المستشار العسكري الجديد لترمب جنرال قتالي محنك

يؤدي اليمين رئيساً لهيئة الأركان المشتركة خلفاً للجنرال جوزيف دونفورد

الجنرال مارك ميلي (إ.ب.أ)
الجنرال مارك ميلي (إ.ب.أ)
TT

المستشار العسكري الجديد لترمب جنرال قتالي محنك

الجنرال مارك ميلي (إ.ب.أ)
الجنرال مارك ميلي (إ.ب.أ)

لم يخطط مارك ميلي، لقضاء حياته في الجيش. كان عليه أن يختار بين الانضمام إلى طاقم المجندين بمنطقة «ويست بوينت»، والالتحاق بإحدى جامعات «أيفي ليغ» المرموقة. فقد أوضح والده، وهو جندي سابق في «المارينز» (البحرية الأميركية) شارك في معركة «إيو جيما»، التي انتهت بانتصار الولايات المتحدة على اليابان في الحرب العالمية الثانية، أنه لا يريد لابنه أن ينضم إلى الجيش، بل إنه كلف ابناً آخر بإفساد زيارة ابنه الشاب مارك إلى «ويست بوينت»، بأن طلب من بعض معارفه إظهار الجانب البائس من الكلية الحربية.
فاز الأب ألكساندر ميلي بالمعركة، ولم يذهب مارك إلى «ويست بوينت»، بدلاً من ذلك توجه إلى مدينة برينستون، حيث أطال شعره، وانضم إلى فريق الهوكي. ميلي الأكبر، الذي توفي عام 2015، خسر المعركة، إذ لم يتمكن من إبعاد ابنه عن حياة الجيش. فقد أخبر مارك ميلي أصدقاءه أن شيئاً ما في قد زرع في عقله جعله يعتقد أنه محظوظٌ لأنه ولد في أميركا، وأنه من واجبه أن يسير على خطى والده. ففي برينستون، انضم إلى تدريبات الضباط الاحتياط.
من المقرر للجنرال مارك ميلي، الضابط الذي يحمل على كتفيه أربع نجوم، وله صولات وجولات في القتال طيلة 39 عاماً في الجيش، أن يؤدي القسم الدستوري كأرفع ضابط عسكري في البلاد، رئيساً لهيئة الأركان المشتركة خلفاً للجنرال جوزيف دونفورد جونيور من قوات «المارينز» الذي عينه الرئيس باراك أوباما. وسيكون الأمر متروكاً لميلي، الذي كثيراً ما يمزج بين المزاح والفظاظة، لإدارة ما قد تكون العلاقة الأكثر مهنية في حياته أن يصبح مستشاراً عسكرياً كبيراً لرئيس زئبقي وضع البنتاغون في المعركة السياسية بصورة دائمة وروتينية، وهو ما كان سبباً لعدم الارتياح للعديد من مسؤولي البنتاغون.
كان من ضمن الروايات التي انتشرت في البنتاغون رواية عن ترقيته وحصوله على أعلى وظيفة في وزارة الدفاع، أعلى حتى من الجنرال ديفيد غولدفين، وهي منصب رئيس أركان القوات الجوية، بناءً على اختيار جيم ماتيس، وزير الدفاع في ذلك الوقت، والسبب هو أنه تملق للرئيس دونالد ترمب، وتبادل معه النكات الودية التي تخللتها نقاشات حول كيفية تقليص النفقات العسكرية المتضخمة.
ترمب نفسه أشار إلى ذلك أثناء حفل تقديم ميدالية الشرف، العام الماضي، عندما أشار إلى محادثات جرت مع ميلي حول تكلفة القنابل باهظة الثمن. قال الرئيس: «لقد رأيت ذلك في عينيه عندما تحدثت عن تكلفة تلك القنابل... إنه جيد في إلقائها، وجيد أيضاً في تسعيرها».
(أشار الرئيس إلى نقطة مهمة: في عام 2016، عندما كان ميلي رئيس أركان الجيش، وكانت إدارته تجري بحثاً ودراسة مطولة لاختيار مسدس جديد، حينها انفجر ميلي غاضباً وقال: عامان لاختبار مسدس؟ وبكم؟ 17 مليون دولار؟ وقال للمكتب الاستشاري في واشنطن: أعطني 17 مليون دولار في بطاقة ائتمان، وسأتصل بشركة «كابيلا» الليلة لتوريد الشحنة).
في أواخر العام الماضي، ألغى ترمب صلاحيات ماتيس (الذي استقال بعد ذلك بفترة وجيزة بسبب نزاع بشأن القوات في سوريا والعديد من القضايا الأخرى المتعلقة برؤية الرئيس لها)، وأعلن فجأة قبل عام كامل تقريباً من انتهاء ولاية دانفورد، أنه كان يريد تعيين ميلي رئيساً لأركان الجيش.
