الكتب التي تساعدك على حل الأزمات الشخصية قليلة جداً

قراءة في كتاب قديم

غلاف «الاعترافات» بالفرنسية
غلاف «الاعترافات» بالفرنسية
TT

الكتب التي تساعدك على حل الأزمات الشخصية قليلة جداً

غلاف «الاعترافات» بالفرنسية
غلاف «الاعترافات» بالفرنسية

لو سألني أحدهم ما أهم كتاب قرأته طيلة إقامتك الباريسية المديدة، لأجبته على الفور: «اعترافات» جان جاك روسو. وربما كانت هذه القراءة أعظم اكتشاف يحصل لي منذ أن وصلت إلى فرنسا قبل أربعين عاماً بالضبط. ولو أني لم أقرأ غيره لكفاني ذاك فخراً، ولما ذهب مجيئي إلى بلاد موليير وفولتير سدى. لماذا أعطيه كل هذه الأهمية؟ لأنه مفعم بالنزعة الإنسانية.
في الجزء الأول من هذا الكتاب، وفي الصفحة رقم 120 من طبعة «فلاماريون» الفرنسية لعام 1968، يروي روسو قصة صغيرة حصلت له في الطفولة الأولى، وهي التي دفعت به فيما بعد إلى كتابة «اعترافاته» أو مذكراته لتبرير نفسه. أو قل: كانت أحد الأسباب الأساسية.
فقد كان في شبابه الأول، أي في السادسة عشرة، بالكاد قد خرج من مرحلة الطفولة عندما حصلت الحادثة، وملخصها هو التالي: كان يشتغل خادماً لدى إحدى العائلات الإيطالية بعد أن هرب من بيته وعائلته في جنيف وهامَ على وجهه في البراري والقفار كما هو معروف. وفي يوم من الأيام وقع بصره على وشاح جميل فقرر سرقته وإهداءه إلى الخادمة الأخرى التي تشتغل أيضاً في البيت نفسه: ماريون.
ولكن بعدما انكشف أمر السرقة خاف من الفضيحة، فاضطر إلى أن يتهمها بأنها هي التي سرقته. وعندئذ طلب صاحب البيت من الخادمة أن تمثل بين يديه لكي تحصل المواجهة بين الاثنين ويعرف الكاذب من الصادق، وهل هي السارقة أم هو. وبما أنها بريئة كلياً فقد بهتت في البداية ولم تحر جواباً. لم تعد تعرف ماذا تقول، فراحت تتوسل وتستغيث وتحلف بأغلظ الأيمان بأنها ليست هي. وفيما كانت تدافع عن نفسها كانت تشعر غصباً عنها كأنها مهزومة سلفاً. وراحت تنظر إلى روسو نظرة استعطاف وعتاب وملامة ظلت تلاحقه طوال حياته كلها. قالت له: «لا، يا روسو! ما كنت أعتقد أنك هكذا. لا يا روسو هذا لا يليق بك، لا يا روسو... كنت أعتقد أنك شخص طيب. وكل شيء يدل على أنك طيب بالفعل. ولكن لماذا فعلتها معي؟ لقد وضعتني في موقع حرج فعلاً. ولا أحب أن أكون مكانك». ولكنه أصر على الكذب إلى حد الوقاحة بعد أن لم يعد قادراً على التراجع. وهكذا استطاع أن ينتصر عليها في نهاية المطاف، استطاع أن يلصق التهمة بها. وعندئذ طردوهما معاً من البيت. والأنكى من كل ذلك أنه ما سرق الوشاح إلا لكي يهديها إياه تعبيراً عن حبه لها. وهكذا بدلاً من أن يفيدها أضر بها... بدلاً من أن يكحّلها؛ عماها.
عندما كتب روسو قصة «ماريون» هذه في كتاب «الاعترافات»، كان قد مرّ عليها أربعون عاماً أو أكثر. وهو يحلف يميناً بالله أنه لم ينم قرير العين في أحيان كثيرة بسببها. صحيح أنها كانت تغيب عن باله لفترة من الزمن تطول أو تقصر، ولكنها كانت تعود في أوقات الشدة لكي تذكره بنفسها وتؤرقه. فضميره راح يؤنبه ويعذبه إلى درجة أنه كان يراها أحياناً في منامه وهي مقبلة عليه من خلف الضباب وكأنها تقول له: لماذا فعلت بي ذلك يا روسو؟ ألا تعرف أنك شوهت سمعتي في البيوت؟ ألا تعرف أنه لم يعد أحد يشغلني خادمةً عنده. ماذا فعلتُ لك لكي تحطمني؟ كانت تتراءى له بعد أربعين سنة كأن القصة قد حصلت البارحة. وكان يفيق والدموع تنسكب من عينيه فتبلّل خدّيه ووسادتيه.
