السيرة الثقافية الكونية للقهوة

عبد الله الناصر يروي قصتها مرتحلاً بين منابع البن وطرق الحج

السيرة الثقافية الكونية للقهوة
TT

السيرة الثقافية الكونية للقهوة

السيرة الثقافية الكونية للقهوة

«كثيرون يذهبون إلى المقهى، قليلون يذهبون للقهوة»، بهذه العبارة الدالة اختصر عبد الله الناصر نصه الحسي الثقافي الذي سرد به سيرة القهوة، مرتحلاً بين منابع البن وطرق الحج إلى القهوة، وذلك من خلال كتابه «قهوة نامه - مرويات القهوة والنور»، الصادر حديثاً عن دار «روايات».
فعاشق القهوة، بتصوره، يرقص الرقصتين: رقصة النسيان ورقصة التذكُّر، حيث الارتداد إلى الحبشة، مهد البشر الأول، والوقوف على أطلال الشجرة الأولى التي لم يزرعها الإنسان الأول بنفسه، بل صادفها إلى جانبه «كثمرة صوفية وطهورية». سماها العرب ابتداءً، وأحالتها المتصوفة الشاذلية إلى عقار ديني منشط للصلوات والتجليات، فيما استخدمتها الحركة التطهرية الكالفنية كبديل عن الكحول، قبل أن تتحول إلى وقود رأسمالي، لتستقر كرفيقة للمبدعين.
على هذا الإيقاع يؤسس عبد الله الناصر كتاب القهوة، أو ما يمكن عده جامع النص القهوائي، حيث يجذر أصل ذلك المزاج بالمتصوف اليمني جمال الدين الذي اكتشف القهوة، وربط بينها وبين المناسك الروحية، وذلك استناداً إلى كتاب أنتوني وايلد «القهوة: تاريخ أسود»، المزدحم بروايات إنجيلية تبجيلية للقهوة تماثل الأبعاد الأسطورية التي أوردها ستيفن توبك حول القهوة في المخيال الإسلامي، ليختصر رحلة ذلك الإكسير من التحريم والنخبوية إلى الاستحباب كشراب يومي لكل الناس، لدرجة عدها المعادل لطاولة الحوار والمجتمع المدني الحديث، فهي الركيزة التي قام عليها علم الاجتماع، بتعبير عالم الاجتماع الكندي هو جون مانزو.
والقهوة وثيقة الصلة بمرويات النور، كما يؤكد ذلك المنحى ويليام أوكيرز، في كتابه «كل شيء عن القهوة» الذي يستدعي قصة الشيخ عمر المنفي في مدينة المخا في اليمن، ليسرد كيفية انتصاره على الجوع والعطش والخوف برحيق ثمار النبتة الحمراء التي وهبته النور، تماماً كما حدث له في شمال اسكوتلندا، ولمعلمه العجوز سايمون الذي تلقى على يديه تعاليم تحميص القهوة للتغلب على التيه، إذ كانت دلة القهوة الشرقية تعويذته ضد الضياع. وهو الأمل الذي تعلق به الشاعر محمود درويش، حيث دون في كتابه «ذاكرة للنسيان»، عندما كان محاصراً تحت القصف في بيروت: «أريد فقط هدنة لمدة 5 دقائق من أجل القهوة، 5 دقائق لأضع هذا الفجر على قدميه»، فالقهوة بالنسبة له أداة للعيش والتبصر والتأمل الذاتي.
ليست مصدراً للنور والتأمل وحسب، بل هي (أي القهوة) مضاد للكآبة، كما ذكر ذلك روبرت بيرتون في كتابه «تشريح الكآبة»، عندما تحدث عن مشروب لدى الأتراك شديد المرارة، أسود كالسخام، أو ما سماه «المشروب الروحي التركي» الذي شكل سر قوة وهيبة الإمبراطورية التركية، لدرجة أن هناك من ارتأى أن كلمة «قهوة» إنما هي تحريف لمفردة «قوة»، حتى أن الأتراك منعوا الأوروبيين من الحصول على القهوة. وعندما حصلوا عليها، حسب المؤرخ توم ستانديج في كتابه «تاريخ العالم