يقول أصدقاء ميلي والأشخاص الذين عملوا معه، إن قدرته على التواصل مع ترمب هي ببساطة انعكاس لشخصيته كجنرال متحمس. على العكس من دانفورد الأكثر تحفظاً، لم يلتقِ ميلي أبداً بأي شخص لم يعجبه - على الأقل في البداية.
ميلي يكثر دائماً في الحديث، وهو أيضاً طالب متعطش للتاريخ بشكل عام، وللتاريخ العسكري بشكل خاص. يستشهد بالقديسين أوغسطينوس، وتوماس أكويناس، وهنري ديفيد ثورو في أحاديثه. لا تناقش معه ما دار في معركة القصرين التي تعد إحدى الجولات المهمة في الحرب العالمية الثانية في تونس، عندما تفوقت القوات الألمانية على القوات الأميركية، التي لم تكن جاهرة للمعركة بعد. (بالمناسبة، ميلي حاصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا).
عندما يتحدث ميلي عن الحرب، فإنه يتحدث من وجهة نظر شخص تعرض للنيران عدة مرات. فأثناء حرب العراق، كان ميلي قائداً للواء وواحداً من مجموعة العسكريين المتطلعين لما هو أكبر في البنتاغون. من هؤلاء روبرت أبرامز، وهو الآن جنرال يحمل أربع نجوم وقائد للقوات الأميركية في كوريا، وستيفن لانزا، الذي ترقى ليصبح جنرالاً يحمل ثلاث نجوم وقائد لواء، وجيمس ماكونفيل الذي يحمل الآن أربع نجوم ويشغل منصب رئيس أركان الجيش حالياً.
خلال فترة وجوده في العراق، نزل ميلي إلى مجاري الصرف الصحي المفتوحة في أبو غريب، وتعرض لنيران القنابل الصاروخية في مدينة الصدر، وهاجم ضابطاً رفيع المستوى عندما تجرأ بالسؤال عما إذا كان يمكنه التعامل مع بغداد، وسط حالة التمرد المشتعلة، ورد ميلي عليه بقوله: «أيها الجنرال، نحن أكبر لواء متحرك لديك على الإطلاق. فقط ركز في العمل في مدينتك».
بصفته رئيس أركان الجيش، تعرض ميلي لانتقادات من بعض أفراد فريق العمليات الخاصة بسبب كمين نصب للقوات الأميركية عام 2017 في النيجر، الذي أودى بحياة أربعة جنود أميركيين. وأقنع باتريك شاناهان، الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع بالإنابة، بالحد من عمليات المراجعة الواسعة، كما قام بمنع فصل الضابط الذي تلقى اللوم بسبب الكمين. دافع أنصار ميلي عن ذلك بقولهم إنه اكتفى بمنع الضابط من قيادة وحدة قتالية أخرى.
لكن غريزة ميلي هي إيجاد أرضية مشتركة مع أنواع مختلفة من الناس. في مؤتمر لكبار القادة العسكريين الأفارقة في أروشا بتنزانيا، في مايو (أيار) 2016، كسر ميلي حالة الجمود التي هيمنت على القاعة عندما افتتح خطابه الرئيسي بأن وجه الحديث إلى اللواء الأميركي الكبير الذي نظم المؤتمر، ووصفه بصاحب الرأس العنيد، ما أثار الضحك، وشبه الفترة التي قضاها في حرب العراق كمن قضى وقتاً وسط صراعات الجيوش الأفريقية.
وقال ميلي مخاطباً مسؤولين عسكريين كباراً من 37 دولة أفريقية، «كثيرون منكم في هذه الغرفة هم أحفاد المقاتلين الذين خاضوا حرب العصابات ضد الفرنسيين والبريطانيين والقوات الاستعمارية في أوروبا. إن أهم متطلبات الانضمام إلى جيوشكم هي معرفة كيفية خوض حرب العصابات».
قريباً، سوف يقاتل ميلي في نوع آخر من حرب العصابات، كأكبر مستشار عسكري لترمب. إنها مهمة حساسة ومتخصصة للغاية في السير على حبل مشدود لإعطاء الرئيس أفضل نصيحة عسكرية ممكنة، مع أداء التحية له واتباع التوجيهات التي قد لا يتفق معها تماماً.

