لقاء وزيري خارجية فرنسا وتركيا: مشروع المنطقة العازلة يراوح مكانه

مصادر فرنسية لـ («الشرق الأوسط») : عملية «عض أصابع» بين واشنطن وأنقرة.. والأولى أجهضت المشروع

وزيرا خارجية فرنسا لوران فابيوس وتركيا مولود جاويش أوغلو  يجيبان عن أسئلة الصحافيين في باريس أمس (أ.ف.ب)
وزيرا خارجية فرنسا لوران فابيوس وتركيا مولود جاويش أوغلو يجيبان عن أسئلة الصحافيين في باريس أمس (أ.ف.ب)
TT

لقاء وزيري خارجية فرنسا وتركيا: مشروع المنطقة العازلة يراوح مكانه

وزيرا خارجية فرنسا لوران فابيوس وتركيا مولود جاويش أوغلو  يجيبان عن أسئلة الصحافيين في باريس أمس (أ.ف.ب)
وزيرا خارجية فرنسا لوران فابيوس وتركيا مولود جاويش أوغلو يجيبان عن أسئلة الصحافيين في باريس أمس (أ.ف.ب)

تشهد باريس مطلع الأسبوع القادم مشاورات دولية مكثفة أهمها المحادثات الأميركية - الروسية التي سيجريها الوزيران جون كيري وسيرغي لافروف فضلا عن المحادثات مع نظيرهما الفرنسي لوران فابيوس. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن الملف السوري - العراقي والحرب على الإرهاب سيكون على رأس جدول الأعمال خصوصا على ضوء وجود اختلاف في وجهات النظر داخل التحالف لجهة إقامة «منطقة آمنة» على الحدود السورية - التركية من جهة وبين التحالف وروسيا من جهة أخرى.
ويصل كيري إلى باريس الاثنين قادما من القاهرة حيث سيشارك في المؤتمر الدولي لإعادة إعمار غزة ويلتقي لافروف يوم الثلاثاء. ومن جانبه، يلتقي فابيوس الوزيرين بصورة منفردة.
وكان مجمل الوضع السوري - العراقي والحرب على الإرهاب وخصوصا الاقتراح التركي القاضي بإنشاء «منطقة أمنية» عازلة داخل الأراضي السورية محل بحث معمق أمس بين فابيوس ونظيره التركي حيث تسعى باريس وأنقرة إلى بناء «شراكة استراتيجية شاملة» من ضمنها التعاون السياسي والتنسيق فيما يخص أزمات المنطقة وكيفية مواجهة صعود تنظيم داعش. وحرص فابيوس ومولود جاويش أوغلو، في حديثهما إلى الصحافة عقب الاجتماع، على إبراز «وحدة الموقف» من مجمل هذه القضايا حيث كرر الوزير الفرنسي دعم بلاده لمشروع تركيا الداعي إلى إقامة المنطقة الآمنة على الحدود السورية - التركية. واللافت في موقف الوزير الفرنسي أنه أشار إلى أن «تنفيذ هذا المشروع يحتاج لتنسيق دولي وثيق جدا» ما يعني ضمنا أنه ليس بحاجة لقرار جديد من مجلس الأمن الدولي وهو عكس الموقف الروسي الذي يشدد على الحاجة لمثل هذا القرار. وبالمقابل، شدد جاويش على الحاجة لـ«استراتيجية شاملة» ومن ضمنها المنطقة الآمنة وإقامة منطقة حظر جوي لحمايتها باعتبار أن الضربات الجوية «غير كافية». كما شدد الوزير التركي على أن محاربة الإرهاب يتعين أن تشمل أيضا النظام السوري الذي هو «في أساس الإرهاب» كما أنه يمثل «الخطورة نفسها» التي يمثلها «داعش». وربط جاويش بين المنطقة الآمنة والحاجة إلى إيواء مئات الآلاف من النازحين السوريين الذين لم تعد تركيا «قادرة على تحمل أعبائهم وحدها».
