أعنف قصف تركي منذ بدء اجتياح سوريا

إردوغان يستبق لقاء بنس برفض المحادثات مع «قسد» والعقوبات الأميركية

دخان يتصاعد من قصف القوات التركية لبلدة رأس العين بسوريا أمس (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد من قصف القوات التركية لبلدة رأس العين بسوريا أمس (إ.ب.أ)
TT

أعنف قصف تركي منذ بدء اجتياح سوريا

دخان يتصاعد من قصف القوات التركية لبلدة رأس العين بسوريا أمس (إ.ب.أ)
دخان يتصاعد من قصف القوات التركية لبلدة رأس العين بسوريا أمس (إ.ب.أ)

شهدت مدينة رأس العين في شمال شرقي سوريا أعنف قصف تركي منذ انطلاق العملية العسكرية «نبع السلام» في شرق الفرات، في 9 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بينما استبق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لقاءه، اليوم (الخميس)، مع نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، ووزير الخارجية مايك بومبيو، بالتأكيد على أن العملية ستستمر حتى تحقيق أهدافها، لكنها ستنتهي من تلقاء نفسها حال انسحاب مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من المنطقة الآمنة التي حددتها بلاده، وتسليم جميع أسلحتهم، مشدداً في الوقت نفسه على أن العقوبات الأميركية لن تؤثر على القرار التركي في هذا الشأن.
واستهدفت المدفعية التركية، ريف مدينة رأس العين السورية، بقصف عنيف، بدأ أول من أمس، واستمر طوال يوم أمس، وسمع القصف، وشوهدت سحب الدخان من قضاء جيلان بينار، في ولاية شانلي أورفا الحدودية مع سوريا في جنوب تركيا. وتعد الاشتباكات في رأس العين وتل أبيض، التي وقعت منذ مساء أول من أمس، على مدى الـ24 ساعة الماضية، هي الأعنف منذ انطلاق العملية العسكرية التركية.
وقالت مصادر عسكرية إن الجيش التركي وفصائل المعارضة الموالية له، سيطرا على قرى العثمانية وطنوزة والديمو والعبو وطرابلس كبيرة وطرابلس صغيرة وفلسطين ومتقلة وقنديل وتنورة، بريف تل أبيض، بعد اشتباكات ضد «قسد». كما قصفت القوات التركية قرية «قصر ذيب» بعدد من القذائف. كما سمع أيضاً دوي انفجارات في أطراف جرابلس ومنبج، في غرب الفرات، حيث شهدت المنطقة قصفاً مدفعياً تركياً. وذكرت مصادر عسكرية أن الجيش التركي حشد نحو 700 جندي، و30 دبابة تركية، وعشرات الآليات الأخرى، في محيط المنطقتين. وأعلنت وزارة الدفاع التركية، في بيان أمس، أن عدد عناصر «قسد» الذين تم تحييدهم منذ انطلاق العملية بلغ 637. في حين قتل 46 من عناصر الجيش الوطني السوري، المكون من فصائل موالية لأنقرة. وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن 71 مدنياً لقوا حتفهم، إلى جانب 158 مقاتلاً من «قسد» منذ بدء العملية التركية.
وعلى صعيد الاتصالات الجارية حول عملية «نبع السلام» العسكرية، استبق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان زيارة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، ووزير الخارجية مايك بومبيو، إلى تركيا ولقاءه بهما اليوم، بالتأكد على أن تركيا لن تتفاوض مع «تنظيم إرهابي» (في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردية، أكبر مكونات «قسد») ولن توقف العملية العسكرية حتى تحقيق أهدافها بالكامل. وقال إردوغان، في خطاب حماسي أمام نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في البرلمان، أمس (الأربعاء): «اقتراحنا هو أن يُلقي (الإرهابيون) كلهم السلاح والمعدات هذه الليلة، ويدمروا كمائنهم ويخرجوا من المنطقة الآمنة التي حددناها... في حال تطبيق مقترح خروج (الإرهابيين) ستكون عملية (نبع السلام) انتهت من تلقاء نفسها». وتابع: «تمكنا حتى الآن من تطهير مساحة 1220 كيلومتراً مربعاً من خلال التقدم، خطوطاً تلو أخرى»، قائلاً: «بعض القادة يتصلون بنا من أجل إيقاف عملية نبع السلام... لكن لا يمكن الثقة بهؤلاء... هؤلاء لم يكونوا يتوقعون أن الجيش التركي سيتقدم بهذه السرعة، وعندما وجدوا حساباتهم تتجه بشكل معاكس بدأوا يتصلون لوقف العملية».
وأضاف: «عند تشكيل حكومة مشروعة تمثل جميع الشرائح في سوريا، سنترك مسألة نقل وإدارة الأماكن التي بسطنا فيها الأمن لهم، فنحن نبني ونعمر فقط، لكن لا نظلم أبداً». ووجّه إردوغان انتقادات لحلفاء بلاده في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتعهد بتصعيد العملية العسكرية التي تنفذها بلاده في شمال سوريا، وذلك رغم تهديدات الولايات المتحدة بفرض عقوبات مشددة على بلاده، وكذلك رغم حظر دول أوروبية بيع السلاح لتركيا. وقال: «تعالوا وقِفوا إلى جانب تركيا في هذا الصراع، وليس ضدها. أو على الأقل لا تتدخلوا فيه». وأضاف: «أقول لمن يهددون بفرض عقوبات علينا؛ كل جرح ستتسببون فيه لاقتصادنا، سيقابله جرح أكبر في اقتصادكم»، في إشارة إلى التهديدات الأميركية بفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على تركيا.
