العلاقات التركية ـ الأميركية على المحك مجدداً

على خلفية اعتراف مجلس النواب بـ«إبادة الأرمن» وتنديده بالعملية العسكرية في سوريا

أشخاص يزورون صرحاً تذكارياً للأرمن في يريفان أمس (أ.ف.ب)
أشخاص يزورون صرحاً تذكارياً للأرمن في يريفان أمس (أ.ف.ب)
TT

العلاقات التركية ـ الأميركية على المحك مجدداً

أشخاص يزورون صرحاً تذكارياً للأرمن في يريفان أمس (أ.ف.ب)
أشخاص يزورون صرحاً تذكارياً للأرمن في يريفان أمس (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات التركية - الأميركية فصلاً جديداً من التوتر على خلفية إقرار مجلس النواب الأميركي مشروعي قرارين يتعلق أحدهما بالاعتراف بإبادة الأرمن في 1915. والآخر بالعملية العسكرية التركية في شمال شرقي سوريا ومطالبة الرئيس دونالد ترمب بفرض عقوبات على تركيا.
واستدعت وزارة الخارجية التركية أمس (الأربعاء) السفير الأميركي في أنقرة ديفيد ساترفيلد على خلفية خطوة مجلس النواب الأميركي، كما لوّح إردوغان بإلغاء زيارة مقررة لواشنطن في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وقال إردوغان إنه لم يحدّد بعد قراره بخصوص زيارته المزمعة إلى الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن «هناك علامة استفهام بشأن تحرك مجلس النواب الأميركي». وقالت مصادر دبلوماسية تركية إن استدعاء ساترفيلد جاء إثر موافقة مجلس النواب الأميركي على مشروع قانون، باعتبار الأحداث المتعلقة بالأرمن في شرق الأناضول عام 1915، إبان الحرب العالمية الأولى «إبادة جماعية»، وآخر ينص على فرض عقوبات على تركيا لشنّها عملية عسكرية شمال شرقي سوريا.
وفي سابقة، مرر مجلس النواب الأميركي مشروع قرار يصف مقتل الأرمن على يد العثمانيين أيام الحرب العالمية الأولى بالإبادة الجماعية، بغالبية كبيرة من الحزبين. وحصل المشروع على تأييد 405 أصوات من عدد نواب المجلس البالغ 435 بينهم 178 جمهورياً، مقابل اعتراض 11 نائباً.
وقالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي قبيل التصويت على مشروع الإبادة: «لنكن واضحين اليوم ولنذكر الوقائع في مجلس النواب لتحفر للأبد في وثائق الكونغرس... الأفعال البربرية التي ارتكبت بحق الشعب الأرمني كانت إبادة جماعية». وعلا التصفيق والهتاف بعدما صوت النواب على المشروع. وقالت بيلوسي إنها تشرفت بالانضمام إلى زملائها «في إحياء ذكرى إحدى أكبر الفظائع في القرن العشرين. القتل المنهجي لأكثر من مليون ونصف من الرجال والنساء والأطفال الأرمن على يد الإمبراطورية العثمانية».
في المقابل، رفضت النائبة الديمقراطية إلهان عمر التصويت لصالح القرار. وإلهان عمر هي نائبة مسلمة من أصول صومالية، كانت من بين ثلاثة نواب فقط صوتوا «بالحضور»، وهو إجراء يوازي الامتناع عن التصويت ضد القرار أو لصالحه.
وقالت إلهان عمر في بيان لشبكة «سي إن إن» إنها اتخذت هذا الموقف لأنه يجب الأخذ في الاعتبار أيضاً بشاعات تاريخية سابقة أخرى، كتجارة الرقيق وما حدث مع السكان الأميركيين الأصليين، بحسب قولها.
ويعتبر الأرمن أن القتل الجماعي لشعبهم يرقى إلى صفة الإبادة الجماعية، وهو ما تعترف به 30 دولة وترفض تركيا الاعتراف به.
وفي الجلسة نفسها، مرر مجلس النواب عقوبات جديدة على تركيا بسب توغلها في شمال سوريا. وحصل مشروع القانون على أصوات 403 من النواب، في خطوة اعتبرت تحدياً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، خاصة أن 176 جمهورياً صوتوا لصالح المشروع.
واتهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الديمقراطي، إليوت إنغل، الرئيس الأميركي بإعطاء تركيا «الضوء الأخضر لشنّ حملتها الدموية في شمال سوريا»، على حد تعبيره. وأضاف أنغل الذي كان يتحدث في مجلس النواب: «عندما قتل زعيم (داعش) أخيراً، شكر الرئيس ترمب الأتراك لسوء الحظ... وأنا لا أتفق مع هذا البتة».
من جهته، رحب السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام بتصويت مجلس النواب، وقال في تغريدة له: «أنا مستعد للتصويت على نسخة مجلس النواب! أتوقع أن يناقش مجلس الشيوخ هذا المشروع وأن يوصل رسالة إلى تركيا مفادها أن الولايات المتحدة لن تقف ساكتة في وقت تتسبب فيه أنقرة بالمشاكل لنا ولحلفائنا». وتابع غراهام: «إردوغان خلق هذه المشكلة ويجب عليه أن يحلها. الكونغرس مصمم على الوقوف بجانب الأكراد الذين ساعدونا في القضاء على (داعش)».
