ابن رشد وقد تيمه الحب وأضناه الغرام!

جولة على المكتبات الفرنسية

ابن رشد
ابن رشد
TT

ابن رشد وقد تيمه الحب وأضناه الغرام!

ابن رشد
ابن رشد

قمت مؤخراً بجولة على المكتبات الفرنسية، وعدت بمجموعة كتب منعشة، سوف أكتفي بذكر بعضها نظراً لضيق الوقت. الكتاب الأول للكاتب الفرنسي المبدع جيلبير سينويه الذي اكتشفته مؤخراً، ولا أزال غارقاً في كتبه، وهو مسيحي من أصل مصري، من مواليد عام 1947. فقد ولد في بلاد الكنانة وترعرع حتى بلغ التاسعة عشرة. وبعدئذ، هاجر إلى فرنسا، حيث استقر فيها، وأصبح مشهوراً بكتابة الروايات التاريخية، ومعظمها مستلهم من تاريخ مصر والمنطقة العربية. ونذكر من بينها: فتاة النيل، واثنتا عشرة امرأة شرقية غيرن وجه التاريخ، والنسر المصري، إلخ. كما ألف رواية تاريخية بعنوان: ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان. ولا ننسى كتابه الممتع عن باني نهضة مصر الحديثة، وقد صدر بعنوان: «آخر الفراعنة.. محمد علي الكبير»، وهو بحث تاريخي فلسفي سياسي، وليس رواية تاريخية.
والآن، يطلع علينا بكتاب جديد هو: «ابن رشد أو سكرتير الشيطان». فلماذا هذه التسمية السلبية الموضوعة على غلاف كتاب لا ينفك يمدح ابن رشد ويشيد به؟ لسبب بسيط هو أنها ليست من عنده، وإنما من عند الفقهاء المتشددين الذين نددوا بابن رشد ومدرسته، وعدوهم بمثابة «الشياطين المارقين من الدين». ومعلوم أنه تعرض للمحنة أو للاضطهاد في أواخر حياته، واتهم بالكفر لأنه يروج للفلسفة، ولذلك أحرقوا كتبه في الساحة العامة أمام ناظريه لكي يهينوه أكثر. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الفلسفة مدانة في العالم العربي من قبل المشايخ، لأنها في رأيهم تبعد عن الله والدين. ولكن ابن رشد قال لهم، مراراً وتكراراً، إن الفلسفة لا تتعارض مع الدين أبداً لأن «الحق لا يضاد الحق»، بل وألف كتاباً كاملاً للبرهنة على فكرته، وهو كتاب شهير مترجم إلى الفرنسية ومعظم لغات العالم؛ إنه كتاب: «فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال». والمقصود بالشريعة هنا الدين الإسلامي، وبالحكمة الفلسفة اليونانية، خصوصاً فلسفة أرسطو. الشيء الممتع في كتاب جيلبير سينويه هو أنه مكتوب على لسان ابن رشد شخصياً؛ إنه عبارة عن استعراض لذكرياته أو مذكراته، فهو يتحدث عن ولادته في قرطبة عام 1126، وعن مراحل فلسفته وأفكاره، ويخلط كل ذلك بحياته الشخصية الحميمية، وحتى العاطفية الغرامية. وهي أشياء ما كنا نعرفها عن ابن رشد، إذ كنا نظن أنه مجرد فيلسوف كبير وطبيب ورجل دين كبير أيضاً، وكنا نتوقع أنه شخص حكيم عاقل، وربما متقشف رزين أو رصين أكثر من اللزوم. فإذا بنا نفاجأ به كعاشق من الطراز الأول! من يصدق ذلك؟ نعم، نعم، ابن رشد أكبر فيلسوف عربي وقع في الحب وأضناه الغرام. هل تعتقدون أنه لا يقع في الحب إلا أشخاص سطحيون تافهون متهافتون من أشكالنا؟ إنكم واهمون. وماذا كان اسم المحروسة؟ لبنى. ويمكن أن نقول عنه إنه «مجنون لبنى»، مثلما كان قيس بن الملوح «مجنون ليلى». ورغم أنه تزوج بعدئذ ابنة عمه سارة، وأنجب منها أطفاله، وكان مخلصاً لها طيلة حياته، فإنه اعترف لاحقاً بأن لبنى كانت حبه الأول والأخير. ألم نقل لكم إن الحب شيء والزواج شيء آخر؟
