المغرب: تسخينات في أفق انتخابات 2021

قراءة في حكومة العثماني الثانية

المغرب: تسخينات في أفق انتخابات 2021
TT

المغرب: تسخينات في أفق انتخابات 2021

المغرب: تسخينات في أفق انتخابات 2021

بعد أكثر من شهرين من المشاورات السياسية في المغرب، ولدت الحكومة الثانية للدكتور سعد الدين العثماني، أمين عام حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، وسميت «حكومة الكفاءات»، وتحقق ذلك بتوجيه من العاهل المغربي الملك محمد السادس، تحضيراً للمرحلة الجديدة التي سيدخلها المغرب، وتسخينها سياسياً في أفق انتخابات 2021.
جاء الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة في ظل تراجع ملحوظ لمنسوب الثقة لدى شريحة واسعة من المغاربة في العمل الحكومي والشأن السياسي بشكل عام، خلافاً لما كان عليه الوضع بعد عام 2011 إبان احتجاجات «الربيع العربي»، ووصول حزب العدالة والتنمية للمرة الأولى إلى رئاسة الحكومة، التي ما زال يحافظ عليها لولاية ثانية، لكن من دون زخم 2011.
قلّص عدد أعضاء الحكومة المغربي، التي يرأسها الدكتور سعد الدين العثماني، في صيغتها الجديدة التي أعلنت خلال الأسبوع الماضي من 39 وزيراً إلى 23، فضلاً عن تجميع بعض القطاعات الوزارية بغرض «تعزيز النجاعة والانسجام والتنسيق في العمل الحكومي». وكان الملك محمد السادس قد دعا في 29 يوليو (تموز) الماضي بمناسبة الذكرى الـ20 لتوليه مقاليد الحكم، رئيس الحكومة إلى «رفع مقترحات لإغناء وتجديد مناصب المسؤولية، الحكومية والإدارية، بكفاءات وطنية عالية المستوى، على أساس الكفاءة والاستحقاق». وشدد على أن «المرحلة الجديدة ستعرف جيلاً جديداً من المشاريع، ونخبة جديدة من الكفاءات، في مختلف المناصب والمسؤوليات، وضخ دماء جديدة على مستوى المؤسسات والهيئات السياسية والاقتصادية والإدارية، بما فيها الحكومة».
وتعهد الملك محمد السادس، أيضاً، في الخطاب ذاته، بتدشين مرحلة جديدة قوامها «المسؤولية والإقلاع الشامل» والحد من «التفاوتات الصارخة»، كما أعلن عن إحداث لجنة سيعهد إليها صياغة نموذج تنموي جديد.
في هذا السياق، قال محمد العمراني بوخبزة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية وعميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية بمدينة تطوان، لـ«الشرق الأوسط»، إن التعديل الحكومي «جاء بتوجيه من الملك، وليس برغبة من رئيس الحكومة، بعد ملاحظة وجود تعثر وصعوبات تواجهها الحكومة في تنزيل وتنفيذ المشاريع الكبرى». وأوضح بوخبزة أن «التوجيه الملكي كان واضحاً عندما طالب رئيس الحكومة بضرورة تطعيم الحكومة بكفاءات، وفي ذلك تأكيد على أن التعديل لم يكن بإرادة حكومية، بل بإرادة ملكية». وتابع المحلل السياسي المغربي شارحاً أن «حكومة العثماني في نسختها الأولى عانت من صعوبات كبيرة في عملها بحكم الصراع الذي كان ينشب بين مكوّنات الغالبية، وهو ما حوّل رئيس الحكومة إلى إطفائي أكثر منه رئيس حكومة مسؤول عن تنفيذ برنامج حكومي».
من جهة ثانية، قال لحسن حداد، الكاتب والمحلل السياسي ووزير السياحة الأسبق المنتمي لحزب الاستقلال المعارض، إن «على الحكومة الجديدة أن تقدم تصريحاً (بياناً) حكومياً جديداً أمام البرلمان»، مشيراً إلى أن تقليص عدد الوزراء «كان شيئاً جيداً، لكن التعديل الحكومي جاء في سياق أزمة، وفي سياق دعوات العاهل المغربي لإحداث قطيعة مع العقليات والعادات القديمة في تدبير الشأن العام». لذلك؛ كما يرى حداد «يتوجب على الحكومة أن تدلي بتصريح جديد ينطلق من أسس جديدة». وهو رأي يخالفه المنتصر زيان، مدير عام الشركة المتوسطية للدراسات الاستراتيجية؛ إذ يرى أنه «لا توجد أي مؤشرات بشأن حدوث أي تغيير في التوجهات السياسية للحكومة»، لافتاً إلى أن مشروع قانون الميزانية للسنة المقبلة، والذي يفترض أن يعكس هذا التحول، كان معداً قبل التعديل الحكومي.

