المصادر التربوية، يشرف على حملة فرض الإتاوات الإجبارية على طالبات المدارس عدد من القيادات النسائية الحوثية؛ منهن: «أسماء الشامي، وتغريد أبو طالب، وصفاء الدين السلطان»، اللاتي تضاف إليهن أيضاً مهمة أخرى تتمثل في الزج بعدد من طالبات المدارس في فرق «المرشدات» التي تمهد لإلحاقهن بالفرقة المسلحة «الزينبيات» وإخضاعهن لدورات طائفية ومسلحة.
ولفتت المصادر إلى أن المشرفات الحوثيات يقمن من خلال حملاتهن بابتزاز الطالبات وتهديدهن وفرض دفع مبالغ مالية وأشياء عينية دعماً ومساندة للميليشيات الانقلابية في جبهات القتال.
وبدورهن، شكت طالبات مدرسة ثانوية بمديرية معين بأمانة العاصمة، من حملة ابتزاز وتعسف ونهب تنفذها قيادات نسائية حوثية في حقهن ومستمرة منذ نحو الأسبوع.
وأكد عدد من الطالبات بـ«مدرسة نسيبة بنت كعب الثانوية للبنات» في صنعاء، في حديثهن لـ«الشرق الأوسط»، أنهن رفضن وكثير من زميلاتهن في المدرسة الاستجابة لمطالب الميليشيات بدفع جبايات وإتاوات للحوثيين تحت أسماء وذرائع وهمية وغير قانونية.
وهددت الطالبات بالتوقف عن مواصلة تعليمهن في حال استمرت حملات الميليشيات التعسفية التي تطالهن وتطال العملية التعليمية. وطالبن في الوقت ذاته كل الجهات المعنية وكذا المنظمات الدولية الداعمة للتعليم بإنقاذهن ورفع الظلم والجبروت المفروض عليهن من قبل «زينبيات» الجماعة الانقلابية.
وعلى صعيد متصل، أفاد مصدر محلي بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» بأن «زينبيات» الميليشيات الحوثية نفذن حملات نزول ميدانية لعدد من الأحياء السكنية في صنعاء، طالت مئات النساء بمنازلهن حيث قدمن لهن الخطب والمحاضرات الطائفية القصيرة لإجبارهن على التبرع لصالح جبهات القتال الحوثية.
وتحدث المصدر عن أن حملة النهب الحوثية تستهدف في الوقت الحالي عدداً من التجمعات النسائية في مديريتي معين والوحدة بأمانة العاصمة، في مرحلة أولى، وقال إنها «تأتي بالتزامن مع استهداف الميليشيات طالبات المدارس».
وطيلة 5 أعوام من الحرب العبثية التي خلفها الانقلاب الحوثي، دفعت المرأة اليمنية أثماناً باهظة جرّاء الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها الانقلابيون وما زالوا، حيث تعرض الآلاف من النساء لممارسات وتعسفات همجية سعت الجماعة من خلالها إلى ابتزاز الأسر وجني الأموال لدعم حربها العبثية.


مقالات ذات صلة

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود

خاص أكد رئيس الوزراء أن اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود (تصوير تركي العقيلي)

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: اليمن لن يبقى ساحة مفتوحة لمشروع عابر للحدود

حذّر رئيس الوزراء اليمني د. شائع الزنداني من أن بلاده لن تبقى ساحة مفتوحة أمام مشروع عابر للحدود، مؤكداً أن الدولة ستواصل بناء قدراتها لحماية شعبها.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)

خاص المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

أكدت وزيرة الشؤون القانونية اليمنية، القاضية إشراق المقطري، أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
تحليل إخباري وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ) p-circle

تحليل إخباري خبراء لـ«الشرق الأوسط»: توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهّد لمعركة واسعة

يعتقد خبراء عسكريون أنَّ توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهِّد لمعركة واسعة ضد الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي الدكتور رشاد محمد العليمي يرأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني (سبأنت)

«مجلس الدفاع اليمني» يجدد تقديره لما تقدمه المملكة من دعم ثابت للشعب اليمني

أعرب مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه اليوم برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عن اعتزازه بأداء القوات المسلحة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج القيادات الأمنية في وزارة الداخلية اليمنية خلال اجتماعهم (الشرق الأوسط)

الداخلية اليمنية تطيح بخلية تخريبية في مأرب

أطاحت وزارة الداخلية اليمنية بعناصر متهمة بالتخطيط لأعمال تخريبية في مأرب، بحسب مسؤول أمني رفيع أكد لـ«الشرق الأوسط» إصابة مساعد القائد والقبض على زعيم الخلية.

