اللبنانيون... التضحية بـ«الحياة الطبيعية» في سبيل الاحتجاجات

- سيارات تحاول المرور بين الإطارات المشتعلة التي وضعها المتظاهرون المناهضون للسلطة في مدينة صيدا الجنوبية (أ.ف.ب)
- المتظاهرون يسيرون خلال الاحتجاجات المستمرة المناهضة للسلطة في بيروت (رويترز)
- سيارات تحاول المرور بين الإطارات المشتعلة التي وضعها المتظاهرون المناهضون للسلطة في مدينة صيدا الجنوبية (أ.ف.ب) - المتظاهرون يسيرون خلال الاحتجاجات المستمرة المناهضة للسلطة في بيروت (رويترز)
TT

اللبنانيون... التضحية بـ«الحياة الطبيعية» في سبيل الاحتجاجات

- سيارات تحاول المرور بين الإطارات المشتعلة التي وضعها المتظاهرون المناهضون للسلطة في مدينة صيدا الجنوبية (أ.ف.ب)
- المتظاهرون يسيرون خلال الاحتجاجات المستمرة المناهضة للسلطة في بيروت (رويترز)
- سيارات تحاول المرور بين الإطارات المشتعلة التي وضعها المتظاهرون المناهضون للسلطة في مدينة صيدا الجنوبية (أ.ف.ب) - المتظاهرون يسيرون خلال الاحتجاجات المستمرة المناهضة للسلطة في بيروت (رويترز)