نهج صارم
أما بخصوص عدد الوزراء، فإن محمد جغلالي، المحلل السياسي والرئيس السابق للجمعية المغربية للباحثين الشباب، يعتقد أن تقليص عدد أعضاء الحكومة أمر جد إيجابي ومنطقي، وأن «الحديث عن النموذج التنموي الجديد، وبخاصة، في بعده الخاص باختلالات التوازنات الاقتصادية وإعادة توزيع الثروة الوطنية، يفرض نهجاً صارماً في التعامل مع الموارد العمومية والمال العام. ولذا؛ فإن بقاء حكومة من 39 وزيراً أصبح في السياق الحالي أمراً غير مستساغ خاصة مع خطابات التقشف الحكومي». وتابع أن «إدماج قطاعات وزارية في حقيبة واحدة يجد مبرّره في مطلب الرفع من نجاعة العمل الحكومي، والتنسيق بين القطاعات الوزارية، وتجويد السياسات العمومية، ولا سيما، أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات أثارت في أكثر من حالة تكرار أوجه الصرف بين قطاعات حكومية مختلفة، ودخولها في بعض الأحيان في تضارب سياساتها وإجراءاتها التنفيذية». وحقاً، يعتبر جغلالي أن التعديل الحكومي جاء أيضاً في سياق الحاجة إلى «تنشيط الحياة السياسية وتسخينها في أفق انتخابات 2021، وكتمرين ديمقراطي للأحزاب المشاركة في الغالبية الحكومية، ولاختبار التحالفات الممكنة ومدى تماسكها».

تجدّد خلافات الغالبية
ما يذكر أن شبح سقوط النسخة الأولى من الحكومة طارد العثماني باستمرار بسبب الخلافات بين أعضاء التحالف الحكومي، وبالأخص، بين حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، الذي يرأسه عزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات، الذي يعد مقرباً من السلطة. إلا أن العثماني كان يدافع عن حكومته بالقول إنها تحظى بثقة الملك ودعمه، وإن الخلافات الحزبية لا تؤثر على تماسكها.
ثم، بعد الإعلان عن الصيغة الجديدة للحكومة، قال العثماني إنها «تمتثل لمعايير النجاعة والكفاءة التي تتجلى من خلال بنيتها، وهيكلة قطاعاتها، وحضور النساء والشباب ضمن تركيبتها». وأردف أنها «تراعي المعايير التي شدد عليها الملك في خطاب عيد الجلوس الأخير، والمتمثلة على الخصوص في إدماج عدد من الكفاءات الجديدة، التي تراعي تمثيلية النساء والشباب... وعملية التشبيب تعدّ ضرورية ليس فقط بالنسبة للمسؤوليات العليا، لكن حتى داخل الحكومة»، وذلك في تلميح إلى تعيين شاب من حزبه على رأس وزارة التشغيل هو محمد امكراز رئيس منظمة شباب «العدالة والتنمية».
تنويه العثماني بتعيين شاب من حزبه في الحكومة لم يقتصر على هذا التصريح الذي أدلى به مباشرة بعد تعيين النسخة الثانية من حكومته، بل ذهب بعيداً إلى حد توظيف هذا التعيين لتوجيه انتقادات لاذعة لخصمه السياسي حزب التجمع الوطني للأحرار خلال لقاء حزبي؛ ما أدى إلى تجدد الملاسنات ببن الحزبين بعد هدنة قصيرة. اذ قال العثماني، إن حزب العدالة والتنمية يصنع دائماً المفاجآت «وهو حزب أفعال وليس فقط أقوال»، وعبّر عن اعتزازه بأن يصبح الشاب أمكراز وزيراً؛ لما فيه من إشارات قوية بأن للشباب مستقبلاً. وفي تلميح ضمني إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، قال رئيس الحكومة إن هناك من التزم بتقديم الشباب للمناصب الحكومية، لكنه لم يفعل. وأضاف: «قالوها ولم يستطيعوا فعلها»؛ ما دفع أخنوش إلى الرد عليه متهماً إياه بالتهكم على حزبه.