في ستة كؤوس»، وجدوا في القهوة نديماً بديلاً عن الكحول، كما صارت بيوت القهوة في أوروبا مدخلاً لعصور النهضة والتنوير، حيث تدور الأحاديث حول الشعر والفن والسياسة والفلسفة في حضرة القهوة، وهي وقائع أكدها يورغن هابرماس الذي عد مقاهي لندن آنذاك محركاً لما سماه الحيز العام، الذي يشبه اليوم حيز الشبكات الاجتماعية على الإنترنت. فقد كانت فضاءات القهوة بيت الحكمة، وركن المتكلمين من فلاسفة التنوير الذين حرروا العقل الأوروبي من سطوة المعتقد وثقل الطبقية، انتصاراً واستقبالاً لمهبات الديمقراطية.
وبعد أن استجلب الإغريقي باسكو روزي القهوة إلى لندن من تركيا، بدأت المقاهي بالظهور، وصار لكل مقهى رواده وهويته: مقهى للأدباء، وآخر للعلماء والتنويريين، وثالث للفلاسفة، وهكذا. ولهذا، وُصفت مقاهي لندن آنذاك بالجامعات الرخيصة. ففي أحدها تأسست صحيفة «الغارديان»، وفي آخر اكتشف نيوتن الجاذبية على إيقاع النقاشات، وفي ثالث ولدت فكرة بنك لويدز، وهكذا. وإذا كانت صحبة القهوة تولد الأدب والفن والفكر، فإنها تطبب جراح المحاربين، حيث كانت بيوت القهوة في تركيا مصحة لأنسنة فرسان الإنكشارية، وإعادة استدماجهم في المجتمع.
كما خُصصت حصة من القهوة يومياً للمقاتلين في الحرب الأهلية الأميركية، لدرجة أن المؤرخ جوناثان موريس لاحظ أن مفردة القهوة طاغية في أرشيف رسائل جنود الحرب الأهلية أكثر من مفردات البنادق والمدافع والبارود.
وعندما تمكن الهولنديون من استزراع القهوة في مستعمراتهم، حولوها إلى سلعة للطواف بها حول العالم، فيما كان بحار فرنسي يغامر بتهريب شتلات الشجيرة السحرية عبر البحار، إيماناً منه بأن المستقبل للقهوة. ومن المنطلق ذاته، هُرّبت إلى البرازيل. وكل ذلك بعد سنوات من التحريم، وفق المرسوم المملوكي الشهير، كما جاء في كتاب «رسالة القهوة» لأحمد بن موسى المالكي، وكتاب «عمدة الصفوة في حِل القهوة» لعبد القادر الأنصاري الحنبلي. وهو الأمر الذي تكرر في إنجلترا التي استقبلت القهوة بشيء من العداء والشك، حيث عدتها الكنيسة الأنجليكانية «مشروباً إسلامياً وتركياً يمثل تحدياً دينياً وثقافياً للثقافة المسيحية» لدرجة أن الإنجليز كانوا يسمونها «حبوب المحمديين». أما النحات والرسام الإنجليزي ويليام هوغارث، فقد قال إن «حبوب القهوة هي حبوب الكفار، والتحول إلى شرب القهوة بدل الجعة ردة عن الطريقة الفطرية، وانسلاخ عن الإنجليزية، وسعي فاجر إلى أصناف مختلفة من الأشربة الأجنبية المدمرة».
القهوة كسلعة ساهمت في صعود القوى الاستعمارية والرق، كما تقول بهذه الفكرة كاثرين تكر في كتابها «حضارة القهوة»، حيث حولت الدول الأوروبية مستعمراتها إلى مستعمرات لإنتاج القهوة، باستجلاب الفلاحين والقرويين والسجناء واستعبادهم في ظروف غير إنسانية، حتى أصبحت كلمة القهوة تعادل مفهوم «العمل الشاق بأجر بخس». وبالمقابل، كانت القهوة بمثابة الوقود السحري للنهضة الموسيقية الأوروبية، كما يعزز هذا الرأي جون رايس، على اعتبار أن القهوة عقار طاقة ملهم، حسب تعبيره، حيث يدلل على رأيه بشواهد حدثت في مقاهي