سعيد الأبيض (جدة)

مقترح إثيوبي بـ«تعويضات لاستخدام المياه» يُصعِّد التوتر مع مصر

سد النهضة (رويترز)
سد النهضة (رويترز)
TT

مقترح إثيوبي بـ«تعويضات لاستخدام المياه» يُصعِّد التوتر مع مصر

سد النهضة (رويترز)
سد النهضة (رويترز)

استمرت التصريحات الإثيوبية المناوئة لمصر على وقع أزمة «سد النهضة»، والتي اتسعت لتشمل الحقوق المائية، ووصلت إلى حد حث وزير إثيوبي سابق حكومة بلاده على طلب «تعويضات» من مصر مقابل استخدام مياه النيل، وذلك بعد حديث مصري متكرر عن «حق الدفاع الشرعي» حال التعرض لضرر مائي.

ويشير مسؤولون مصريون سابقون في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التصريحات الإثيوبية بحاجة إلى ردود سياسية وإعلامية قوية، مع أهمية تجنب التصعيد بين الدولتين في ظل التوترات القائمة.

ويؤكد هؤلاء أن «الحديث عن تعويضات مقابل استخدامات مياه النيل، يخالف قواعد القانون الدولي، وقوانين الأنهار الدولية، والاتفاقيات الموقعة ما بين القاهرة وأديس أبابا بشأن نهر النيل».

مطالب جارسو

ودعا وزير المياه الإثيوبي السابق، شيفيراو جارسو، حكومة بلاده إلى «مطالبة القاهرة بتعويض أديس أبابا عن استخدامها مياه نهر النيل». وأكد في تصريحات لوكالة الأنباء الإثيوبية (إينا)، الجمعة، «استمرار بلاده في بناء سدود على مجرى النيل».

وقال وزير المياه الإثيوبي السابق إن «التهديدات المصرية الأخيرة بشأن خطط أديس أبابا لبناء المزيد من السدود، ليست بالأمر الجديد، ولن تثني بلاده عن المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النهر»، مشيراً إلى أن إثيوبيا «تساهم بنحو 86 في المائة من تدفق مياه النيل لمصر».

وهناك خلاف بين القاهرة وأديس أبابا بسبب نزاع ممتد لنحو 15 عاماً، بشأن مشروع «سد النهضة»، الذي أنشأته أديس أبابا على رافد نهر النيل الشرقي، وتخشى القاهرة أن يؤثر على حصتها المائية.

مخاوف مصرية من تأثير السد الإثيوبي على حصتها المائية (وزارة الري المصرية)

ويضاف حديث المسؤول الإثيوبي السابق إلى التصريحات المتبادلة بين مسؤولين بمصر وإثيوبيا أخيراً، بشأن نزاع «السد الإثيوبي»، ومساعي أديس أبابا السيطرة على تدفقات المياه لدولتي المصب مصر والسودان ببناء سدود جديدة.

مصر لن تسمح

وكان مصدر مصري مسؤول حذر من الخطط الإثيوبية لبناء سدود جديدة، وقال في تصريحات لـ«وكالة أنباء الشرق الأوسط» (الرسمية بمصر)، قبل أسبوع، إن «إثيوبيا تسعى لفرض الأمر الواقع، واحتكار مورد مائي دولي مشترك، وتهديد الحقوق والمصالح المائية لدولتي المصب بالمخالفة للقانون الدولي». وأكد أن «مصر لن تسمح بفرضه كأمر واقع».

