غياب المعلومات ونقص المهارات... تحديات تواجه «صحافة البيانات»

التجارب العربية محدودة وغرف الأخبار التقليدية تعيق التقدم

رغم انتشار صحافة البيانات عالمياً فإن المنطقة العربية ما زالت تخطو خطواتها الأولى في هذا المجال
رغم انتشار صحافة البيانات عالمياً فإن المنطقة العربية ما زالت تخطو خطواتها الأولى في هذا المجال
TT

غياب المعلومات ونقص المهارات... تحديات تواجه «صحافة البيانات»

رغم انتشار صحافة البيانات عالمياً فإن المنطقة العربية ما زالت تخطو خطواتها الأولى في هذا المجال
رغم انتشار صحافة البيانات عالمياً فإن المنطقة العربية ما زالت تخطو خطواتها الأولى في هذا المجال

مع تطور صناعة الإعلام والصحافة على مستوى العالم، والمنافسة القوية التي تشهدها من جانب وسائل التواصل الاجتماعي، أو ما يسمى بالإعلام الجديد، أصبح الاعتماد على ما يسمى بصحافة العمق أمراً حتمياً، لتحقيق الميزة التنافسية في عصر الانتشار السريع للمعلومات... ومن بين أهم الأدوات الصحافية في هذا المجال، الصحافة المدفوعة بالبيانات أو «صحافة البيانات»، وهي نوع من الصحافة يعتمد على استخدام التكنولوجيا في تحليل قواعد البيانات الضخمة، لتقديم قصص صحافية عميقة.
في كتابه «الحقائق المقدسة» يُعرّف محرر البيانات بشركة «غوغل»، سايمون روجرز، «صحافة البيانات»، بأنها «مجموعة من الأساليب تساعد الصحافيين على تقديم القصة الصحافية في أفضل صورة ممكنة، عبر توظيف قواعد البيانات والأدوات التحليلية». بدأ الاعتماد على التكنولوجيا في الصحافة لتحليل البيانات في أواخر الستينيات، وبداية السبعينيات من القرن الماضي، وكانت صحيفة «الغارديان» البريطانية أول مؤسسة على مستوى العالم تتبنى مفهوم «صحافة البيانات»، عندما أطلقت عام 2009، مدونة أطلقت عليها اسم «Data Blog». وذكرت «الغارديان»، في المدونة، أن «(صحافة البيانات) ليست جديدة، وأول تقرير أعدته مدفوعاً بالبيانات كان في مطلع مايو (أيار) عام 1821. عندما أعدت تقريراً صحافياً معتمداً على بيانات المدارس في مانشستر».
ورغم انتشار هذا النوع من الصحافة عالمياً؛ فإن المنطقة العربية ما زالت تخطو خطواتها الأولى في هذا المجال، عبر مبادرات يغلب عليها الطابع الفردي؛ حيث يواجه هذا النوع من الصحافة العديد من التحديات، التي يلخصها العاملون في المجال في غياب المعلومات، ونقص المهارات، ومخاوف من إنتاج غرف الأخبار قصصاً صحافية مدفوعة بالبيانات.
الدكتورة نهى بلعيد، أستاذ الإعلام والاتصال الرقمي بتونس، عضو مجلس إدارة «شبكة صحافيي البيانات العرب»، رئيس تحرير «المرصد العربي» للصحافة، قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «أبرز التحديات التي تواجه (صحافة البيانات) في الوطن العربي، تتمثل في غياب الأدوات اللوجستية المناسبة لممارسة (صحافة البيانات) بمقر الوسيلة الإعلامية مثل الحواسيب، والبرامج المعلوماتية، وعدم وجود مصادر مفتوحة كافية لاستخراج البيانات اللازمة، وصعوبة النفاذ إلى المعلومة بأغلب الدول العربية، إضافة إلى عدم تمكن الصحافيين من المهارات اللازمة لاستخراج البيانات وتحليلها وعرضها».
بينما يرى الصحافي إيهاب الزلاقي، رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة «المصري اليوم» الخاصة بمصر، عضو «شبكة صحافيي البيانات العرب»، أن «التحدي الأكبر الذي يواجه (صحافة البيانات) في الوطن العربي، هو مدى عدم توافر البيانات من مصادرها الأصلية في صورتها الخام». وأضاف: «لا توجد قوانين لحرية تداول المعلومات في كثير من الدول العربية، من بينها مصر».