أوروبا، كالمشهد الحواري الفلسفي في فضاء المقهى الذي افتتح به موزارت أوبرا من أوبراته. كما كان بتهوفن يفك ريق صباحه بقدح من القهوة، حسب كاتب سيرته دونالد مكاردل. وهكذا، ارتبط كل موسيقي بمقهى، كما ترددت مقولات لمشاهير الكُتّاب والموسيقيين ممجدة لسطوة القهوة على المزاج الإبداعي، وهو تقليد انتقل إلى اليابان، وكان حاضراً بقوة في حوانيت القهوة في دمشق التي كانت تتبارى في استجلاب أعذب الحناجر للغناء فيها، طمعاً في جذب مرتادي القهوة، هذا بالإضافة إلى أغاني قطاف القهوة في مختلف بلدان العالم.
وبقدر ما هي عنوان للمزاج فهي سمة من سمات الكرم، كما تبدت في تقاليد الضيافة عند البدوي بجرعات ذات دلالة: فنجان الهيف، وفنجان الضيف، وفنجان الكيف، وفنجان السيف. وكذلك هي رحيق الطمأنينة وإشباع الحواس، كما يحدث للفيلسوف إيمانويل الذي كان عندما يسمع خطوات الخادم متقدماً ناحيته بفنجان القهوة يصرخ: «يابسة... يابسة... أرى اليابسة!». وبالنسبة للفيلسوف سورين كيركيجارد هي هروب من التكرار بالمعنى الفلسفي، حيث يحتفظ بخمسين نوعاً من أقداح القهوة، حسب كاتب سيرته الذاتية جواكيم غراف، تماماً كالروائي أونريه دي بلزاك الذي يعد من نُساك القهوة. أما تشارلز ديكنز الذي يربط القهوة بالشاعرية، فيرى - أدبياً - أن المقهى هو المكان الذي تحدث فيه الأشياء الجيدة، فهو موقع الاحتفال بالحرية.
هكذا، يؤصل عبد الله الناصر علاقة الإنسان المدني بالقهوة، ابتداءً بالعرب الذين أضفوا على المكان الذي تُقدم فيه القهوة صفة البيت، وهي تسمية تبناها الإنجليز فيما بعد، لينطلق في رحلته السردية بعد ذلك نحو ما سماه «الحركة الثالثة في سيمفونية القهوة»، حيث بيوتات القهوة المختصة، بما تحتمله تلك الزوايا من بروتوكولات التحميص والإعداد والتذوق، وبما في ذلك ساقي القهوة الذي كان يُنظر إليه كعالم قهوة.
وكذلك المياه المقطرة التي تحتوي على نسبة قليلة من أملاح الكالسيوم والماغنيزيوم. فللقهوة، حسب تعبيره، «إيحاءات ونوتات»، كما أن لها سيرة كيميائية تتراوح بين التخمير والتخدير والتقطير، تمثلت فيما سماه «المرحلة الزرقاء»، ومردها تعصب «شعري عاطفي»، كما تقوم على تجربة جمالية فردية.
إن فكرة القهوة، بتصوره، انطلقت من الحجاز، بصفتها البيت الأول للقهوة. وهذه المفردة التي أنّثها العرب وثيقة الصلة بالزمن، ولذة البطء، إلى أن ابتكر الإيطاليون مشروبهم الأنيق (الإسبرسو) الذي يعني القهوة السريعة. ويمثل «ثورة في معمار القهوة وهندستها الحداثية»، حيث أصبح فنجان الإسبرسو مادة ثورية جديدة في بنية المقهى، وطريقة حياة مقررة في كل مقاهي العالم، أو كما يقول الباريستا ستيفن موريسي «إن تحضير الإسبرسو يشبه أن تنظر إلى القهوة بعدسة مقربة». وهذا هو بعض «مانيفيستو القهوة» كعبة الوحيدين، بتعبير عبد الله الناصر، استئناساً بقول الشاعر الصيني لو تونغ «الكوب الأول يرطب شفتي، والكوب الثاني يكسر وحدتي».
فالقهوة نداء يفتتح بها البدوي يومه بفنجان البكرية، أو كما يحلو للشعراء تسميتها بعذراء الصباح، استجابة لنداء الحياة.
- ناقد سعودي



كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
TT

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)

فازت الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026؛ وذلك تقديراً لـ«أعمالها الجريئة والمبتكرة التي خلقت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر من خلال حوار مرِح مع التقاليد الكلاسيكية»، وفق ما أعلنت الجهة المانحة للجائزة، يوم الخميس، وفقاً لوكالة «رويترز».

تُمنح الجائزة من قِبل الأكاديمية السويدية، وتبلغ قيمتها 12 مليون كرونة سويدية (1.2 مليون دولار).

وغالباً ما تمزج أعمال كارسون - وهي شاعرة وكاتبة مقالات كندية - بين الشعر والنثر والحوار والترجمة في مزيج يتجاوز التصنيفات الأدبية التقليدية.

وتشتهر كارسون، على نطاق واسع، بترجماتها للأدب اليوناني الكلاسيكي، الذي يترك أثراً كبيراً في أعمالها المتنوعة؛ إذ تتراوح هذه الأعمال بين نصوص الأوبرا (الليبريتو) والنقد الأدبي والروايات الشعرية.

ويتجلى أسلوبها بوضوح في عملها «نورما جين بيكر من طروادة»» (Norma Jeane Baker of Troy)، الصادر عام 2019، وهو عمل أدائي يمزج بين قصتي هيلين الطروادية - كما وردت في مسرحية «هيلين» للكاتب يوريبيديس - ومارلين مونرو.

نُسخ من كُتب آن كارسون الحائزة جائزة نوبل في الأدب لعام 2026 (رويترز)

وبهذا الفوز، تنضم كارسون إلى قائمة من العمالقة الأدبيين حائزي الجائزة، أمثال ألكسندر سولجينتسين وأليس مونرو وإرنست همنغواي؛ وهي جائزة كثيراً ما تثير انقساماً في الآراء بين عشاق الأدب.

وقد واجهت الأكاديمية انتقادات لاذعة لتجاهُلها بعض عمالقة الأدب على مدار المائة وعشرين عاماً الماضية، مثل ليو تولستوي وفيرجينيا وولف وخورخي لويس بورخيس، كما انتُقدت لتجاهلها الكُتاب الأميركيين، رغم منحها الجائزة للمُغني وكاتب الأغاني بوب ديلان في عام 2016، واتُّهمت أيضاً بأن خياراتها تتسم بالغموض الشديد.

في المقابل، يرى المدافعون عن الأكاديمية أنها اختارت أسماءً تحظى بشعبية واسعة، مثل الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عام 1982، ودوريس ليسينغ عام 2007، مؤكدين أن جزءاً من مهمتها يتمثل في تسليط الضوء على تقاليد أدبية أقل شهرة وتشجيع القراء على توسيع آفاقهم.

وتُمنح جوائز الإنجازات في مجالات الأدب والعلوم والسلام، التي أُسست بموجب وصية رجل الأعمال السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل، منذ عام 1901.

وقد فاز بجائزة العام الماضي الكاتب المجري لازلو كراسنـاهوركاي.


من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون
TT

من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون

من جديد، يعود موسم جوائز نوبل وتعود معه التخمينات حول من يفوز بجائزة نوبل في الآداب لعام 2026؛ إذ حددت الأكاديمية السويدية، كالعادة، يوم الخميس، للإعلان عن اسم الفائز/ أو الفائزة.

ومنذ أيام، والتكهنات تتبارى في الملاحق الثقافية لكبريات الصحف الصادرة في السويد ووسائل الاتصال المرئية والمسموعة، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي لتخمين اسم الأديب، أو الأديبة. لكنها تبقى تكهنات فحسب، وإن كانت قوية؛ ذلك لأن شروط نيل الجائزة صارمة فيما يتعلق بكتمان سر الأسماء المرشحة والتي لا يجوز الكشف عنها إلا بعد مرور خمسين عاماً على تأريخ الترشح لها.

لكن المهتمين بهذه الجائزة بإمكانهم استقراء بعض المؤشرات التي ربما تعين على الاستدلال على من سينال هذه الجائزة، ومن هذه المؤشرات اتباع ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية تبنيها في السنوات العشر الأخيرة، بمنحها بالتناوب بين كاتب وكاتبة، ابتداءً من عام 2017، حيث منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب إلى كازوو إيشيغورو، وهو كاتب بريطاني من أصل ياباني. وفي السنة التي تلتها منحت جائزة نوبل في الآداب إلى الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك.