وجاءت تصريحات المصدر المصري رداً على تصريحات لوزير المياه والطاقة الإثيوبي، قال فيها إن «تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب، سيكون تحت سيطرة بلاده». وأشار أيضاً إلى أن «أديس أبابا تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل، في إطار ما أسماه (الاستخدام العادل لمياه النيل، وتحقيق التنمية المستدامة)».

غير أن المصدر المصري المسؤول قال آنذاك إن «بلاده سبق أن أعلنت في خطاباتها إلى مجلس الأمن أنها ستتخذ كل التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية حقوق ومقدرات شعبها في نهر النيل». وأكد أن «أدوات الدولة المصرية متعددة ومتشعبة وقادرة على النفاذ والدفاع عن مصالح الشعب المصري في نهر النيل».

عبد العاطي: حق الدفاع

وأكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي الأمر ذاته خلال تصريحات لـ«شبكة سكاي نيوز»، مساء الثلاثاء، مشيراً إلى أنه «إذا حدث أي ضرر من شأنه أن يعوق تدفق المياه، فلنا الحق في الدفاع عن أنفسنا، وفقاً للقانون الدولي»، مستشهداً بالمادة الـ51 من ميثاق الأمم المتحدة بشأن الدفاع عن النفس.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

وأشار مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير حسام عيسى، إلى أن «إثيوبيا تسعى للحصول على أكبر قدر من المكاسب بالمخالفة للقانون الدولي، وأن ممارسات أديس أبابا في حوض النيل الأزرق، وفي القرن الأفريقي، تخالف كافة المواثيق ونصوص القوانين الدولية، ورغم ذلك تواصل الإمعان في هذه الممارسات الأحادية، على حساب مصالح الدول الأخرى».

قواعد القانون

ويرى عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الخطط الإثيوبية الجديدة على مجرى نهر النيل، يجب أن تقابل بردود قوية سياسياً وإعلامياً، مع أهمية تجنب أي تصعيد بين الجانبين»، مشيراً إلى أن «قواعد القانون الدولي، بخصوص استخدامات الأنهار الدولية، تنص على مبدأين أساسيين، وهما عدم الضرر والإخطار المسبق»، مشيراً إلى أن «القاهرة تطالب الجانب الإثيوبي بالالتزام بهذه المبادئ دون جدوى».

اتفاقية 1902

وأشار وزير الري المصري الأسبق، محمد نصر الدين علام، إلى أنه «لا يوجد أي نصوص قانونية أو اتفاقيات تتحدث عن تعويضات مقابل استخدامات مياه نهر دولي مثل النيل». وقال إن «هناك معاهدات موقعة بين القاهرة وأديس أبابا مثل (اتفاقية عام 1902)، التي تقضي بعدم قيام إثيوبيا بأي إجراءات من شأنها أن تعوق تصرفات النيل الأزرق لدولتي المصب، ورغم ذلك خالفتها إثيوبيا».

وأوضح علام، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتفاقيات الموقعة بين إثيوبيا ومصر، بشأن إدارة مياه النيل، صدّق عليها البرلمان الإثيوبي، وبالتالي لا يمكن التشكيك في صحتها وسريانها»، مشيراً إلى أنه «لا يمكن فصل قضية مياه النيل عن التوترات الأخرى بالمنطقة، ومنها ما يحدث في منطقة القرن الأفريقي»، معتبراً أن «هناك ضغوطاً تمارس على القاهرة بملف المياه، بسبب مواقفها الإقليمية».

وكان الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أشار في أغسطس (آب) العام الماضي، في مؤتمر صحافي مع نظيره الأوغندي، إلى أن «ملف المياه جزء من حملة الضغوط على مصر لتحقيق أهداف أخرى».


«بنك مصر» بالإمارات في مرمى الإجراءات الأميركية

مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على «إنستغرام»)
مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على «إنستغرام»)
TT

«بنك مصر» بالإمارات في مرمى الإجراءات الأميركية

مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على «إنستغرام»)
مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على «إنستغرام»)

قلل مصدر مصرفي مصري وخبير اقتصادي من تداعيات الإجراء الأميركي ضد فرع بنك مصر في الإمارات على القطاع المصرفي المصري والاقتصاد المصري عموماً، مؤكداً أن «تأثيره يظل محدوداً، وينحصر في بعض معاملات الفرع الإماراتي، ولا يمتد إلى أعمال بنك مصر داخل مصر أو باقي فروعه الخارجية».

