قائد عمليات نينوى السابق يكشف لأول مرة تفاصيل الساعات التي سبقت سقوط الموصل بيد «داعش»

اللواء الغراوي يؤكد أن قرار الانسحاب اتخذه واحد من ثلاثة.. قنبر أو غيدان.. أو المالكي

اللواء مهدي الغراوي (رويترز)
اللواء مهدي الغراوي (رويترز)
TT

قائد عمليات نينوى السابق يكشف لأول مرة تفاصيل الساعات التي سبقت سقوط الموصل بيد «داعش»

اللواء مهدي الغراوي (رويترز)
اللواء مهدي الغراوي (رويترز)

كان اللواء مهدي الغراوي يعلم أن الهجوم آت؛ ففي أواخر مايو (أيار) الماضي اعتقلت قوات الأمن العراقية 7 أعضاء في تنظيم داعش في مدينة الموصل، وعلمت أن المجموعة تخطط لشن هجوم على المدينة في أوائل يونيو (حزيران).
وفي الرابع من يونيو حاصرت الشرطة الاتحادية في الموصل، بقيادة الغراوي، القائد العسكري لتنظيم داعش في العراق، ففضل أن يفجر نفسه على الاستسلام. كان الغراوي يأمل أن يمنع مقتله الهجوم المرتقب، لكنه كان مخطئا.
ففي الساعة الثانية والنصف صباح يوم السادس من يونيو عاد الغراوي ورجاله إلى غرفة العمليات بعد تفقد نقاط التفتيش في المدينة التي يبلغ عدد سكانها مليوني نسمة. وفي تلك اللحظة كانت قوافل من شاحنات الـ«بيك أب» تتقدم من اتجاه الغرب عبر الصحراء التي تقع فيها الحدود الفاصلة بين العراق وسوريا. كان في كل شاحنة 4 من مقاتلي «داعش». وشقت هذه القوافل طريقها إلى نقاط التفتيش التي كان بكل منها رجلان لتدخل المدينة. وبحلول الساعة الثالثة والنصف صباحا كان المقاتلون المتشددون يحاربون داخل الموصل. وبعد 3 أيام ترك الجيش العراقي الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، للمهاجمين.
لكن الغموض ظل حتى الآن يكتنف الظروف التي أحاطت بسقوط الموصل وبمن أصدر الأمر بترك القتال والانسحاب. ولم تصدر رواية رسمية لما حدث ولم ينشر سوى ما رواه الجنود عن عمليات هروب جماعي من الخدمة ومزاعم من قوات المشاة بأنها اتبعت أوامر صدرت لها بالهرب.
في يونيو اتهم المالكي دولا بالمنطقة لم يذكرها بالاسم وقادة وساسة منافسين، بالتآمر لإسقاط الموصل، لكنه لزم الصمت منذ ذلك الحين.
مع ذلك ألقت بغداد اللوم على اللواء الغراوي؛ ففي أواخر أغسطس (آب) اتهمته وزارة الدفاع بالتقصير في واجبه. وهو الآن ينتظر ما تتوصل إليه هيئة تحقيق ثم محاكمة عسكرية. وإذا كان قرار المحكمة بالإدانة فمن الممكن أن يحكم عليه بالإعدام. وجرى أيضا احتجاز 4 من ضباط الأمن الذين كانوا يخدمون تحت إمرة الغراوي انتظارا لمحاكمتهم.
ويظهر تحقيق أجرته وكالة رويترز أن مسؤولين عسكريين من مستوى أرفع والمالكي نفسه يتحملون جانبا من اللوم على الأقل. فقد شرح عدد من أرفع القادة والمسؤولين العراقيين بالتفصيل للمرة الأولى كيف استفاد تنظيم داعش من نقص القوات والخلافات فيما بين كبار الضباط والزعماء السياسيين في العراق، وحالة الذعر التي أدت إلى ترك المدينة. ويقول الضباط والمسؤولون إن المالكي ووزير دفاعه ارتكبا خطأ مبكرا فادحا برفض عروض متكررة من قوات البيشمركة الكردية لتقديم المساعدة.
ودور الغراوي في الكارثة موضع خلاف؛ فالغراوي من أفراد الطائفة الشيعية المهيمنة في البلاد، ويقول محافظ نينوى وكثير من المواطنين إنه استعدى الأغلبية السنية في الموصل قبل بدء المعركة. وساهم ذلك في ظهور الخلايا النائمة التابعة لتنظيم داعش داخل الموصل نفسها. واتهم ضابط عراقي الغراوي بأنه لم يحشد القوات لوقفة أخيرة في مواجهة «داعش».
