ياسمين يحيى: نساء الخمسينات يُلهمنني... وتأثرت بالبساطة الأوروبية

أسعى لإبراز التجارب الإنسانية في أعمالي... ومكتبتي أعز ما أملك

المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها
المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها
TT

ياسمين يحيى: نساء الخمسينات يُلهمنني... وتأثرت بالبساطة الأوروبية

المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها
المصممة ياسمين يحيى أثناء تنفيذ أحد أعمالها

تصميم الأزياء الراقية عالم تتضافر فيه الأفكار المبدعة مع الإتقان؛ أمتار من القماش الرفيع المزين بالتطريز الفاخر، يتطلب تطويعه ساعات من العمل الدؤوب، ليخرج تصميماً يحقق حلم فتاة بأن تكون أميرة في ليلة زفافها، أو حلم امرأة تبحث عن لحظة يقف عندها الزمن ليعيد لها أنوثتها. والمصمم الذي يختار الخياطة الرفيعة هو شخص غالباً ما يكون لديه حس إبداعي فريد، دقيق في تفاصيله، صارم في خطوطه، لا يدع أي مجال للخطأ. وإذا كان العالم العربي يشهد حراكاً حديثاً في عالم الأزياء بشكل عام، فإن ما وصل له في خط الأزياء الراقية واضح، لا يدع مجالاً للشك بأن هناك أنامل مبدعة تلوح من الشرق الأوسط.
واحدة من الأسماء الساطعة في عالم الخياطة الرفيعة في الشرق الأوسط المصممة المصرية ياسمين يحيى، أو كما يعرفها متابعوها «ياسمين يايا»، مؤسسة دار «ميزون يايا»، التي أصبحت واحدة من المصممين العرب الذين ارتبط اسمهم بنجمات عالميات من الهند إلى أميركا.
التقت «الشرق الأوسط» مع ياسمين، لتروي لنا قصتها، وتتذكر كيف جاءت البدايات، وتقول: «منذ طفولتي، تعلمت الخياطة الرفيعة على يد جدتي، فرنسية الأصل، وكذلك أمي التي كانت تحب التفصيل اليدوي. أتذكر أن هذه اللحظات بين حركات القماش وملمسه كانت الأسعد في طفولتي. ساعدتني هذه الأجواء على أن أنفذ أول تصميم وعمري 11 عاماً».
اختيار ياسمين يحيى خط الخياطة الرفيعة، أو الهوت كوتور، لم يأتِ صدفة، فمنذ طفولتها تعلقت بالأعمال اليدوية التي تتطلب إتقاناً وحرفية، إذ تقول: «كنت أرافق أمي لشراء الأقمشة، ولا أبالغ إذا اعترفت أن محلات القماش كانت المكان الأقرب لقلبي، حتى أنني أشعر بالحزن في نهاية رحلة تسوق الأقمشة؛ ربما كان لديّ حس إبداعي يحركني تجاه الأداة التي رسمت طريقي في وقت لاحق».
اختارت ياسمين منذ البداية أن يبقى شغفها بتصميم الأزياء مجرد هواية لا تتكسب منها، حتى أنها تقول: «لم أتوقع يوماً أن أصبح مصممة أزياء»، وتستشهد بأنها تخرجت من الجامعة الأميركية بعد دراسة إدارة الأعمال، ثم سافرت إلى الإمارات للعمل في إحدى شركات الدعاية والإعلان، لتبدأ طريقها المهني مثل أي شابة في عمرها وقتذاك.
بالطبع، سألناها عن التصميم، وأين كان كل هذه السنوات؟ لتقول ياسمين: «ظل التصميم هواية شخصية، أمارسها فقط لتصميم أزيائي. في أحد الأعراس، صممت فستاني، ويبدو أنه كان مميزاً إلى الدرجة التي جعلت صديقاتي وأقاربي يطلبن مني تصميم أزياء سهرة لهن أيضاً».