وذكر أن هناك أنفاقاً تستخدمها «قسد» بطول أكثر من 90 كيلومتراً، والإسمنت الذي بنيت به، قادم من شركة فرنسية، فكيف ستوضحون ذلك؟ مضيفاً: «(الإرهابيون) يطلقون النار بالقناصات من داخل الكنيسة حتى يدفعوا تركيا لقصفها، ولكن نحن لم نفعل ذلك، لأن ذلك المكان هو دار للعبادة».
وأدرجت الإدارة الأميركية وزراء الدفاع والطاقة والداخلية، إلى جانب وزارتي الدفاع والطاقة، على لائحة العقوبات، وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أول من أمس، أنه سيوفد نائبه مايك بنس، ووزير الخارجية مايك بومبيو إلى تركيا، وأنهما سيقودان وفداً، يضم أيضاً كلاً من روبرت أوبراين مستشار الأمن القومي، وجيمس جيفري المبعوث الأميركي إلى سوريا، وأن الوفد سيلتقي إردوغان اليوم (الخميس) لتأكيد التزام واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية ضد تركيا، لحين التوصل إلى حل بشأن سوريا.
وقال إردوغان، لصحافيين رافقوه الليلة قبل الماضية في طريق عودته من أذربيجان، إنه يرفض وقف إطلاق النار، والوساطة من أجل التفاوض مع «قسد»، وجدّد تأكيده على أن هدف تركيا هو إبعاد «قسد» إلى ما بعد 32 كم من الحدود، وتأمين هذا الخط من قبلنا بداية من نهر الفرات حتى الحدود العراقية.
وتابع: «أود لفت الانتباه إلى أمر متناقض، وهو أن الولايات المتحدة تنسحب من المنطقة، ولا ترغب في دخولنا إليها»، معتبراً أن «عملية (نبع السلام) سيكون لها إسهام كبير في عملية الحل السياسي بسوريا». وعن دخول النظام السوري لمنبج، قال إردوغان: «هذا أمر ليس سلبياً للغاية بالنسبة لي، فهذه في النهاية أرضهم. لكن المهم بالنسبة لي ألا تبقى تنظيمات إرهابية هناك».
وفي كلمته بالبرلمان، أشار إردوغان إلى أن الولايات المتحدة لا توجد في المنطقة بطلب من النظام السوري، ولا قوات التحالف، لكن روسيا توجد بطلب منه، وتابع: «نحن أيضاً لا نوجد هناك بطلب من النظام، وإنما بموجب اتفاقية أضنة التي وقّعها النظام أصلاً مع تركيا في السابق، لذلك فإننا نشعر بموقف قوي... هذا فضلاً عن الشعب السوري الذي يريدنا هناك، وهو ما لا يتوفر لدى الآخرين».
وبعد أن أعلن إردوغان أنه لن يلتقي الوفد الأميركي، قالت الرئاسة التركية إنه سيلتقي الوفد، اليوم (الخميس).
كما التقى وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، أمس، مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت أوبراين، لبحث التطورات المتعلقة بالعملية العسكرية التركية.
وقبل اللقاء، أكد جاويش أوغلو، في عرض أمام البرلمان لتطورات العملية العسكرية التركية في شمال شرقي سوريا، أمس، أن بلاده سترد على العقوبات التي فرضتها واشنطن، وأن جميع التهديدات والعقوبات على أنقرة غير مقبولة. وأضاف أن تركيا تتوقع من الكونغرس الأميركي التراجع عن «نهجه المدمر»، مشيراً إلى أن العلاقات بين أنقرة وواشنطن تمر بمنعطف خطير، وأنه سينقل ذلك إلى الوفد الأميركي، بقيادة نائب الرئيس مايك بنس.
وجددت وزارة الخارجية التركية، مطالبتها الدول الأوروبية بزيادة التدابير من أجل حماية البعثات والمصالح والمواطنين الأتراك على أراضيها من اعتداءات حزب العمال الكردستاني. وقالت الوزارة، في بيان أمس، إنها تتابع بكل قلق استمرار المظاهرات وأعمال العنف التي يقوم بها أنصار «العمال الكردستاني»، منذ انطلاق عملية «نبع السلام»؛ خصوصاً في البلدان الأوروبية، رغم كل التحذيرات للجهات المعنية، ولا يمكن تفسير عدم التحرك ضد الهجمات الإرهابية التي تستهدف محلات ومنازل الجالية التركية والمساجد والبعثات الدبلوماسية التركية وموظفيها.
وفي السياق ذاته، أوقفت السلطات التركية أمس 24 شخصاً بتهمة «نشر دعاية سوداء على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن العملية العسكرية التي تنفذها أنقرة في سوريا»، وذلك بسبب معارضتهم لهذه العملية، وهم من بين 186 شخصاً ألقي القبض عليهم لانتقادهم العملية العسكرية، ووجّهت إليهم تهم «تحريض الرأي العام على الكراهية والعداء» و«نشر دعاية لمنظمة إرهابية».
كما اعتقلت السلطات التركية رئيس بلدية هكاري، جيهان كارامان، والرئيسين المشاركين لبلدية نصيبين، بولاية ماردين، سميرة نرجس، وفرحات كوت، ورئيس بلدية أرجيتش، يلدز شتين، لرفضهم العملية العسكرية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.