هذا الكتاب ممتع فعلاً لأنه يستعرض لك فلسفة ابن رشد وحياته بطريقة روائية جذابة مثيرة حقاً. وفي الوقت ذاته، يتحدث لك عن آراء العظماء فيه بعد موته، وبالتالي يزيدك متعة على متعة، وفائدة على فائدة. ما رأي القديس توما الأكويني فيه مثلاً؟ ومعلوم أنه أكبر مفكر مسيحي في القرون الوسطى، وقد صالح بين المسيحية والفلسفة اليونانية، مثلما صالح ابن رشد قبله بخمسين سنة بين الإسلام والفلسفة اليونانية ذاتها. لقد كان له قدوة ومثالاً، رغم انتقاداته له. ما رأي زعيم عصر النهضة الإيطالية بترارك به؟ تجدونه في هذا الكتاب. ومعلوم أنه وقع في قصة حب عارمة مع «لورا»، مثلما وقع ابن رشد في قصة حب عارمة وفجائعية مع «لبنى». ما رأي أعظم أديب إيطالي به: قصدت دانتي؟ كل ذلك وأكثر تجدونه في هذا الكتاب الشيق.
والآن، سوف أنتقل إلى كتاب آخر مختلف تماماً؛ إنه يريح القارئ نفسياً لأنه لا يأخذ نفسه على محمل الجد. عنوانه بحد ذاته أكبر دليل على ذلك: «التفاهة شيء جاد ومحترم»، بمعنى آخر: ثناء على التفاهة، لا للجدية الكالحة! ومؤلفه هو أحد أقطاب الجيل الأدبي الجديد في فرنسا: فريدريك بيغبيدي. وهذا الشخص الذي ولد وترعرع في أرقى الضواحي الباريسية، حيث يعيش ساركوزي وجان دورميسون، لا يشكو من شيء: غنى، وثروة، وحياة صاخبة في حي السان جيرمان دوبري في قلب باريس... إلخ. ومع ذلك، فهو كاتب موهوب فعلاً. لا أقول إنه كاتب كبير لأنه لا يعرف معنى العذاب وضيق الحال والاضطهاد... إلخ. إنه ليس بودلير ولا دوستويفسكي، وإنما ينتمي إلى علية القوم في فرنسا. ومع ذلك، فإنه كاتب لا يستهان به. والكتاب عبارة عن جملة من المقالات المتفرقة؛ هناك مقالة تمجد الحق في الكسل والعطالة عن العمل. وفيها يقول الكاتب ما معناه: أحد أكبر أنواع النصب والاحتيال التي مارستها الرأسمالية أنها أقنعت مليارات الأشخاص في العالم بأن العمل هو عبارة عن نعمة وهدية من السماء. وكل ذلك من أجل دفع الناس إلى العمل طيلة النهار بغية استغلالهم والازدهار على عرق جبينهم. ولكننا نعلم أن النعمة الوحيدة هي: الوقت أو الزمن. بمعنى أن العطالة عن العمل تؤمن لنا وقتاً يومياً كافياً للترفيه عن أنفسنا. ولكن السؤال الذي لا يطرحه المؤلف على نفسه هو التالي: أنت تستطيع أن تعيش حياة الكسل يا مسيو فريدريك بيغبيدي، بل وتستطيع أن تعيش مرفهاً دون أن تشتغل ساعة واحدة لأنك غني جداً، ولكن ماذا يفعل الآخرون الذين لا يملكون شيئاً؟ إنهم مضطرون للعمل طيلة النهار لكي يشتروا الخبز والحليب، ويدفعوا أجرة البيت في نهاية الشهر. ومع ذلك، فإن فكرته صحيحة بشكل من الأشكال. فالرأسمالية لعينة، وتعرف كيف تحلب الناس حلباً. ويبدو أن صهر ماركس بول لافارغ ألف قبل أن ينتحر كتاباً كاملاً بعنوان: «الحق في الكسل». ثم يختتم المؤلف مقالته قائلاً: يعيش الكسل! الكسل هو الحرية! نعم، صحيح، ولكن بشرط أن تكون قد ورثت عن عائلتك ثروة طائلة كالروائي الشهير مارسيل بروست أو الكاتب الشهير جان دورميسون... إلخ.
