الصين في الأدبيات العربية... توثيق ببليوغرافي

من عام 1886 حتى منتصف 2019

الصين في الأدبيات العربية... توثيق ببليوغرافي
TT

الصين في الأدبيات العربية... توثيق ببليوغرافي

الصين في الأدبيات العربية... توثيق ببليوغرافي

> أول ما نُشر عن الصين كان في الجزء الثامن من السنة الرابعة من مجلة (المقتطف / يناير 1879)، بعنوان: «سكان الصين» وهي مادة إخبارية إعلامية، ويمكن عدّ هذا التاريخ بداية الكتابة باللغة العربية عن الصين
يوثق هذا الكتاب، الذي نُشر مؤخراً عن مركز البحوث والتواصل المعرفي بالرياض في حدود 480 صفحة، والذي أعده الدكتور أمين سليمان سيدو ما كُتب عن الصين باللغة العربية ببليوغرافياً، من تأليف وترجمة وتعريبٍ، مما يعكس تطور العلاقات التاريخية في جميع المجالات بين العالم العربي بشكل عام والمملكة العربية السعودية بشكل خاص مع الصين. ومن المعروف تاريخياً أن الحضارة الصينية تُعدُّ واحدة من أعرق الحضارات في العالم، وشكلت إحدى أقدم المدنيات وأرقاها، وحافظت على هويتها ونقائها عبر القرون، وهذا ما شجع العرب على التواصل مع الصين، وتوطيد العلاقات التجارية معها من خلال الطريق التجاري الشهير المعروف باسم «طريق الحرير» الذي ربط بين الحضارتين العربية والصينية.
لقد اهتمت المصادر العربية بالصين في مختلف الجوانب، وشغلت مكانة كبيرة في كتابات العرب. ومن هنا، نتبين الجهد الذي بذله مركز البحوث والتواصل المعرفي في سبيل جمع هذه المعلومات وتوثيقها وتبويبها، من أجل مساعدة الباحثين على الوصول إلى المعلومات المستهدفة بسهولة ويُسرٍ.
وتعدُّ الأعمال الببليوغرافية اللبنات الأساسية لأنظمة التوثيق والتحكم بالمعرفة؛ التي لا سبيل إليها إلا عن طريق الببليوغرافيات التي تُعرِّف بالإنتاج الفكري وتربط بين دوائر المعرفة البشرية في كل زمان ومكان.
لهذا نرى أن الأعمال الببلوغرافية صاحبت جميع أنواع أصناف العلوم النظرية والتطبيقية، كما تحظى بعناية المؤسسات العلمية ودور النشر الكبرى في جميع دول العالم. وعلى المستوى العملي لا يمكن الاستغناء عن البحوث الببليوغرافية للتمهيد لأي عمل منهجي رصين؛ ولا شك أن إنتاج الببليوغرافيات ونشرها ليس أمراً ميسراً لأنها تعتمد على مقاييس صعبة ومُكلفة، منها الدقة والشمولية والانتظام، وهذه الصفات يصعب تحقيقها بسهولة.
ومن هنا، يمكن القول إن كثيراً من الباحثين يواجهون مشكلة مزمنة سببها ضعف الاتصال أو فقده بين الخبراء والمؤلفين في دوائر البحث العلمي والنشر.
وكانت القوائم الببليوغرافية من الأدوات المهمة التي فتحت آفاقاً جديدة أمام الفكر لممارسة نشاطه المعرفي، وتظل أداة مساندة للبحث العلمي إلى جانب الأدوات الأخرى كالكشافات والفهارس، وسواهما من الأدوات التي يلجأ إليها الدارسون للبحث عن الكتابات ذات الصلة بموضوع بحثهم، من فهرست ابن النديم إلى البيانات الوصفية المخزنة في قواعد المعلومات، من حيث تطور أساليبها ونظم تخزينها وحفظها واسترجاعها، ومواكبتها للمتغيرات التي طرأت على مختلف مجالات العلوم والفنون.
حيث تتيح الدراسات المعلوماتية لآداب الموضوعات المختلفة، أو قطاعات أو أعمال معينة منها وسيلة للاستكشاف العلمي لخصائصها الببليوغرافية، والتوصيف الإحصائي الكمي لها، والتقصي المنهجي لمقولاتها، ومن أهم أنواع هذه الدراسات البحوث الببليومترية التي يقع في نطاقها هذا العمل.
وتبرز أهمية هذا العمل من أنه ركز في توثيق الأعمال المنشورة باللغة العربية أو المترجمة إليها عن الصين، وتيسير الصعاب أمام الباحثين للوصول إليها، بطريقة علمية مقننة، وحلَّل هذه الأعمال بالاعتماد على الأساليب الببليومترية، والطرق الإحصائية للكشف عن جوانب القوة والضعف في الموضوعات المدروسة.
ويهدف هذا العمل إلى تحقيق عدد من الأهداف الآتية:
> الحصر الببليوغرافي للمواد المنشورة في الموضوع باللغة العربية، سواء في كتب مستقلة، أم مباحث من كتب، أم أطروحات علمية، أم بحوث منشورة في المجلات الدورية. ووصف السمات الأساسية للإنتاج الفكري المنشور؛ أو المترجم عن الصين إلى اللغة العربية، وتحليله، وتقويمه باستخدام الأساليب الببليومترية، والطرق الإحصائية.
