الدروس الأمنية المستفادة من حادث الطعن الإرهابي في مديرية شرطة باريس

وزير الداخلية: إقالة 20 من رجال الشرطة لظهور علامات التطرف الديني على سلوكياتهم

الرئيس الفرنسي ماكرون خلال تكريم الضحايا الأربعة في مراسم رسمية في مبنى شرطة العاصمة باريس يوم الثلاثاء الماضي (أ.ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون خلال تكريم الضحايا الأربعة في مراسم رسمية في مبنى شرطة العاصمة باريس يوم الثلاثاء الماضي (أ.ب)
TT

الدروس الأمنية المستفادة من حادث الطعن الإرهابي في مديرية شرطة باريس

الرئيس الفرنسي ماكرون خلال تكريم الضحايا الأربعة في مراسم رسمية في مبنى شرطة العاصمة باريس يوم الثلاثاء الماضي (أ.ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون خلال تكريم الضحايا الأربعة في مراسم رسمية في مبنى شرطة العاصمة باريس يوم الثلاثاء الماضي (أ.ب)

عندما لقي 12 شخصاً مصرعهم في حادثة الهجوم الإرهابي على الصحيفة الفرنسية الساخرة «تشارلي إيبدو» في يناير (كانون الثاني) من عام 2015. قال ميخائيل هاربون - القاتل بنفسه في المستقبل: «نالوا ما يستحقون»، وكان يستمع إلى مقولته أحد زملائه في مديرية الشرطة بالعاصمة الذي صُدم مما سمع واندلعت إثر ذلك مشادة عنيفة.
ولكن كان ذلك هو أقصى ما وصلت إليه الشكوى آنذاك. إذ فضل زملاء السيد هاربون، الذي قتل أربعة من زملائه يوم الخميس الماضي، التزام ضبط النفس، على نحو ما ورد في تقرير شرطي داخلي مسرب، ولم يواجهوا ضغوطاً من رؤسائهم في ذلك. وفي ذلك الصيف، بدا وأن شرطة العاصمة قد سنحت لها الفرصة لدرء هجوم فني الحواسيب غير أنهم لم يتمكنوا من ذلك.
وصارت إشارات التحذير التي جرى التغافل عنها وقتذاك في مديرية الشرطة هي محل الاتهامات المتبادلة الساخنة اليوم، فضلاً عن دعوات المزيد من اليقظة والانتباه في البلاد التي ربما قد تناست التهديدات الإرهابية التي تنشأ من الداخل لتأتي هذه الحادثة وتذكرهم بكل عنفوان وقسوة.
وقام الرئيس الفرنسي ماكرون بتكريم الضحايا الأربعة في مراسم رسمية يوم الثلاثاء الماضي في فناء مبنى شرطة العاصمة. ودعا الشعب الفرنسي خلالها إلى خلق مجتمع منتبه ويقظ. وشهد نفس الفناء قبل بضعة أيام أحد المتدربين من رجال الشرطة الذي سحب سلاحه الشخصي وأردى السيد هاربون قتيلاً ليُنهي بذلك المأساة المروعة التي استمرت قرابة سبع دقائق ليس إلا.
وفي الأثناء ذاتها، وجد المحققون على مكتب السيد هاربون قرص التخزين المحمول الذي يحتوي على مواد دعائية «جهادية» ومتطرفة، بالإضافة إلى عناوين عدد من زملاء العمل.
ورفع الرئيس الفرنسي حالة التأهب لدى شرطة العاصمة، وحضهم على دوام اليقظة والمراقبة في المدارس، والعمل، وأماكن العبادة، وبالقرب من منازلهم، ويبلغون فوراً عن أي سلوكيات غير معتادة، أو انحرافات، أو حتى إشارات طفيفة تشير إلى الابتعاد العمدي عن قوانين وقيم الجمهورية الفرنسية العريقة.
وقال الرئيس ماكرون: «إنها فرنسا مرة أخرى في مواجهة أولئك الذين يريدون تكبيل الحرية، واستعباد النساء، وقتل المدنية»، رابطاً إياهم بالإرهاب القميء.
