بغداد وبيروت تتقاسمان «وجع الفساد» وتتبادلان «الشعارات» على أنغام الموسيقى

الاحتجاجات في العراق ولبنان دخلت شهرها الثاني

المتظاهرون في بيروت يرددون الأغنية مع العازفين ويتمايلون على أنغامها (إ.ب.أ)
المتظاهرون في بيروت يرددون الأغنية مع العازفين ويتمايلون على أنغامها (إ.ب.أ)
TT

بغداد وبيروت تتقاسمان «وجع الفساد» وتتبادلان «الشعارات» على أنغام الموسيقى

المتظاهرون في بيروت يرددون الأغنية مع العازفين ويتمايلون على أنغامها (إ.ب.أ)
المتظاهرون في بيروت يرددون الأغنية مع العازفين ويتمايلون على أنغامها (إ.ب.أ)

تتقاسم بغداد وبيروت الوجع المنادي بالقضاء على الفساد في السلطة، حيث تلتقي الاحتجاجات الشعبية الغاضبة في أكثر من مفصل، فغضب الشارع الذي تفجر في البلدين صوب فوهته نحو السلطة السياسية التي وصفها بـ"الفاسدة"، مطالباً بوحدة وطنية بعيداً عن الطائفية، وإبعاد التدخلات الخارجية أيضاً.
ولم يكن شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عادياً لدى عموم شعبي البلدين، فالشباب العراقيون يواصلون التدفق إلى الشوارع والساحات، وباتت صدورهم مرمى لرصاصات القوات الأمنية، والغاز المسيل للدموع هو وسيلة تنفسهم، متحدين بذلك إصرار السلطة على منعهم من حقهم في المطالبات السلمية، التي تنادي بطمس الفساد ومعاقبة الفاسدين وإنهاء حقبة الدولة المتصدعة والزمن الطائفي؛ ونفس الشباب في لبنان الذين ما عادوا يقبلون بغير الشفافية والنزاهة والكفاءة في السلطة التي تتقاسم كعكة الفساد بمختلف الأحزاب في البلاد.
صورة عربة «التوكتوك» في بغداد رصدت لوحة فنية من التلاحم الشعبي، ذابت فيها كل معاني التعاضد الوطني، واختزلت رابط العلاقة في المشهد العراقي واللبناني في طرد وإبعاد طهران عن صناعة القرار السيادي العربي، فالاحتجاجات العربية تعبر عن ملل الشارع من الآيديولوجيا المنظرة، والشعوب تؤمن دائماً بالواقع، وهي تتأمل واقع نظرائها واستقرارهم، يريدون خطة تنموية تنتشلهم من الانهيار الاقتصادي إلى آفاق رحبة من التنمية تليق بتاريخ بغداد وبيروت.
وسط ساحات الاحتجاج في مدينة بغداد، يرفرف العلم اللبناني عالياً؛ وعلى بعد أكثر من 900 كيلومتر يرد المتظاهرون في وسط بيروت التحية بمثلها وتصدح حناجرهم بأغنية عراقية.
تعزف فرح قدور (26 عاماً) ورفاقها على آلاتهم الموسيقية، مرددين باللهجة العراقية العامية: «لا تصدّق بحكي الإشاعة، كلهم حرامية الجماعة (...) والهوية لبنانية، لا لا الساحة ما نتركها».
واستوحت المجموعة أغنيتها من لطمية، وهي نوع من أنواع الأناشيد الرثائية لدى الشيعة، أطلقها المنشد أو «الرادود الحسيني»، كما يطلق عليه في العراق، علي يوسف كربلائي، دعماً لاحتجاجات تعم مناطق عدة في العراق منذ مطلع أكتوبر ضد الطبقة السياسية برمّتها.
في ساحة رياض الصلح وسط بيروت، يردّد المتظاهرون الأغنية مع العازفين، يتمايلون على أنغامها، يصفقون مراراً ويطلبون إعادتها مرة أخرى.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية، عن السيدة فرح من قلب ساحات الاحتجاج، قولها إن «الشارعين (اللبناني والعراقي) يتابعان بعضهما، ويستمدان الأفكار من بعضهما»، مضيفة أن من شأن ذلك أن «يسلط الضوء على القواسم المشتركة التي من خلالها نستطيع أن نقدم الدعم المعنوي لبعضنا».