يجلس أبو محمود، صاحب سيارة أجرة، على رصيف أحد الشوارع القريبة من وسط بيروت، برفقة مجموعة من سائقي التاكسي، يحتسون الشاي ويتحدثون عن مستجدات الأوضاع الراهنة في البلاد. اتخذ الرجل الستيني وزملاؤه هذه العادة يومياً منذ أكثر من شهر، بعد اندلاع الاحتجاجات المناهضة للطبقة السياسية في لبنان، والتي رافقها قطع للطرق وشل للحياة العامة اليومية في كثير من المناطق.
يقول أبو محمود: «أخرج من منزلي الواقع في ضواحي بيروت يومياً، وكلي أمل بأن يكون وضع اليوم الحالي أفضل من الذي سبقه؛ لكنني غالباً ما أكون مخطئاً. المواطنون لا يتجولون بعيداً عن أماكن سكنهم خوفاً من قطع الطرق المؤدية لمنازلهم. في أول أيام الاحتجاجات، تضامنت مع المتظاهرين الذين قطعوا طرقاً داخل بيروت وخارجها، ولكن بعد نحو أربعة أيام، فقدت القدرة على تحمل الأمر. لدي عائلة مؤلفة من سبعة أفراد ولم أعد قادراً على شراء قوتنا اليومي. ما أجنيه بالعادة هو ما أنفقه يومياً».
حال أبو محمود لا يختلف كثيراً عما يمر به عدد كبير من اللبنانيين الذين يعانون من صعوبات يومية كثيرة، مع استمرار الاحتجاجات الشعبية المناهضة للسلطة، والتي تدخل يومها السابع والثلاثين.
وترافق هذه المظاهرات منذ يومها الأول خطوات كثيرة، مثل قطع الطرق وإقفال المدارس والجامعات وإغلاق بعض الشركات وشل الحركة في المؤسسات العامة.
كما ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة اللبنانية في السوق السوداء بشكل ملحوظ (نحو 1800 ليرة مقابل الدولار الواحد، مقارنة بـ1515 ليرة مقابل الدولار، وهو سعر الصرف كما حدده البنك المركزي)، وزادت أسعار المنتجات في الأسواق بشكل موازٍ، علماً بأن هذه الظاهرة ليست وليدة التحركات الاحتجاجية فحسب؛ بل بدأت بالظهور منذ شهر سبتمبر (أيلول).
ويقول جاد، وهو موظف في إحدى شركات التأمين في بيروت، إنه لم يتمكن من الوصول إلى مكان عمله في الأسبوع الأول من الاحتجاجات، علماً بأنه يسكن في قرية بجبل لبنان، تبعد نحو 20 كيلومتراً عن بيروت، وذلك بسبب قطع الطرق.
ويضيف: «في الأسبوع الأول من الاحتجاجات، لم أتمكن من الوصول إلى مكتب الشركة، ولذلك حُسم من راتبي وفقاً لعدد الأيام التي لم أعمل فيها. أما في الأسبوع الثاني، فبدأت الشركة بسياسة تقشفية، وأجبرتنا على الحضور للعمل ثلاثة أيام فقط في الأسبوع الواحد، وقررت تقليص الرواتب آخر كل شهر للنصف».
ويتابع جاد: «صحيح أنني متضرر من هذه الأزمة؛ لكن علينا التضحية فداء للثورة. حرمتنا الطبقة السياسية من أهم حقوقنا على مدى 30 عاماً وصمدنا. واليوم، يمكننا تحمل بعض الأضرار إن كان ذلك سيؤسس لبلد خالٍ من الفساد».
وما يعانيه جاد لا يختلف كثيراً عن وضع جنى، وهي موظفة في إحدى أكبر شركات السفر اللبنانية، والتي أكدت أن الشركة اتخذت تدابير جديدة لتتمكن من تجاوز الأزمة. وقالت: «أصبحنا مجبورين على العمل يومين ونصف يوم في الأسبوع، وجميعنا تقاضينا نصف راتبنا الأساسي في أكتوبر (تشرين الأول)، والوضع سيستمر على ما هو عليه في المستقبل القريب».
وأشارت جنى إلى أنها تتقاضى راتبها بالليرة اللبنانية، أي أن قيمة نصف راتبها لا تصل إلى 400 دولار أميركي، وفقاً لأسعار الصرف في السوق السوداء، ما يقلل من قدرتها الشرائية وإمكان تسديد ما عليها من قروض.
وتابعت: «زوجي يتقاضى راتبه بالليرة اللبنانية أيضاً، ولدينا قروض بالدولار الأميركي، أي أنه يتوجب علينا شراء دولار من الصرافين وفقاً لتسعيراتهم التي تصل أحياناً إلى ألفي ليرة لبنانية مقابل الدولار الواحد، الأمر الذي يخسرنا كثيراً من الأموال».
إلا أن ما تصر جنى على تأكيده، هو أن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها الليرة اللبنانية ليست من نتائج التحركات الشعبية؛ بل كانت هذه الظاهرة موجودة من قبل، ولعبت دوراً في انطلاق الاحتجاجات.
بدوره، يقول أسعد، وهو أستاذ متعاقد في ثانوية رسمية بشمال لبنان، إن أبواب المدارس والجامعات أقفلت بوجه الطلاب لأكثر من 20 يوماً، الأمر الذي منعه من تقاضي راتبه الشهر الماضي؛ لأنه يتقاضى أجره نسبة لعدد الساعات التي يعمل بها.
ويضيف: «أقفلت المدارس الرسمية والخاصة ومعظم الجامعات لمشاركة الطلاب في الاحتجاجات، الأمر الذي يعتبر إيجابياً في كثير من النواحي. إقفال البلد وشلّه يساهمان في تشكيل حلقة ضغط على السلطة كي تعطي المتظاهرين مطالبهم المحقة. إلا أن الأزمة تبدو وكأنها ستمتد، ولا يمكننا الاستمرار من دون فتح أبواب المؤسسات التربوية كي لا يلحق أي ضرر بطلابنا».
يتابع: «يمكننا تدريس الطلاب قبل الظهر، والتظاهر بعد ساعات العمل».
وفيما يتعلق بالمعلومات التي تداولها كثير من الأشخاص حول النقص في الأدوية، أكدت غنوة، وهي صاحبة إحدى الصيدليات في جبل لبنان، أنه «عندما كانت الطرق تُقطع بشكل مكثف ويومي، شهدنا تأخّراً في وصول بعض الأدوية؛ لكن بالإجمال لدى معظم شركات الأدوية اللبنانية احتياط مهم من المنتجات يمكنه تلبية حاجة السوق لثلاثة أشهر تقريباً».
وتابعت: «إلا أن بعض المستشفيات عانت بالفعل من انقطاع بعض المواد والمعدات الطبية التي تستوردها من الخارج. والأمر متعلق بإغلاق الطرق وإقفال كثير من الشركات التي تُستورد المواد عبرها».
ومن بين الظواهر الأكثر انتشاراً التي تشهدها فترة الاحتجاجات هذه، توتر العلاقات بين المؤيدين للتحركات ضد الطبقة السياسية، وأولئك الذين يعارضون شعار «كلن يعني كلن» الذي يرفعه الحراك، وقطع الطرق الذي يمنعهم من التنقل بشكل طبيعي.
وتقول سينتيا، وهي ناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، إنها أزالت نحو 150 صديقاً من قائمة الأصدقاء على «فيسبوك»، وتضيف: «عندما أقرأ منشوراً مؤيداً لأي حزب، بغض النظر عن الانتماءات، أحذف الشخص من قائمة الأصدقاء لأني لا أتحمل وجود هذه الآراء على صفحتي».
أما رفيق، وهو شاب في العشرينات من العمر، فيؤكد أنه قطع علاقته بصديق مقرب منه بسبب انتماء الأخير لأحد الأحزاب اللبنانية، وتخوينه للحراك، باعتبار أن المحتجين يتقاضون أموالاً من سفارات خارجية، الأمر الذي ينفيه المتظاهرون باستمرار، معتبرين أن التحركات هذه هي «نتيجة تقاعس السلطة اللبنانية في تلبية مطالبنا، ولا يمكن لأحد تشويه صورتها».