*خدمة {نيويورك تايمز}


مقالات ذات صلة

الاتحاد الألماني يستبعد مقاطعة مونديال 2026

رياضة عالمية منتخب ألمانيا لن يغيب عن المونديال (رويترز)

الاتحاد الألماني يستبعد مقاطعة مونديال 2026

استبعد الاتحاد الألماني لكرة القدم مقاطعة بطولة كأس العالم 2026 رغم وجود مطالبات داخل الاتحاد بإرسال رسالة للرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الولايات المتحدة​ هوارد لوتنيك وزير التجارة في إدارة الرئيس دونالد ترمب وزوجته أليسون في عرض فيلم ميلانيا ترمب (أ.ب)

وثائق جديدة تكشف زيارة وزير التجارة الأميركي جزيرة إبستين

نشرت وزارة العدل الأميركية، أمس (الجمعة)، ملايين الوثائق الجديدة المتعلقة بالمدان بجرائم جنسية، جيفري إبستين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق السيدة الأولى ميلانيا ترمب تغادر المنصة بعد إلقاء كلمتها قبل العرض الأول لفيلمها «ميلانيا» في «مركز جون إف كيندي» التذكاري للفنون المسرحية (أ.ب)

بدء عرض وثائقي «ميلانيا» حول السيدة الأميركية الأولى

بدأ أمس (الجمعة) عرض الوثائقي الجديد حول السيّدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب، في الصالات، وسط ردود فعل متفاوتة بين جمهور أعجب به، وإعلام لم يتوانَ عن انتقاده.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)

تحليل إخباري النظام العالمي يهتزّ بقوّة بعد خروج العولمة من إطارها الاقتصادي

لم يعد الحديث عن «نظام عالمي جديد» مجرد كلام تنظيري، فالفعل الملموس وردود الفعل تنبئ بأن «الصفائح التكتونية» في المشهد السياسي تتحرك بسرعة وبمنحى «زلزالي».

أنطوان الحاج
يوميات الشرق الملياردير الأميركي إيلون ماسك (رويترز) play-circle

تقرير: ماسك ناقش خططاً لزيارة جزيرة إبستين… واستضافته في «سبيس إكس»

كشفت مجموعة من الوثائق التي نُشرت حديثاً من ملفات جيفري إبستين عن مراسلات تعود إلى عامي 2012 و2013 بين الملياردير الأميركي إيلون ماسك والمدان بالجرائم الجنسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

النظام العالمي يهتزّ بقوّة بعد خروج العولمة من إطارها الاقتصادي

أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
TT

النظام العالمي يهتزّ بقوّة بعد خروج العولمة من إطارها الاقتصادي

أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)
أوكرانيون يصطفون للحصول على وجبات طعام ساخن بعدما أدى قصف روسي إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في كييف (أ.ب)

لم يعد الحديث عن «نظام عالمي جديد» مجرد كلام تنظيري، فالفعل الملموس وردود الفعل تنبئ بأن «الصفائح التكتونية» في المشهد السياسي تتحرك بسرعة وبمنحى «زلزالي». وكان الجو العام في منتدى دافوس الاقتصادي أخيراً مثالاً حياً على ذلك، فقد خرج القلق من أروقة الاجتماعات إلى الواجهة، متأثراً على نحو مباشر بالخطاب السياسي الأميركي وتجسيده على الأرض.

لقد قرر الرئيس دونالد ترمب منذ بداية ولايته الثانية اعتماد مقاربة «استثمار القوة» لتحقيق مصالح بلاده في كل زوايا الأرض، وتعظيم الاستفادة من عوامل التفوق على الخصوم والحلفاء والأصدقاء من غير تردد. ومن هنا رأينا تجدد المطالبة بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وتهديد الحلفاء بسلاح الرسوم الجمركية، والانسحاب من منظمات ومعاهدات واتفاقات دولية لأن مبادئها وأساليبها لا تتفق والأهداف الاستراتيجية التي تعمل واشنطن على تحقيقها، وسوى ذلك من مواقف وأفعال تبدو للوهلة الأولى صادمة لكنها تغدو «منطقية» متى وضعناها في إطار النظام العالمي الجديد.