وعلى ذكر هذا الأخير، فإن المؤلف يخصص له فصلاً ممتعاً في الكتاب، بعنوان: «جان دورميسون خرب عطلتي الصيفية»، وكأنه يوبخه قائلاً: لماذا مت في عز الصيف يا جان دورميسون؟ ألا تعرف أن تموت في يوم آخر؟ ألا تعرف بأني على شواطئ البحار أستمتع بالعطلة الصيفية والرمال الذهبية؟ والآن، أنا مضطر لأن أترك الشاطئ والحسناوات وأشعة الشمس، وأعود إلى الغرفة، وأحبس نفسي داخل جدرانها، لكي أكتب مقالة عنك، وأرسلها إلى الجريدة. ثم يستشهد المؤلف بكلمة قالها جان دورميسون لأحد أصدقائه يوماً ما: «أن يموت الإنسان الفقير المعذب فهذه نعمة وراحة وخلاص بالنسبة له، ولكن أن يموت شخص مثلي عاش أجمل حياة وأغنى حياة وأرقى حياة في العالم فهذه كارثة كبرى!». وهذا صحيح. ولذلك نقول: الفقراء المعذبون في الأرض يتفوقون على الأغنياء في نقطة واحدة: لحظة الموت! الفقير لا يخسر شيئاً، ولا يتأسف ولا يتحسر على شيء، لأنه لا يملك شيئاً أصلاً، بل إنه يرتاح من شراء الخبز، ودفع أجرة الغرفة في آخر الشهر؛ هذا إذا كانت عنده غرفة. أما الغني المترف فيتمزق حسرة على القصور والفيلات الراقية والبيوت الصيفية أو الثانوية على الشاطئ اللازوردي... إلخ.
وفي نهاية المطاف، بعد أن انتهت مشترياتي، فاجأوني بتقديم كتابين صغيرين كهدية مجانية. وكم كانت مفاجأة سعيدة بالنسبة لي؟ والمفاجأة الأسعد هي أن أحد الكتابين من تأليف امرأة أعشقها منذ سنوات طويلة، دون أن يعرف أحد، ودون أن تعرف هي بطبيعة الحال. وهذه السيدة هي إعلامية شهيرة، تقدم برنامجاً ناجحاً جداً على التلفزيون الفرنسي (القناة الثانية)، وتدعى صوفي دافان. وقد تركت زوجها مؤخراً، وأصبحت تعشق على كيفها، وتعيش حياتها بكل حرية. ولكن هل هي سعيدة؟ بصراحة، أشك في ذلك. على أي حال، هذا شيء لا يمكن أن يحصل إلا في بلاد الفرنسيين، حيث لم يعد للحريات الفردية حدود ولا سدود. في هذا الكتاب، تروي لنا الغادة الحسناء قصة حياتها ومغامراتها ولقاءاتها ومسيرتها الطويلة التي أوصلتها إلى قمة التلفزيون الفرنسي، وأصبحت إحدى الشخصيات المفضلة والأكثر شعبية في بلاد فيكتور هوغو. وعنوان كتابها: «ما تعلمته عن حالي.. مذكرات امرأة خمسينية».
وهو عنوان فلسفي تقريباً، يذكرنا بعبارة سقراط الشهيرة: اعرف نفسك بنفسك؛ بمعنى أنك لا تعرف نفسك، ولا من أنت، قبل أن تقذف بنفسك في مجهول التجربة ومعمعة الحياة. عندئذ، تعرف ما نواقصك وعيوبك، وما ميزاتك ونقاط القوة في شخصيتك. وهذا ما عبر عنه نيتشه بعبارة مقتضبة مؤلفة من ثلاث كلمات فقط: صِرْ من أنت!



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.