ياسمين يحيى: نساء الخمسينات يُلهمنني... وتأثرت بالبساطة الأوروبية

أسعى لإبراز التجارب الإنسانية في أعمالي... ومكتبتي أعز ما أملك

المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها
المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها
TT

ياسمين يحيى: نساء الخمسينات يُلهمنني... وتأثرت بالبساطة الأوروبية

المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها
المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها

تصميم الأزياء الراقية عالم تتضافر فيه الأفكار المبدعة مع الإتقان؛ أمتار من القماش الرفيع المزين بالتطريز الفاخر، يتطلب تطويعه ساعات من العمل الدؤوب، ليخرج تصميماً يحقق حلم فتاة بأن تكون أميرة في ليلة زفافها، أو حلم امرأة تبحث عن لحظة يقف عندها الزمن ليعيد لها أنوثتها. والمصمم الذي يختار الخياطة الرفيعة هو شخص غالباً ما يكون لديه حس إبداعي فريد، دقيق في تفاصيله، صارم في خطوطه، لا يدع أي مجال للخطأ. وإذا كان العالم العربي يشهد حراكاً حديثاً في عالم الأزياء بشكل عام، فإن ما وصل له في خط الأزياء الراقية واضح، لا يدع مجالاً للشك بأن هناك أنامل مبدعة تلوح من الشرق الأوسط.
واحدة من الأسماء الساطعة في عالم الخياطة الرفيعة في الشرق الأوسط المصممة المصرية ياسمين يحيى، أو كما يعرفها متابعوها «ياسمين يايا»، مؤسسة دار «ميزون يايا»، التي أصبحت واحدة من المصممين العرب الذين ارتبط اسمهم بنجمات عالميات من الهند إلى أميركا.
التقت «الشرق الأوسط» مع ياسمين، لتروي لنا قصتها، وتتذكر كيف جاءت البدايات، وتقول: «منذ طفولتي، تعلمت الخياطة الرفيعة على يد جدتي، فرنسية الأصل، وكذلك أمي التي كانت تحب التفصيل اليدوي. أتذكر أن هذه اللحظات بين حركات القماش وملمسه كانت الأسعد في طفولتي. ساعدتني هذه الأجواء على أن أنفذ أول تصميم وعمري 11 عاماً».
اختيار ياسمين يحيى خط الخياطة الرفيعة، أو الهوت كوتور، لم يأتِ صدفة، فمنذ طفولتها تعلقت بالأعمال اليدوية التي تتطلب إتقاناً وحرفية، إذ تقول: «كنت أرافق أمي لشراء الأقمشة، ولا أبالغ إذا اعترفت أن محلات القماش كانت المكان الأقرب لقلبي، حتى أنني أشعر بالحزن في نهاية رحلة تسوق الأقمشة؛ ربما كان لديّ حس إبداعي يحركني تجاه الأداة التي رسمت طريقي في وقت لاحق».
اختارت ياسمين منذ البداية أن يبقى شغفها بتصميم الأزياء مجرد هواية لا تتكسب منها، حتى أنها تقول: «لم أتوقع يوماً أن أصبح مصممة أزياء»، وتستشهد بأنها تخرجت من الجامعة الأميركية بعد دراسة إدارة الأعمال، ثم سافرت إلى الإمارات للعمل في إحدى شركات الدعاية والإعلان، لتبدأ طريقها المهني مثل أي شابة في عمرها وقتذاك.
بالطبع، سألناها عن التصميم، وأين كان كل هذه السنوات؟ لتقول ياسمين: «ظل التصميم هواية شخصية، أمارسها فقط لتصميم أزيائي. في أحد الأعراس، صممت فستاني، ويبدو أنه كان مميزاً إلى الدرجة التي جعلت صديقاتي وأقاربي يطلبن مني تصميم أزياء سهرة لهن أيضاً».