في مثال على ردود الفعل التي يولّدها الفعل الملموس، سارع الاتحاد الأوروبي والهند إلى تجاوز عقبات جعلت المفاوضات تطول أكثر من 20 عاماً لعقد صفقة تجارية ضخمة بين اثنين من أكبر أسواق العالم ضماناً لبعض الاستقرار بعد تعرض الجانبين لنيران الرسوم الأميركية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا في نيودلهي (أ.ب)

وألقت تصريحات القيادتين الهندية والأوروبية الضوء على المشهد الجيوسياسي الأوسع المحيط بالاتفاق الذي يُفترض إنجاز صياغته النهائية في الأشهر القليلة المقبلة. فقد قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «إنها حكاية عملاقين، ثاني ورابع أكبر اقتصادين في العالم. عملاقان اختارا الشراكة بصيغة ربح حقيقية. إنها رسالة قوية مفادها أن التعاون هو الردّ الأفضل على التحديات العالمية».

ووصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الاتفاق بأنه «أكبر اتفاق للتجارة الحرة في التاريخ». وأضاف: «يشهد النظام العالمي اليوم حالة اضطراب عميقة. في سياق كهذا، ستساهم الشراكة بين الهند والاتحاد الأوروبي في تعزيز الاستقرار داخل النظام الدولي».

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التوقيع أعقب اتفاقاً تجارياً بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور بدوله الأربع: البرازيل، والأرجنتين، وباراغواي وأوروغواي.

لكن هل كل هذا هو «تعزيز» أم محاولة لوقف تداعي البنيان؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

حرب أوكرانيا في ظل الواقع الجديد

في الشهر الأول من 2026، وفي ظل استمرار الهجوم الروسي على أوكرانيا واستعجال ترمب التوصل إلى تسوية سلمية، اجتمع قادة أكثر من عشرين دولة أوروبية إلى جانب كندا في باريس لتحديد الضمانات الأمنية المطلوبة والكافية لكييف. ورغم إشادة القادة الأوروبيين بقمة «تحالف الراغبين» ووصفها بأنها اختراق مهم، فإن نتائجها المعلنة جاءت تكراراً مألوفاً لالتزامات سبق الإعلان عنها ولم تتحقق إلا جزئياً.

يريد «الراغبون» إنشاء قوة متعددة الجنسيات تقودها أوروبا، تُنشر في أوكرانيا متى تمّ التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وقد بدأت أعمال التخطيط لهذه القوة، التي ستضم أجنحة برية وبحرية وجوية، بين الجيوش ووزارات الدفاع الأوروبية، مع إنشاء مقر قيادة لها قرب باريس. وتتمثل مهمة هذه القوة في شقّين: «دعم إعادة بناء القوات المسلحة الأوكرانية، وتعزيز الردع».

ويجري الأوروبيون مناقشات لما سيكون مطلوباً لردع روسيا وإقناع الأوكرانيين المنهكين من الحرب بأن وقف إطلاق النار سيكون دائماً وسيقود إلى حل يوفر الاستقرار. غير أن الضمانات المقترَحة لأوكرانيا تعتمد على عاملين لا تملك أوروبا السيطرة عليهما: استمرار الدعم الأميركي، وموافقة روسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

العامل الأول هو في يد دونالد ترمب الذي لم يخفِ رغبته في طي صفحة الحرب الروسية - الأوكرانية ولا إعجابه بفلاديمير بوتين، داعياً فولوديمير زيلينسكي إلى التحلي بالواقعية وتقديم التنازلات المطلوبة التي تعني في المقام الأول ضم مناطق في شرق أوكرانيا إلى روسيا.

أما العامل الثاني فهو في يد بوتين الذي يُستبعد أن يقبل بوجود عسكري دولي في أوكرانيا إلا إذا أُرغم على ذلك ميدانياً - والتطورات لا توحي بذلك - أو اقتنع بأن الوجود العسكري الدولي سيكون أيضاً «ضمانة» لروسيا أقل خطراً من إعادة بناء الجيش الأوكراني وتسليحه، خصوصاً أن الدول الأوروبية التي ستشارك في التشكيل العسكري لن تجازف بالانجرار إلى مواجهة مع موسكو.