وربما كانت بضعة من الإيماءات الطفيفة والتغيرات الشخصية تثير انتباه وقلق زملاء السيد هاربون: رفضه المستمر لمصافحة النساء في العمل، وزواجه أخيراً من امرأة مسلمة. ولكنه حصل بدلاً من ذلك على تصريح أمني رفيع المستوى، وهي الخطوة التي عجز وزير الداخلية الفرنسي «كريستوف كاستانير» عن تفسيرها أمام الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) يوم الثلاثاء الماضي. غير أنه قال إنه إذا لم ترتق إشارات التحذير عبر التسلسل المعتاد للقيادة داخل المؤسسة الشرطية - كما كان الأمر في حالة السيد هاربون - فإن ذلك يشير إلى اختلال وظيفي بالغ الخطورة ومن نقاط الضعف الكبيرة.
وأشار إلى تدابير جديدة تتعلق بالانتباه واليقظة، على غرار ما فعله الرئيس ماكرون، وأضاف أن ما كان يعد فيما سبق من الإشارات العابرة يتعين اعتباره من الآن فصاعداً من إشارات التنبيه اللازمة.
وقال وزير الداخلية أيضاً إنه جرى خلال السنوات الأخيرة إقالة نحو 20 من رجال الشرطة لظهور علامات التطرف الديني على سلوكياتهم. وتلقى وزير الداخلية الفرنسي الكثير من الانتقادات الشديدة لمقولته إن السيد هاربون لم يظهر عليه ما يدعو لإثارة القلق بشأنه، في حين دعت بعض أطياف المعارضة إلى إقالته من منصبه.
ومن الصحيح والواضح أن الكثيرين من سكان ضواحي العاصمة الفرنسية المفعمة بالمهاجرين، حيث كان يعيش السيد هاربون، لم يشاركوا في مسيرات التضامن الوطنية التي أعقبت هجمات يناير الإرهابية لعام 2015. فضلاً عن أن توجهات السيد هاربون حيال النساء لم تعتبر علامة استثنائية على تغير فكره وتطرفه.
وبرغم ذلك، شعر زملاؤه في العمل في تلك الأثناء بالقلق والانزعاج الكافي لرفع الأمر إلى الرؤساء. وتعكس اللغة الجافة الرصينة التي تتسم بها تقارير العمل الداخلية في الشرطة الفرنسية إلى أن الإشارات التي اكتشفها اثنان من ضباط الشرطة، برغم ضعفها، سرعان ما جرى التغافل عنها إما باللامبالاة أو الحذر أو التحفظ.
وفي تلك الأثناء، أصيب السيد هاربون، وهو من مواليد جزر الأنتيل الفرنسية وكان مصاباً بالصمم، بالإحباط الشديد في عمله لعجزه عن مواصلة التقدم. وشرع في التردد المستمر على المسجد المحلي، حيث كانت المواعظ في بعض الأحيان تأتي من أحد الدعاة الذي تلقى أمراً بالرحيل عن الأراضي الفرنسية بسبب آرائه المتطرفة.
وأشار تقرير داخلي للشرطة الفرنسية في منتصف عام 2015 إلى بعض التحولات في سلوكيات وعادات السيد هاربون. «إثر تصريحات زميل له من نفس القسم - تم حجب اسم الزميل لاعتبارات أمنية - قال إنه أبلغ مسؤول من إدارة الأمن الداخلي بمديرية شرطة العاصمة شفهياً في يوليو (تموز) من عام 2015 بالاشتباه في ظهور علامات التطرف لدى السيد هاربون واعتناقه دين الإسلام، ثم زواجه أخيراً من امرأة مسلمة، وأنه لم يعد يصافح النساء كما هو معتاد في أماكن العمل».
* «نيويورك تايمز»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».