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، الجمعة، إنها اتخذت إجراء لقطع تعاملات فروع ‌بنك مصر في الإمارات بالدولار بسبب تعاملاتها مع إيران.

وأضافت الوزارة، في بيان، أن «شبكة مكافحة الجرائم المالية» اقترحت قاعدة تلغي إمكانية وصول فروع بنك مصر في الإمارات إلى خدمات الحسابات المصرفية المراسلة لدى المؤسسات المالية الأميركية.

منع التحويلات الدولارية

وأكد مصدر مصرفي مصري مسؤول لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا القرار سيمنع فرع البنك من إجراء أي تحويلات بعملة الدولار إلى خارج الإمارات دون الخضوع للرقابة المالية في واشنطن، والحصول على موافقتها أولاً، للتأكد من عدم وصولها لشخصيات أو مؤسسات صادر ضدها عقوبات أو قرارات حظر أميركية.

وأشار إلى أن القرار معني فقط بعملة الدولار دون غيرها من العملات، حيث إن التحويلات الدولارية من بنك لآخر بين الدول تتم عبر بنك وسيط أميركي أو شركات تحويلات وسيطة أميركية تسمى المراسل لتتابع السلطات الأميركية خط سير عملتها.

تبدل الرقيب

وتابع: «كانت هذه التحويلات تتم من قبل بشكل روتيني تحت رقابة القطاع المصرفي الأميركي فقط، أما بعد هذا القرار فيخضع لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، وهو إدارة تابعة لوزارة الخزانة الأميركية، وهي المؤسسة الأميركية الرئيسية التي تراقب وتحظر التحويلات الدولارية للجهات والأفراد المدرجين على قوائم العقوبات».

المصدر ذاته شدد على أن فرع «بنك مصر» بالإمارات مؤسسة مستقلة عن القطاع المصرفي المصري وتدخل ضمن نطاق القطاع المصرفي الإماراتي وهو مملوك فقط لبنك مصر الحكومي المصري، مشيراً إلى أن «القرار الأميركي لن يؤثر من قريب أو بعيد على أي بنك داخل مصر، كما أنه إجراء يخضع للمراجعة ووارد جداً إلغاؤه بعد التنسيق مع الجانب الأميركي، وبعد التأكد من تبرئة ساحة بنك مصر بالإمارات من أي تعاملات مشبوهة».

تقليل مصري من تداعيات القيود الأميركية على فرع بنك مصر في الإمارات (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)

وكان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، كشف في وقت سابق عن خطط غايتها «خنق إيران اقتصادياً» بعد 6 أشهر من بدء الحرب عليها، وقال بيسنت، الجمعة: «لقد حذرنا من أن من يسهّل التعاملات لصالح إيران لن يتمكن من الاستمرار في الاستفادة من الوصول إلى الدولار والنظام المالي العالمي».

وأضاف في بيان نقلته صحيفة «فايننشيال تايمز»: أولاً «قرر بنك مصر - الإمارات أن يختار الطريق الصعب، واليوم نتخذ أول قرار لمحاسبته على دعمه المستمر للنظام الإيراني».

ولن يدخل الإجراء الذي اتخذته وزارة الخزانة الأميركية حيّز التنفيذ إلا بعد انتهاء فترة تمتد شهراً لتلقي التعليقات والملاحظات العامة.

خدمة «المراسل»

من جانبه قال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، إن هذا القرار لن يؤثر على تصنيف بنك مصر أو القطاع المصرفي المصري، فالقرار لم يكن ضد بنك مصر أو فرعه في الإمارات بشكل مباشر بل ضد خدمة «المراسل» التي تقدمها شركات أو بنوك غالباً أميركية لبنك مصر، خصوصاً في الدول التي ليس للبنك دخول مباشر لنظامها المصرفي.