السيادة الهشّة

ينبع التركيز على واقع ما يجري في أوكرانيا من كونها أكبر مثال على إعادة رسم لوحة النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً بعد مؤتمر يالطا في فبراير (شباط) 1945، حين رسم فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل وجوزيف ستالين مستقبل أوروبا بعد مرحلة أدولف هتلر، بهدف إعادة صوغ مفهوم السيادة وربما تجديد روح اتفاقات وستفاليا والاعتراف بحق الشعوب الأوروبية في تقرير المصير.

أركان مؤتمر يالطا 1945 من اليمين: جوزيف ستالين وفرانكلين د. روزفلت ونستون تشرشل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولعل هذه المدينة الصغيرة التي أسسها الإغريق (اسمها مشتق من كلمة يالوس اليونانية وتعني الشاطئ أو الساحل) والتي يبلغ عدد سكانها نحو 75 ألفاً، تجسّد نهاية نظام ما بعد الحرب الثانية. فهي تقع في جنوب شبه جزيرة القرم على البحر الأسود، ولطالما كانت مقصد النخب الروسية الثرية قبل أن يعلنها فلاديمير لينين، قائد الثورة البلشفية، وجهة سياحية للبروليتاريا، أي الطبقة العمالية الكادحة... وفي عهد الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، انتقلت منطقة القرم من جغرافيا الجمهورية الروسية إلى جغرافيا الجمهورية الأوكرانية، إنما ضمن العائلة السوفياتية الواحدة.

في فبراير 2014 قرر فلاديمير بوتين استعادة القرم بعد سقوط حليفه الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش على وقع احتجاجات شعبية وفراره من كييف، لتندلع بعد شهرين الحرب في شرق أوكرانيا بين الانفصاليين الروس في حوض الدونباس والقوات الأوكرانية.

كان ذلك محطة مهمة في مسار اهتزاز النظام العالمي، وتسارعت بعدها التطورات وصولاً إلى الهجوم الروسي على أوكرانيا في فبراير 2022.

النافر في هذه البيئة السياسية العالمية أن العولمة التي استبشر بها البشر تحوّلت من اقتصادية إلى سياسية، بل إلى جيوسياسية. وهو ما بدأ يطيح مفهوم السيادة القائم على الهويات والحدود، فالعولمة الاقتصادية تجاوزت عوائق الحدود بالمعنى الإيجابي عموماً، بينما العولمة الجيوسياسية تقوّض الهويات والسيادات، كما سمعنا ونسمع ونرى ما يدور حول غرينلاند وبنما وفنزويلا وأوكرانيا وتايوان وبالطبع غزة.

والخطير في هذه البيئة السياسية، أن العالم يديره خبراء تكتيكيون لا خبراء استراتيجيون. لذا نرى سعياً محموماً إلى الربح والسيطرة على المقدرات والموارد الاقتصادية وكسب الحروب التجارية.

من أين سيأتي القادة الرؤيون الذين يُخرجون القطار العالمي من مسار فخ الكسب الفوري ويعيدونه إلى سكة السلام والاستقرار؟


غوتيريش يحذّر من «انهيار مالي وشيك» للأمم المتحدة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
TT

غوتيريش يحذّر من «انهيار مالي وشيك» للأمم المتحدة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث خلال مؤتمر صحافي يحدد فيه أولوياته لعام 2026 في مقر المنظمة بمدينة نيويورك... الولايات المتحدة 29 يناير 2026 (رويترز)

ذكرت رسالة اطلعت عليها «رويترز»، الجمعة، أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أبلغ الدول الأعضاء بأن المنظمة تواجه خطر «انهيار مالي وشيك»، عازياً ذلك إلى رسوم غير مدفوعة وقاعدة في الميزانية تُلزم الهيئة العالمية بإعادة الأموال غير المنفقة.

وكتب غوتيريش في رسالة إلى السفراء مؤرخة في 28 يناير (كانون الثاني): «تتفاقم الأزمة، ما يهدد تنفيذ البرامج ويعرّضنا لخطر الانهيار المالي. وستتدهور الأوضاع أكثر في المستقبل القريب».

