تدابير تركية لوقف تجارة النفط على الحدود مع «داعش»

المحللون يقدرون حصول التنظيم على إيرادات قيمتها 3 ملايين دولار يوميا من حقول النفط في العراق وسوريا

تدابير تركية لوقف تجارة النفط على الحدود مع «داعش»
TT

تدابير تركية لوقف تجارة النفط على الحدود مع «داعش»

تدابير تركية لوقف تجارة النفط على الحدود مع «داعش»

تروي سيفدا (22 عاما)، التي تعمل نادلة، كيف استطاعت تكوين ثروة صغيرة جراء عمليات تهريب الديزل من قرية تقع على الحدود الهائجة والخطيرة مع سوريا. ولكن انتهى الأمر بسيفدا، في الوقت الذي كانت تحقق فيه مكاسب تصل إلى 20 ضعف راتبها وهي تنتظر إقبال الناس على الطاولات، بنهاية غير متوقعة منذ عدة أشهر مضت، عندما ألقت الشرطة القبض عليها وفرضت على من يتعاملون معها غرامة كبيرة.
كان الوقود المهرب يأتي من آبار للنفط في العراق أو سوريا سيطر عليها المسلحون، بمن فيهم تنظيم داعش، حيث يُباع إلى وسطاء قاموا بتهريبه عبر الحدود التركية - السورية. وادعى مسؤولو الاستخبارات الغربيون أن تركيا تغض الطرف عن تجارة مزدهرة من شأنها أن تعزز من قوة «داعش». ودعا وزير الخارجية الأميركي جون كيري تركيا لاتخاذ المزيد من التدابير لوقف هذه التجارة. فيما يقدر المحللون أن «داعش» يحصل على إيرادات قيمتها 3 ملايين دولار يوميا من حقول النفط التي سيطر عليها في العراق وسوريا.
ولكن ترسم نحو عشرين مقابلة أجرتها وكالة «أسوشييتد برس» مع السلطات التركية والمهربين والباعة على الحدود التركية - السورية، التي يبلغ طولها 900 كيلومتر، صورة مماثلة بشكل واضح: فقد كان تهريب النفط تجارة مزدهرة حتى قرابة ستة أشهر مضت، عندما اتخذت السلطات التركية تدابير صارمة متعددة الجوانب قيدت تلك التجارة غير القانونية بنحو كبير. وقدم العديد ممن جرت مقابلتهم - منهم سيفدا - الاسم الأول فقط أو طلبوا عدم الكشف عن هويتهم خوفا من انتقام السلطات أو المهربين، الذين يعتقدون أن التقارير التي تقدمها وسائل الإعلام التركية أسفرت عن اتخاذ تدابير صارمة بحقهم.
ومن جانبها، تقول السلطات التركية إنها كثفت إجراءات الرقابة على الحدود، واعتقلت العشرات من المهربين ولاحقت المستهلكين، جنبا إلى جنب مع إجراء عمليات وقف وتفتيش مكثفة على الطرق السريعة التركية؛ حيث يجري فحص خزانات الوقود للكشف عن الوقود المهرب. ورافقت وكالة الـ«أسوشييتد برس» الشرطة في جولة حول التدابير المتخذة لمكافحة لعمليات التهريب في محافظة هاتاي، التي كانت بمثابة ممر التهريب الرئيس، من خلال مراقبة نقاط التفتيش الجديدة ودوريات الحدود.
وأفادت تركيا بأنها صادرت ما يقرب من 20 مليون لتر من النفط على الحدود في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام، أي نحو أربعة أضعاف الكمية التي جرت مصادرتها في الفترة ذاتها من العام الماضي، بينما انخفضت كمية الوقود التي حصل عليها المستهلكون بطريقة غير قانونية إلى حد كبير.
في ذروة ازدهار عمليات تهريب النفط في تركيا، كانت نقطة العبور الرئيسة متمثلة في قرية صغيرة قديمة تُدعى هاسيباسا تقع على نهر العاصي، والتي تعد معلما رئيسيا لتحديد الحدود مع سوريا. وأوضح السلطات والمقيمين هناك أن هاسيباسا كانت بمثابة الملاذ لعمليات التهريب لعدة عقود. وكما هو الحال في المدن الحدودية الأخرى، توجد الكثير من الأسر على الحدود لبيع سلع مثل السكر والسجائر، التي تنتقل ذهابا وإيابا دون فرض ضوابط جمركية.
لكن الحرب الأهلية السورية واستيلاء مسلحي «داعش» على آبار النفط أتاحا المجال أمام سوق عملاقة جعلت من بعض السكان المحليين شخصيات رائدة في هذا المجال. ويقول أحد السكان المحليين، وهو صاحب محطة غاز، مشترطا عدم ذكر اسمه «بعض الناس أصبح لديهم ألف ضعف ثروتهم في غضون أشهر قليلة». وأثناء تناول الشاي في مكتبه، لفت الرجل - الذي يُدخن بغزارة، وأمضى حياته على طول الحدود - إلى أن تجارة التهريب كانت تشهد طفرات يليها تدهور. وبينما ازدهرت أعمال التهريب العام الماضي وأصبحت رخيصة وتتم بسهولة عبر الحدود، توقف 80 في المائة من تجارة الديزل القانونية الخاصة به من السوق. ومنذ أن بدأت تركيا اتخاذ تدابير صارمة، عادت تجارة الديزل القانونية مجددا، وتوقف فقط 20 في المائة مما كانت عليه من قبل.
وأشار المهربون والتجار إلى أنه كان يجري تهريب الديزل على نطاق ضيق عبر الكثير من النقاط الحدودية على طول الحدود السورية. لكن أدرك البعض في هاسيباسا كيف يمكن تهريب الديزل على نطاق أوسع، وذلك من خلال استخدام العشرات من خطوط الأنابيب بطريقة غير قانونية توجد تحت نهر العاصي. ويصل طول خطوط الأنابيب إلى ثلاثة كيلومترات، ويتسع عمقها إلى 15 مترا، وجرى حفرها باستخدام مركبات متطورة مستوردة، بالإضافة إلى معدات مصممة لتنصيب كابلات الليف البصري، حيث تصل تكلفة الكابل الواحد إلى مئات الآلاف من الدولارات، وذلك وفقا لما أفادت به السلطات وبعض المتورطين في الأمر. لقد استخرج الديزل - المكرر في سوريا بطريق بدائية - من صنابير في حقول القطن في قرية هاسيباسا والمدن المجاورة لها، حيث يوجد المشترون الحريصون على الشراء. فيما بدأت السلطات المحلية منذ عدة أشهر أعمال الحفر للوصول إلى تلك الأنابيب، بما يسهم في وقف ربما ما يعد أكبر مصدر للنفط المهرب في السوق.
ومن جانبها، كانت سيفدا مصدرا المعلومات التي حصل عليها أحد الصحافيين، بوكالة الـ«أسوشييتد برس»، وكان مقيما في تركيا لعدة سنوات؛ حيث وافقت على إجراء مقابلة معها مشترطة الإشارة إلى اسمها الأول فقط المكتوب على مريلة النادلة التي ترتديها. وفي هذا السياق، قالت سيفدا إنها كانت تخوض في عملية للنفط المهرب مرة واحدة في الأسبوع؛ حيث تجلس بجانب السائق في شاحنة مدة رحلتها 10 ساعات، تتحرك من هاسيباسا محملة بآلاف اللترات من الديزل بطريقها إلى شركة يقع مقرها بمقاطعة دنيزلي في الأناضول، ويصل حجم المكسب إلى 6.500 دولار في الرحلة الواحدة. وقد تحصل على مكسب أقل في الرحلات المحلية السريعة في سيارة «مرسيدس» بها مكان سري لتخزين الغاز. ويتفق وصف سيفدا لتجارة الديزل التي تحدث بالقرب من هاسيباسا مع المعلومات التي حصلت عليها وكالة الـ«أسوشييتد برس» من الحدود من خلال وجودها مع الشرطة التركية والأشخاص المتورطين في تهريب النفط. وتقول وهي تقهقه «الجميع كان يفعل ذلك»، مضيفة «كانت هذه التجارة تُدر علينا أموالا كثيرة».
وأوضحت في سياق متصل أنه منذ نحو ستة أشهر كانت عمليات التهريب ظاهرة متفشية للغاية، وعادة ما تلتقي الشاحنات وسيارات المشترين على طريق قديم تعصف به الرياح باتجاه هاسيباسا. ومع إلقاء القبض عليها توقف امتهانها لمهنة التهريب. وتقول إنه جرى إطلاق سراحها بينما جرى تخفيض قيمة الغرامة (30 ألف دولار) التي فرضت على الشركة التي كانت تشتري الديزل إلى النصف، وقامت الشركة بدفع المبلغ المطلوب.
ومن جانبها، تقول السلطات التركية، بما في ذلك كبار المسؤولين من الشرطة وحرس الحدود وعناصر من الجندرمة (شرطة شبه عسكرية)، إنها بدأت في فرض تدابير صارمة العام الماضي، لكنها كثفت من تلك التدابير خلال الأشهر الستة الأخيرة - الفترة التي تعرضت فيها تركيا لضغوط متزايدة من الحلفاء، بمن فيهم الولايات المتحدة الأميركية، الذين كان يساورهم القلق بشأن التمويل الكبير الذي يحصل عليه «داعش» جراء تجارة النفط غير القانونية.
ولفت محللون إلى أن مقاتلي «داعش» سيطروا على مساحات كبيرة من الأراضي السورية والعراقية، كما سيطروا أخيرا على ما لا يقل عن 11 حقلا للنفط في البلدين. وفي العراق وسوريا، يبيع «داعش» النفط إلى وسطاء بخصم كبير على الأسعار. وجرى تهريب جزء منه إلى تركيا، بينما تباع كميات كبيرة منه محليا. وفي الآونة الأخيرة، استهدف التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة ضد «داعش» مصافي التكرير في كلا البلدين. فيما تقول السلطات التركية إنها كثفت من التدابير المتخذة من جانبها حرصا على الأمن الداخلي ونظرا لضياع عائدات الضرائب. وبينما تقر السلطات التركية بأن عمليات التهريب كانت متفشية، رفضت الاتهامات بأنها سمحت ضمنيا للمتطرفين بجلب إيرادات، كشكل من أشكال التعاطف مع أي معارضة ضد الحكومة السورية.
وبدوره، يقول سيماليتين هاسيمي، أحد مستشاري رئيس الوزراء التركي «إذا نظرتم إلى التدابير التي اتخذت على مدار العامين الماضيين، وتحديدا العام الماضي، فسوف تجدون أن تركيا لم تسمح بمثل هذا الممارسات البتة»، موضحا أن الولايات المتحدة أيضا تناضل من أجل إقامة دوريات فعالة على حدودها. وأضاف «إذا تمكنت الولايات المتحدة من حل مشكلة التهريب التي تواجهها على الحدود المكسيكية، فربما تتمكن تركيا من القيام بالشيء ذاته.. إنه من أصعب الأمور التي يمكن الاضطلاع بها».
لكن يقول الصحافي التركي فهيم تيستكين - الذي قدم تقارير حول عمليات التهريب في هاسيباسا قبل فرض التدابير الصارمة من جانب تركيا - إن الجنود الأتراك كانوا يشاهدون عمليات التهريب دون تدخل من جانبهم، وجرى فرض تدابير صارمة فقط عقب الانتقادات الدولية.
وحسب تقديره، فإن الإجراءات الصارمة المتخذة أسفرت عن الحد من عمليات التهريب بما نسبته 70 إلى 80 في المائة، لكنه يعتقد أن عمليات التهريب ما زالت جارية في هاسيباسا على نطاق أصغر، ويرى أنه كان من الممكن أن تكون السلطات أكثر صرامة. فيما يقول المسؤولون في محافظة هاتاي إنهم بدأوا تكييف جهودهم عقب وقوع حادث عنيف في مايو (أيار) 2013، عندما اشتبكت قوات الشرطة مع مجموعة من مهربي الديزل في مدينة تقع بالقرب من هاسيباسا، مما أسفر عن مقتل عشرة أشخاص في انفجار اندلع عندما أشعل أحد المهربين إحدى حاويات وقود الديزل. وبعد تلك الواقعة، طورت السلطات من البنية التحتية، وأقامت المزيد من نقاط التفتيش، وحفرت خنادق على طول الحدود، وزادت سيارات الدوريات إلى ثلاثة أضعاف عددها، كما استخدمت أنظمة رادار متقدمة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.