وما قاله جاويش سبقه إليه فابيوس الذي أشار إلى «حرص» بلاده على ألا تفضي الحرب على داعش إلى تقوية النظام السوري الذي وصفه بـ«المسخ». وأعاد فابيوس إلى طاولة النقاش موضوع «الانتقال السياسي» في سوريا الذي وصفه بأنه «لا محيد عنه» كما دعا إلى إبقاء كافة الخيارات «مفتوحة».
بيد أن المشروع التركي (المنطقة العازلة) الذي حظي بدعم فرنسي على أعلى مستوى، لا يبدو أنه سيبصر النور وفق ما قالت مصادر فرنسية رسمية لـ«الشرق الأوسط» بسبب المعارضة الأميركية وبالتالي يمكن اعتباره قد «ولد ميتا». وبحسب هذه المصادر، فإن المنطقة الآمنة بحاجة إلى حماية جوية وغير جوية وبالتالي فإنها تحتاج لإقامة منطقة حظر جوي. والحال أنه من غير مشاركة أميركية لأن أي بحث من هذا القبيل سيكون «كلاما في فراغ». وتشير هذه المصادر إلى «عض أصابع» بين أنقرة وواشنطن سببها «اختلاف الأهداف والمصالح». وبينما تدفع واشنطن باتجاه تدخل تركي فوري في سوريا على الأقل في المنطقة المحاذية للحدود التركية، فإن أنقرة ترفض التحرك من غير «غطاء أميركي - دولي». وفي أي حال، فإن الجانب الأميركي «أجهض» المسعى التركي عندما عده «غير مطروح على الطاولة». ولمزيد من الوضوح أعلن طوني بلينكن، نائب مستشارة الأمن القومي الأميركي أنه «ليس في دائرة الاهتمام» الأميركي وأنه «لم يأت بجديد».
والواقع أن الدبلوماسية الفرنسية تجد نفسها، مرة جديدة، في موقع حرج إذ سيبدو الدعم الذي عبر عنه الرئيس هولاند غير ذي معنى بسبب الرفض الأميركي. وتساءلت أوساط سياسية فرنسية عن الأسباب التي دعت هولاند «للمغامرة» واتخاذ موقف متقدم ليجد نفسه وحيدا كما كانت حاله في العام الماضي عندما تراجع الرئيس أوباما عن خطط ضرب النظام السوري معاقبة له على استخدام السلاح الكيماوي في شهر أغسطس (آب). عندها قفز أوباما على المبادرة الدبلوماسية الروسية ليطوي صفحة التدخل العسكري في سوريا. وبسبب تراجعه، وجدت فرنسا نفسها وحيدة واضطرت لسحب تهديدها بحجة أنها «لن تضرب سوريا بمفردها».
إزاء هذا الواقع، ترى هذه الأوساط أن باريس أرادت أن تعطي الانطباع بأنها لا تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يحصل في معارك عين العرب (كوباني) وإزاء ما قد يستتبعها من مجازر على غرار ما قام به تنظيم داعش في المناطق التي احتلها في العراق. أما التفسير الآخر فقوامه أنها أرادت الوقوف إلى جانب تركيا لتشجيعها على التدخل في عين العرب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه باعتبارها الطرف الأقرب والمعني الأول بما يحصل على بعد مئات الأمتار من حدودها. لكن تبين من تلاحق الأحداث أن لتركيا حساباتها الاستراتيجية الخاصة التي لا تتطابق بالضرورة مع القراءة الفرنسية رغم أن البلدين يسعيان لإقامة علاقة استراتيجية «شاملة» من ضمنها السعي لموقف سياسي «موحد» من بؤر المنطقة المتفجرة.