ووفقاً لاستطلاع أجرته «شبكة صحافيي البيانات العرب» عام 2017، عن «صحافة البيانات» في العالم العربي، شمل 60 صحافياً من 8 دول عربية، فإن «71.9 في المائة من المبحوثين أكدوا صعوبة الحصول على البيانات في بلادهم، بينما وصفها 22.8 في المائة بأنها صعبة جداً، في حين رأى 5.3 في المائة أن الحصول على البيانات في بلادهم أمر سهل». وأشار الاستطلاع إلى أن «هناك 100 دولة حول العالم لديها قوانين تسمح بحرية تداول المعلومات، والحصول على البيانات؛ حيث أقرت الأردن قانوناً لحرية تداول المعلومات عام 2007، وكذا أُقرت قوانين مماثلة في تونس والمغرب عام 2011، وفي اليمن عام 2012»؛ لكن رغم وجود قوانين لحرية المعلومات في بعض الدول العربية، إلا أن 83.1 في المائة ممن شملهم الاستطلاع قالوا إنهم «لم يستخدموا حقهم في الحصول على المعلومات، مقابل 16.9 في المائة فعلوا ذلك».
لكن عمرو العراقي، مؤسس «شبكة صحافيي البيانات العرب»، وموقع «إنفو تايمز»، يرى أن «غياب البيانات معوق غير حقيقي»، مضيفاً أن «هناك الكثير من البيانات الرسمية والحكومية المتاحة، التي يمكن الحصول عليها من مؤسسات دولية، أو مؤسسات مجتمع مدني، أو عبر استطلاعات الرأي، التي تشكل مادة خاماً كافية للبدء في عمل موضوعات صحافية مدفوعة بالبيانات»، ضارباً المثل بالبيانات التي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر مثلاً.
وقال العراقي لـ«الشرق الأوسط»، إن «المشكلة هنا ليست في غياب البيانات؛ بل في إقدام الصحافي على الاشتباك مع قواعد البيانات، فبعض الصحافيين يرون أن قصتهم الأولى المدفوعة بالبيانات يجب أن تكون كبيرة على غرار (أوراق بنما)، وبالتالي فهم ينتظرون تسريبات كبيرة، بينما يمكن البدء في عمل قصص جيدة من البيانات المتاحة، التي تساعد في الكشف عن معلومات تساعد صناع القرار، وتفيد المجتمع».
التحدي الثاني الذي يواجه الصحافة المدفوعة بالبيانات هو المهارات؛ حيث يشير استطلاع شبكة صحافيي البيانات العرب إلى «تساوي نسبة من يستخدمون برنامج (الإكسل) مع من لا يستخدمونه من بين المبحوثين، وهي 22 في المائة لكل منهم، في حين يستخدم 20.3 في المائة البرنامج أحياناً»، و«هناك 18.6 في المائة يريدون تعلم استخدام (الإكسل) في تحليل البيانات، و16.9 في المائة يريدون تطوير مهاراتهم في استخدام البرنامج».
بدوره، أكد العراقي أن «برامج تحليل البيانات هي مجرد أدوات، والأهم هو امتلاك الصحافي للمهارات الصحافية، وقدرته على طرح الأسئلة الصحيحة على جداول البيانات، واختيار الموضوعات والربط بين المعلومات»، مضيفاً أن «إتقان برامج متطورة لا يساعد على إنتاج قصص مختلفة؛ بل يقلص الوقت للحصول على الإجابة».
لكن الزلاقي قال إن «صحافة البيانات تحتاج مهارات مختلفة، من بينها الإحصاء، والتعامل مع برنامج (إكسل)، وعمل تصورات بصرية لعرض البيانات... فطريقة العرض جزء أساسي من نجاح القصة، وهنا تبرز أهمية الاهتمام بتدريب الصحافيين».
وهو ما تؤكده نهى بلعيد بقولها إن «تدريب الصحافيين ومدرسي الإعلام بصفة مستمرة، وإضافة مادة (صحافة البيانات) إلى برنامج الصحافة بالجامعات، ونشر دراسات وكتب حول (صحافة البيانات)، وتنظيم لقاءات مع خبراء دوليين بصفة مستمرة، هو السبيل لتطوير الأداء الصحافي العربي في هذا المجال».
ووفقاً لاستطلاع «شبكة صحافيي البيانات»، فإن «55.9 في المائة من المبحوثين قالوا إن البيانات تصلهم في صورة ملفات (بي دي إف)، بينما قال 22 في المائة إنهم يتلقون البيانات في صورة ملفات (وُرد)، و20.3 في المائة يتلقونها في صورة ملفات (إكسل)، بينما يحصل الباقي وهم نحو 1.7 في المائة على البيانات في شكل صور».
ويشير الزلاقي إلى أن «المؤسسات الصحافية في العالم أصبحت توظف فرق عمل لإنتاج قصص مدفوعة بالبيانات، تضم مبرمجين ومحللي بيانات ومصممين، وهذا تحدٍ آخر يواجه الصحافة في الوطن العربي».
وتقول نهى إنه «من الصعب الحديث اليوم عن وجود فريق كامل لـ(صحافة البيانات) بمؤسسة إعلامية عربية؛ لكن وجود صحافي على الأقل بهذه المؤسسة، هو دليل على أن (صحافة البيانات) في طور الانتشار، كما أن بعض الجامعات أصبحت تدرس هذا النوع الصحافي كمادة ضمن البرنامج التدريسي، ما ساهم في نشأة جيل جديد من طلاب الإعلام، خلال السنتين الأخيرتين، الذين لديهم مهارات متطورة في هذا الاختصاص».
ويرى العراقي أن «التحدي الأكبر الذي يواجه الصحافة المدفوعة بالبيانات هو رغبة غرف الأخبار والمؤسسات الصحافية في إنتاج صحافة جيدة، وقدرتها على خوض غمار المخاطرة، وإنتاج قصص عميقة، قد يراها البعض مزعجة، أو تتسبب في مشكلات تتعلق بالأمن القومي... إضافة إلى أن غرف الأخبار تعامل الصحافي بالإنتاج، وتركز على الخبر، رغم أنه اندثر، وبالتالي فهي لا تتيح له استثمار شهر من وقته لإنتاج قصة مدفوعة بالبيانات».
و«رغم أهمية صحافة البيانات في مساعدة صانع القرار؛ إلا أن الوضع المجتمعي، يجعل العمل في صحافة تعمل في العمق، أمراً يحتاج إلى حسابات خاصة، فبعض الموضوعات، قد لا تجد قبولاً سياسيا»، حسب الزلاقي.
وما زالت التجارب العربية في صحافة البيانات محدودة بسبب التحديات والمشكلات التي تواجهها. وترى نهى بلعيد أن «(صحافة البيانات) في طور التطور والانتشار بتونس ومصر ولبنان وبقية الدول العربية، بفضل جهود صحافيين مدربين يعملون على نشر المعرفة، ويبقى على الصحافي أن يطور مهاراته من ناحية، ويقنع مديره بالعمل بأهمية صحافة البيانات».
ومن بين الأمثلة العربية في «صحافة البيانات»، موقع «إنكفاضة» التونسي، وإن كان يركز أكثر على الصحافة الاستقصائية، حسب عمرو العراقي؛ لكن إيهاب الزلاقي يرى بدوره، أن «هناك ارتباطاً وثيقاً بين (صحافة البيانات) والصحافة الاستقصائية»، وإن كان يعتبر أن «التجارب العربية في (صحافة البيانات) تجارب ضعيفة، ومعظمها بدأت من مصر».
وفي دراسة أعدها الصحافيون التونسيون صابر الفريحة، وهلي البهلول، ومحمد بسام بوشعالة، تحت عنوان «تطور صحافة البيانات في تونس والعالم العربي»، وصفوا تجربة الصحافة المدفوعة بالبيانات في الوطن العربي بأنها «تجربة محتشمة ما زالت تلتمس خطواتها الأولى». وقالوا إن «التجربة المصرية، تحديداً موقع (إنفو تايمز)، تعد التجربة الرائدة في الشرق الأوسط»، لافتين إلى «تجربة مصرية أخرى من خلال موقع (Open MEN)، إضافة إلى موقع (خلاصة) في اليمن». أما تونس، فقالت الدراسة إنه «لا يمكن الحديث عن تجربة تونسية مستقلة بذاتها في مجال (صحافة البيانات)»، مشيرين إلى أن «موقع (إنكفاضة) باعتباره موقعاً للصحافة الاستقصائية، يقدم بعض التقارير التي تحتوي على رسوم بيانية».
وتعتبر تجربة «بيانات بوكس» على «فيسبوك» من أبرز تجارب «صحافة البيانات» في لبنان، وهو مشروع أطلقته منظمة «حلول الأهلية» في لبنان، ويعرض الموضوعات الاجتماعية والاقتصادية في صورة رسوم بيانية و«إنفوغراف»... وفي الأردن تقتصر «صحافة البيانات» على المبادرات الفردية، والدورات التدريبية التي ينظمها «معهد الإعلام الأردني».



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».