مقابر حوثية جديدة لاستيعاب الأعداد المتصاعدة من القتلى

الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
TT

مقابر حوثية جديدة لاستيعاب الأعداد المتصاعدة من القتلى

الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)
الحوثيون شيدوا مئات المقابر منذ انقلابهم لاستيعاب قتلاهم في الجبهات (إ.ب.أ)

​استحدثت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع القليلة الماضية مقابر جديدة، ووسعت أخرى في 7 محافظات يمنية خاضعة لسيطرتها، بالتزامن مع ازدياد عمليات تشييع ودفن عناصرها الذين سقطوا في جبهات القتال، في وقت تتكتم فيه الجماعة على حجم خسائرها البشرية.

وقالت مصادر محلية مطَّلعة لـ«الشرق الأوسط» إن أعمال إنشاء المقابر وتوسعتها شملت صنعاء ومحيطها، وذمار وإب والمحويت وحجة وصعدة، إلى جانب مناطق أخرى، مشيرة إلى تجهيز مساحات جديدة للدفن، بالتزامن مع نقل جثامين قتلى الجماعة من مناطق المواجهات إلى مساقط رؤوسهم، أو إلى ما تسميه «روضات الشهداء».

وأضافت المصادر أن جثامين عناصر حوثية تصل من جبهات ومناطق مختلفة، بينها الجوف ومأرب وتعز والساحل الغربي ولحج والضالع، وفق المعلومات المتداولة محلياً.

وحسب المصادر، لم تقتصر تحركات الجماعة على إنشاء مواقع جديدة؛ بل شملت أيضاً توسعة مقابر قائمة وتسوير وتجهيز مواقع أخرى؛ خصوصاً في المناطق الريفية وأطراف المدن، بهدف توفير مساحات إضافية للدفن.

صورة مجند حوثي وُضعت على قبره في مقبرة للجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأوضحت أن بعض المقابر يجري تجهيزها بصورة منظمة، عبر تسويرها وتركيب بوابات وتنظيم مواقع الأضرحة، في حين تتواصل أعمال التنظيف والصيانة في مقابر سبق أن خصصتها الجماعة لعناصرها.

وتشير المصادر إلى ارتفاع وتيرة الدفن في بعض المناطق، بالتزامن مع وصول جثامين قتلى من جبهات القتال، في وقت لا تعلن فيه الجماعة حصيلة شاملة توضح أعداد قتلاها ولا حجم خسائرها البشرية خلال الفترة الأخيرة.

وتعتمد الجماعة -وفق المصادر- على بيانات متفرقة بشأن تشييع ودفن عناصرها، دون نشر كشف شامل بأسماء القتلى وأعدادهم والمناطق التي سقطوا فيها، الأمر الذي يصعِّب تحديد حجم الخسائر الفعلية.

أموال للصيانة والتجهيز

وتتزامن هذه التحركات مع أنشطة ما تُسمى «هيئة رعاية أسر القتلى» التابعة للحوثيين، والتي تشمل -وفق منشورات متداولة- أعمال توسعة وتنظيف وترميم وتسوير وتركيب بوابات وتنظيم الأضرحة، وتجهيز مواقع جديدة في عدد من المناطق.

ولم تقتصر هذه الأنشطة على محافظة واحدة؛ ففي صعدة، معقل الجماعة، وثقت منشورات تابعة لها جولات ميدانية في عدد من «الروضات» بمديريات ساقين وحيدان ومنبه وغمر ورازح، لمتابعة أعمال الصيانة والتحسين والتجهيز، إلى جانب إنشاء مقابر جديدة في المناطق ذاتها.

وفي محافظات ذمار وعمران والمحويت، أعلنت الهيئة الحوثية خططاً لتوسعة مقابر كانت قد استحدثتها سابقاً، إلى جانب تجهيز «الروضات» ورفع الأضرحة في عدد من المديريات.

مقبرة لقتلى الجماعة الحوثية في حي الجراف شمال صنعاء (فيسبوك)

وفي محافظة حجة، شملت الأعمال مقابر قتلى الجماعة في الشاهل والمحابشة والمفتاح وكحلان الشرف، بما في ذلك توسعة المواقع، واستكمال الجدران والتسوير، وتركيب البوابات، وترتيب الأضرحة.

وفي المقابل، يعيش ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً اقتصادية وإنسانية صعبة، مع تراجع مصادر الدخل وتدهور الخدمات، ما يسلط الضوء على حجم الموارد التي تخصصها الجماعة لهذه الأنشطة وأولويات الإنفاق في مناطق سيطرتها.


خسائر الحوثيين تقترب من 3 آلاف عنصر خلال 4 أيام

هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)
هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)
TT

خسائر الحوثيين تقترب من 3 آلاف عنصر خلال 4 أيام

هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)
هجمات حوثية ضارية في جبهات تعز ولحج يقابلها تصدي القوات الحكومية اليمنية (إعلام عسكري)

ارتفعت الخسائر التي أعلنت القوات المسلحة اليمنية أنها أوقعتها في صفوف الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران، إلى نحو 3 آلاف قتيل وجريح خلال 4 أيام، بالتزامن مع استمرار المعارك في جبهات عدة، وتصاعد الهجمات ومحاولات التسلل والالتفاف، خصوصاً في جبهات تعز ولحج وباب المندب.

وجاءت أحدث حصيلة بعد إعلان القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 356 عملية استهداف خلال 24 ساعة، قالت إنها أسفرت، وفق تقديراتها الميدانية، عن مقتل وإصابة 476 من عناصر الجماعة، إلى جانب تدمير مراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة ومدفعية وعشرات الآليات والعربات العسكرية.

وكان المتحدث باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي، قد أعلن، مساء الأحد، تحييد 2316 عنصراً حوثياً بين قتيل وجريح خلال 72 ساعة، نتيجة 756 عملية استهداف في جبهات كتاف والبقع ومحور علب والجوف ومأرب والبيضاء ولحج وتعز، ليصل مجموع الحصيلة المعلنة خلال الأيام الأربعة إلى أكثر من 2792 قتيلاً وجريحاً، قبل احتساب ما أعلنته مصادر ميدانية أخرى من خسائر خلال الفترة نفسها.

دخان يتصاعد من قمة جبل بعد أن استهدف الجيش اليمني موقعاً للحوثيين (إعلام عسكري)

وفي الساعات الأخيرة، تركز جانب كبير من القتال في غرب تعز والمناطق المتصلة بمحافظة لحج وباب المندب، حيث خاضت القوات الحكومية مواجهات مع الحوثيين في الوازعية، بالتزامن مع إحباط محاولة تسلل شمال تعز بقصف مدفعي، والتصدي لمحاولة التفاف في جبهة كهبوب.

وفي جبل حبشي، قالت القوات الحكومية إنها صدت هجوماً حوثياً في جبهة بني بكاري، ومنعت الجماعة من تثبيت اختراق جديد، بينما شهدت جبهتا راسن والعلقمة جنوب تعز اشتباكات وإطلاق نار متبادلاً.

وشنت القوات الحكومية، وفق المصادر العسكرية، ضربات جوية ومدفعية على مواقع وتعزيزات حوثية في الربيعي والجعشاء والزبيبية والبحابح، بالتزامن مع إسقاط مسيّرة حوثية فوق الكدحة.

وأعلن المركز الإعلامي في محور تعز العسكري مقتل 12 حوثياً وإصابة 13 آخرين في مختلف جبهات المحور، إضافة إلى إحراق مدرعة وعربة عسكرية في الكدحة، وتدمير دبابة في منطقة الربيعي.

كما استهدف الطيران الحربي منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في جبل أومان شرق تعز، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية القضاء على مجموعة من الحوثيين أثناء محاولة تسلل في جبهة الدفاع الجوي شمال غربي المدينة.

وفي الحوبان، شنت القوات الحكومية غارات جوية على معسكر جليلة بالقرب من مطار تعز، في إطار سلسلة ضربات استهدفت مواقع وقدرات عسكرية للجماعة في المحافظة.

محاولات التفاف

امتدت المواجهات إلى جبهات الصبيحة في لحج في المناطق الواقعة بينها وبين تعز، حيث شنت الجماعة الحوثية هجمات متزامنة على جبهتي المحاولة والأغبرة، مستهدفة مواقع جبل سيف وبرح أمخنيف وجبل أمكحان.

وقالت مصادر ميدانية إن القوات الحكومية، مسنودة بأبناء القبائل، صدت محاولات التقدم وأجبرت المهاجمين على التراجع، مشيرة إلى سقوط قتلى في صفوف الحوثيين وأسر عنصرين منهم.

وبعد فشل الهجوم، لجأت الجماعة، وفق المصادر نفسها، إلى القصف بالطيران المسيّر وقذائف الهاون على مواقع القوات المدافعة والقرى المجاورة.

معارك الجبال في تعز ولحج كبدت الحوثيين خسائر بشرية كبيرة (إعلام عسكري)

وفي جبهة الأغبرة، تركزت المواجهات في محيط جبل البازلة ومنطقة الصورة، بالتزامن مع محاولات تسلل وضغط عسكري في رأس العارة والمضاربة وكهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن القوات المدافعة أحبطت هجوماً في الأغبرة، وحاصرت مجموعات متسللة، وأسرت عدداً من عناصر الحوثيين واستولت على أسلحة وعتاد، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وآليات للجماعة.

كما أفادت المصادر بتعرض مناطق مأهولة في المضاربة ورأس العارة لقصف بصواريخ «كاتيوشا»، بينما قالت مصادر عسكرية إن القوات الحكومية دمرت مركبة كانت تقل قيادياً حوثياً ومرافقين له في كهبوب.

وتشير التطورات الميدانية إلى استمرار الجماعة الحوثية في الدفع بتعزيزات إلى خطوط المواجهة، خصوصاً في مفرق ماوية وراسن والعلقمة، مقبلة من صنعاء وعمران وذمار وإب.

وفي المقابل، كثفت القوات الحكومية عملياتها الجوية والمدفعية على خطوط الإمداد ومواقع التجمع، في محاولة لاحتواء الهجمات ومنع تحويل الاختراقات المحدودة إلى مواقع ثابتة.

وفي المخا والساحل الغربي، قالت مصادر إن القوات الحكومية نفذت غارات على مواقع وتجمعات حوثية داخل المدينة، بينما أفادت معلومات ميدانية بأن الجماعة تعمل على إنشاء خنادق ومتارس داخل المخا ومحيطها وباتجاه باب المندب.

356 عملية

قال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية ماجد النزيلي، إن العمليات التي نفذت خلال 24 ساعة شملت الساحل الغربي، وحرض والطوال (شمال غرب) وكتاف والبقع ومحور علب والجوف (شمال) ومأرب (شرق صنعاء) ولحج وتعز (جنوب غرب) والبيضاء (جنوب شرقي صنعاء).

وأضاف أن القوات استخدمت أسلحة جوية ومسيّرات ومدفعية ووسائل أخرى، وأن العمليات أدت، وفق التقديرات الميدانية، إلى تحييد 476 من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح، فضلاً عن تدمير مراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة ومدفعية وآليات عسكرية.

وتأتي هذه الحصيلة بعد يوم واحد من إعلان الجيش تنفيذ 756 عملية خلال 72 ساعة، قال إنها أدت إلى تحييد 2316 حوثياً، وتدمير منصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وتعزيزات وعربات عسكرية.

وتعكس العمليات المعلنة انتقال القتال إلى نمط يعتمد على استنزاف التعزيزات الحوثية قبل وصولها إلى الخطوط الأمامية، بالتزامن مع محاولة القوات الحكومية منع الحوثيين من توسيع نطاق الضغط على الجبهات المتصلة بتعز ولحج والساحل الغربي.

وفي عدن، عقد نائب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش اليمني اللواء الركن أحمد البصر، اجتماعاً عسكرياً لمناقشة تنظيم وترتيب القوات المسلحة وتوحيد جهود الهيئات والوحدات العسكرية، وتعزيز التنسيق والتكامل في تنفيذ المهام.

وأكد البصر أهمية رفع مستوى التنسيق والمتابعة وتعزيز الانضباط وكفاءة الأداء، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية على امتداد عدد من الجبهات اليمنية.


بعد موافقة البرلمان اليمني... تعبئة عامة لمواجهة الحوثيين

مقاتلون من الجيش اليمني خلال عمليات برية ضد الحوثيين في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني خلال عمليات برية ضد الحوثيين في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
TT

بعد موافقة البرلمان اليمني... تعبئة عامة لمواجهة الحوثيين

مقاتلون من الجيش اليمني خلال عمليات برية ضد الحوثيين في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني خلال عمليات برية ضد الحوثيين في محافظة الجوف (أ.ف.ب)

دخلت المواجهة بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين المتحالفة مع إيران مرحلة جديدة، مع موافقة مجلس النواب (البرلمان) على طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إعلان التعبئة العامة، في خطوة قالت السلطات إنها تستهدف تعزيز قدرات مؤسسات الدولة والقوات المسلحة في مواجهة التصعيد الحوثي، وحماية النظام الجمهوري وسيادة البلاد.

وجاء القرار البرلماني بعد اجتماع موسع عقده المجلس برئاسة رئيسه، سلطان البركاني، عبر الاتصال المرئي، لمناقشة التطورات العسكرية والسياسية في البلاد، ومذكرة العليمي التي طلب فيها الموافقة على إعلان التعبئة العامة، مستنداً إلى مواد دستورية وقوانين تنظم حالات التعبئة والاحتياط العام والدفاع المدني.

ووفق القرار، يبدأ العمل بالتعبئة العامة من تاريخ إعلانه، ويستمر إلى حين زوال الأسباب التي دعت إليه، على أن يجري تنفيذها وفق أحكام الدستور وقرار نقل السلطة والقوانين المنظمة للاحتياط العام ومجلس الدفاع الوطني والدفاع المدني.

وخلال اجتماع مع عدد من المحافظين، بحضور رئيس الوزراء، شائع الزنداني، وقيادات عسكرية وأمنية، قدم العليمي التعبئة العامة بوصفها إجراءً يتجاوز مجرد تجنيد مقاتلين أو رفد الجبهات، قائلاً إنها تشمل الموارد البشرية والمادية والمعنوية، ورفع قدرة مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والأمن على أداء مهامها.

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي خلال اجتماع مرئي مع قادة عسكريين ومدنيين (إعلام حكومي)

وأشاد العليمي باستجابة مجلس النواب لطلبه، عادّاً أن موافقة المؤسسة التشريعية تعكس إدراكاً لحجم التحديات التي تواجهها البلاد، وتوفر إطاراً دستورياً لتوحيد إمكانات مؤسسات الدولة في المرحلة المقبلة.

ويتزامن القرار مع تصعيد عسكري واسع على جبهات عدة، في وقت تقول فيه الحكومة إن قواتها استعادت زمام المبادرة في عدد من المحاور، بينما لا تزال المواجهات مستمرة في مناطق متفرقة من تعز ولحج ومأرب والجوف والبيضاء، إلى جانب جبهات الشمال.

«العودة الآمنة»

في موازاة التعبئة، طرح العليمي مساراً آخر يقوم على ما سماها «العودة الآمنة»، موجهاً دعوة إلى أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين لعدم الدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال.

وقال إن الدولة لا تطلب من هؤلاء سوى الانحياز إلى قيم الجمهورية ومؤسساتها، مؤكداً أن الضمانات والإجراءات المعلنة تشمل من يترك الجماعة ويتوقف عن القتال أو العمل لمصلحتها.

وأوضح أن المسار يشمل أيضاً تسوية أوضاع منتسبي القوات المسلحة والأمن وحفظ حقوقهم القانونية، في محاولة لفتح قناة للانسحاب من صفوف الحوثيين بالتوازي مع تشديد الضغط العسكري.

واستند مجلس النواب اليمني في قراره إلى «المادة37» من الدستور بشأن إعلان التعبئة العامة، و«المادة38» الخاصة بـ«مجلس الدفاع الوطني»، إضافة إلى «المادة119» بشأن اختصاصات رئيس الجمهورية في إعلان حالة الطوارئ والتعبئة العامة وفق القانون.

جنود من القوات الحكومية اليمنية خلال استعراض سابق (إعلام عسكري)

كما استند المجلس إلى «قانون إنشاء مجلس الدفاع الوطني»، و«قانون الاحتياط العام»، و«قانون الدفاع المدني».

ونص القرار على أن «مجلس الدفاع الوطني» يصبح، عند إعلان التعبئة العامة، منعقداً بصورة مستمرة، ويتولى مسائل التعبئة والإشراف على تنفيذها، وفق القوانين المنظمة لذلك.

ويأتي هذا الإجراء بعد خطاب للعليمي في 25 سبتمبر (أيلول) الحالي دعا فيه إلى التعبئة العامة، في وقت تحاول فيه الحكومة حشد مؤسسات الدولة والقوى السياسية والعسكرية خلف موقف موحد في مواجهة الحوثيين.

وقال مجلس النواب إن قراره جاء في ظل ما وصفها بالمخاطر التي تهدد حياة المواطنين وأموالهم وأمنهم واستقرارهم، مشيراً كذلك إلى التداعيات الإقليمية والدولية للصراع اليمني.

رسالة إلى الداخل والخارج

حمل القرار البرلماني أيضاً رسالة سياسية تتجاوز الجانب العسكري؛ إذ دعا إلى تجاوز الخلافات وتوحيد الصفوف والعمل بالتنسيق مع التحالف الداعم للشرعية بقيادة السعودية.

وجدد المجلس إدانته الهجمات الحوثية التي تستهدف السعودية، عادّاً أن تهديد أمن دول المنطقة وسيادتها ينعكس على الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين.

كما أشاد بالدعم السعودي لليمن، وبالدور الذي يضطلع به «التحالف» في دعم الحكومة والقوات الموالية لها.

إلى ذلك، شدد العليمي على أن المرحلة المقبلة تتطلب من المحافظين التعامل مع السكان في المناطق الخاضعة للحوثيين بوصفهم جزءاً من المجتمع اليمني، وليسوا طرفاً منفصلاً عن الدولة، مؤكداً أن الحكومة تريد استعادة مؤسساتها وأمنها واستقرارها في تلك المناطق.

ويمنح قرار البرلمان التعبئة العامة إطاراً رسمياً لتحويل الاستجابة الحكومية من إجراءات عسكرية متفرقة إلى سياسة تعبئة مؤسساتية أوسع، تشمل القوات المسلحة والأمن والموارد البشرية والمادية وأجهزة الدولة.

لكن أثر القرار سيبقى مرتبطاً بآليات تنفيذه وقدرة مؤسسات الحكومة والقوى العسكرية المتحالفة معها على العمل ضمن قيادة أكبر تنسيقاً، في ظل تعدد التشكيلات والقوى على الأرض وتباين مناطق انتشارها.