ستارمر يستبعد الاستقالة وسط تبعات فضيحة إبستين

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)
TT

ستارمر يستبعد الاستقالة وسط تبعات فضيحة إبستين

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير السابق في واشنطن بيتر ماندلسون (أرشيفية - أ.ب)

استبعد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، الاثنين، الاستقالة، بينما يستعد لمواجهة نواب حزبه العمالي وسط تخبط حكومته في تبعات فضيحة جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية، وما تكشّف عن صلات بينه وبين السفير البريطاني السابق في واشنطن، بيتر ماندلسون. ويواجه الزعيم العمالي الذي تدنت شعبيته، أزمة ثقة وسلطة غير مسبوقة ودعوات متصاعدة للاستقالة، لتعيينه عام 2024 ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن، رغم علمه بأنه بقي على صلة بالمتموّل الأميركي حتى بعد إدانته في 2008. وتعهد ستارمر، متوجهاً إلى فريقه في «10داونينغ ستريت» بالقول: «المضي قدماً... بثقة بينما نواصل تغيير البلاد»، وفق ما أفاد به مسؤول في الحكومة طالباً عدم كشف اسمه.

القط «لاري» المعروف في «داونينغ ستريت» ينتظر عند عتبة المقر الرسمي لرئيس الوزراء البريطاني في لندن الاثنين (أ.ف.ب)

وقال المتحدث الرسمي باسم ستارمر للصحافيين إن «رئيس الوزراء يصبّ تركيزه على أداء مهامه»، مؤكداً أنه يشعر بـ«التفاؤل» على الرغم من الكلام المتزايد في البرلمان بأن أيامه باتت معدودة. وفي آخر نكسة يتلقاها ستارمر، أعلن المسؤول الإعلامي في مكتبه، تيم آلن، الاثنين، الاستقالة من منصبه بعد أشهر على تعيينه، وذلك غداة استقالة مورغان ماكسويني مدير مكتبه لكونه «أوصى» بتعيين ماندلسون. ومع تنحي ماكسويني، خسر رئيس الوزراء أقرب مستشاريه والقيادي الذي ساعده على إعادة الحزب العمالي إلى الواجهة، بعدما خلف اليساري جيريمي كوربين عام 2020.

موقف «لا يمكن أن يستمر» -وقال آلن في بيان مقتضب إنه يريد «السماح بتشكيل فريق جديد في داونينغ ستريت». وتعاقب عدد من المسؤولين الإعلاميين إلى الآن خلال ولاية ستارمر القصيرة، وباتت الاستقالات والتغيير في السياسات والتعثر من سمات إدارته؛ ما أدى إلى تراجع شعبيته. ومن المتوقع أن يتوجّه ستارمر بكلمة لاحقاً، الاثنين، إلى نواب حزبه في اجتماع حاسم. وأعلنت زعيمة المعارضة المحافظة، كيمي بادينوك، لإذاعة «بي بي سي»: «المستشارون يقدمون النصائح والقادة يقرّرون. اتّخذ قراراً سيئاً، وعليه أن يتحمل مسؤولية ذلك»، معتبرة أن ستارمر في موقف «لا يمكن أن يستمر».

مراسلون خارج منزل السفير السابق بواشنطن بيتر ماندلسون في لندن الأحد (إ.ب.أ)

ويواجه ستارمر أخطر أزمة منذ توليه السلطة، مع تفاقم تداعيات تعيين ماندلسون منذ أن كشفت رسائل إلكترونية أنه بقي على علاقة مع إبستين الذي انتحر في زنزانته عام 2019 قبل محاكمته، حتى بعد وقت طويل من إدانته. ودعا عدد من النواب العماليين معظمهم من الجناح اليساري المعارض لخط رئيس الوزراء الوسطي، إلى أن يحذو حذو ماكسويني ويستقيل. وانضم إليهم، الاثنين، رئيس الحزب العمال الاسكوتلندي أناس ساروار، معتبراً أنه «يجب وضع حد لهذا التمويه، وينبغي تغيير القيادة في داونينغ ستريت». ونقلت صحف بريطانية عن وزراء طلبوا عدم كشف أسمائهم قولهم إنهم يعتقدون أنّه سيتنحّى قريباً، غير أن عدداً من الشخصيات البارزة في حزب العمال دافعت عنه، لا سيما في غياب خلف بارز له مع اقتراب انتخابات محلية حاسمة للحزب في أيار (مايو). واعتبر وزير العمل بات ماكفادين أن ستارمر سيبقى في منصبه مشيراً إلى أنه يحظى بتفويض لـ5 سنوات. وحزب العمال متراجع بشكل كبير في استطلاعات الرأي، ويتقدّم عليه حزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني المتطرف بزعامة نايجل فاراج بأكثر من 10في المائة منذ عام.

وزاد ذلك من مخاوف النواب العماليين رغم أن الانتخابات التشريعية المقبلة لا تزال بعيدة وهي مقررة عام 2029. وكان ستامر قد عيّن الوزير والمفوّض الأوروبي السابق ماندلسون، في هذا المنصب الحساس في ديسمبر (كانون الأول) 2024 قبيل عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. لكنه أقاله في سبتمبر (أيلول) 2025 بعد نشر وثائق تضمنت تفاصيل عن علاقته بإبستين.

وعادت القضية إلى الواجهة مع نشر وزارة العدل الأميركية وثائق جديدة أخيراً، كشفت أن ماندلسون (72 عاماً) سرب معلومات لإبستين من شأنها التأثير في الأسواق، خصوصاً حين كان وزيراً في حكومة غوردن براون بين عامي 2008 و2010. وفتحت الشرطة البريطانية تحقيقاً في الأمر، وقامت، الجمعة، بتفتيش موقعين على صلة بماندلسون. وحاول رئيس الوزراء، الأسبوع الماضي، احتواء الأزمة، فأعرب أمام البرلمان، الأربعاء، عن «ندمه» على تعيين ماندلسون، مؤكداً أنه كذب بشأن مدى علاقاته بإبستين «قبل وفي أثناء مدة عمله سفيراً». كما اعتذر ستارمر، الخميس، لضحايا إبستين، معرباً عن شعوره «بالأسف لتصديقه أكاذيب بيتر ماندلسون، وتعيينه سفيراً في واشنطن على الرغم من صلاته بالمجرم الجنسي المدان». ومن المقرر أن تنشر الحكومة البريطانية عشرات آلاف الرسائل الإلكترونية والرسائل النصية والوثائق المتعلقة بتعيين ماندلسون؛ ما قد يزيد الضغط على ستارمر والوزراء العماليين.