ثم راحت هواجسه تتضخم وأخذ خياله المرضي أو الهوسي يكبّر حجم الخطيئة حتى تحولت إلى جريمة تقريباً. راح يتساءل في لحظات الخلوة والوسوسة بينه وبين نفسه: ماذا حصل لتلك المسكينة ماريون؟ ماذا حصل لتلك الطفلة التي لم تؤذ أحداً في حياتها؟ هل حقاً أن جميع العائلات رفضتها واضطرت إلى ممارسة البغاء مثلاً لكي تعيش؟ أين ذهبت ماريون الفقيرة هذه، وفي أي الدروب ضاعت؟ وهل قضي على مستقبلها يا ترى أم نجت من ذلك العار؟
أسئلة كثيرة مزقت قلبه وعقله على مدار السنوات... وفي خريف العمر أو شتائه عندما كانت هذه الأسئلة تلاحقه كان الأعداء يلاحقونه أيضاً ويطبقون عليه من كل جانب بعد أن أصبح مشهوراً جداً؛ بل وتحول إلى شبه أسطورة. كان ذلك بعدما أصبحت كتبه تُحرق على أيدي الأصوليين في باريس وجنيف وأمستردام دفعة واحدة. كان ذلك بعد أن كبر ذلك الطفل الصغير اللقيط الذي لا يعرفه أحد وأصبح: جان جاك روسو!
في مثل هذه الظروف التراجيدية التي أحاطت به في أواخر عمره كان يعتقد أن العناية الإلهية تنتقم منه بسبب تلك «الخطيئة الأصلية» التي ارتكبها يوماً ما. وكان يشعر بالسعادة تقريباً لأن الآخرين يعذّبونه ويشوهون سمعته مثلما عذّب هو ماريون وشوّه سمعتها. كان يطالب بمزيد من الاضطهاد لكي يتشفّى من نفسه ويكفّر عن ذنوبه.
وبدءاً من تلك اللحظة أصبح يكره الكذب ويتحاشاه ويخشاه كأنه جريمة. وأصبح أصدق كاتب أنجبته أوروبا في تاريخها كله، بالإضافة إلى بعض القلائل بالطبع؛ مثل هولدرلين، أو كانط، أو غوته. ولذلك تجد وراء كل صفحة من الاعترافات كأن صوت الحقيقة هو الذي يتكلم من خلالها وليس هو. لقد أصبح الناطق الرسمي باسم الحقيقة نيابة عن عصر بأسره. لهذا السبب أُعجب به كانط أيما إعجاب ووضع صورته على طاولته لكي يستأنس بها ويكتب ويشتغل باطمئنان وسلام. وكذلك أعجب به هولدرلين وهيغل وتولستوي وديستيوفسكي وآخرون كثيرون من الكبار أو كبار الكبار. لقد أصبح نبي العصور الحديثة.
هكذا قرر روسو أن يعرّي نفسه في هذا الكتاب الشهير «الاعترافات» بكل صراحة أمام القراء والأجيال المقبلة. قرر أن يكشف عن خباياه ويعترف بكل نقاط ضعفه وقصوره. وقسا على نفسه أكثر مما يجب، وعنّفها ووبّخها: بل ومسح بها الأرض! وأسس بذلك محاسبة الضمير في الفكر الأوروبي المعاصر. من هنا جاذبية «اعترافاته» وخلودها على مرّ العصور.
نعم لقد سحقت قصة ماريون هذه قلبه سحقاً ولاحقته على مدار الأيام والسنوات. وكان يتمنى لو أن مصيبة نزلت على رأسه ولم يفعل فعلته تلك. ولو أنهم انتحوا به جانباً وسألوه عن الموضوع على حدة، لاعترف بالحقيقة ولما اتهمها أبداً. ولكن صعب عليه أن يعترف بخطيئته هكذا علناً أمام الجميع.
يقول في تلك الصفحات الثلاث ما معناه: ما كنت أخشاه بعد اندلاع الفضيحة ليس العقاب ولا الضرب أو الطرد من البيت؛ وإنما العار. كنت أخشاه أكثر من أي شيء آخر في العالم. كنت أخشاه أكثر من الموت. كنت أفضل أن تنشق الأرض وتبتلعني على أن أعترف أمام الناس بأني لص أو سارق.
ولذلك اضطر إلى الكذب واتهامها غصباً عنه.
يخطر على بالي أحياناً أن أتساءل وأقول ما يلي: ألا توجد علاقة بين موقف روسو هذا وبين استقامة السلوك التي نلاحظها في البلدان الحضارية جداً مثل سويسرا مثلاً، وهي بلده الأصلي بالمناسبة؟ ألم يؤسس للضمير الأخلاقي أو لمحاسبة الضمير في كل أنحاء أوروبا؟ لماذا تكون العلاقات الاجتماعية دقيقة ومنتظمة في البلدان المتقدمة؟ ولماذا يشيع الغش والكذب والاحتيال في بلداننا نحن الذين ندعي الإيمان والتقى والورع؟ لماذا كلما صلينا وصمنا وركعنا أكثر زاد غشنا أكثر؟ هناك استثناءات كثيرة بالطبع وأكاد أعتذر من هذا الكلام... ولكن ما أقصده هو أنك تستطيع في سويسرا أو ألمانيا أو الدنمارك أو النرويج أو السويد أو سواها من البلدان الأوروبية أن تشتري الجرائد والكتب أو تركب الحافلات من دون أن تدفع فلساً واحداً إذا شئت لأنه لا يوجد أحد لكي يراقبك. يراقبك ضميرك فقط. وهي بلدان علمانية لا أثر للدين فيها ولا تصوم ولا تصلي إلا نادراً. ومع ذلك، فهي أخلاقية مائة في المائة. كيف يمكن تفسير ذلك؟ أعترف بأن هذا الأمر حيرني. وقد رأيت ذلك بأمّ عيني عندما زرت سويسرا وألمانيا وهولندا وأدهشني الوضع. رأيت جميع المواطنين يدفعون ثمن المشتريات عدّاً ونقداً ولا أحد يفكر في الغش أو مخالفة القانون مطلقاً. هناك شيء اسمه ضمير إذن، وهو أهم من أي شرطي! هناك وازع داخلي يردعك إذا ما همّت نفسك بالسوء أو بالانحراف والإخلال بالواجب أو التقصير في العمل. فكيف يمكن أن تخشى على بلاد من هذا النوع؟ كيف لا تزدهر وتتطور ويطيب فيها العيش؟ ومَن الذي أسس الضمير الأخلاقي الصارم في الثقافة الأوروبية؟ إنهم مصلحوها الدينيون وفلاسفتها الكبار وعلماؤها... العلماء ورثة الأنبياء.
هل سمعتم بحضارة نهضت على قدميها من دون شخصيات كبرى تثبت على الحق والمبدأ وتحترق لكي تضيء للآخرين الطريق؟ هل سمعتم بحضارة نشأت على عادات غير الصدق والدقة في المعاملة؟ هل سمعتم بحضارة نشأت وازدهرت على شيء آخر غير مكارم الأخلاق؟
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
هناك أسباب أخرى تدفعني للإعجاب باعترافات جان جاك روسو ولا أستطيع البوح بها كلها هنا. ولكن ربما كان أهمها هو أنه قربني من أمي وطفولتي الأولى وذلك الحدث الصاعق الذي أسس وجودي. على أي حال؛ فحكايتي مع هذا الكتاب تطول منذ أن أضاء الدياجير المظلمة لحياتي الداخلية بعدما ابتدأت بقراءته لأول مرة في قرية شاتني مالبري بضواحي باريس. وهي ذاتها قرية الفيلسوف الكبير بول ريكور. كما أنها قرية فولتير لأنه ولد فيها وتمثاله يتصدرها. وقد شاء لي الحظ أن أقيم فيها بمحض الصدفة لبضع سنوات في أواخر القرن الماضي. وبعدئذ لم يفارقني الكتاب، خصوصاً في لحظات الشدة. وقد ساعدني على تعميق بعض الأسئلة الشخصية، والقبول بما لا يحتمل ولا يطاق. والواقع أن الكتب التي تساعدك على حل تأزماتك الشخصية قليلة جداً. إنها عبارة عن انفراجات مضيئة داخل الانسدادات.



كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».