ورغم حماسة غراهام الذي يعد من أشد مناصري الرئيس ترمب، فإنه من غير المؤكد حتى الساعة ما إذا كان زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل سيطرح مشروع العقوبات للتصويت في مجلس الشيوخ. فقد سبق لماكونيل أن حذر الأسبوع الماضي من فرض عقوبات على حليف في حلف شمالي الأطلسي، وقال: «أنا أحذّر من اندفاعنا لاستخدام العقوبات كأداة وحيدة لتطبيق سياستنا الخارجية... قد تلعب العقوبات دوراً مهماً في هذا الملف، وأنا منفتح لمناقشة هذا في مجلس الشيوخ، لكن يجب أن نكون في غاية الانتباه قبل أن نستخدم الأدوات نفسها ضد أعدائنا، بحق حليف لنا في الناتو».
وتتضمن العقوبات التي مررها مجلس النواب فرض غرامات مالية وتشديدات على تأشيرات الدخول بحق مسؤولين أتراك لهم صلة بالتوغل شمال سوريا، وكذلك على وزير الدفاع التركي ووزير المالية، إضافة إلى بنك هالك التركي.
كما يمنع المشروع بيع الأسلحة إلى تركيا ويعاقب الأجانب الذين يزودون القوات التركية في سوريا بالأسلحة. ويسعى إلى الضغط على الإدارة الأميركية لفرض عقوبات مررت في السابق بحق تركيا بسبب شرائها لمنظومة «إس 400» الصاروخية الروسية.
في المقابل، رفضت الخارجية التركية في بيان مشروع قانون «الإبادة الأرمنية»، معتبرة أنّه أتى لدوافع سياسية داخلية ويفتقد إلى الأسس التاريخية والقانونية. وندّدت بمشروع القانون الذي ينصّ على فرض عقوبات على تركيا، بسبب العملية العسكرية في سوريا. ووافق مجلس النواب الأميركي على مشروعي القرار بأغلبية كاسحة (304 أصوات مقابل 16 صوتاً) ليل الثلاثاء - الأربعاء.
واعتبر وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، القرارين «محاولة للانتقام من بلاده على خلفية إحباطها للمكائد التي استهدفتها في سوريا». ولفت إلى أن توقيت الموافقة على مشروعي القرارين «مثير للانتباه» ووصفهما بأنهما «غير ملزمين» بالنسبة لبلاده، مؤكداً في الوقت نفسه أن هذا لا يعني أنها ستغضّ الطرف عنهما. ووصف القرار المتعلق بمذابح الأرمن والاعتراف بها كإبادة جماعية بأنه «قرار مخزٍ»، اتّخذه من يستغلون التاريخ في السياسة، قائلاً إنه «في حكم العدم بالنسبة لحكومتنا وشعبنا». وأضاف: «أحبطنا مكيدة كبيرة عبر عملية نبع السلام، والذين يعتقدون أنهم سينتقمون منا بمثل هذه القرارات مخطئون... كانت هناك محاولات لإنشاء دولة إرهابية هناك (شمال سوريا)، إلا أننا أفشلنا هذه الألاعيب عبر خطواتنا على أرض الواقع في البداية، ومن ثم على طاولة المباحثات مع كل من الولايات المتحدة وروسيا». وتابع: «لذلك يحاولون الانتقام منا، وإلا فإنه ليس هناك أي معنى آخر لقراري مجلس النواب الأميركي. أبلغت الجانب الأميركي بأن القرارات المذكورة هي في حكم الباطل، كما استدعت الخارجية التركية السفير الأميركي بأنقرة، وأبدت له رد فعلها وتطلّعاتها». وقال إن «القرار الذي هو بحكم الباطل لن تكون له أي نتيجة أيضاً، إلا أنه مدعاة للعظة والعبرة جرّاء الحال الذي آلت إليه دولة مثل الولايات المتحدة»، مشيراً إلى تواصلهم مع الإدارة الأميركية على صعيد وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي. وأضاف أن «هؤلاء أيضاً لا يستطيعون فعل أي شيء فيما يخص مجلس النواب، لدواعٍ متعلقة بالسياسة الداخلية الأميركية».
واعتبر أوغلو أن موقف الإدارة الأميركية في هذا الصدد أهمّ من قرارات مجلس النواب، مستشهداً باتخاذ البرلمان الألماني قرارات مشابهة، قبل إعلان المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تباين مواقفها مع البرلمان وعدم إلزام قرارات الأخير حكومتها.
من جانبه، أعرب المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، عن استنكاره لقرار مجلس النواب الأميركي الخاص بإبادة الأرمن، ووصفه بـ«المخزي» ومحاولة لاستغلال التاريخ لتحقيق مكاسب سياسية. وأضاف: «من يتهمون تركيا بارتكاب إبادة جماعية، عليهم أن ينظروا أولاً إلى تاريخهم، وللماضي الدموي لتنظيمي (حزب العمال الكردستاني والجيش السري الأرمني) اللذين يدعمونهما».
وتثير قضية الأرمن خلافاً بين تركيا وعدد من الدول التي وصفت «مذابح للأرمن» على يد القوات العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى بأنها «إبادة». فيما تقول تركيا إن الأحداث راح ضحيتها آلاف الأتراك والأرمن، وتدعو لفتح الأرشيف لديها وفي أرمينيا للتحقق من القضية على يد متخصصين.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».