وفي عام 2007، جاءت أول محطة حقيقية في حياة ياسمين يحيى، من خلال مشاركتها، بمحض الصدفة، في برنامج «ميشن فاشن» لدعم صغار المصممين العرب، تحت رعاية المصمم العالمي إيلي صعب. تقول ياسمين: «كنت في أحد الأعراس. وكعادتي، صممت فستاني، لأُفاجأ بإحدى المدعوات تسألني عن مصمم الفستان، وعندما عرفت أنني صاحبة التصميم، عرضت عليّ فكرة المشاركة في البرنامج، لأنها بالصدفة كانت منتجة البرنامج».
وعن تجربتها في «ميشن فاشن»، تقول يايا إن «هذه التجربة وضعتني في طريق آخر لم أكن أخطط له؛ منافسة دارسين ومحترفين لتصميم الأزياء كان تحدياً صعباً، لا سيما أن الحكم واحد من أهم المصممين في الساحة العالمية. حصولي على إحدى جوائز البرنامج أكسبني ثقة، وجعلني أنظر لتصميم الأزياء بوصفه مستقبلاً أبعد من الهواية؛ أدركت وقتها أنه الطريق الذي كان ينتظرني».
وتحول الشغف إلى مهنة، والهواية إلى طريق ومستقبل لا يعول على الموهبة فحسب، فهناك سوق ومنافسة وقواعد لريادة الأعمال، ويبدو أن كل العوامل والظروف كانت ممهدة لاختراق سوق الخياطة الرفيعة. كانت البداية من مصر، وبعد سنوات قررت الانتقال إلى دبي، كونها «أصبحت مركز تواصل الشرق والغرب، والانتقال إليها يُسهل التواصل مع زبوناتي حول العالم، لكن يبقى لمصر الفضل في تكوين شخصيتي واسمي»، حسب قولها.
الأزياء الراقية يمكن اعتبارها خطاً يمتزج فيه الفن والفخامة معاً؛ يطلق المصمم العنان لأفكاره وروحه لتسبح في كل العصور، وتأتي لنا بأروع القطع الفنية، والعمود الرئيسي للخياطة الرفيعة هو الإتقان، ولا يُستخدم في إنتاجها سوى أفضل الخامات والتطريزات السخية. وصُناع هذا المجال يولون عناية فائقة بأدق التفاصيل.
سألنا ياسمين يحيي لماذا اختارت هذا الخط تحديداً؟ وكانت الإجابة: «لديّ شغف بالأشياء المتقنة وبالجمال، تلهمني نساء الخمسينات: أناقة سعاد حسني، وتفاصيل أزياء صباح؛ ها هي المرأة التي تلوح في أفقي دائماً، لذلك كان من الطبيعي أن تذهب أناملي إلى أزياء السهرة»، وتتابع: «الخياطة الراقية هي أحد الفنون المعبرة عن الأنثى بتفاصيلها الجسدية والروحية؛ أتعامل مع فستان السهرة بوصفه قطعة مجوهرات نادرة، وليس مجرد فستان ترتديه المرأة ثم تلقيه داخل الخزانة».
من يعرف ياسمين يحيى عن قرب يلمس بساطتها؛ تميل في يومها العادي إلى الأزياء العملية والألوان الأساسية (اللون الأبيض لا يفارقها)، سواء في أزيائها أو في الديكورات الداخلية لمقر الدار.
ورغم كل هذه التفاصيل البسيطة، فإن تصاميمها تبحث عن امرأة أخرى تسيطر على خيالها، حيث تقول: «أميل إلى المرأة كاملة الأنوثة، رغم أن الحياة فرضت على أغلب النساء بعض التفاصيل العملية، لكن في خيالي أرى نساء أخريات يتسابقن بفساتين مفعمة بتفاصيل الأنوثة والجاذبية».