واستمرت الأكاديمية السويدية على هذا التناوب حتى العام الماضي 2025، حيث مُنحت الجائزة إلى الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي، وبناء على هذه القاعدة فمن المرجح أن تُمنح جائزة نوبل في الآداب لهذا العام إلى كاتبة. الأكاديمية السويدية لا تعيش ضمن حدود دائرتها المغلقة، بل هي في تماس وقراءات متواصلة طوال العام لما يجري على الساحة الثقافية في السويد والعالم، فهناك بعض الكاتبات والكتّاب ممن حصدوا جوائز أخرى قيمة أيضاً، مثل جائزة مان بوكر العالمية، وجائزة غونه الألمانية، وجائزة ستيغ داغرمان السويدية، والتي بإمكانها أن تفتح طريقاً نحو جائزة نوبل.

جوخة الحارثي

 

ووفق لذلك، بإمكاننا القول إن من بين المفترضين لنيل جائزة نوبل للأدب هذا العام، العمانية جوخة الحارثي، التي حصدت جائزة مان بوكر العالمية في عام 2019 عن روايتها «سيدات القمر» (2010): وهي أول كاتبة عربية تنال هذه الجائزة المرموقة. وقد تميزت برصدها المتأني وبلغة سلسة، تحولات المجتمع العُماني عبر أجيال مختلفة. ومن مؤلفاتها الأخرى «منامات» الصادرة في عام 2004، و«نارنجة» (2016)، وهي رواية تستكشف بأسلوب عميق تفاصيل النفس البشرية والذكريات والعلاقات الإنسانية. و«حرير الغزالة» (2021): عمل روائي بارز يتواصل فيه السرد باستكشاف التحولات الاجتماعية والإنسانية. ونيلها الجائزة ليس بالمستبعد.

ومن بين الكاتبات اللواتي فزن بجائزة بوكر ويرجح أن يخطرن على بال الأكاديمية السويدية جيتانجالي شري، وهي كاتبة هندية، تُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في الهند. عُرفت أعمالها بالتجريب اللغوي وجرأتها في السرد وبانشغالها بأسئلة الهوية، والذاكرة، والجسد، والحدود، مع اهتمام خاص بتفكيك السرديات السائدة وإعادة النظر في أشكال الرواية التقليدية.

وهي أول كاتبة هندية تحصل على جائزة «بوكر» الدولية، في عام 2022، وذلك عن روايتها «ضريح الرمل» التي تدور أحداثها في شمال الهند، وتتناول فيها حياة امرأة تبلغ 80 عاماً، تبدأ حياة جديدة غير تقليدية بعد وفاة زوجها.

ويرد أيضاً اسم الكاتبة الهندية الثانية التي فازت ببوكر، العام الماضي، 2025 عن مجموعتها القصصية «هارت لامب... مصباح القلب»، التي تتناول الحياة اليومية لنساء مسلمات في جنوب الهند. وتكتب بلغة الكانادية، هي لغة محلية في الهند.

ومن الأسماء المتداولة جداً هذا العام، آن كارسون، وهي كاتبة كندية ولغوية، وشاعرة، ومترجمة، وناقدة أدبية،، وباحثة في الأدب القديم، كما هو الحال في كتابها «السيرة الذاتية الحمراء».

ويمزج أسلوب كارسون في الكتابة بين الشعر والمقالات والنقد الأدبي وأشكال أخرى من النثر، وأسلوبها فريد ومبتكر وعلمي في آن واحد. حصلت آن كارسون على العديد من الجوائز الأدبية ورُشِّحت لجائزة «الكتاب الوطني للشعر» لعام 2024 عن مجموعتها الشعرية «المعيار الخاطئ» في عام 2021، وجائزة PEN/Nabokov للتميز في الأدب العالمي. وتقيم كارسون في نيويورك.

ومن الأسماء النسوية البارزة كان شويه، أو تسان شيويه، كاتبة صينية، وُلدت خلال فترة مضطربة في تاريخ الصين وعاشت عائلتها تحت وطأة ظروف قاهرة، تعرض والدها للاعتقال والتعذيب جراء مناهضته للسلطات، كما تعرضت عائلتها للاضطهاد إبان الثورة الثقافية. وكل هذه التجارب انعكست بشكل كبير في رواياتها وقصصها القصيرة التي تعددت فيها أساليب الكتابة، ويقارن النقاد أعمالها الأدبية بكتابات كافكا، بسبب أسلوبها التجريبي الذي يمزج بين اليوتوبيا والواقع المرير؛ ففيها الواقع المتخيل والتخيلات الواقعية المحتقنة بالسلبيات، وما بينهما نوع من السوريالية التي تقوم بتحويل الحدث إلى قطعة غرائبية في عرضها للأحداث اليومية، بأسلوب غير واقعي وقاتم، يحول الأحداث اليومية إلى منحى سوريالي.