من بيروت إلى طرابلس (شمال) والنبطية (جنوب)، حمل المتظاهرون اللبنانيون طوال فترة حراكهم الشعبي المستمر منذ 17 أكتوبر الشعارات الداعمة لمظاهرات العراقيين، فالمطلب واحد وهو إسقاط الطبقة الحاكمة مجتمعة.
ومن بين الشعارات التي علت في بيروت «من لبنان إلى العراق، الوجع واحد، الحق واحد والنصر آت (...) من قلب لبنان سلام إلى العراق».
وخلال مظاهرة نسوية الأسبوع الماضي، حملت فتاتان لافتة كتب عليها «زيديني عشقاً يا بغداد»، مستوحاة من أغنية للفنان العراقي كاظم الساهر.
وخلال مظاهرة في مدينة النبطية (جنوب)، ردد مئات المتظاهرين: «من العراق إلى بيروت، ثورة واحدة لا تموت».
ويُعرف كل من لبنان والعراق بالفساد المستشري في مؤسساتهما الرسمية وارتفاع نسبة الدين وترهل البنى التحتية.
ويحل العراق في المرتبة 168 ولبنان في المرتبة 138 من أصل 180 بلداً في ترتيب منظمة الشفافية الدولية للدول الأكثر فساداً.
وتجاوزت الديون المتراكمة على لبنان 150 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وهو من أعلى المعدلات في العالم، وتخطت في العراق 50 في المائة منه.
ويتحدث سماح - زميل فرح - الذي يعزف على الأكورديون لوكالة الصحافة الفرنسية، قائلاً: «ما نراه اليوم هو نتيجة تراكم في البلدين، نحن في خندق واحد مع العراق».
وفي ساحة التحرير في بغداد، يشتري المتظاهرون الأعلام اللبنانية من باعة متجولين، وعلق بعضهم علماً لبنانياً فوق مطعم تركي مهجور حوّله المتظاهرون إلى غرفة عمليات وبرج مراقبة لدعم المحتجين في حراكهم.
وفي شريط فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعية، يقول متظاهر عراقي مقنّع: «نحن كشعب عراقي، نوجه رسالة إلى (وزير الخارجية اللبنانية في حكومة تصريف الأعمال) جبران باسيل ونقول له (ارحل يا جبران باسيل)».
وفي فيديو آخر، يظهر مجموعة من الشبان العراقيين يرددون: «لبنان، نحن معك».
واعتمد المتظاهرون في البلدين طرقاً متشابهة للتعبير عن احتجاجهم، ومنها قرع الطناجر أو إغلاق الطرقات الرئيسية بصفوف من السيارات المركونة.
وإذا كان ضغط الشارع اللبناني أجبر رئيس الحكومة سعد الحريري على الاستقالة في 29 أكتوبر، فإن الحكومة العراقية لم تحرك ساكناً، وتمّ التوصل إلى اتفاق بين الكتل السياسية السبت، على وضع حد للاحتجاجات ودعم حكومة عادل عبد المهدي.
وخلال أكثر من 20 يوماً من التظاهر، شهدت الساحات اللبنانية مواجهات محدودة مع القوى الأمنية التي استخدمت في الأسبوع الأول فقط الغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي.
أما في العراق، فشهدت الاحتجاجات أعمال عنف دامية أسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص، غالبيتهم من المتظاهرين، وجرح أكثر من 12 ألفاً آخرين، وفق لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب العراقي التي أصدرت يوم الأحد أول حصيلة رسمية.
وقتل 15 شخصاً يومي السبت والأحد، بعد اتخاذ السلطات قراراً بالحد من الاحتجاجات، في بغداد والناصرية والبصرة.