علاقة ياسمين يحيى بتصميم فساتين الزفاف تروي فصلاً له بُعد آخر، تقول عنه: «فستان الزفاف أكثر من مجرد تصميم؛ إنه تعبير عن أحلام فتاة، كأنني أشارك في أهم لحظات حياتها، مستقبلها ومخاوفها، فهي تجربة إنسانية لمستني بشدة، وأعطيتها من كل قلبي، لتكون النتيجة تصميماً مليئاً بالتفاصيل الشخصية، يعبر عن امرأة واحدة، هي العروس».
الخليط المصري الفرنسي كان له لمسة واضحة في تصاميم ياسمين يحيى، وربما أثر على ما هو أبعد من الأزياء. تقول: «تأثرت بالبساطة الأوروبية، وتصاميمي مستوحاة من فترة الخمسينات، وقت كانت مصر مسرحاً للموضة؛ كنت تشاهد إبداعات ديور في مصر قبل العالم».
عندما تطرق الحديث إلى العالمية، كان أول رد من ياسمين يحيى هو اعتزازها الشديد بزبوناتها من دول العالم، الهند والصين وأوروبا وأميركا، فضلاً عن ملهمتها الأولى: المرأة العربية. وفي حديثها عن العالمية، وضعت الزبونات قبل النجمات، وهو ما يعكس نظرتها للمرأة على أنها نجمة، حتى وإن كانت ليست ضمن قائمة المشاهير.
ارتبط اسم ياسمين يحي بنجمات عالميات مثل كريسي تيغن، وشانينا شايك، ومهيرة خان، وسونام كابور، ومن الوطن العربي نجد مهيرة عبد العزيز، ومنى زكي، ودرة، وأنغام، وغيرهن من النجمات.
تعزيز الحس الإبداعي للمصمم لا يحدث بشكل مباشر، وإنما هو خلاصة تجاربه وتطلعاته الثقافية. وعن هواياتها، تقول ياسمين يحيى: «أعشق القراءة، ومكتبتي أعز ما أملك، وتطلعاتي الثقافية بعيدة عن الأزياء؛ أفضل القراءة في الفلسفة والأديان، ولا أعرف ما إذا كانت هذه القراءات تعزز الإنتاج الإبداعي لديّ، لكنها بالطبع تبلور فكري»،
وتضيف: «أعشق السفر أيضاً، ويمكن القول إن جمال الطبيعة وجمال الحضارات له تأثير مباشر على اختيار خطوط التصاميم، فالخبرات الحسية المتراكمة هي غذاء الروح والفكر لأي مصمم».
وتتحدث أكثر عن مصادر إلهامها، وتقول: «التجارب الإنسانية التي تعيشها المرأة تلهمني، أشعر أن عليّ مهمة أن أقدم لها، وسط عالم مكتظ بالمسؤوليات، لحظة تذكرها بأنوثتها وجمالها». وقد قدمت ياسمين يحيى عدداً من التشكيلات الموسمية منذ إطلاق دار «ميزون يايا»، كل تشكيلة كانت تحمل فكرة. وفي أحدث تشكيلاتها لخريف وشتاء 2019-2020، قدمت «يايا» تشكيلة بعنوان «كيارا أوسكورو»، وهو نوع من فنون الرسم، يعني بالإيطالية «الأنوار والظلمات».
وتقول عنها: «اخترت هذا المفهوم خصيصاً لأن له بعداً فلسفياً يعكس التجارب الإنسانية بين الأنوار والظلمات. كذلك هذه التشكيلة هي الأولى التي أقدمها بعد الانتقال إلى دبي، لذلك جاءت حاملة لتفاصيل عصرية تعكس حداثة الحياة في هذه المدينة التي أصبحت مركز التقاء الثقافات».
انتهى الحديث مع مصممة الأزياء المصرية ياسمين يحيى وهي تصف لنا حياتها: «أنا مثل كثير من النساء العربيات، أعمل، وأربي أولادي، وأبحث عما يغذي روحي وفكري، لذا أعيش حياة هادئة بعيدة عن الأضواء، لا يوجد فيها سوى أولادي وزبوناتي وكتبي».



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.