وشدد عبد النبي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» على «أن المنع أيضاً لم يشمل كل العملات بل الدولار فقط، وحتى الدولار لا يمكن منع تحويله بشكل كامل لأن هناك تحويلات تتم مثلاً بالدرهم الإماراتي وتسلم في الطرف الآخر بالدولار، كما أن هناك تحويلات تتم بعملات كثيرة وتسلم في دول أخرى بالدولار باعتباره العملة العالمية الأوسع والأكثر توفراً لدى كل دول العالم».

إجراءات احترازية

وتابع: «كثيراً ما تتخذ السلطات الأميركية إجراءات احترازية موسعة وتضم إليها مؤسسات على سبيل الاحتياط، ثم تثبت المراجعة والتدقيق أن هناك مؤسسات شملتها الإجراءات دون وجه حق، ويتم إلغاء القرار بشأنها».

بيان بنك مصر

وقال بنك مصر، في بيان صدر السبت، ​إنه بصدد مراجعة إشعار صادر عن وزارة الخزانة الأميركية يتعلّق بتقييد خدمات المراسلة المصرفية بالدولار التي تقدمها المؤسسات المالية الأميركية لفرعه في ‌الإمارات.

أحد فروع بنك مصر في القاهرة (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)

وأكد بنك ‌مصر «احترامه الكامل ​للأطر ‌التنظيمية ⁠والقانونية ​ذات الصلة، والتزامه ⁠بكل القوانين واللوائح والتعليمات والضوابط الرقابية المعمول بها، وتعاونه الكامل والبنّاء مع الجهات المعنية»، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف بيان البنك أن فرعه في ⁠دولة الإمارات يواصل ‌تقديم ‌خدماته المصرفية لعملائه وفقاً ​للقواعد والإجراءات ‌السارية.

وأكد البنك أن ‌الإجراء التنظيمي يقتصر على فرع بنك مصر في الإمارات، ولا يمتد إلى أعماله ‌في مصر أو أي دولة أخرى له ⁠وجود بها.

اتصالات «المركزي»

كان البنك المركزي المصري أكد في بيان ليل الجمعة أن المسؤولين بـ«المركزي» وفي وزارة الخارجية المصرية «على اتصال بالجانب الأميركي فيما يخص تلك الإجراءات».

وأضاف أن الإجراء الأميركي «يقتصر على معاملات فرع بنك مصر بالإمارات العربية المتحدة مع المراسلين بعملة الدولار الأميركي فقط، ولا يمتد أثر أي من تلك الإجراءات إلى أي من بنوك القطاع المصرفي المصري، بما فيها بنك مصر بجمهورية مصر العربية، أو أي من فروعه الخارجية الأخرى».

ويأتي هذا القرار في وقت شددت واشنطن حزمة العقوبات المفروضة على إيران، ورغم أن طهران أكدت أن هذه السياسات الأميركية لن تُحقق نتائجها، فإن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أقرّ بأن بلاده تواجه صعوبات اقتصادية عديدة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


كيف نسج اليمن قواعد اشتباك تربك الحوثيين؟

الجماعة الحوثية تكبّدت خسائر كبيرة جراء عمليات الردع الحكومية (إعلام عسكري)
الجماعة الحوثية تكبّدت خسائر كبيرة جراء عمليات الردع الحكومية (إعلام عسكري)
TT

كيف نسج اليمن قواعد اشتباك تربك الحوثيين؟

الجماعة الحوثية تكبّدت خسائر كبيرة جراء عمليات الردع الحكومية (إعلام عسكري)
الجماعة الحوثية تكبّدت خسائر كبيرة جراء عمليات الردع الحكومية (إعلام عسكري)

لم تعد المواجهة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والجماعة الحوثية المدعومة من إيران تدور وفق المعادلة العسكرية التي استقرت عليها خطوط التماس منذ 2022، إذ أظهر التصعيد الأخير الذي بدأته الجماعة تحولاً لافتاً في أداء القوات الحكومية، التي بدأت نسج قواعد اشتباك جديدة أربكت الميليشيات، وتنتقل من موقع الدفاع والاحتواء إلى مرحلة الضربات الاستباقية، مستفيدة من سلاح المسيّرات وتطوير قدرات الاستهداف الدقيق.