من جانبه، يقول الغراوي إنه ظل صامدا ولم يصدر الأمر النهائي بالانسحاب من المدينة. ويؤكد أن واحدا من 3 أشخاص ربما يكون قد أصدر الأمر النهائي، هم عبود قنبر الذي كان في ذلك الوقت نائبا لرئيس الأركان بوزارة الدفاع، أو علي غيدان الذي كان قائدا للقوات البرية، أو المالكي نفسه الذي كان يوجه كبار الضباط من بغداد بنفسه.
وأصبح الغراوي، على حد قوله، كبش فداء وضحية للاتفاقات والتحالفات التي تبقي النخبة السياسية والعسكرية في العراق في مواقعها. وأحيل غيدان وقنبر، موضع ثقة المالكي، إلى التقاعد. ويقول الغراوي الذي يعيش في مدينته الواقعة في جنوب العراق: «هم يريدون فقط إنقاذ أنفسهم من تلك الاتهامات. التحقيق يجب أن يشمل أعلى القادة والقيادات.. على الكل أن يقول ما لديه حتى يعرف الناس».
وبينما كان مقاتلو «داعش» يسابقون الريح صوب الموصل قبل فجر يوم السادس من يونيو، كان المتطرفون يأملون، كما قال واحد منهم فيما بعد لصديق في بغداد، أن يستولوا على إحدى الضواحي لعدة ساعات، ولم يتوقعوا أن تنهار سيطرة الدولة. دخل المهاجمون 5 أحياء بالمئات، وخلال الأيام القليلة التالية ارتفع عددهم متجاوزا ألفي مقاتل، ورحب بهم سكان المدينة السنة الغاضبون.
كان خط الدفاع الأول عن الموصل هو اللواء السادس بالفرقة الثالثة من الجيش العراقي. وعلى الورق كان قوام اللواء 2500 رجل، أما الواقع فكان أقرب إلى 500 رجل. كذلك كان اللواء تعوزه الأسلحة والذخائر وفقا لما قاله أحد ضباط الصف؛ فقد سبق نقل المشاة والمدرعات والدبابات إلى الأنبار حيث قتل أكثر من 6000 جندي، وهرب من الخدمة 12 ألفا غيرهم. وقال الغراوي إن ذلك لم يبق في الموصل أي دبابات، كما أن المدينة كانت تعاني من نقص المدفعية. كذلك كانت هناك أيضا مشكلة الجنود الوهميين، وهم الرجال المسجلون في الدفاتر الذين يدفعون للضباط نصف رواتبهم وفي المقابل لا يحضرون لثكناتهم ولا يؤدون ما عليهم من واجبات.
وفي حي مشرفة، وهو من نقاط الدخول إلى المدينة، كان عدد الجنود في الخدمة ليلة السادس من يونيو 40 جنديا فقط. ومع تسلل المتشددين إلى المدينة استولوا على عربات عسكرية وأسلحة. وقال ضابط صف كان يعمل في المدينة إن المتشددين شنقوا عددا من الجنود وأشعلوا النار في جثثهم وصلبوا البعض وأشعلوا النار فيهم على مقدمة سيارات الهمفي. وعلى الطرف الغربي من حي «17 تموز» شاهد رجال الشرطة من الكتيبة الرابعة سيارتي همفي و15 شاحنة بيك أب تقترب وهي تطلق نيران المدافع الرشاشة بكثافة. وقال العقيد ذياب أحمد العاصي العبيدي قائد الكتيبة: «في كتيبتنا كلها عندنا مدفع رشاش واحد. أما هم ففي كل بيك أب مدفع رشاش».
أمر الغراوي قواته بتشكيل صف دفاعي لتطويق أحياء الموصل الغربية المحاصرة من جهة نهر دجلة. وقال الغراوي إنه تلقى اتصالا هاتفيا من المالكي للصمود حتى وصول قنبر نائب رئيس الأركان بوزارة الدفاع، وغيدان الذي كان يقود القوات البرية العراقية. كان الاثنان أعلى رتبة من الغراوي وتوليا تلقائيا بالكامل القيادة في الموصل في السابع من يونيو.
