بغداد وبيروت تتقاسمان «وجع الفساد» وتتبادلان «الشعارات» على أنغام الموسيقى

الاحتجاجات في العراق ولبنان دخلت شهرها الثاني

المتظاهرون في بيروت يرددون الأغنية مع العازفين ويتمايلون على أنغامها (إ.ب.أ)
المتظاهرون في بيروت يرددون الأغنية مع العازفين ويتمايلون على أنغامها (إ.ب.أ)
TT

بغداد وبيروت تتقاسمان «وجع الفساد» وتتبادلان «الشعارات» على أنغام الموسيقى

المتظاهرون في بيروت يرددون الأغنية مع العازفين ويتمايلون على أنغامها (إ.ب.أ)
المتظاهرون في بيروت يرددون الأغنية مع العازفين ويتمايلون على أنغامها (إ.ب.أ)

تتقاسم بغداد وبيروت الوجع المنادي بالقضاء على الفساد في السلطة، حيث تلتقي الاحتجاجات الشعبية الغاضبة في أكثر من مفصل، فغضب الشارع الذي تفجر في البلدين صوب فوهته نحو السلطة السياسية التي وصفها بـ"الفاسدة"، مطالباً بوحدة وطنية بعيداً عن الطائفية، وإبعاد التدخلات الخارجية أيضاً.
ولم يكن شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عادياً لدى عموم شعبي البلدين، فالشباب العراقيون يواصلون التدفق إلى الشوارع والساحات، وباتت صدورهم مرمى لرصاصات القوات الأمنية، والغاز المسيل للدموع هو وسيلة تنفسهم، متحدين بذلك إصرار السلطة على منعهم من حقهم في المطالبات السلمية، التي تنادي بطمس الفساد ومعاقبة الفاسدين وإنهاء حقبة الدولة المتصدعة والزمن الطائفي؛ ونفس الشباب في لبنان الذين ما عادوا يقبلون بغير الشفافية والنزاهة والكفاءة في السلطة التي تتقاسم كعكة الفساد بمختلف الأحزاب في البلاد.
صورة عربة «التوكتوك» في بغداد رصدت لوحة فنية من التلاحم الشعبي، ذابت فيها كل معاني التعاضد الوطني، واختزلت رابط العلاقة في المشهد العراقي واللبناني في طرد وإبعاد طهران عن صناعة القرار السيادي العربي، فالاحتجاجات العربية تعبر عن ملل الشارع من الآيديولوجيا المنظرة، والشعوب تؤمن دائماً بالواقع، وهي تتأمل واقع نظرائها واستقرارهم، يريدون خطة تنموية تنتشلهم من الانهيار الاقتصادي إلى آفاق رحبة من التنمية تليق بتاريخ بغداد وبيروت.
وسط ساحات الاحتجاج في مدينة بغداد، يرفرف العلم اللبناني عالياً؛ وعلى بعد أكثر من 900 كيلومتر يرد المتظاهرون في وسط بيروت التحية بمثلها وتصدح حناجرهم بأغنية عراقية.
تعزف فرح قدور (26 عاماً) ورفاقها على آلاتهم الموسيقية، مرددين باللهجة العراقية العامية: «لا تصدّق بحكي الإشاعة، كلهم حرامية الجماعة (...) والهوية لبنانية، لا لا الساحة ما نتركها».
واستوحت المجموعة أغنيتها من لطمية، وهي نوع من أنواع الأناشيد الرثائية لدى الشيعة، أطلقها المنشد أو «الرادود الحسيني»، كما يطلق عليه في العراق، علي يوسف كربلائي، دعماً لاحتجاجات تعم مناطق عدة في العراق منذ مطلع أكتوبر ضد الطبقة السياسية برمّتها.
في ساحة رياض الصلح وسط بيروت، يردّد المتظاهرون الأغنية مع العازفين، يتمايلون على أنغامها، يصفقون مراراً ويطلبون إعادتها مرة أخرى.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية، عن السيدة فرح من قلب ساحات الاحتجاج، قولها إن «الشارعين (اللبناني والعراقي) يتابعان بعضهما، ويستمدان الأفكار من بعضهما»، مضيفة أن من شأن ذلك أن «يسلط الضوء على القواسم المشتركة التي من خلالها نستطيع أن نقدم الدعم المعنوي لبعضنا».
من بيروت إلى طرابلس (شمال) والنبطية (جنوب)، حمل المتظاهرون اللبنانيون طوال فترة حراكهم الشعبي المستمر منذ 17 أكتوبر الشعارات الداعمة لمظاهرات العراقيين، فالمطلب واحد وهو إسقاط الطبقة الحاكمة مجتمعة.
ومن بين الشعارات التي علت في بيروت «من لبنان إلى العراق، الوجع واحد، الحق واحد والنصر آت (...) من قلب لبنان سلام إلى العراق».
وخلال مظاهرة نسوية الأسبوع الماضي، حملت فتاتان لافتة كتب عليها «زيديني عشقاً يا بغداد»، مستوحاة من أغنية للفنان العراقي كاظم الساهر.
وخلال مظاهرة في مدينة النبطية (جنوب)، ردد مئات المتظاهرين: «من العراق إلى بيروت، ثورة واحدة لا تموت».
ويُعرف كل من لبنان والعراق بالفساد المستشري في مؤسساتهما الرسمية وارتفاع نسبة الدين وترهل البنى التحتية.
ويحل العراق في المرتبة 168 ولبنان في المرتبة 138 من أصل 180 بلداً في ترتيب منظمة الشفافية الدولية للدول الأكثر فساداً.
وتجاوزت الديون المتراكمة على لبنان 150 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وهو من أعلى المعدلات في العالم، وتخطت في العراق 50 في المائة منه.
ويتحدث سماح - زميل فرح - الذي يعزف على الأكورديون لوكالة الصحافة الفرنسية، قائلاً: «ما نراه اليوم هو نتيجة تراكم في البلدين، نحن في خندق واحد مع العراق».
وفي ساحة التحرير في بغداد، يشتري المتظاهرون الأعلام اللبنانية من باعة متجولين، وعلق بعضهم علماً لبنانياً فوق مطعم تركي مهجور حوّله المتظاهرون إلى غرفة عمليات وبرج مراقبة لدعم المحتجين في حراكهم.
وفي شريط فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعية، يقول متظاهر عراقي مقنّع: «نحن كشعب عراقي، نوجه رسالة إلى (وزير الخارجية اللبنانية في حكومة تصريف الأعمال) جبران باسيل ونقول له (ارحل يا جبران باسيل)».
وفي فيديو آخر، يظهر مجموعة من الشبان العراقيين يرددون: «لبنان، نحن معك».
واعتمد المتظاهرون في البلدين طرقاً متشابهة للتعبير عن احتجاجهم، ومنها قرع الطناجر أو إغلاق الطرقات الرئيسية بصفوف من السيارات المركونة.
وإذا كان ضغط الشارع اللبناني أجبر رئيس الحكومة سعد الحريري على الاستقالة في 29 أكتوبر، فإن الحكومة العراقية لم تحرك ساكناً، وتمّ التوصل إلى اتفاق بين الكتل السياسية السبت، على وضع حد للاحتجاجات ودعم حكومة عادل عبد المهدي.
وخلال أكثر من 20 يوماً من التظاهر، شهدت الساحات اللبنانية مواجهات محدودة مع القوى الأمنية التي استخدمت في الأسبوع الأول فقط الغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي.
أما في العراق، فشهدت الاحتجاجات أعمال عنف دامية أسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص، غالبيتهم من المتظاهرين، وجرح أكثر من 12 ألفاً آخرين، وفق لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب العراقي التي أصدرت يوم الأحد أول حصيلة رسمية.
وقتل 15 شخصاً يومي السبت والأحد، بعد اتخاذ السلطات قراراً بالحد من الاحتجاجات، في بغداد والناصرية والبصرة.
وفي مدينة طرابلس شمال لبنان، يقول المتظاهر عبيدة تكريتي (29 عاماً)، إن «الفرق بين مظاهرتي البلدين اليوم هو الدم الذي سال في العراق»، مشيراً في المقابل إلى القواسم المشتركة فيما يتعلق بالنظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية في البلدين ومعدلات البطالة المرتفعة فيهما. ويوضح: «نحن موحدون في حسّنا الوطني (...) ونصيحتي لهم أن يكملوا طريقهم ليبنوا البلد الذي يحلمون به وألا يرضخوا للضغوط».
وفي جزء من واجهة بيروت البحرية يُعرف باسم «الزيتونة باي»، حيث تنتشر سلسلة مطاعم غالبيتها راق، افترش متظاهرون لبنانيون الأرض صباح الأحد لتناول الفطور، في مكان يُفترض أن يكون ملكاً عاماً وليس خاصاً.
وبين هؤلاء، جلس فوزي، رجل عراقي في السبعينات يعيش في لبنان منذ سنوات. ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية، وقد لف العلم اللبناني حول عنقه وفي باله بلده العراق وما يشهده من أحداث متسارعة: «الهدف واحد».
يذكر أن الاحتجاجات والمسيرات في المناطق اللبنانية، تتواصل اليوم (الاثنين)، لليوم الـ26 على التوالي، حيث نظم محتجون مسيرة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي (مطار بيروت)، حاملين الأعلام اللبنانية، مطالبين باستعادة الأموال المنهوبة، وطالبوا القضاء بمحاسبة الفاسدين؛ بينما في مدينة صيدا (جنوب لبنان) نظم نحو 30 مركباً بحرياً مسيرة لصيادي الأسماك انطلقت من الميناء، رافعين الأعلام اللبنانية بمشاركة عدد من طلاب المدارس والمحتجين، دعماً لحقوق الصيادين لا سيما الحق بالضمان وتنظيم قطاع الصيد، وتأييداً لمطالب الحراك، والمطالبة بتشكيل حكومة إنقاذ في أقرب وقت تلبي طموحات الشعب.
ويعقد مجلس النواب اللبناني، جلسة غداً (الثلاثاء) لدراسة وإقرار مشاريع واقتراحات مجموعة من القوانين المدرجة على جدول الأعمال؛ من بينها قانون العفو العام، في حين دعا المحتجون إلى الإضراب العام غداً لمنع انعقاد جلسة مجلس النواب اعتراضاً على القانون المتعلق بالعفو العام، خوفاً من تضمنه جرائم تتعلق باختلاس الأموال، وطالبوا بأن تكون الجلسة النيابية علنية.
وفي العراق، أفادت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق بارتفاع عدد قتلى المظاهرات أمس في الناصرية بمحافظة ذي قار إلى 4 وإصابة نحو 130 آخرين، بينهم عناصر من قوات الأمن في مواجهات بين المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب في محافظة ذي قار بالقرب من مديرية التربية ونقابة المعلمين؛ كما وثقت المفوضية اعتقال 34 متظاهراً بصورة تعسفية وانتشار المتظاهرين في أحياء مدينة الناصرية ومحاولتهم إغلاق الدوائر الحكومية وتوزيع منشورات تدعو لإغلاق كل الدوائر الحكومية في المدينة.
واستمرت الاحتجاجات التي تهز السلطات العراقية، مترافقة مع أعمال عنف دامية، فيما اتفقت الكتل السياسية العراقية السبت، على وضع حد للاحتجاجات، في وقت يتهمها المحتجون بالولاء لإيران التي يعدونها مهندسة النظام السياسي في البلاد. وبعد هذا الاتفاق على «العودة إلى الحياة الطبيعيّة»، كثّفت قوات الأمن قمع المتظاهرين، فيما لا تزال البلاد بلا إنترنت، وبالتالي من دون مواقع تواصل اجتماعي منذ نحو أسبوع.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.