ومن كتبها المترجمة إلى السويدية، «أعيش في الأحياء الفقيرة»، وهي مجموعة قصصية تتناول فيها الحياة على هامش المجتمع، و«الحب في الألفية الجديدة» ترصد حيوات مجموعة من النساء في مجتمع تتربص فيه المؤامرات والشكوك في كل زاوية، كما يتربص السحر، وتعرضت الكثيرات منهن للاستغلال في مصنع القطن المحلي، لكنهن تمكنّ من الفرار.

ثم يأتي اسم جامايكا كينكيد، وهي روائية أميركية وكاتبة مسرحية نشأت في منطقة الكاريبي على جزيرة أنتيغوا الكاريبية. وقد وُلدت عام 1949 باسم إيلين بوتر ريتشاردسون، ونشأت مع والدتها في الجزيرة التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية. وفي سن السادسة عشرة، انتقلت إلى نيويورك للعمل مربيةَ أطفال، وبعد عشر سنوات أصبحت كاتبة دائمة في مجلة «نيويوركر».

واتخذت اسم جامايكا كينكيد؛ لأنها أرادت إخفاء حقيقة كونها كاتبة عن والدتها. كان أول ظهور لها بوصفها كاتبة مع مجموعة قصص قصيرة عنونتها بـ«في قاع النهر» عام 1983. وفي عام 1985، أصدرت روايتها «آني جون»، وتدور حول والدتها.

ومن بين الكاتبات المميزات أيضاً، المكسيكية كريستينا ريفيرا غارزا، التي اشتهرت برواياتها ومذكراتها. حازت العديد من رواياتها على أرفع جوائز أدبية في المكسيك وتكريمات دولية. من مؤلفاتها: «لن يراني أحد أبكي»، ومذكراتها الصادرة عام 2023 بعنوان «صيف ليليانا الذي لا يُقهر»، والتي توثق حياة شقيقتها ومقتلها عام 1990 على يد حبيبها وهي في العشرين من عمرها.

ووصلت إلى القائمة النهائية لجائزة «الكتاب الوطني» لعام 2023 عن فئة الأعمال غير الروائية، وفازت بجائزة «بوليتزر» عن فئة المذكرات أو السيرة الذاتية. ووصفت أعمال ريفيرا غارزا بأنها «ممتعة ومُقلقة في آن». بصفتها كاتبة، تسعى إلى إضفاء طابعٍ مُظلم على الأشياء وإثارة الشكوك لدى القراء، إيماناً منها بأن «العالم مليءٌ بالنور والوضوح» ولكنها لا تعتقد أن غاية الأدب هي التثقيف، فهناك طرق أخرى لتحقيق ذلك، بل تنظر إلى الكتابة على أنها تجسيدٌ ماديٌّ للتفكير.

وتؤمن ريفيرا غارزا بأن الأدب من الوسائل القليلة التي يُمكن للناس من خلالها استكشاف حدود التجربة الإنسانية عبر اللغة. وهي تمزج بين السرد والشعر والقصة القصيرة والرواية وعناصر من خيالها مع أخرى من الواقع، بما في ذلك الوثائق التاريخية، بل أدرجت نفسها في إحدى رواياتها. وغالباً ما ركزت أعمالها على المهمشين، مثل المرضى النفسيين والعاملات في الدعارة.