في صباح اليوم التالي التقى الغراوي محافظ نينوى أثيل النجيفي. ولم يكن المحافظ صديقا، بل سبق أن اتهم الغراوي بالفساد، وهو اتهام نفاه الغراوي. والآن كان مصير المدينة يتوقف على الغراوي. وسأل أحد مستشاري النجيفي الغراوي عن أسباب عدم قيامه بهجوم مضاد، فرد الغراوي: «لا يوجد ما يكفي من القوات».
كان الفريق بابكر زيباري يرأس الغراوي ورئيسا لهيئة الأركان للقوات المسلحة في بغداد. واتفق في الرأي أنه لا يوجد ما يكفي من الرجال لإلحاق الهزيمة بالمسلحين، وسبق أن رفض المالكي فرصة لتغيير هذا الوضع. وفي السابع من يونيو عرض رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني إرسال قوات البيشمركة لتقديم العون. ووصل هذا العرض إلى المالكي الذي قال زيباري إنه رفضه مرتين عن طريق وزير الدفاع. كما حاولت الأمم المتحدة ودبلوماسيون أميركيون التوسط في وضع ترتيبات مقبولة للمالكي الذي ظل على ارتيابه في نوايا الأكراد. وأصر المالكي على أن القوات العراقية تكفي وزيادة.
في عصر يوم الثامن من يونيو، كانت أكثر من 100 عربة تقل ما لا يقل عن 400 مقاتل قد عبرت إلى الموصل من سوريا منذ بداية المعركة. وقالت الشرطة والجيش إن الخلايا النائمة في المدينة نشطت وهبت لمساعدة المهاجمين. وقصف المهاجمون مركزا للشرطة في حي العريبي وهاجموا المنطقة المحيطة بفندق الموصل المهجور على الضفة الغربية لنهر دجلة الذي تحول إلى موقع قتالي لـ30 رجلا من وحدة خاصة من قوات الشرطة. قصف الغراوي ورجاله من الشرطة الاتحادية المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش بالمدفعية. قال الغراوي إن «معنويات الموصل ارتفعت» لبرهة من الوقت.
لكن خلال ساعات سادت الفوضى قيادة الغراوي. وتقول عدة مصادر عسكرية إن غيدان وقنبر عزلا قائد فرقة بعد أن رفض إرسال رجال للدفاع عن فندق الموصل. ومن الناحية النظرية كان تحت إمرة الضابط المعزول 6 آلاف رجل، وكان قائده المباشر هو الغراوي. ويصف الفريق أول زيباري هذا الأمر بخطأ آخر كبير، ويقول: «في حالة الأزمة لا يمكنك إبدال القائد».
بحلول التاسع من يونيو، كان العقيد العبيدي من الكتيبة الرابعة و40 من رجاله من بين آخر رجال الشرطة المحلية الذين يقاتلون لصد المتطرفين في غرب الموصل، أما الباقون فانضموا للمسلحين أو هربوا من الخدمة. وقبيل الساعة الرابعة والنصف عصرا اتجهت شاحنة صهريج عسكرية لنقل المياه صوب فندق الموصل، حيث كان العبيدي ورجاله يرابطون. وأطلقت الشرطة النار على الشاحنة التي انفجرت وتحولت إلى كتلة هائلة من النار والشظايا. وشهد ضباط عسكريون ومسؤولون محليون، بل ومسؤولون أميركيون، أدلوا بشهادتهم فيما بعد أمام الكونغرس، أن هجوم الفندق هو ما أدى لانكسار الجيش والشرطة في الموصل. وبعد ذلك ذاب الخط الدفاعي في غرب المدينة فلم يعد له وجود.
وبعد نحو 3 ساعات ومع انتشار التقارير عن قيام الشرطة الاتحادية بحرق معسكراتها والتخلص من الزي العسكري، اجتمع محافظ نينوى ومستشاره مع قنبر وغيدان في قيادة العمليات قرب المطار. كان المستشار خالد العبيدي نفسه ضابطا متقاعدا وعضوا في البرلمان انتخب حديثا.
وحث القادة العسكريين على الهجوم بالفرقة الثانية التي ظلت ساكنة نسبيا على الجانب الآخر من النهر في شرق الموصل.