وتواجه الأمم المتحدة أزمة سيولة حادة، حيث خفضت الولايات المتحدة، أكبر مساهم في المنظمة، تمويلها الطوعي لوكالات الأمم المتحدة، ورفضت سداد المدفوعات الإلزامية لميزانيات الأمم المتحدة العادية وميزانيات حفظ السلام.

وفي الرسالة، قال غوتيريش: «تم الإعلان رسمياً عن قرارات عدم الوفاء بالاشتراكات المقررة التي تموّل جزءاً كبيراً من الميزانية العادية المعتمدة».

لم يتضح على الفور أي دولة أو دول كان يشير إليها، ولم يتسنَّ الحصول على تعليق من متحدث باسم الأمم المتحدة.

وقال: «إما أن تفي جميع الدول الأعضاء بالتزاماتها بالدفع كاملاً وفي الوقت المحدد، أو أن تُجري الدول الأعضاء إصلاحاً جذرياً لقواعدنا المالية لتجنب انهيار مالي وشيك»، محذراً من احتمال نفاد السيولة بحلول شهر يوليو (تموز).


«سيتي» يتوقع إجراءات محدودة من أميركا وإسرائيل ضد إيران

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
TT

«سيتي» يتوقع إجراءات محدودة من أميركا وإسرائيل ضد إيران

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)
عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني يسيرون خلال عرض عسكري (أ.ف.ب)

كشف بنك «سيتي» في مذكرة أنه يتوقع أن تتخذ الولايات المتحدة وإسرائيل إجراءات محدودة ضد إيران في المدى القريب تجنباً لتصعيد الرد، وأن ​تلك الإجراءات هدفها دفع طهران إلى إبرام اتفاق بشأن برنامجها النووي.

وذكر البنك في المذكرة أمس الخميس أن الإجراءات صغيرة النطاق ستشمل على الأرجح ضربات عسكرية أميركية محدودة ومصادرة ناقلات نفط، وهو ما من شأنه أن يبقي علاوة المخاطر في أسواق النفط مرتفعة، خصوصاً بسبب المخاوف من أن تغلق إيران مضيق هرمز، الممر البحري ‌الحيوي. وارتفعت أسعار ‌النفط ثلاثة في المائة إلى أعلى مستوى ‌لها ⁠في ​خمسة أشهر، أمس ‌الخميس، بسبب تزايد القلق من احتمال اضطراب الإمدادات العالمية إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران، أحد أكبر منتجي النفط الخام في منظمة أوبك.

وقالت مصادر متعددة إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يدرس خيارات للتعامل مع إيران تشمل ضربات محددة الأهداف على قوات الأمن والقادة لتشجيع المتظاهرين على الخروج إلى ⁠الشوارع، على الرغم من قول مسؤولين إسرائيليين وعرب إن القصف الجوي وحده ‌لن يطيح بحكام البلاد.

وأشار البنك إلى أن التصور ‍الأساسي للإجراءات المحدودة، الذي ‍يرجح حدوثها بنسبة 70 في المائة، «يعكس حساسية الولايات المتحدة ‍تجاه ارتفاع أسعار الطاقة» بسبب اعتبارات تتعلق بالسياسة الداخلية، «وتفضيل الرئيس ترمب تجنب الحرب واحتمال أن تؤدي الضغوط الداخلية المستمرة داخل إيران إلى تغييرات قد تؤدي إلى التوصل إلى اتفاق».

ويستبعد ​«سيتي» رداً كبيراً من إيران «لأنها لا تريد الحرب أيضاً، في ظل اقتصاد متعثر واضطرابات ⁠داخلية». ويتوقع البنك بنسبة 30 في المائة حدوث صراع متصاعد ولكن محدود وعدم استقرار سياسي داخل إيران مما قد يتسبب في اضطرابات متقطعة في إنتاج النفط وصادراته، ويرى احتمالاً 10 في المائة بحدوث خسائر كبيرة في الإمدادات الإقليمية بسبب الاضطرابات مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي تصوره الأساسي، يتوقع «سيتي» إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران وتراجع التوتر في وقت ما في عام 2026، مما سيقلل من علاوة المخاطر الجيوسياسية المتعلقة بإيران، التي تبلغ حالياً سبعة إلى عشرة دولارات للبرميل مع اقتراب ‌سعر برنت من 70 دولاراً. وسجلت العقود الآجلة لخام برنت عند التسوية أمس الخميس 70.71 دولار للبرميل.