تكشف وتيرة الهجمات خلال الأسابيع الستة الماضية عن مسار تصعيدي، تتزامن فيه الضربات مع استخدام الجماعة الحوثية الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في استهداف مواقع عسكرية ومنشآت وممرات بحرية.

حسب المعطيات الواردة من مصادر عسكرية ومراكز رصد، نفّذ الحوثيون خلال هذه الفترة أكثر من 75 هجوماً بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المفخخة، شملت موجات صاروخية على ميناء المخا ومدينة الخوخة، بالإضافة إلى هجمات على معسكرات في مأرب والعبر، وأخرى استهدفت سفناً تجارية وأدت إلى مقتل أربعة بحارة على الأقل.

جنديان من الجيش اليمني يشغلان طائرة مسيّرة لاستهداف الحوثيين (إعلام عسكري)

في المقابل، تشير المعطيات الميدانية إلى أن القوات المسلحة اليمنية وتشكيلات المقاومة الوطنية و«قوات العمالقة» نفّذت أكثر من 500 عملية قتالية ودفاعية وهجومية، تركزت على تجمعات ومراكز قيادة وسيطرة حوثية في محاور الحديدة ومأرب وتعز والضالع والبيضاء.

ولا يكمن التطور الحالي في حجم الضربات وحده، وإنما في طبيعة الوسائل التي بدأت القوات الحكومية استخدامها، إذ يفتح دخول الطائرات المسيّرة إلى العمليات الهجومية مجالاً جديداً أمام القوات المناهضة للحوثيين لضرب أهداف عالية القيمة، دون الاضطرار إلى خوض عمليات برية واسعة.

وتشير مصادر يمنية مطلعة إلى تشكيل لواءين متخصصين بالطيران المسيّر تابعَين للقوات المسلحة اليمنية، في تحول ينقل هذه الطائرات من مهمة الاستطلاع والرصد إلى الاستخدام القتالي المباشر.

وخلال الأيام الأخيرة، استُخدمت المسيّرات في ضرب ثكنات وتجمعات وعربات إمداد وخنادق حوثية، وهي عمليات وثّقتها عدسات الطائرات المسيّرة في مختلف الجبهات، لا سيما في مأرب والجوف والبيضاء والساحل الغربي والضالع، وفي المناطق المحررة من محافظة حجة شمال غربي البلاد.

ويكتسب هذا التحول أهمية أكبر على الساحل الغربي، حيث تتقاطع المواجهة البرية مع التهديد البحري. فإسقاط طائرات استطلاع حوثية كانت، وفق المعطيات، تمهّد لهجمات بحرية بالزوارق المفخخة، يعكس محاولة حكومية لحرمان الجماعة من إحدى أهم أدواتها في مراقبة المياه وتهيئة الهجمات على الملاحة.

وهنا تتجاوز المسيّرات وظيفتها العسكرية التقليدية، لتصبح جزءاً من منظومة ردع أوسع، هدفها منع الحوثيين من فرض واقع جديد على السواحل اليمنية وباب المندب.

اختبار توحيد القوة

لكن امتلاك أدوات عسكرية أكثر تطوراً لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على خوض حرب شاملة، فالتحدي الأكثر تعقيداً أمام الحكومة اليمنية لا يزال مرتبطاً بتعدد مراكز القوة العسكرية وتفاوت هياكل القيادة والسيطرة.

وخلال العامَين الماضيَين، عمل مجلس القيادة الرئاسي اليمني على معالجة جانب من هذا التشتت، مع بروز ملامح هيكل عسكري أكثر ترابطاً، وإن ظل متعدد المكونات.

ويضم هذا الهيكل القوات النظامية بقيادة الفريق صغير بن عزيز، والقوات المنتشرة في الساحل الغربي والمخا بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، إلى جانب تشكيلات «قوات الطوارئ» و«درع الوطن» التي يقودها مباشرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، والقوات العاملة في محاور تعز التابعة للمنطقة العسكرية الرابعة التي مقرها عدن، بالإضافة إلى «ألوية العمالقة» والتشكيلات الجنوبية الأخرى المنتشرة على جبهات لحج والضالع وشبوة بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.