> بيان الموضوعات التي استحوذت على اهتمام الباحثين، والموازنة بينها؛ باستخدام الأساليب الببليومترية. والتعرف إلى أوعية المعلومات الدورية العربية التي اهتمت بنشر البحوث عن الصين.
> الضبط الببليوغرافي للمواد، والتجميع الموضوعي لها، وتنظيمها بطريقة علمية مقننة.
ويسعى هذا العمل إلى تحقيق أهدافه من خلال الإجابة عن الأسئلة الآتية: ما حجم الإنتاج الفكري المنشور؛ أو المُعد في الكتب المستقلة، والأطروحات العلمية، والمجلات الدورية عن الصين باللغة العربية؟ وما أنماط أوعية المعلومات التي نُشر فيها الإنتاج الفكري عن الصين؟
وما الموضوعات التي استحوذت على اهتمام الباحثين بشكل كبير؟ ومَنْ هم الكُتَّاب الذين برزوا في هذا المجال؟ وما حجم إسهاماتهم على خريطة التأليف والنشر والترجمة في نطاق العمل؟
والإجابة عن هذه الأسئلة ومثيلاتها هي ما يسعى هذا العمل إلى الإفصاح عنه، واستنباط الإيجابيات والسلبيات القائمة، والسعي إلى طرح حلول تفيد قضايا البحث العلمي، وتلبي رغبات الباحثين واحتياجاتهم.
أَمَّا الحدود الموضوعية لهذا العمل، فهو يحاول تغطية جميع الموضوعات المنشورة عن الصين باللغة العربية، أو ما تمَّ أعدادها ضمن الرسائل الجامعية. ومن ناحية الحدود المكانية، لم يقتصر العمل على أماكن أو دول أو مناطق محددة. وفيما يتعلق بالحدود الزمانية، يغطي العمل الفترة الزمنية من نَشر أول عمل استطاع الباحث رصده في القائمة الببليوغرافية، ويرجع إلى عام 1886م وحتى منتصف عام 2019م، وعن الحدود اللغوية يغطي هذا العمل، كما ذكرنا، الأعمال المنشورة عن الصين باللغة العربية أو المترجمة إليها فقط.
والمنهج الرئيس الذي استخدم في هذا العمل، هو المنهج الببليومتري التحليلي والوصفي في القياس، والتحليل الإحصائي المقارن للبيانات المجمَّعة عن المتغيرات الببليوغرافية المدروسة، وتوصيف خصائصها الببليوغرافية.
وأَمَّا بالنسبة إلى إعداد القائمة الببليوغرافية، فقد أعدت وفق منهج التحليل الببليوغرافي الاستنادي، فاعتمد رؤوس موضوعات مقننة، حسب قواعد الفهرسة الأنجلو – أميركية، كما روعيت قواعد الترتيب الألفبائي في متن العمل وفي المسارد الملحقة به.
وقد تمحور هذا الكتاب في ثلاثة أقسام رئيسية، إضافة إلى المقدمة. القسم الأول: الدراسة الببليومترية، وتناول التشتت الموضوعي، والتوزيع النوعي، وتوزيع الكُتَّاب، والتوزيع الزمني. والقسم الثاني: التوثيق الببليوغرافي، وهو رصد ببليوغرافي لما نُشر عن الصين باللغة العربية. والقسم الثالث: المسارد: مسرد بالموضوعات، ويشتمل على رؤوس الموضوعات المستخدمة في التوثيق الببليوغرافي، ومسرد بالأعلام، ويشتمل على أسماء المؤلفين والكُتّاب، وعناوين الكتب والأبحاث والمقالات، وأسماء الدوريات.
ومن خلال تحليل المعلومات المجمعة عن المتغيرات المدروسة تمَّ التوصل إلى النتائج المهمة الآتية:
> لُوحظ أن المملكة العربية السعودية تميزت بعلاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية مع الصين، وكانت في صدارة الدول العربية عامة، والخليجية خاصة في هذا المجال، إذ نُشر في هذا الحقل 30 مادة.
وتبيّن أنَّ أول ظهور لعمل نُشر في هذا الموضوع كان في الجزء الثامن من السنة الرابعة من مجلة «المقتطف» ( يناير/كانون الثاني 1879)، بعنوان: «سكان الصين»، وهي مادة إخبارية إعلامية، ويمكن عدّ هذا التاريخ بداية الكتابة باللغة العربية عن الصين.
يُذكر أنّ أول كتاب نُشر في الموضوع من واقع الضبط الببليوغرافي هو (كتاب قانون الصين) للباحث تنجي خافكدي، وقد طُبع في مطبعة مدرسة والدة عباس الأول في القاهرة عام 1906هـ. ولوحظ أن هناك أخطاءً في توثيق بعض المواد، ونقصاً في بعض بيانات الوصف الببليوغرافي لمواد أخرى.


مقالات ذات صلة

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل

عمر شهريار
كتب كورت أندرسن

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية...

جوناثان دي
كتب «مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».