مارغريت آتوود

ومن الكاتبات المتداولة أسماؤهن على لائحة التكهنات لنيل جائزة نوبل في الآداب، أليكسيس رايت، المولودة عام 1950، وتنتمي إلى شعب وانجي في المرتفعات جنوب خليج كاربنتاريا في شمال أستراليا. تُعدّ من أبرز الكاتبات الأستراليات، وتتميز كتبها بالإبداع والابتكار، فضلاً عن كونها حائزة على جوائز. وهي تكتب روايات واقعية تتناول مشاكل السكان الأصليين الأستراليين في التكيف مع القوانين والقيم السائدة. من إصداراتها رواية «كاربنتاريا» والتي توصف بملحمة آسرة، وتدور أحداثها حول عائلة فانتوم القوية في بلدة ديسبيرانس الساحلية الصغيرة، وقادة شعب بريكلبوش وصراعهم الدائر ضد عصابة جوزيف ميدنايت المتمردة، وضد سلطات البيض في أبتاون، والمنجم المدمر بيئياص واجتماعياً. كشفت هذه الرواية عن براعة أليكسيس رايت الزاخرة بشخصياتٍ رائعة، ومنبوذةٍ من المجتمع.

هناك ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية على تبنيها في السنوات العشر الأخيرة بمنح الجائزة بالتناوب بين كاتب وكاتبة

بالطبع، هذه ليست كل الأسماء التي يرجح أن تكون مستوفية لشروط الحصول على جائزة نوبل في الأدب؛ فهناك أسماء كثيرة أخرى، ومنها من ظل يتردد في كل عام سواء من الكاتبات الكلاسيكيات مثل، مارغيت أتوود أحد أبرز الأصوات الأدبية في العصر الحديث، وهي شاعرة وروائية وناقدة أدبية، وأكثر الكاتبات الكنديات شهرة عالمية، فقد كتبت أكثر من 50 عملاً أدبياً، يشمل روايات، وقصصاً قصيرة، وقصائد شعر، ومقالات نقدية. وتتميز أعمالها بالتركيز على قضايا لصيقة بالبعد الإنساني، كقضايا المرأة، والبيئة، والموقف من السلطة، وغالباً ما تتخذ رواياتها الطابع الديستوبي الذي يرسم العوالم المستقبلية المتخيلة.

وإذا لم تسر الأكاديمية السويدية على ما دأبت عليه في السنوات العشر الأخيرة، أي التناوب، بين سنة وأخرى، وقررت منحها هذا العام أيضاً لكاتب أو أديب رجل، فهناك وفرة بأسماء من يتوقع نيلهم جائزة نوبل في الآداب لعام 2026، ومن بينهم: هاروكي موراكامي من اليابان. والفرنسي ميشيل هولبيك، والأميركي توماس بينشون، والأرجنتيني سيزار أيرا، ومن الهند أميتاش غوش، والأسترالي جيرالد مورنان.


هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟
TT

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تناول الجنسين معاً، إلا أن المرأة وحدها هي المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها؛ لأنهن الطرف الذي قُدّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الشائكة المتصلة بالحب والزواج والأنوثة والأمومة في الأعمال الإبداعية للنساء المشتغلات بشؤون الأدب والفن، فاللافت بهذا الخصوص، أن هذا الموضوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثاراً لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم في «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مع ضرورة الإشارة إلى السمات المختلفة التي تحكم أساليب الكاتبات الثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد.

في كتابها «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، لا تأبه يسرى مقدم كثيراً للنسب الأدبي الذي ينتمي إليه عملها السردي السيَري، بل تحوله حواراً مع النفس، تكشف من خلاله، وقد أنجبت صبياً وفتاة، عن إخفاقها الذريع في القيام بدورها كأم؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنها رأت في أمها بالذات، ما يرمز إلى الأمومة المطلقة، حيث الحدب على الأولاد والأحفاد يصل إلى حد العطاء الأقصى والإمحاء الخالص.

وإذا كنا نعرف من سياق العمل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولاً من قِبل عصابة مهربين، قبل ولادتها بأسابيع، فإن عبارة «يا سكنة» التي تكررها المؤلفة على نحو دائم، تبدو نوعاً من الانتشال الرمزي للأم الراحلة من براثن العدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة على الغرق أملاً في خلاصٍ غير متوقع. وإذ تكشف الكاتبة عن أن أمها سكنة لم تتكفل أعباء تربيتها فحسب، بل أوكلت إليها الابنة، بفعل انشغالاتها الكثيرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانصراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لم يختلف موقف الابنة المهملة كثيراً عن موقف الابن الساخط، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة بقولها عنها: «كانت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزاً جليدياً بات يفصل فيما بيننا».