«مزاعم» بشأن الأمير السابق أندرو

أعلنت شرطة منطقة وادي التايمز في بريطانيا، الاثنين، أنها «تقيم مزاعم» بأن الأمير السابق أندرو أرسل تقارير تجارية سرية إلى إبستين، بينما قال مكتب الأمير ويليام إنه «قلق للغاية» بشأن ما سيكشفه التحقيق الأميركي. وأطلقت قوة الشرطة، التي تغطي مناطق غرب لندن، بما في ذلك منزل الأمير السابق في وندسور، التحقيق بعدما نشرت وسائل إعلام تقارير عن رسائل بريد إلكتروني تشير إلى أن الأمير آنذاك أرسل إلى إبستين تقارير من جولة قام بها في جنوب شرقي آسيا في عام 2010 بصفته مبعوث بريطانيا للتجارة الدولية.


الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين بجورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)
مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين بجورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)
مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

أظهرت ​وثيقة، الاثنين، أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين ⁠في ​دولتين ‌أخريين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا، في خطوة ستكون ⁠الأولى من ‌نوعها.

ووفقاً للوثيقة التي ‍اطلعت عليها ‍«رويترز»، اقترحت دائرة العمل الخارجي في حزمة العقوبات ​رقم 20 إدراج ميناء ⁠كوليف في جورجيا وميناء كاريمون في إندونيسيا بسبب تعاملهما مع النفط الروسي.


مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

 مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)
مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)
TT

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

 مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)
مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

منذ يوم الأحد، انطلقت مناورات «أورويون 26» التي تتواصل حتى 30 أبريل (نيسان) المقبل، وتضم فرقاً من 24 دولة غالبيتها أوروبية، ولكن بمشاركة أميركية وكندية ودول أخرى؛ مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية وسنغافورة والبرازيل. وانضمت إلى المناورات دولتان عربيتان هما المغرب وقطر.

وتعد «أوريون 26» النسخة الثانية من التدريبات التي جرت قبل 3 أعوام تحت اسم «أوريون 23». ورغم الميزة المشتركة بين التدريبين، بحيث إنهما يتمان بمبادرة من فرنسا وبقيادتها، فإن مناورات «أوريون 26» تتميز بضخامتها من جهة، وبأنها تحصل في ظل وضع جيو - استراتيجي بالغ التعقيد. فالولايات المتحدة، في ظل الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب، لم تعد الشريك الأطلسي الموثوق به بالنسبة للجناح الأوروبي للحلف، ما يدفع الأوروبيين للسعي لتعزيز دفاعاتهم الخاصة والاعتماد على جيوشهم وقدراتهم الذاتية. وما فاقم مخاوفهم الظروف التي أحاطت برغبة ترمب في السيطرة على جزيرة غرينلاند القطبية، رغم أن السيادة فيها تعود للدنمارك، العضو في الحلف الأطلسي وفي الاتحاد الأوروبي. كذلك، فإن الأضواء التي سلطتها واشنطن على الأطماع الروسية والصينية في الممرات البحرية الجديدة بالقطب الشمالي، لا يمكن فصلها عن الهدف من هذه المناورات.

ومن جهة ثانية، فإن تواصل الحرب الأوكرانية يترافق مع تصاعد القلق الأوروبي من الخطط الروسية، حيث إن المخططين العسكريين (كما في ألمانيا وفرنسا مثلاً) لا يستبعدون أن تعمد روسيا لاستهداف بلد أوروبي في شمال أوروبا، أو بلدان بحر البلطيق، خصوصاً تلك التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي حتى تفككه نهاية عام 1991.

حاملة الطوافات الفرنسية «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية والمشاركة في المناورات العسكرية خلال تمرين في البحر المتوسط قبالة الساحل الفرنسي قريباً من قاعدة طولون (رويترز)

سيناريو مواجهة هجوم روسي

بالنظر لما سبق، فإن «أوريون 26» كما خططت له قيادة أركان القوات الفرنسية، يحاكي خطة منسقة لرد هجوم وهمي استهدف دولة أوروبية. ورغم لجوء القيادة المذكورة لتسميات وهمية، فإن المقصود درء هجوم روسي. والغرض من المناورة التأقلم مع العمل الجماعي بين قوات مختلفة الجنسيات، ولكن بعضها اعتاد على مثل هذا النوع من التدريبات في إطار الحلف الأطلسي.

وبما أن فرنسا، التي تدفع دول الاتحاد الأوروبي منذ وصول الرئيس إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه، إلى بناء قواه الذاتية، هي التي تقود المناورات، فإنها توفر العدد الأكبر من القوات والأسلحة والمعدات. كما أن المناورات البرية والجوية تدور على أراضيها وفي أجوائها، فيما المناورات البحرية تحصل في المحيط الأطلسي الشمالي. وتشارك القوات الفرنسية بنحو 8 آلاف رجل (من أصل 12500) من مختلف الأسلحة و140 طائرة وطوافة و1200 مسيرة و6 أنظمة دفاع جوي، كما حضرت 10 قواعد جوية موزعة على الأراضي الفرنسية و2500 عربة مصفحة. وفيما يخص البحرية، فإن باريس تشارك بحاملة الطائرات «شارل ديغول» ومجموعتها المواكبة وبـ25 وحدة عسكرية قتالية بحرية، وهيأت قاعدتين بحريتين لهذه المناورات الأولى في مياه المتوسط والثانية على شاطئها الأطلسي. ولقيادة العمليات، أقيمت قيادة أركان مشتركة انضم إليها ضباط من الدول المشاركة.

وترسم المعلومات المتوافرة صورة إجمالية لهذه المناورات التي تشمل عمليات برمائية وأرضية وإنزالاً جوياً وسيطرة على الأجواء والحرب السيبرانية، وتوفير الحماية لمناطق معرضة للاختراقات وتأمينها. ويريد القيمون على هذه المناورات تحقيق 3 أهداف: تعزيز الجاهزية للقتال عالي الشدة، بما في ذلك في سياقات حرب «هجينة» واختبار قابلية العمل البيني بين القوات المشاركة، وأخيراً اختبار إجراءات القيادة المشتركة بين مختلف الفروع العسكرية والحلفاء، وكذلك مدى التكامل والتآزر بين المجالات العملياتية.

جنود من البحرية الفرنسية على قارب مطاطي خلال تمرين في مياه البحر المتوسط لتأمين حاملة الطوافات «تونير» (رويترز)

حماية الأطلسي الشمالي

لعل الأبرز في «أوريون 26» يتناول العمليات البحرية، خصوصاً في شمال الحلف الأطلسي، حيث تفيد التقارير العسكرية بتزايد العمليات الروسية «المعادية» بأشكال مختلفة. ولا يمكن فصل هذا الجانب عن الضغوط الأميركية التي تعتبر أن الأوروبيين لا يقومون بما هو كافٍ لحماية هذه المنطقة الاستراتيجية. وشكّل هذا الجانب إحدى حجج ترمب للمطالبة بوضع اليد على جزيرة غرينلاند. ورغم التوافق الأولي الذي نجح مارك روته، الأمين العام للحلف الأطلسي، في الترويج له لدى ترمب والذي جعل الأخير يتراجع عن عزمه السيطرة على غرينلاند بما في ذلك اللجوء إلى العمل العسكري، فإن من الواضح أن هناك أزمة أمنية حقيقية يتعين على الأوروبيين وعلى الحلف الأطلسي التعامل معها بجدية.

ومن هنا، فإن المناورات التي بدأت، تعد «مقدمة» لما سيقوم به الغربيون في هذه المنطقة البحرية الاستراتيجية.

ونقلت صحيفة «لو باريزيان» في عددها ليوم الأحد، أن الهدف لما سمته «استعراض القوة» وفق الجنرال غوديليير، أحد المسؤولين عن المناورات، «يهدف قبل كل شيء، إلى تعزيز جاهزية القوات والقيادات لمعارك عالية الشدة، أي لمواجهة خصم يمتلك قدرات لا تقلّ عن قدراتنا، إن لم تكن مماثلة لها»، أكان ذلك في الفضاء والحرب السيبرانية والإلكترونية والتهديدات المعلوماتية، والاستخبارات عبر الأقمار الاصطناعية، والتشويش الكهرومغناطيسي، وكل ما يميز الحروب «الجديدة». ويشدد الجنرال غوديليير على أهمية السيطرة على الأجواء، لاعتباره أن «القتال الجوي - الفضائي يُعدّ عنصراً محورياً؛ بل هو شرطٌ مسبق لعرقلة إرادة الخصم وحريته في العمل»، وبالتالي السيطرة على أرض المعركة.