الهندسة الحكومية وإضعاف الأحزاب
من جهة أخرى، وحسب مراقبين، فإن الهيكلة الجديدة للحكومة تشكل مكتسباً بالنسبة للتجربة السياسية والديمقراطية المغربية؛ لأنها تهدف إلى عقلنة العمل السياسي وتحديث الهندسة الحكومية، في احترام للإطار الدستوري والدور السياسي للأحزاب. إلا أن البعض رأى أن هذه الهندسة الجديدة ليست سوى خطوة لإضعاف الأحزاب السياسية في أفق التحكم في نتائج الانتخابات التشريعية المقررة في 2021.
وتعليقاً على الهندسة الجديدة للحكومة، قال بوخبزة إن «الصراعات التي كانت تعيشها الغالبية الحكومية هي التي دفعت إلى إعادة النظر في هيكلتها؛ إذ جرى الاعتماد على أقطاب وتجميع عدد من القطاعات الوزارية في حقيبة واحدة، وبالتالي، جرى التخلي عن النهج القديم الذي كان يرتكز على الحقائب الوزارية والقطاعات الحكومية، وهذا ما ترتب عنه حكومة مقلصة من حيث العدد، رغم ما أثير من نقاش حول تجميع قطاعات وزارية في وزارة واحدة، ومدى وجود قاسم مشترك بينها.
ويرى بوخبزة أن التعديل الحكومي «حمل رسالة إلى الأحزاب السياسية المغربية من خلال مطالبتها بتجاوز منطق المحاصصة وتوزيع الغنائم والانفتاح على الكفاءات»، وهي خطوة اعتبرها ضرورية بسبب وجود مجموعة من مشاريع التنمية التي لم تستكمل بعد، ومشاريع إصلاحية أخرى ستفتح في المستقبل. ثم لفت إلى أنه في السابق كان المنطق المتحكم في تشكيل الحكومة هو منطق الترضيات للنخب الحزبية بغض النظر عن الكفاءة التي من المفروض أن تتوفر في الوزير المشرف على القطاع الحكومي.

الوزيرات من 8 إلى 4
من جهة أخرى، تقلص حضور عدد النساء في الحكومة المعدلة إلى أربع وزيرات، بينما كان عددهن في الحكومة السابقة 8 وزيرات وكاتبات دولة (وزيرات دولة)، كما غابت وزارة الاتصال (الإعلام سابقاً) من التشكيلة، وذلك لأول مرة منذ استقلال المغرب عام 1956. وينتظر أن يتفرق دم قطاع الاتصال بين بعض الوزارات والهيئات المستقلة التي ستتولى تدبيره، أبرزها المجلس الوطني للصحافة والهيئة العليا للاتصال المسموع والمرئي. وباستثناء إلغاء وزارة الاتصال، لم تشكل باقي خطوط التعديل الحكومي الجديد أي مفاجأة. هذا دون أن ننسى إزالة وزارة الشؤون العامة والحكامة، وإزالة قطاع المجتمع المدني من وزارة العلاقات مع البرلمان. ويرى المراقبون أن حذف كتاب الدولة من هندسة التشكيلة الحكومية لن يكون له أي تأثير، اعتباراً لطابعها الصوري، وكون سبب إحداثها هو جبر خواطر الأحزاب المشاركة في الغالبية الحكومية. كما أن الحكومة استعملت كتابات الدولة لإرضاء المطالبين بمشاركة أكبر للنساء.
وتعليقاً على مغادرة بعض الوزراء الحكومة والإبقاء على آخرين، كتب المحلل السياسي بلال التليدي قائلاً: «لا أعرف مقياساً اعتمد في عبقرية التفاوض لإبقاء وزراء في (العدالة والتنمية) والاستغناء عن آخرين، فثمة أكْفاء تم الاستغناء عنهم، وثمة وزراء لا يعملون شيئاً، ويظلون طوال الوقت وراء هواتفهم يقومون بمهام معروفة، تم إبقاؤهم ولا شيء بمعايير السياسة أو النضال يشفع لهم في البقاء إذا قورنوا بمن غادر». وأضاف: «حصيلة عبقرية التفاوض، أن حزب العدالة والتنمية لم يجنِ شيئاً من هذا التعديل؛ إذ فقد حليفه الاستراتيجي (حزب التقدم والاشتراكية الذي التحق بصفوف المعارضة)، وفقد قطاعين مهمين، وفقد كفاءات تدبيرية دون تبرير سبب الاستغناء عنها، وكتب على نفسه العزلة والدخول في الشرنقة، واستثمر التعديل الحكومي للأسف، لإحداث تغلبات تنظيمية في الداخل والخارج، بدل استثمار اللحظة لبث إشارات سياسية تصحح أعطاب الماضي، وتؤسس لمصالحات تنعكس على تماسك مكونات الأداة الإصلاحية».
في المقابل، اعتبر بوخبزة احتفاظ عدد من الوزراء بحقائبهم في «حكومة الكفاءات» أمراً طبيعياً لأن «الحكومة في الأساس سياسية، ويجب أن تقوم على الأحزاب ولا يمكن تصور حكومة كلها خارج الأحزاب لأنه بعد دستور 2011 انتقل المغرب إلى الحكومة الحزبية أو الحكومة السياسية التي تتوفر على أغلبية داخل البرلمان طبقاً للفصل 47 من الدستور.
أما بخصوص استمرار خمسة أحزاب في التعديل الحكومي الجديد، فاعتبر العمراني أن «تشكل الحكومة من خمسة أحزاب رقم كبير حتى وإن كانت ثلاثة أحزاب ممثلة بشكل رمزي داخل الحكومة لتوفرها على حقيبتين أو حقيبة واحدة»، إلا أن هذا العدد كان ضرورياً لضمان الأغلبية داخل البرلمان، بعد أن خرج حزب التقدم والاشتراكية مضطراً من الحكومة، وانتقاله إلى المعارضة.
ومقابل الاحتفاء بالتعديل الحكومي والترحيب بانضمام بعض «الكفاءات» إلى الحكومة الجديدة، شكك المعارضون في جدوى هذا التعديل. وقالت نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، في تصريحات صحافية، إن «التعديل الحكومي جاء دون مستوى تطلعات فئات واسعة من الشعب المغربي، هذا الشعب الذي في كل مرة يحاول أن يخلق أملاً من الرماد، ويحاول أن يصدق ما يقال بأن هناك فعلاً نية في الإصلاح والتغيير عن طريق ضخ دماء جديدة، وخلق حكومة تحكم بالفعل، حكومة كفاءات فعلية تبحث عن أجوبة لأسئلة ملحة ومصيرية».
وعدت منيب التعديل الحكومي بأنه ليس سوى «تحريك بعض الوزراء من وزارة إلى أخرى، وأننا لم نسمع عن أي كفاءة لهؤلاء الوزراء الذين ظلوا في الحكومة».
ولم تكتفِ منيب بهذا الحد، وقالت إن الحكومة الجديدة «تفتقر للكفاءات عكس ما كان منتظراً. فجلّ الوزراء ليست لهم أي كفاءة، لا في اقتراح البدائل الثقافية والاقتصادية، وبالأحرى السياسية، التي نحن في أمسّ الحاجة إليها. ولهذا فهي فقط محطة من أجل جس النبض والإعداد للسيناريو الآتي لا محالة في 2021، إلا إذا تحركت القوى التي يهمها التغيير الديمقراطي للبلاد، وهو أمر مستبعد».
من جهة أخرى، يرى عبد الله الرامي، الباحث في علم الاجتماع السياسي، أن التعديل الحكومي الحالي كرّس ضعف وزن «العدالة والتنمية» في الحكومة، رغم أنه هو من يقودها. وأشار إلى أن وزن الحزب الذي خسر عند تشكيل حكومة العثماني عام 2017 حقائب مهمة كالعدل والاتصال (الاتصال) والميزانية، عرف تراجعاً مع التعديل الحكومي الجديد بتقليص عدد وزرائه من 12 في الحكومة الأولى إلى 7 في الحكومة الثانية، إضافة إلى أن هذه الأخيرة غادرها وزراء هم: محمد يتيم، وبسيمة الحقاوي، ولحسن الداودي، ومحمد نجيب بوليف، وخالد الصمدي، ومصطفى الخلفي، الذين يعدون من الأسماء البارزة في الحزب، ودخول أسماء مغمورة بدلاً عنهم.
وأشار الرامي إلى أن هذا التراجع يعتبر مؤشراً على انحسار دور «العدالة والتنمية» في تدبير الشأن العام، ويرجح احتمال انحساره إلى الصف الثاني في هندسة حكومة ما بعد انتخابات 2021، بعدما قاد حكومتين متتاليتين منذ 2012. وأوضح الرامي أن ما يميز حكومة العثماني الثانية هو انعدام التكافؤ الواضح للوزن الانتخابي والسياسي للأحزاب المشاركة مع وزنها داخل الحكومة، ففي حين يتولى حزب العدالة والتنمية، الذي يعد الحزب الأول والأكثر وزناً في مجلس النواب، ويقود تحالف الغالبية، وزارات هامشية وعدداً من الحقائب الوزارية لا تتماشى مع وزنه، فإن أحزاباً صغيرة تتولى مناصب وزارية أكبر من حجمها بكثير.
إن المغرب مقبل على وضع نموذج تنموي جديد من أجل الحد من الفوارق الاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية، وتقليص البطالة والارتقاء بالتعليم والصحة، وهي كلها تحديات يتعين على الحكومة مواجهتها حتى يتمكن المغرب من المحافظة على استقراره وتميزه في منطقة توجد على فوهة بركان.

أبرز الوجوه الباقية والجديدة
> حافظت حكومة العثماني الثانية على معظم وجوه الحكومة السابقة، وبخاصة وزراء السيادة، وعددهم سبعة، هم: عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية، وناصر بوريطة وزير الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وأحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومحمد الحجوي الأمين العام للحكومة، وعبد اللطيف لوديي الوزير المنتدب المكلف إدارة الدفاع الوطني، ونور الدين بوطيب الوزير المنتدب في الداخلية، ومحسن الجزولي الوزير المنتدب في الخارجية.
كذلك، حافظ معظم الوزراء الحزبيين في الحكومة السابقة على حقائبهم أو أسندت إليهم حقائب جديدة، وبلغ عدد الوزراء المجدد لهم 11 وزيراً، هم: المصطفى الرميد وزير الدولة المكلف حقوق الإنسان، الذي أضيفت له حقيبة العلاقات مع البرلمان، ومحمد بنعبد القادر وزير العدل الجديد (الذي كان الوزير المنتدب المكلف إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية سابقاً)، ومحمد بنشعبون وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، وعزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وسعيد أمزازي وزير التربية الوطنية، وحفيظ العلمي وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي، وعبد القادر أعمارة وزير التجهيز والنقل واللوجستيك والماء، وعزيز رباح وزير الطاقة والمعادن والبيئة، وجميلة المصلي وزيرة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة، ونزهة الوافي الوزيرة المنتدبة المكلفة المغاربة المقيمين بالخارج.
أما الوجوه الجديدة في الحكومة فبلغ عددهم ستة، هم: نزهة بوشارب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة (الحركة الشعبية)، ومحمد أمكراز وزير الشغل والإدماج المهني (العدالة والتنمية)، والحسن عبيابة وزير الثقافة والشباب والرياضة، والناطق الرسمي باسم الحكومة (الاتحاد الدستوري)، وإدريس اعويشة الوزير المنتدب المكلف التعليم العالي والبحث العلمي (مستقل)، وخالد آيت الطالب (مستقل) الذي عين وزيرا للصحة خلفا لأنس الدكالي، ونادية فتاح العلوي وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي (التجمع الوطني للأحرار).



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.