لكن الذروة الدراماتيكية لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت في اكتشافها أنها لم تكن جزءاً من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شاشة الهاتف بمناسبة عيد الميلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عن دورها كأم، جزءاً أساسياً من المشهد العائلي.

ومع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خارجات على الغريزة »، قضايا المرأة والأمومة والإنجاب من خلال نماذج نسائية متنوعة الأمزجة والقناعات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هذه النماذج، بمعزل عن البيئة والثقافة والظروف الشخصية والاجتماعية التي تنشأ المرأة في كنفها، والتي تسهم إلى حد بعيد في دفعها إلى خيار الإنجاب أو عدمه، فضلاً عما يمكن للعلاقة بين الزوجين، والتي تتفاوت بين الحب والكراهية والتناغم والتنابذ، أن تلعبه في نجاح العلاقة بين الأمهات وأطفالهن أو انحدارها إلى فشل ذريع.

ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلى أميركا، قبل أن يختبرا علاقة زوجية ناجحة في بدايتها، كانت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهى من ذلك، أن المكافأة التي نالتها من الزوج، على القيام بمهماتها الأمومية التي دفعت ثمنها باهظاً على المستويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مع امرأة أكثر نضارة، قبل أن يغوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة.

أما ناديا، صديقة جلنار الأثيرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والشرط الإلزامي لتحقيق ذاتها كأنثى، بل هي خيار شخصي تأخذه كل امرأة بمفردها. وقد حرصت المؤلفة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعاً أنثوياً غرائزياً و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنجاب، عمدت إلى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحداً بعد الآخر، إلى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة.

وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنية، من يشاطرها أفكارها المتحررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناءً لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي.

أما سهير بشارة، فهي تعبّر في روايتها «حامل النور»،عن نظرة إلى الأمومة مغايرة لمعظم النماذج السابقة، سواء من حيث انتصارها لمبدأ الإنجاب نفسه، أو من حيث علاقة الأم بالطفل، فضلاً عن الغبطة التي تنتاب المرأة وهي تمنح الحياة فرصة جديدة للتحقق. كما أن الكاتبة تنقل مفهوم الولادة من كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل من الرحم، لتتحول حدثاً دائماً يستغرق الحياة بكاملها. وقد حرصت بشارة على تحويل المأزق الصعب الذي واجهه والدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بمتلازمة داون، إلى مناسبة للربط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كل طفل يولد هو رمز للإنسانية جمعاء، وأي تخلٍّ عنه هو تخل عن هذه الإنسانية.

الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها

وإذا كان من اللافت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بأن «الزواج هو مؤسسة فاشلة بطلاها امرأة ورجل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فإن ردة فعل الزوج المصدوم، لم تخيب خيبتها به، بل أكدتها بالملموس، وهو الذي هتف لدى مشاهدة طفله «لماذا أنا؟، لماذا اختارني الله لأكون أباً لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه.

على أن قرار الأم بالوقوف إلى جانب ابنها حتى النهاية، قابله صراع مرير بين النزوع النرجسي للمرأة المنتشية بذاتها، والتي تحظى بقدر وافر من الجمال، وبين عاطفتها الخلاقة التي جعلتها تحول وضع ابنها المريض مناسبةً لاستيلاد نفسها من رحم المكابدات الشاقة والحب الخالص. وهي حين طرحت على نفسها وعلى العالم سؤالها المحير: «لمن ينبغي أن تنتصر المرأة إذا فرضت عليها الحياة الانتصار لأحد الخيارين: الأنوثة أو الأمومة، فقد بدت بذلك وكأنها تجتاز المأزق الوجودي نفسه الذي فُرض على مريم العذراء، الاختيار بين دورها كأنثى ودورها كأم، قبل أن تغلّب الثاني على الأول.

هكذا كفّت البطلة الأم، عن أن ترى في وجود طفلها المنغولي نقمة عليها، بل رأت فيه نعمتها وفرحها بالوجود وهديتها السماوية. لذلك؛ فهي تخاطب ابنها بالقول: «لست قادرة على الاستمرار من دونك، فأنا أحتاج إليك أكثر من حاجتك إلي. كنتُ في نظر الكثيرين قوتك، ولكن في الحقيقة كنت أنت قوتي، وكنت أتشبث بك لأتنفس الحياة، ولأسترد حقيقتي التي فقدتُها ذات يوم».