وفي مدينة طرابلس شمال لبنان، يقول المتظاهر عبيدة تكريتي (29 عاماً)، إن «الفرق بين مظاهرتي البلدين اليوم هو الدم الذي سال في العراق»، مشيراً في المقابل إلى القواسم المشتركة فيما يتعلق بالنظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية في البلدين ومعدلات البطالة المرتفعة فيهما. ويوضح: «نحن موحدون في حسّنا الوطني (...) ونصيحتي لهم أن يكملوا طريقهم ليبنوا البلد الذي يحلمون به وألا يرضخوا للضغوط».
وفي جزء من واجهة بيروت البحرية يُعرف باسم «الزيتونة باي»، حيث تنتشر سلسلة مطاعم غالبيتها راق، افترش متظاهرون لبنانيون الأرض صباح الأحد لتناول الفطور، في مكان يُفترض أن يكون ملكاً عاماً وليس خاصاً.
وبين هؤلاء، جلس فوزي، رجل عراقي في السبعينات يعيش في لبنان منذ سنوات. ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية، وقد لف العلم اللبناني حول عنقه وفي باله بلده العراق وما يشهده من أحداث متسارعة: «الهدف واحد».
يذكر أن الاحتجاجات والمسيرات في المناطق اللبنانية، تتواصل اليوم (الاثنين)، لليوم الـ26 على التوالي، حيث نظم محتجون مسيرة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي (مطار بيروت)، حاملين الأعلام اللبنانية، مطالبين باستعادة الأموال المنهوبة، وطالبوا القضاء بمحاسبة الفاسدين؛ بينما في مدينة صيدا (جنوب لبنان) نظم نحو 30 مركباً بحرياً مسيرة لصيادي الأسماك انطلقت من الميناء، رافعين الأعلام اللبنانية بمشاركة عدد من طلاب المدارس والمحتجين، دعماً لحقوق الصيادين لا سيما الحق بالضمان وتنظيم قطاع الصيد، وتأييداً لمطالب الحراك، والمطالبة بتشكيل حكومة إنقاذ في أقرب وقت تلبي طموحات الشعب.
ويعقد مجلس النواب اللبناني، جلسة غداً (الثلاثاء) لدراسة وإقرار مشاريع واقتراحات مجموعة من القوانين المدرجة على جدول الأعمال؛ من بينها قانون العفو العام، في حين دعا المحتجون إلى الإضراب العام غداً لمنع انعقاد جلسة مجلس النواب اعتراضاً على القانون المتعلق بالعفو العام، خوفاً من تضمنه جرائم تتعلق باختلاس الأموال، وطالبوا بأن تكون الجلسة النيابية علنية.
وفي العراق، أفادت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق بارتفاع عدد قتلى المظاهرات أمس في الناصرية بمحافظة ذي قار إلى 4 وإصابة نحو 130 آخرين، بينهم عناصر من قوات الأمن في مواجهات بين المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب في محافظة ذي قار بالقرب من مديرية التربية ونقابة المعلمين؛ كما وثقت المفوضية اعتقال 34 متظاهراً بصورة تعسفية وانتشار المتظاهرين في أحياء مدينة الناصرية ومحاولتهم إغلاق الدوائر الحكومية وتوزيع منشورات تدعو لإغلاق كل الدوائر الحكومية في المدينة.
واستمرت الاحتجاجات التي تهز السلطات العراقية، مترافقة مع أعمال عنف دامية، فيما اتفقت الكتل السياسية العراقية السبت، على وضع حد للاحتجاجات، في وقت يتهمها المحتجون بالولاء لإيران التي يعدونها مهندسة النظام السياسي في البلاد. وبعد هذا الاتفاق على «العودة إلى الحياة الطبيعيّة»، كثّفت قوات الأمن قمع المتظاهرين، فيما لا تزال البلاد بلا إنترنت، وبالتالي من دون مواقع تواصل اجتماعي منذ نحو أسبوع.



باكستان تعلن مقتل 3 من مواطنيها في هجوم حوثي قرب باب المندب

سفينة الشحن «تهامة» بعد تعرضها لهجوم في مضيق باب المندب قبالة الساحل اليمني (رويترز)
سفينة الشحن «تهامة» بعد تعرضها لهجوم في مضيق باب المندب قبالة الساحل اليمني (رويترز)
TT

باكستان تعلن مقتل 3 من مواطنيها في هجوم حوثي قرب باب المندب

سفينة الشحن «تهامة» بعد تعرضها لهجوم في مضيق باب المندب قبالة الساحل اليمني (رويترز)
سفينة الشحن «تهامة» بعد تعرضها لهجوم في مضيق باب المندب قبالة الساحل اليمني (رويترز)

أعلنت باكستان، الأربعاء، مقتل 3 من مواطنيها وإصابة آخر في هجوم شنه الحوثيون على سفينة تجارية في البحر الأحمر أمس (الثلاثاء).

وقال نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، في منشور على منصة «إكس»، إن «ثلاثة مواطنين باكستانيين لقوا حتفهم وأُصيب واحد» جراء الهجوم، مؤكداً أن بلاده تتابع الحادث مع الجهات المعنية.

وأعلنت السلطات اليمنية في وقت سابق، مقتل 6 أشخاص، إثر استهداف سفينة شحن قرب مضيق باب المندب قبالة الساحل الجنوبي الغربي لليمن، الثلاثاء. وذكرت مصادر يمنية في وقت سابق أن القتلى شملوا 4 من أفراد طاقم السفينة، بينهم 3 باكستانيين وإندونيسي، إلى جانب اثنين من أفراد القوات اليمنية المشاركين في عملية إنقاذ وإجلاء الطاقم.

وحسب المعلومات المتداولة فإن السفينة «تهامة» تعرضت للهجوم أثناء إبحارها في منطقة باب المندب. وأفادت مصادر بأن أفراد الطاقم فقدوا السيطرة على السفينة عقب الهجوم، قبل أن تتوجه عناصر يمنية للمساعدة في إنقاذ الموجودين على متنها؛ حيث تعرضت القوة التي شاركت في العملية لإطلاق نار، ما أدى إلى مقتل اثنين من أفرادها.

ويأتي الهجوم في وقت عادت فيه المخاطر التي تهدد الملاحة في البحر الأحمر إلى الواجهة، بعد فترة من تراجع الهجمات الحوثية على السفن التجارية. وكانت الولايات المتحدة قد أبقت -في تحذير ملاحي صادر في مارس (آذار) 2026- على تحذيرها من هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، مشيرة إلى استمرار المخاطر التي تواجه السفن والعاملين في قطاع النقل البحري في المنطقة.

تحذير أممي من استهداف الملاحة

ويعيد الهجوم إلى الواجهة ملف الهجمات الحوثية على السفن التجارية، الذي دفع مجلس الأمن الدولي إلى إصدار القرار 2722 في يناير (كانون الثاني) 2024، مطالباً الحوثيين بالوقف الفوري للهجمات على السفن التجارية وسفن الشحن في البحر الأحمر، والتأكيد على أهمية احترام حرية الملاحة والتجارة الدولية.

وفي يوليو (تموز) الماضي، مدَّد مجلس الأمن مرة جديدة آلية الإبلاغ عن الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر لمدة 6 أشهر إضافية، حتى 15 يناير 2027، في مؤشر على استمرار اعتبار تهديد الملاحة في المنطقة قضية أمنية دولية.

وتشير التحذيرات البحرية الأميركية إلى أن منطقة البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن لا تزال تشهد مستوى مرتفعاً من المخاطر المرتبطة بالهجمات الحوثية على السفن التجارية، بينما تعد المنطقة ممراً رئيسياً لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.

إسلام آباد حذَّرت من استهداف سفنها

ويكتسب الهجوم أهمية إضافية بالنسبة إلى إسلام آباد، التي كانت قد حذَّرت قبل أسابيع من أن تهديد السفن التجارية في البحر الأحمر يمثل خطراً على أمن الملاحة والتجارة العالمية.

وقالت وزارة الخارجية الباكستانية في 22 يوليو الماضي، إن إسلام آباد تدين «بشكل قاطع» تهديدات الحوثيين للسعودية وللملاحة التجارية في البحر الأحمر، معتبرة أن هذه الأعمال تهدد الأمن الإقليمي وحرية الملاحة والتجارة العالمية. كما أكدت أن أي عمل عدائي يستهدف سفناً ترفع العلم الباكستاني أو المصالح البحرية الباكستانية سيعد «تهديداً خطيراً» للأمن القومي الباكستاني، مع احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن مصالحها البحرية وفقاً للقانون الدولي.

تصاعد الدخان من سفينة الشحن «تهامة» بعد تعرضها لهجوم في مضيق باب المندب (رويترز)

ويأتي مقتل المواطنين الباكستانيين بعد أسابيع من هذا التحذير، وفي ظل تصاعد التوتر الإقليمي واتساع نطاق المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في البحر الأحمر والممرات البحرية المتصلة به.

باب المندب... نقطة اختناق للتجارة العالمية

ويَفصِل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويشكل البوابة الجنوبية لقناة السويس، ما يمنحه أهمية استراتيجية لحركة السفن التي تربط الأسواق الآسيوية والأوروبية. وأدى تصاعد الهجمات الحوثية على السفن التجارية خلال السنوات الماضية إلى دفع شركات شحن دولية إلى تغيير مساراتها والإبحار حول رأس الرجاء الصالح، في رحلات أطول وأكثر تكلفة.

وكانت الهجمات قد تصاعدت منذ أواخر 2023 على خلفية الحرب في غزة، قبل أن تتسع لاحقاً لتصبح أحد أبرز مصادر المخاطر التي تهدد حرية الملاحة الدولية في البحر الأحمر. ووثَّقت المنظمة البحرية الدولية والأمم المتحدة على مدى السنوات الماضية تداعيات الهجمات على سلامة البحارة وحركة التجارة الدولية، بينما وصف مجلس الأمن استهداف السفن التجارية بأنه تهديد للسلام والأمن الدوليين.

سفن حاويات راسية قرب مضيق باب المندب قبالة الساحل اليمني في خليج عدن (أ.ف.ب)

ومع سقوط 6 قتلى في الهجوم الأخير، من بينهم 4 من أفراد طاقم السفينة التجارية، يعود ملف سلامة البحارة إلى صدارة المخاوف المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر، في وقت تواجه فيه المنطقة أصلاً تداعيات التوترات العسكرية المتصاعدة في الشرق الأوسط.

​عاد البحر الأحمر إلى واجهة المخاوف على أمن الملاحة الدولية، بعد مقتل 6 أشخاص في هجوم حوثي استهدف سفينة تجارية أثناء عبورها مضيق باب المندب، أمس (الثلاثاء). ويعيد الهجوم المخاطر التي تواجهها السفن وطواقمها في أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة انعكست على حركة التجارة البحرية.


هجوم بمسيّرات على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان

أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)
أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)
TT

هجوم بمسيّرات على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان

أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)
أحد أفراد الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب بالخرطوم (أرشيفية-رويترز)

وقع هجوم بمسيّرات، فجر اليوم الأربعاء، على الخرطوم ومدينتين في شمال السودان، وفق مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» وشهود، في هجوم منسّق، على ما يبدو، بعد هدوء استمر عدة أشهر في العاصمة.

ووقع الهجوم بمسيّرة، قرابة الساعة 5:00 (3:00 بتوقيت غرينتش) على الخرطوم، وسُمع دويّ مضادات جوية مصدرها قاعدة عسكرية في شمال أم درمان، في حين أشار شهود، للوكالة، في مدينتيْ عطبرة والدامر، اللتين يسيطر عليهما الجيش أيضاً، إلى رؤية مسيّرات وسماع دويّ انفجارات.


16 قتيلاً ومصاباً بهجوم حوثي على سفينة في باب المندب

سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)
سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)
TT

16 قتيلاً ومصاباً بهجوم حوثي على سفينة في باب المندب

سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)
سفينة شحن في باب المندب تعرضت لهجوم حوثي أوقع قتلى وجرحى (رويترز)

وسّعت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران نطاق تصعيدها العسكري في اليمن، الثلاثاء، باستهداف سفينة تجارية في أثناء إبحارها في مضيق باب المندب، في هجوم متكرر بالصواريخ أسفر، وفق الحصيلة الأولية لمصلحة خفر السواحل اليمنية، عن مقتل ستة أشخاص وإصابة 10 آخرين من أفراد طاقم السفينة وعدد من العسكريين، بالتزامن مع استمرار القصف لمدينة المخا ومينائها وأحياء سكنية في مأرب، وهجمات أخرى في تعز.

وأعلنت مصلحة خفر السواحل اليمنية أن الهجوم استهدف السفينة التجارية «تهامة» في أثناء إبحارها في باب المندب، موضحة أن القتلى الستة بينهم أربعة من أفراد الطاقم، ثلاثة باكستانيين وإندونيسي، إضافة إلى اثنين من منتسبي القوات المسلحة.

وأضافت أن المصابين العشرة بينهم سبعة من أفراد طاقم السفينة، واثنان من منتسبي خفر السواحل، وأحد منتسبي اللواء الثاني بحري.

وقالت المصلحة اليمنية إن السفينة، التي كان على متنها 11 بحاراً من الجنسيتين الباكستانية والإندونيسية، تعرضت لهجوم متكرر بصواريخ حوثية أدى إلى اندلاع حريق على متنها وإلحاق أضرار جسيمة بها.

أضرار بالغة تعرض لها ميناء المخا اليمني جراء الهجمات الحوثية (أ.ف.ب)

وبحسب مصلحة خفر السواحل، تحركت فرقها، بالتعاون مع فرق الإنقاذ التابعة للقوات المسلحة، فور وقوع الهجوم إلى موقع السفينة لإجلاء القتلى والمصابين وإنقاذ أفراد الطاقم.

لكن الجماعة الحوثية عاودت استهداف السفينة بصاروخ آخر في أثناء مباشرة عمليات الإنقاذ، ما طال موقع الاستجابة، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشاركة في عمليات الإجلاء، وفق رواية المصلحة.

وبعد نحو ثلاث ساعات من الهجوم، بحسب خفر السواحل اليمني، رصدت القوات زورقاً مفخخاً مسيّراً تابعاً للحوثيين يحاول الاقتراب من موقع السفينة من جهة البحر، قبل أن تعترضه القوات المسلحة وخفر السواحل وتدمره قبل وصوله إلى هدفه.

واعتبرت مصلحة خفر السواحل اليمنية الهجوم الحوثي تصعيداً خطيراً وتهديداً مباشراً لأمن وسلامة الملاحة البحرية وحياة البحارة وفرق الإنقاذ في مضيق باب المندب، مؤكدة استمرارها في الاستجابة لنداءات الاستغاثة وحماية الملاحة والتعامل مع التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية.

تصعيد في كل الجبهات

جاء الهجوم الحوثي في وقت واصلت فيه الجماعة استهداف مدينة المخا ومينائها على الساحل الغربي، بعد هجوم واسع تعرضت له المدينة والمنشآت التابعة للميناء خلال اليومين الماضيين.

وأعلنت قوات المقاومة الوطنية اليمنية في الساحل الغربي أن الحوثيين استهدفوا المخا بخمسة صواريخ باليستية وعدد من الطائرات المسيّرة، بينما أفادت مصادر محلية بأن ثلاث ضربات صاروخية طالت المدينة، أصابت إحداها الميناء.

ويأتي ذلك بعد الهجوم الحوثي الواسع السابق على المخا، الذي أسفر، وفق الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية، عن مقتل أربعة عسكريين وثلاثة مدنيين وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الدفاعات إسقاط 11 طائرة مسيّرة شاركت في الهجوم.

من آثار الهجمات الحوثية على مدينة المخا اليمنية (أ.ف.ب)

وفي مأرب (شرق صنعاء)، قال الجيش اليمني إن الحوثيين استهدفوا أحياء سكنية في المدينة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في وقت تحدث فيه سكان عن سماع انفجارات داخل المدينة، قالت مصادر إنها ناجمة عن تصدي الدفاعات الجوية لهجمات مسيّرة.

وفي تعز (جنوب غرب)، أعلن الجيش إحباط محاولة تسلل حوثية في جبهة الكريفات شرق المدينة، مؤكداً أسْر عدد من عناصر الجماعة، من دون تحديد عددهم أو تقديم تفاصيل إضافية عن العملية.

كما استمرت الهجمات الحوثية على المناطق المدنية في المحافظة؛ إذ قصفت الجماعة الأعيان المدنية وممتلكات المواطنين في منطقة الشقب جنوب شرقي تعز بقذائف المدفعية الثقيلة، ما أدى إلى أضرار مادية في عدد من الممتلكات، وفق مصادر محلية.

وتأتي هذه الهجمات بعد تصعيد حوثي متزامن خلال الأيام الماضية، شمل جبهتَي مأرب وشبوة، حيث قُتل جنديان من قوات دفاع شبوة وأصيب تسعة آخرون في هجوم بطائرة مسيّرة على مواقع عسكرية في جبهة حريب، بعد أيام من مقتل اثنين من أفراد القوات نفسها في هجوم آخر على مديرية حريب.

تهديد محلي ودولي

في عدن، حيث العاصمة المؤقتة، عقد مجلس الوزراء اليمني اجتماعاً برئاسة رئيس الحكومة شائع محسن الزنداني، لمناقشة التصعيد الحوثي وتداعياته الأمنية والاقتصادية والإنسانية.

واعتبر المجلس أن الهجمات الأخيرة، بما فيها استهداف ميناء المخا والمنشآت المدنية والنازحين في حضرموت ومأرب وتعز والضالع والسفن التجارية، تمثل نمطاً متزامناً لتوسيع دائرة التوتر، معتبراً أن الجماعة أصبحت أداة لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.

وشدد المجلس على أن الحكومة لن تتعامل مع التصعيد باعتباره أمراً واقعاً، مؤكداً مواصلة حماية المواطنين والمنشآت الحيوية والمصالح الوطنية، ورفع مستوى الجاهزية في القطاعات العسكرية والأمنية والخدمية والاقتصادية.

مسيرة حوثية استهدفت ميناء المخا اليمني (رويترز)

ودعا مجلس الوزراء المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في طريقة تعامله مع التصعيد الحوثي، وعدم الاكتفاء بإدارة نتائجه أو احتوائه مؤقتاً، مطالباً بالتعامل مع مصادر القوة التي تمكّن الجماعة من مواصلة هجماتها، وفي مقدمتها الدعم الإيراني.

كما شدد على أهمية حماية سلاسل الإمداد وحركة المواطنين والسلع، وتأمين المنشآت الحيوية، في ظل اتساع رقعة الهجمات.

من جهتها، قالت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية إن الهجوم على السفينة «تهامة» يمثل تصعيداً جديداً في اعتداءات الحوثيين على المصالح اليمنية والمنشآت والموانئ وشرايين الإمداد الحيوية، وتهديداً مباشراً للملاحة البحرية والتجارة الدولية.

وأكدت الوزارة أن السفينة كانت مرتبطة بحركة التجارة والإمدادات الغذائية للشعب اليمني، معتبرة أن استهدافها، بعد يومين فقط من الاعتداء على ميناء المخا ومنشآته المدنية والاقتصادية، يقدم، بحسب قولها، دليلاً على استهداف الجماعة للموانئ والسفن وشرايين الإمداد.

وربطت الخارجية اليمنية بين الهجوم على سفينة «تهامة» والهجمات التي استهدفت مأرب والمخا، معتبرة أنها تمثل نمط تهديد واحداً يمتد من الداخل اليمني إلى دول الجوار والممرات البحرية.

ودعت الوزارة مجلس الأمن والدول المعنية بأمن الملاحة إلى الانتقال من الإدانة إلى إجراءات رادعة وملموسة، تشمل التنفيذ الصارم لقرارات مجلس الأمن ونظام العقوبات وحظر السلاح، وتجفيف مصادر تمويل وتسليح الحوثيين، بالتوازي مع تعزيز قدرات خفر السواحل والقوات البحرية وأمن الموانئ.