وفي عام 2007، جاءت أول محطة حقيقية في حياة ياسمين يحيى، من خلال مشاركتها، بمحض الصدفة، في برنامج «ميشن فاشن» لدعم صغار المصممين العرب، تحت رعاية المصمم العالمي إيلي صعب. تقول ياسمين: «كنت في أحد الأعراس. وكعادتي، صممت فستاني، لأُفاجأ بإحدى المدعوات تسألني عن مصمم الفستان، وعندما عرفت أنني صاحبة التصميم، عرضت عليّ فكرة المشاركة في البرنامج، لأنها بالصدفة كانت منتجة البرنامج».
وعن تجربتها في «ميشن فاشن»، تقول يايا إن «هذه التجربة وضعتني في طريق آخر لم أكن أخطط له؛ منافسة دارسين ومحترفين لتصميم الأزياء كان تحدياً صعباً، لا سيما أن الحكم واحد من أهم المصممين في الساحة العالمية. حصولي على إحدى جوائز البرنامج أكسبني ثقة، وجعلني أنظر لتصميم الأزياء بوصفه مستقبلاً أبعد من الهواية؛ أدركت وقتها أنه الطريق الذي كان ينتظرني».
وتحول الشغف إلى مهنة، والهواية إلى طريق ومستقبل لا يعول على الموهبة فحسب، فهناك سوق ومنافسة وقواعد لريادة الأعمال، ويبدو أن كل العوامل والظروف كانت ممهدة لاختراق سوق الخياطة الرفيعة. كانت البداية من مصر، وبعد سنوات قررت الانتقال إلى دبي، كونها «أصبحت مركز تواصل الشرق والغرب، والانتقال إليها يُسهل التواصل مع زبوناتي حول العالم، لكن يبقى لمصر الفضل في تكوين شخصيتي واسمي»، حسب قولها.
الأزياء الراقية يمكن اعتبارها خطاً يمتزج فيه الفن والفخامة معاً؛ يطلق المصمم العنان لأفكاره وروحه لتسبح في كل العصور، وتأتي لنا بأروع القطع الفنية، والعمود الرئيسي للخياطة الرفيعة هو الإتقان، ولا يُستخدم في إنتاجها سوى أفضل الخامات والتطريزات السخية. وصُناع هذا المجال يولون عناية فائقة بأدق التفاصيل.
سألنا ياسمين يحيي لماذا اختارت هذا الخط تحديداً؟ وكانت الإجابة: «لديّ شغف بالأشياء المتقنة وبالجمال، تلهمني نساء الخمسينات: أناقة سعاد حسني، وتفاصيل أزياء صباح؛ ها هي المرأة التي تلوح في أفقي دائماً، لذلك كان من الطبيعي أن تذهب أناملي إلى أزياء السهرة»، وتتابع: «الخياطة الراقية هي أحد الفنون المعبرة عن الأنثى بتفاصيلها الجسدية والروحية؛ أتعامل مع فستان السهرة بوصفه قطعة مجوهرات نادرة، وليس مجرد فستان ترتديه المرأة ثم تلقيه داخل الخزانة».
من يعرف ياسمين يحيى عن قرب يلمس بساطتها؛ تميل في يومها العادي إلى الأزياء العملية والألوان الأساسية (اللون الأبيض لا يفارقها)، سواء في أزيائها أو في الديكورات الداخلية لمقر الدار.
ورغم كل هذه التفاصيل البسيطة، فإن تصاميمها تبحث عن امرأة أخرى تسيطر على خيالها، حيث تقول: «أميل إلى المرأة كاملة الأنوثة، رغم أن الحياة فرضت على أغلب النساء بعض التفاصيل العملية، لكن في خيالي أرى نساء أخريات يتسابقن بفساتين مفعمة بتفاصيل الأنوثة والجاذبية».