قال قنبر إن لديهم خطة، وحث مستشار النجيفي الغراوي على الهجوم. رد الغراوي أنه لا يمكنه المجازفة بنقل الجنود ورجال الشرطة الاتحادية الذين تبقوا معه. وقال المستشار: «يمكننا أن نأتي لهم بالقوة». وقاطعه قنبر قائلا إن على المحافظ ومستشاره أن يؤديا ما عليهما من واجب، وأضاف: «ونحن سنؤدي واجبنا».
غادر المحافظ ومستشاره القاعدة الساعة 25.‏8 مساء غير واثقين في خطة العسكريين. وقبيل الساعة التاسعة والنصف مساء أبلغ قنبر وغيدان الغراوي بأنهما سينسحبان إلى الجانب الآخر من النهر. قال الغراوي: «لم يقدما لي أي معلومات أو أي سبب». ويضيف الغراوي وضباط آخرون أن قنبر وغيدان أخذا من قوات الغراوي 46 رجلا و14 شاحنة بيك أب وعربة همفي، أي معظم ما لدى وحدته الأمنية. أوضح الغراوي أن قافلة غيدان وقنبر المتقهقرة خلقت الانطباع بأن قوات الجيش العراقي تهجر الميدان. وأضاف: «هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير. هذا هو أكبر خطأ».
قال المحافظ النجيفي إن الجنود افترضوا أن قادتهم هربوا، وخلال ساعتين كان أغلب رجال الفرقة الثانية قد هربوا من الخدمة في شرق المدينة. ظل الغراوي و26 من رجاله مختبئين في قاعدة عملياتهم في الغرب التي اجتاحها المهاجمون.
يقول الفريق أول زيباري إنه لا يعرف من أصدر الأمر لقنبر وغيدان بالرحيل، موضحا أنهما كانا يتصرفان دون علم وزارة الدفاع ويرفعان تقاريرهما مباشرة إلى المالكي.
وفي الساعات الأولى من صباح اليوم التالي اتصل زيباري بالغراوي وحثه على مغادرة مركز قيادة العمليات. ويتذكر الرجلان قول زيباري: «ستقتل. أرجوك انسحب».
رفض الغراوي وأصر على أنه يحتاج لموافقة المكتب العسكري التابع للمالكي لكي يرحل. وعقب ذلك قرر الغراوي أن يقاتل للوصول عبر جسر إلى شرق الموصل. واتصل بغيدان لإبلاغه بذلك. وقال له: «سوف أقتل. أنا محاصر من جميع الجهات. انقل تحياتي لرئيس الوزراء وقل له إنني فعلت كل ما في وسعي».
وانحشر هو ورجاله في 5 عربات واتجه صوب النهر. وعلى الضفة الشرقية أشعلت النار في العربات الـ5. وظل هو ورجاله يتفادون طلقات الرصاص والحجارة. ولقي 3 من الرجال مصرعهم بالرصاص. قال الغراوي إن المسألة أصبحت أن يحاول كل واحد النفاد بجلده.
بحلول أغسطس كان الغراوي قد عاد إلى مدينته في جنوب العراق. وفي يوم من الأيام تلقى مكالمة من صديق بوزارة الدفاع تبين منه أنه رهن التحقيق لهروبه من الخدمة في الموصل. وفي الوقت نفسه رقى المالكي قنبر وسعى لحماية غيدان. وبعد استقالة رئيس الوزراء في 15 أغسطس أرغم الرجلان أيضا على التقاعد.
كان ذلك بمثابة محاولة من حيدر العبادي رئيس الوزراء الجديد للبدء من جديد والسعي لإعادة بناء القوات العراقية. وأغلق العبادي المكتب الذي اعتاد المالكي أن يوجه منه القادة، وفي هدوء أحال الضباط الذين كانوا يعدون موالين لسلفه إلى التقاعد.
الآن على الغراوي أن يتحمل المسؤولية عن سقوط الموصل. ويرى زيباري أن في ذلك ظلما، ويقول: «الغراوي كان ضابطا يؤدي عمله، لكن حظه تعثر مثل كثيرين غيره من الضباط. كلنا علينا أن نتحمل بعض المسؤولية. كل واحد منا». وقبل أسبوعين في بغداد قال الغراوي بذقن غير حليق وصوت أجش إنه يقبل مصيره أيا كان. وأضاف: «ربما يصدر عفو عني، وربما أسجن، وربما أشنق»



مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.


العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
TT

العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)

في أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني عقب أدائها اليمين الدستورية، لم تُستقبل بخطاب تهنئة بروتوكولي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، بقدر ما وجدت نفسها أمام برنامج عمل صارم، يمكن عدّه وثيقة توجيه سياسي واقتصادي وأمني، ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد بوضوح معايير النجاح والفشل.

العليمي الذي ترأس الجلسة الأولى لمجلس الوزراء تحدث بلغة مباشرة، محمّلاً الحكومة مسؤولية مضاعفة في ظرف استثنائي؛ إذ أكد أن البلاد لم تعد تحتمل إدارة تقليدية أو حلولاً مؤقتة، قائلاً: «ندرك جميعاً أن المهمة ليست سهلة، لكن ليس أمامكم سوى خيار واحد: العمل، ثم العمل، ثم العمل».

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على مفهوم «صناعة النموذج» بوصفه جوهر المهمة الحكومية، عادّاً أن الحكومة الجديدة «ليست مجرد تغيير أسماء أو تدوير مواقع؛ بل رسالة سياسية تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وقال إن «صناعة النموذج، مع استعادة ثقة المواطنين والأشقاء والأصدقاء، جزء لا يتجزأ من المعركة الوطنية، وليس مساراً منفصلاً عنها»، في إشارة إلى أن الأداء الحكومي بات ساحة مواجهة موازية للصراع مع الميليشيات الحوثية.

وأوضح أن الحكومة تحمل بعداً أوسع للشراكة، ونقلاً تدريجياً لصناعة القرار إلى جيل جديد، مضيفاً أن الرهان الحقيقي على الشباب والنساء؛ «ليس فقط لإنجاح التجربة، بل لفتح الطريق أمام أجيال متعاقبة، وبناء مسار أوسع للشراكة القابلة للاستمرار».

محددات اقتصادية وأمنية

واحتل الملف الاقتصادي صدارة توجيهات العليمي، الذي ربط بين الاستقرار الاقتصادي وبقاء الدولة، مؤكداً أن تنمية الموارد أولوية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية؛ «بل هي شرط أساسي لإحداث تغيير حقيقي في ميزان القوى».

وأشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن المعركة «لم تعد مقتصرة على ميليشيا الحوثيين الانقلابية؛ بل تشمل اختلالات متراكمة، وفقراً متصاعداً، وتضخماً أنهك المواطنين، وفقداناً للثقة بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد بعدالة وكفاءة».

وقال: «هدفنا العام في هذه المرحلة هو تحقيق الاستقرار الاقتصادي، والتخفيف من معاناة المواطنين»، من خلال دعم استقلالية «البنك المركزي»، وحماية العملة الوطنية، وضمان حد أدنى من اليقين الاقتصادي.

وزراء حكومة الزنداني مع العليمي عقب تأدية اليمين الدستورية (سبأ)

وشدد على أن كبح التضخم، واحتواء تآكل القوة الشرائية، هما «المعيار اليومي الذي يقيس به المواطن صدقية الدولة»، مؤكداً أن ذلك يتطلب «انضباطاً مالياً صارماً، وموازنة واقعية، وتوريداً كاملاً للإيرادات إلى حساب الدولة»، مضيفاً: «لا يمكن الحديث عن دولة بينما يتم استنزاف مواردها خارج خزينتها العامة».

وفي المحور الأمني، أعاد العليمي التأكيد على أنه «لا دولة بلا أمن، ولا أمن دون مؤسسات عادلة»، رافضاً السرديات التي تتحدث عن فراغ أمني، وعدّها «محاولة لإرباك الثقة، واستهدافاً للجهود الإقليمية، خصوصاً الدور السعودي في توحيد القرار الأمني والعسكري».

وأكد على مسؤولية وزارة الداخلية في تعزيز حضورها الأمني، ليس شكلياً؛ «بل عبر انتشار مدروس يستهدف مناطق الضعف ومصادر العنف»، داعياً إلى الانتقال من رد الفعل إلى العمل الاستباقي.

وقال: «الأمن الذي نريده ليس استعراض قوة، بل هو سيادة قانون، وانضباط مؤسسي، ورسالة طمأنينة يومية يشعر بها الناس في حياتهم»، مع التشديد على «حماية الحريات العامة، وموظفي الإغاثة، وتجريم الخطاب الطائفي والمناطقي».

الاختبار العملي

وشدد العليمي على أن جعل عدن عاصمة حقيقية للدولة يمثل اختبار الجدية الأول للحكومة، مشيراً إلى أن إحداث الفارق لن يتحقق إلا عبر 3 محاور متلازمة؛ هي «الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، والأمن وسيادة القانون، والخدمات».

ودعا إلى عودة الحكومة فوراً إلى الداخل، والانتظام في اجتماعاتها، وعدم تسييس الخدمات تحت أي ظرف، «باستثناء ما يتعلق بمنع استفادة الميليشيات الحوثية، وهو أمر محسوم بقرارات دولية».

وأكد أن المواطن لا يعنيه من ينتصر سياسياً؛ «بل من يدفع الرواتب، ومن يوفر الكهرباء والماء، ويضبط الأسعار، ويحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار»، محذراً بأن أي انقسام داخل الحكومة سينعكس مباشرة على حياة الناس.

الزنداني يؤدي اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية (سبأ)

وأولى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني اهتماماً خاصاً بالشراكة مع السعودية، واصفاً إياها بأنها ليست علاقة عاطفية؛ بل «طريقنا الآمن للمستقبل»، وبأنها تقوم على المصالح والمصير والأمن المشترك.

وأكد أن الدعم السعودي أسهم في تحسن الخدمات خلال الأسابيع الماضية، داعياً إلى «البناء عليه، والاستفادة المثلى من المنح والمساعدات عبر القنوات الرسمية، بما يعزز الثقة بالعهد الجديد».

من جهته، عدّ رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن توجيهات العليمي تمثل محددات واضحة لعمل الحكومة، مؤكداً التزامها «العمل المؤسسي، وتعزيز الرقابة، وعدم التهاون مع أي تجاوز للقانون، واستغلال الفرصة التاريخية لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب».