إيران... غياب الخطوط الفاصلة بين الصحافة والسياسة

نظام الرقابة فيها من أقسى الأنظمة في العالم

من مظاهرات العاصمة الإيرانية طهران
من مظاهرات العاصمة الإيرانية طهران
TT

إيران... غياب الخطوط الفاصلة بين الصحافة والسياسة

من مظاهرات العاصمة الإيرانية طهران
من مظاهرات العاصمة الإيرانية طهران

كيف يمكنك نشر كتاب عن الرقابة في بلد يتسم بواحد من أقسى أنظمة الرقابة في العالم؟
هذا هو التساؤل الذي واجهه كل من شاروخ توندرو صالح وجويل كوهين عندما قبلا خوض تحدي دراسة نظام الرقابة داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية ـ مهمة لا تقل صعوبة عن السير على جمر ملتهب بقدمين عاريتين.
كان أول شيء فعلاه حظر كلمة «رقابة» من عنوان الكتاب، وكذلك عنوانه الفرعي. وعليه، خرج كتابهما بهذا العنوان: «ظواهرية...»، بينما خرج العنوان الفرعي على هذا النحو: «دراسة جوانب... في الإعلام».
أما النقاط «...». فتحل في العبارتين محل الكلمة التي لم تذكر: «الرقابة» ـ والتي تدعي حكومة طهران أنه لا وجود لها داخل الجمهورية الإسلامية.
في مجمله، يبدو الكتاب صغيراً ولا يتجاوز عدد صفحاته 227 صفحة فقط، لكنه في اعتقادي على الأقل يعد واحداً من أفضل الدراسات التي تناولت هذه القضية خلال السنوات الأخيرة.
يتخذ الكتاب شكل مقابلة يوجه خلالها توندرو صالح، الباحث في شؤون الإعلام، أسئلة إلى جويل كوهين، بروفسور الإعلام والمؤرخ البارز للصحافة الإيرانية.
وسعياً وراء تجنب مسؤولي الرقابة الخومينية، اعتمد الكاتبان على تكتيك آخر، فقد خصصا مساحة لتناول الرقابة في إيران قبل استيلاء الملالي على السلطة، وداخل عدد من الدول الأخرى، خاصة الاتحاد السوفياتي سابقاً.
ومن دون أن يذكر ذلك عبر الكثير من الجمل، أوضح بروفسير كوهين، أن الرقابة تجري ممارستها داخل الجمهورية الإسلامية اليوم على نحو أسوأ بكثير عما كان عليه الحال في ظل حكم الشاه، بل وحتى الاتحاد السوفياتي.
ومن بين السمات الأساسية للإعلام داخل إيران اليوم، الغموض المحيط بملكيته. في ظل حكم الشاه، امتلكت الدولة وسيطرت على «الإعلام الكبير»، أي شبكات الإذاعة والتلفزيون (مع استثناءات صغيرة قليلة).
في المقابل، خضعت الصحف المطبوعة لملكية خاصة، وبالتالي كانت مجبرة على تركيز اهتمامها على القراء الذين شكلوا مصدر دخلها الأساسي. وأدى هذا إلى خلق توتر بين الصحف التي حاولت التحايل على القواعد المفروضة عليها بأقصى درجة ممكنة والدولة التي حاولت فرض هذه القواعد بأكبر قدر ممكن من الصرامة.
وقد عبّر عبد الرحمن فرماوي، أحد الآباء المؤسسين للصحافة الحديثة في إيران، في ظل حكم الشاه، عن هذا الأمر بقوله، إن الصحافيين يواجهون نمطين من الرقابة: رقابة «اكتب هذا!» ورقابة «لا تكتب هذا!» فيما يخص الصحافة ذات الملكية الخاصة، فإنها تمتعت بقدرة أفضل على تجنب رقابة «اكتب هذا!» عبر تجنب أو تعديل النصوص التي تفرضها الدولة عليهم. أما فيما يخص نمط «لا تكتب هذا!»، فقد تمكنت الصحافة ذات الملكية الخاصة من الالتفاف عليه أيضاً عبر سبل وحيل متنوعة تمكن الصحافيون المخضرمون من إتقانها.
في المقابل، نجد أنه في ظل حكم الملالي، اختفى تماماً الجزء الخاضع للملكية الخاصة من الصحافة الإيرانية. على سبيل المثال، تجري الإشارة إلى إسحق جاهانغيري، المساعد الأول للرئيس حسن روحاني، باعتباره مالك الكثير من الصحف والمجلات. إلا أنه عند إلقاء نظرة أكثر إمعاناً على مصادر رأس المال الخاص بتلك المطبوعات، سرعان ما تتضح صورة مختلفة تضم بنوكاً مملوكة للدولة وشركات على صلة بالكثير من الوزارات أو الحرس الثوري الإسلامي، تقدم جميعها أموالاً ولها حق السيطرة الأولى والأخيرة على تلك المنشورات.
وكان لهذا الغموض المسيطر على ملكية وسائل الإعلام تداعيات كبرى، ذلك أن وسائل الإعلام لم تعد مهتمة بصورة أساسية بالقراء أو جمهورها كمصادر للدخل، وإنما انصب اهتمامها الرئيسي على الترويج لأجندة سياسية دعماً لهذا الفصيل أو ذاك في إطار الصراع على السلطة الدائر في طهران.
ويخلق هذا الأمر بدوره مستوى جديداً من الرقابة يتجاوز الرقابة التي تفرضها الدولة ككل، مصمماً لحماية الفصيل المعني على وجه التحديد، مع العمل على إيذاء الفصائل المنافسة.