ووفق تقديرات عسكرية، تمنح هذه التشكيلات الحكومة اليمنية قدرة على توزيع الضغط العسكري بين أكثر من جبهة، لكنها في الوقت نفسه تضع غرفة العمليات المشتركة أمام اختبار صعب، فهل تستطيع تحويل هذه القدرات المتعددة إلى خطة قتالية موحّدة في حال تحولت المواجهة المحدودة إلى حرب مفتوحة؟

وتزداد أهمية هذا السؤال مع ارتفاع مستوى التصعيد الحوثي، لأن الانتقال من الضربات الموضعية إلى العمليات البرية الواسعة يتطلّب مستوى أعلى من التنسيق والقرارَين السياسي والعسكري، فضلاً عن قدرة لوجستية واقتصادية كبيرة.

أولوية الردع المحسوب

في الحسابات الحالية للشرعية اليمنية، تبدو الحرب البرية الشاملة أقل ترجيحاً من استمرار التصعيد المحسوب، إذ لا تبدي الحكومة رغبة في الانجرار إلى المعركة التي قد يسعى الحوثيون إلى فرضها.

ومن هنا يبرز سيناريو التصعيد المدروس الذي أشار إليه العليمي مراراً، والقائم على استهداف مصادر التهديد بالصواريخ والمدفعية والمسيّرات، وعدم ترك الهجمات الحوثية من دون رد، مع تجنّب عمليات برية واسعة للسيطرة على مناطق جديدة.

القوات المسلحة اليمنية ترد على هجمات الحوثيين في جبهات تعز (إعلام عسكري)

وتتيح هذه الاستراتيجية للحكومة اليمنية رفع تكلفة الهجمات الحوثية، دون فتح جبهة قد يصعب احتواؤها لاحقاً، كما تمنحها مساحة للتحرك بين الرد العسكري والخيارات السياسية والدبلوماسية.

لكن استمرار الحوثيين في استهداف الملاحة والمنشآت الحيوية قد يؤدي إلى تغيير الحسابات. فإذا تحول الضغط البحري إلى تهديد دائم لحركة السفن في جنوب البحر الأحمر، واستمرت الهجمات على الموانئ والمنشآت، فقد يصبح الساحل الغربي، خصوصاً الحديدة، محوراً لمعركة أكبر، وهو ما فُهم من تصريحات طارق صالح الأخيرة.

وقد تجد الحكومة عندها نفسها أمام خيار الانتقال إلى عملية عسكرية تستهدف إنهاء قدرة الجماعة على استخدام الساحل منصةً للتهديد البحري، وهو خيار ستكون له تبعات عسكرية وإنسانية واقتصادية كبيرة.

وتكشف الهجمات الأخيرة على ميناء المخا عن حجم المخاطر الاقتصادية التي يحملها هذا المسار، فقد أدى القصف، وفق المعطيات، إلى توقف النشاط الاستراتيجي للميناء وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية، مع تقديرات أولية للخسائر بمليارات الريالات اليمنية.

ولا تقف التداعيات عند حدود المنشآت المدنية، فاليمن، الذي يواجه أزمة إنسانية واقتصادية عميقة، لا يملك هامشاً واسعاً، بالنظر إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لا تزال تعاني فجوة تمويل تتجاوز 80 في المائة، فيما أدى التصعيد المحدود خلال الأسابيع الماضية إلى موجات نزوح جديدة في مأرب والساحل الغربي.

وفي حال اندلاع مواجهة شاملة، فإن إغلاق الطرق والممرات الحيوية وتضرر الموانئ والمنشآت التجارية قد يضاعف تكلفة الحرب على السكان، ويضع الاقتصاد الهشّ في المحافظات المحررة أمام ضغوط إضافية.

وبين التصعيد الحوثي والردع الحكومي المحسوب، ستحدد الأيام والأسابيع المقبلة ما إذا كانت المسيّرات والضربات الدقيقة التي تستخدمها القوات الحكومية اليمنية ستنجح في تثبيت توازن جديد مع الحوثيين، أم أنها ستكون مقدمة لجولة عسكرية هي الأوسع منذ هدنة 2022 وما تلاها من تهدئة هشة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended