مصرع 13 جندياً فرنسياً بينهم 12 ضابطاً بتصادم مروحيتين في مالي

باريس تواجه تحديات استراتيجية وأمنية وإرهابية في بلدان الساحل

مصرع 13 جندياً فرنسياً بينهم 12 ضابطاً بتصادم مروحيتين في مالي
TT

مصرع 13 جندياً فرنسياً بينهم 12 ضابطاً بتصادم مروحيتين في مالي

مصرع 13 جندياً فرنسياً بينهم 12 ضابطاً بتصادم مروحيتين في مالي

في أكبر خسارة يمنى بها الجيش الفرنسي منذ الهجوم الذي استهدف وحداته في بيروت في عام 1983 والمعروف باسم «هجوم دراكار» الذي أوقع 58 قتيلا في تفجير لمبنى كانوا يقيمون فيه في إطار عملهم داخل القوة الدولية في لبنان، قتل 13 ضابطا وصف ضابط في مالي ليلة أول من أمس بسبب اصطدام مروحيتين إحداهما هجومية من طراز «تايغر» والثانية للنقل من طراز «كوغار». ووقع الحادث جنوب شرقي مالي في المنطقة المعروفة باسم «ليبتاكو» التي تعد الأكثر خطورة بالنسبة لـ«عملية برخان» الفرنسية لمحاربة الإرهاب لكونها تقع داخل المثلث الحدودي لمالي وبوركينا فاسو والنيجر. وأفاد بيانان صادران عن وزارة الدفاع وقيادة الأركان الفرنسية بأن حادث الارتطام حصل خلال عملية إسناد جوي كانت تقوم بها الطوافتان إضافة لطائرة ميراج 2000 لمجموعة أرضية مقاتلة كانت تلاحق «إرهابيين» في المنطقة منذ عدة أيام.
حتى عصر أمس، لم تكشف السلطات العسكرية عن أسباب التحطم. وأفادت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي بأن تحقيقا قد فتح لجلاء أسباب «المأساة» التي تعد الخسارة الكبرى التي حلت بالقوة الفرنسية العاملة في مالي منذ عام 2013، وفي عام 2014 تحول اسم العملية الفرنسية من «سيرفال» التي كانت مهمتها، بداية، إنقاذ العاصمة المالية «باماكو» من هجوم مجموعات إرهابية كانت تحاول الوصول إلى العاصمة، إلى «برخان» وهو اسم تلة في مالي. وتنشر فرنسا، في إطار هذه القوة العسكرية التي مهمتها محاربة الإرهاب ليس في مالي وحدها بل أيضا فيما يسمى «دول الساحل» الممتدة من موريتانيا إلى التشاد، نحو 4500 جندي إضافة إلى قوة جوية. لكن هذه القوة تعمل بشكل أساسي في مالي التي يبدو وضعها الأمني الأكثر هشاشة من بين دول المنطقة كافة.

كان من الطبيعي أن تجمع الطبقة السياسية الفرنسية رئاسة وحكومة ومعارضة وأحزابا على التعبير عن تضامنها مع قوة «برخان» وعن تقديرها للدور الذي تقوم به دفاعا أولا عن فرنسا ومصالحها وفي محاربة الإرهاب المتنامي في كل دول المنطقة. ووصف الرئيس إيمانويل ماكرون في تغريدة العسكريين القتلى بـ«الأبطال الذين لم يكن لهم سوى هدف واحد هو حمايتنا». كذلك أشاد بـ«شجاعة» العسكريين وبـ«عزمهم الذي لا يلين» في إنجاز المهمة الموكلة إليهم. واستخدم رئيس الحكومة الكلمات الرئاسية نفسها في التعبير عن «العرفان الكبير لهؤلاء الأبطال» فيما أشار الرئيس الأسبق فرنسوا هولاند الذي اتخذ قرار إرسال القوات الفرنسية للقتال في مالي عام 2013 إلى أن فرنسا كلها تبكي قتلاها الذين كانوا «يحاربون الإرهاب بشجاعة».
ومع القتلى الـ13 الذين ينتمون إلى نخبة القوات الفرنسية، إذ إن بينهم 12 ضابطا وصف ضابط، تكون فرنسا قد خسرت في مالي وحدها 38 قتيلا يضاف إليهم ثلاثة سقطوا في أماكن أخرى في المنطقة. وينتظر أن يقام لهم في الأيام القليلة القادمة احتفال تكريمي، كما أن الجمعية الوطنية «البرلمان» التزم دقيقة صمت بعد ظهر أمس حدادا وتكريما. ومن بين القتلى، ابن أحد أعضاء مجلس الشيوخ «جان ماري بوكل» وهو طيار لمروحية. ولم ينج أحد من راكبي المروحيتين. وخلال أمس، ركزت عمليات الإنقاذ على استعادة جثث القتلى وتجميع ما أمكن من تسليح المروحيتين اللتين ارتطمتا على ارتفاع منخفض. والغالب أن العواصف الرملية والغبار لعبتا دورا في حصول الحادثة حينما كانت الطوافتان تحلق كل منهما على مسافة قريبة من الأخرى. ولا يخفي المسؤولون الفرنسيون قلقهم من الوضع الأمني في مالي وفي بقية بلدان الساحل رغم الجهود المبذولة، ليس فقط فرنسيا، وإنما أيضا على المستوى الأوروبي والدولي. ذلك أنه إلى جانب قوة «برخان»، توجد في مالي القوة الدولية العاملة تحت علم الأمم المتحدة والمسماة «مينوسما» «القوة الدولية متعددة المهام الخاصة باستقرار مالي» التي تعد الأكبر من بين مهمات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة؛ إذ إنها تضم 13 ألف رجل. وغالبية القوة الساحقة تأتي من الأفارقة أنفسهم وتحديدا من «المجموعة الاقتصادية لبلدان غرب أفريقيا». وهذه القوة المنتشرة منذ عام 2013 خسرت نحو 200 رجل في مالي في عمليات إرهابية. لكن انتشارها في مالي رغم عددها الكبير لا يبدو مؤثرا كثيرا على الوضع الأمني كما أنها لا تحظى بتقدير واحترام السكان بسبب الاتهامات العديدة التي وجهت لبعض وحداتها ومنها الاغتصاب والتحرش. ويضاف إلى القوة الدولية «البعثة الأوروبية لتأهيل الجيش المالي» التي تضم نحو 700 جندي ينتمون إلى 28 بلدا أوروبيا وهم منخرطون في مهماتهم منذ ست سنوات. وعمد الاتحاد الأوروبي إلى تمديد مهمتها في 2018 لعامين إضافيين مع مضاعفة ميزانيتها لتقترب من 60 مليون يورو بسبب توسيع مهماتها لأنها أخذت تشمل تدريب ما يسمى «قوة مجموعة الـ5 في الساحل».
ومنذ عام 2013 وبداية عملياتها في مالي، تدعو فرنسا شركاءها الأوروبيين إلى توفير الدعم لها. وهذا الدعم رغم وجوده بأشكال مختلفة «لوجيستي، مالي - استخباري» لا يبدو كافيا بالنسبة لباريس التي تستفيد أيضا من الدعم الأميركي خصوصا الاستخباري؛ لذا، دفعت باريس باتجاه تشكيل قوة أفريقية مشتركة لبلدان الساحل الخمسة «موريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتشاد». وأسفرت الجهود الفرنسية عن إطلاق قوة «جي 5 ساحل» أواخر عام 2015 والغرض منها التضامن والعمل المشترك في محاربة الإرهاب. لكن هذه القوة لم تنطلق حقيقة حتى اليوم لعدة أسباب أولها فقدان التمويل الكافي وثانيها الحساسيات القائمة بين بعضها. وحتى اليوم، لم تقم تلك القوة إلا بعمليات محدودة للغاية ويسعى الأوروبيون، في إطار بعثتهم المشار إليها سابقا، جاهدين إلى تسهيل العمل المشترك بين أفراد القوة التي تحتاج للتسليح والتمويل والتأطير، وبالتالي فإن خطة نقل مهمة محاربة الإرهاب والمحافظة على استقرار المنطقة إلى الأفارقة أنفسهم تحتاج إلى كثير من الجهود حتى تتحول إلى واقع.
ويطرح هذا الوضع تحديات عديدة على السلطات الفرنسية وأولها التساؤل حول المدة الزمنية التي ستبقى خلالها «برخان» فاعلة في أفريقيا. ذلك أن ستة أعوام لم تكن كافية لجبه التنظيمات الإرهابية، وأهمها «القاعدة» و«داعش» بأسماء مختلفة، إضافة إلى مجموعات أخرى أقل أهمية تدور حولهما. وفي زمن عصر النفقات، تبدو كلفة «برخان» مرتفعة إذ تبلغ سنويا 700 مليون يورو. وثمة قناعة مترسخة قوامها أن مهمة «برخان» ستدوم أيضا لسنوات وسنوات؛ لأن المجموعات الإرهابية توسع عملها في السنوات الأخيرة وسيطرت على مناطق واسعة كما هي الحال في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو. ولا يمر أسبوع واحد من غير أن تقوم بعمليات إرهابية في هذا البلد أو ذاك.
ولعل أبرز اعتراف بالعجز عن التغلب على الإرهاب في المدى القريب ما جاء على لسان رئيس الأركان الفرنسي الذي أكد أكثر من مرة أن «توفير الأمن على مجرى نهر النيجر الذي يقسم مالي قسمين ويمر في بوركينا فاسو قبل أن يصب في خليج غينيا سيحتاج إلى العديد من السنين ولن يتحقق إلا بتصاعد التعاون مع القوى الشريكة لنا ومع الفاعلين في توفير الاستقرار». تحديات كبيرة تواجهها فرنسا التي بدأت بسحب قواتها من أفغانستان عقب الهجوم الذي استهدفها في أوزبين عام 2008.
لكن أفغانستان شيء وبلدان الساحل شيء آخر؛ إذ لفرنسا مصالح استراتيجية واقتصادية وسياسية كبيرة؛ وهي ملاصقة لبلدان شمال أفريقيا، حيث الملف الليبي يشكل مصدر قلق كبير لفرنسا ولكل الأوروبيين؛ ولذا سيكون من الصعب على أي رئيس فرنسي أن يفكر في الانسحاب من هذه المنطقة وبالتالي سيتعين على باريس أن تضاعف جهودها الدبلوماسية والسياسية والأمنية والعسكرية حتى لا يكون العبء الأكبر من نصيبها وحدها.


مقالات ذات صلة

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