ويتمثل اختلاف كبير آخر في تماهي، إن يكن الاختفاء الكامل، للخطوط الفاصلة بين الصحافة والسياسة. في ظل الشاه، استغل بعض الأفراد بالفعل الصحافة سبيلاً مختصراً للولوج إلى عالم السياسة والحصول على منصب سياسي، وظل الكثير من الصحافيين على قوائم أجور ورواتب مناصب رسمية. ومع هذا، ظل يجري النظر إلى الهياكل الأساسية الصحافية باعتبارها مهنة متميزة، وبالتالي أكثر احتمالاً للدفاع عن نفسها في مواجهة الزحف الخارجي عليها، بما في ذلك من خلال أدوات الرقابة.
بيد أنه في ظل حكم الملالي، غالباً ما تحولت الصحافة إلى ما يزيد قليلاً على ممر من منصب سياسي لآخر. مثلاً، نجد شخصاً مثل سعيد حجريان، المفكر البارز في صفوف فصيل «الإصلاح» كان مراسلاً صحافياً ومحققاً مع السجناء السياسيين، ومحللاً لدى جهاز أمني ومستشاراً رئاسياً وكاتب عمود في الكثير من الصحف اليومية.
ومع ذلك، يرى كوهين أن المشكلة الكبرى مع الرقابة في إيران اليوم تكمن في عدم إمكانية الاعتماد على أي قواعد مفروضة في أي وقت معين. وقال: «يدفع هذا الصحافي إلى حالة من الاضطراب، أقرب إلى الاحتضار يومياً، فهو غير قادر على تحديد ما إذا كان ما يمكنه كتابته اليوم سيكون مسموح به غداً».
ويتعزز هذه المناخ العام القلق والمضطرب جراء الحملات المناهضة للإعلام من حين إلى آخر التي تسفر عن أعمال إلقاء قبض وفصل من العمل ونفي إجباري، بل وفي بعض الأحيان الاغتيال. وفي الكثير من الحالات، تصبح الرقابة الذاتية هي القاعدة كآلية دفاعية في مواجهة هذا المناخ العام المضطرب.
وأخيراً، تبعاً لما ذكره كوهين، فإن الرقابة داخل الجمهورية الإسلامية اكتسبت سمة جديدة تتمثل في أنه أصبحت تجري ممارستها نيابة عن السياسة والدين.
يقول: «في حد ذاتها، تشكل الجمهورية الإسلامية كياناً يقوم على الحكم الديني الاستبدادي. وعليه، من المتوقع تماماً أن يمارس هذا الكيان رقابة على المواد التي يعتبرها مضرة أو غير ملائمة للعقيدة الإسلامية».
إلا أن المشكلة تكمن في أن التصور الذي تطرحه الجمهورية الإسلامية للعقيدة الدينية في حالة تغير مستمر، فما يعتبر مباحاً قد يصبح غير مباح في غضون ساعات قليلة، والرجل الذي تجري الإشادة به كنموذج للورع والتقوى اليوم قد يشنق غداً باعتباره مرتداً. وفي الكثير من الحالات، غالباً ما يجري الترويج للمصالح السياسية للنظام، سواء كانت حقيقية أو مفترضة، باعتبارها اهتمامات ترتبط بالدين.
ما من شك في أن كوهين وتوندرو صالح من الأصوات التي تتزعم قضية حرية الصحافة، ويرفضان الرقابة باعتبارها محاولة لتقييد الحريات الأساسية. ومع هذا، نجد في بعض الأحيان أن رؤيتهما الحالمة للصحافة باعتبارها مهمة مقدسة، وليس مهنة تدفعهما إلى رفض ما يعتبرانه «صحافة صفراء».
على سبيل المثال، أشارا إلى عدد من الصحف الإيرانية الموالية للثورة مثل «شفق سورخ» و«مارد إمروز» والتي طرحت موضوعات مثيرة وعنيفة عبر صفحاتها. ويبدو أن كوهين وتوندرو صالح يعتقدان أن مثل هذه الإصدارات لا ينبغي السماح لها بالظهور. ويمكن للمرء بسهولة الاختلاف معهما في هذا الشأن باعتبار أن حظر أي منشور بأي ذريعة يمكن أن يصبح ذريعة لفرض الرقابة وممارسة الديكتاتورية.
عام 1945. قاضى الشاه «مارد إمروز» بتهمة السب والقذف عبر سلسلة من المقالات العنيفة التي نشرتها الصحيفة ضده وضد أسرته. ولم يصدر حكم في القضية لأن ناشر الصحيفة ورئيس تحريرها محمد مسعود تعرض للاغتيال على يد قاتل شيوعي. المثير في الأمر، أن الدعوى القضائية التي رفعها الشاه طالبت باعتذار من الصحيفة، وليس منع صدورها.
ومن بين النقاط الكثيرة المهمة التي طرحها كوهين في الكتاب، أنه في أي وقت وفي أي مكان يجري سن قانون يطلق عليه «قانون الصحافة»، فإنه يجب أن تنطلق أجراس الإنذار المعنية بحرية الصحافة. وعليه، يحق لنا افتراض أن البروفسور البارز غير راضٍ عن وضع الصحافة في ظل الجمهورية الإسلامية التي سنّت قانوناً للصحافة ومحكمة للصحافة ونظام ترخيص للصحف، بل ومثلما اتضح على مدار العقود الأربعة الماضية، وحدة خاصة لاختطاف، بل واغتيال الصحافيين الذين يرى النظام أنهم يثيرون المشكلات.



«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.