علاقة ياسمين يحيى بتصميم فساتين الزفاف تروي فصلاً له بُعد آخر، تقول عنه: «فستان الزفاف أكثر من مجرد تصميم؛ إنه تعبير عن أحلام فتاة، كأنني أشارك في أهم لحظات حياتها، مستقبلها ومخاوفها، فهي تجربة إنسانية لمستني بشدة، وأعطيتها من كل قلبي، لتكون النتيجة تصميماً مليئاً بالتفاصيل الشخصية، يعبر عن امرأة واحدة، هي العروس».
الخليط المصري الفرنسي كان له لمسة واضحة في تصاميم ياسمين يحيى، وربما أثر على ما هو أبعد من الأزياء. تقول: «تأثرت بالبساطة الأوروبية، وتصاميمي مستوحاة من فترة الخمسينات، وقت كانت مصر مسرحاً للموضة؛ كنت تشاهد إبداعات ديور في مصر قبل العالم».
عندما تطرق الحديث إلى العالمية، كان أول رد من ياسمين يحيى هو اعتزازها الشديد بزبوناتها من دول العالم، الهند والصين وأوروبا وأميركا، فضلاً عن ملهمتها الأولى: المرأة العربية. وفي حديثها عن العالمية، وضعت الزبونات قبل النجمات، وهو ما يعكس نظرتها للمرأة على أنها نجمة، حتى وإن كانت ليست ضمن قائمة المشاهير.
ارتبط اسم ياسمين يحي بنجمات عالميات مثل كريسي تيغن، وشانينا شايك، ومهيرة خان، وسونام كابور، ومن الوطن العربي نجد مهيرة عبد العزيز، ومنى زكي، ودرة، وأنغام، وغيرهن من النجمات.
تعزيز الحس الإبداعي للمصمم لا يحدث بشكل مباشر، وإنما هو خلاصة تجاربه وتطلعاته الثقافية. وعن هواياتها، تقول ياسمين يحيى: «أعشق القراءة، ومكتبتي أعز ما أملك، وتطلعاتي الثقافية بعيدة عن الأزياء؛ أفضل القراءة في الفلسفة والأديان، ولا أعرف ما إذا كانت هذه القراءات تعزز الإنتاج الإبداعي لديّ، لكنها بالطبع تبلور فكري»،
وتضيف: «أعشق السفر أيضاً، ويمكن القول إن جمال الطبيعة وجمال الحضارات له تأثير مباشر على اختيار خطوط التصاميم، فالخبرات الحسية المتراكمة هي غذاء الروح والفكر لأي مصمم».
وتتحدث أكثر عن مصادر إلهامها، وتقول: «التجارب الإنسانية التي تعيشها المرأة تلهمني، أشعر أن عليّ مهمة أن أقدم لها، وسط عالم مكتظ بالمسؤوليات، لحظة تذكرها بأنوثتها وجمالها». وقد قدمت ياسمين يحيى عدداً من التشكيلات الموسمية منذ إطلاق دار «ميزون يايا»، كل تشكيلة كانت تحمل فكرة. وفي أحدث تشكيلاتها لخريف وشتاء 2019-2020، قدمت «يايا» تشكيلة بعنوان «كيارا أوسكورو»، وهو نوع من فنون الرسم، يعني بالإيطالية «الأنوار والظلمات».
وتقول عنها: «اخترت هذا المفهوم خصيصاً لأن له بعداً فلسفياً يعكس التجارب الإنسانية بين الأنوار والظلمات. كذلك هذه التشكيلة هي الأولى التي أقدمها بعد الانتقال إلى دبي، لذلك جاءت حاملة لتفاصيل عصرية تعكس حداثة الحياة في هذه المدينة التي أصبحت مركز التقاء الثقافات».
انتهى الحديث مع مصممة الأزياء المصرية ياسمين يحيى وهي تصف لنا حياتها: «أنا مثل كثير من النساء العربيات، أعمل، وأربي أولادي، وأبحث عما يغذي روحي وفكري، لذا أعيش حياة هادئة بعيدة عن الأضواء، لا يوجد فيها سوى أولادي وزبوناتي وكتبي».



ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.