1251 حالة انتهاك للحريات الصحافية منذ بدء الأزمة السورية

مركز يعمل على توثيقها بغض النظر عن الجهة المرتكبة

TT

1251 حالة انتهاك للحريات الصحافية منذ بدء الأزمة السورية

قتل وخطف واعتقال وتغييب، انتهاكات طالت مئات الصحافيين والإعلاميين السوريين بعد ربيع 2011. منهم من قتل بنيران الحرب المستعرة، وآخرون لقوا حتفهم تحت التعذيب في أقبية المعتقلات، بينما لا يزال عشرات المختفين والمختطفين قسراً قابعين في غياهب السجون ينتظرون الحرية، حين كانت أسلحتهم عدسات كاميراتهم وهواتفهم المحمولة وأقلامهم الجريئة التي رصدت ووثقت مشاهد القصف والتدمير والتهجير على مدار ثمان سنواتٍ عجاف، فأولئك الإعلاميون والصحافيون والناشطون نجحوا في نقل الصورة من أرض الحدث إلى الرأي العام العالمي وأصبحوا سفراء الحقيقة.
ونظراً لتبعية اتحاد الصحافيين في سوريا للسلطة الحاكمة، شهد شهر فبراير (شباط) 2012 ولادة رابطة الصحافيين السوريين، أسسها صحافيون وصحافيات من سوريا لتكون بمثابة نقابة مهنية مستقلة تضم عدداً من المشتغلين بالصحافة المكتوبة والإذاعية والمرئية وباقي قطاعات الإعلام، ولعل أكثر مفاصل الرابطة فعالية هو «المركز السوري للحريات الصحافية»، الذي تأسس في شهر يونيو (حزيران) 2014. ليخلف لجنة الحريات في الرابطة.
- مؤشرات الانتهاكات الإعلامية
يترأس المركز القاضي والإعلامي إبراهيم حسين المتحدر من بلدة عامودا الكردية الواقعة أقصى شمال سوريا ومن مواليد 1969. والذي دخل قطاع الإعلام بعد التحاقه بجامعة دمشق لدراسة الحقوق في دمشق عام 1987. حيث تم اعتماده مراسلاً لصحيفة الاتحاد التي كان يرأس تحريرها المذيع والإعلامي السوري الراحل عدنان بوظو آنذاك، ثم كان عضواً في الكادر التحريري المؤسس لصحيفة الرياضية التي صدرت في دمشق إبان السماح بإصدار دوريات مطبوعة خاصة من قبل السلطات السورية في البلاد بعد سنة 2000. الأمر الذي أكسبه الخبرة في مجال الإعلام والكتابة الصحافية، وملامسة متاعب وهموم زملائه الصحافيين.
وبعد خروجه من سوريا عام 2013 معلناً انشقاقه عن السلطة القضائية احتجاجاً على الطريقة التي تعاملت بها السلطات مع الانتفاضة الشعبية ومطالبها، تقدم بطلب إلى رابطة الصحافيين ليصبح عضواً فيها، وبعد إعلان تأسيس مركز الحريات في الرابطة بعدة أشهر عمل باحثاً فيه ثم تولى إدارة المركز منذ يونيو 2016 وحتى اليوم، وعن بدايات عمله ولدى حديثه إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، يقول القاضي إبراهيم حسين: «بعد تأسيس الرابطة كانت هناك لجنة للحريات أوكلت إليها مهمة التوثيق والرصد، بعدها ونظراً لحجم العمل الكبير تأسس المركز ومنذ ذاك الحين نعمل بشكل مستقل على التوثيق والرصد بشكل مهني وحرفي».
ويرصد مركز حريات مؤشرات الانتهاكات الإعلامية في بلد تعددت فيه الأطراف المتحاربة، ويوثق باحثوه الانتهاكات التي تطال الإعلاميين أفراداً ومؤسسات، بالإضافة إلى تسجيل الخروقات التي يتعرض لها الإعلاميون السوريون خارج بلادهم، ويصدر بيانات وتقارير شهرية دورية، وينشر دراسات وتقارير سنوية.
ويضيف القاضي إبراهيم: «تعاون خبراء من منظمتي (مراسلون بلا حدود) و(فري بريس)، وتراكم خبرات أعضاء الرابطة الذين عملوا بلجنة الحريات سابقاً، كلها أمور ساهمت بإنجاح تأسيس المركز، ووضع معايير وآليات مهنية تحكم عمله»، مما أكسبه المصداقية لدى العديد من المؤسسات الإعلامية والمنظمات المهتمة بالشأنين الإعلامي والحقوقي.
ومنذ مارس (آذار) 2011 تشهد سوريا حرباً متعددة الأطراف، أبرزها النظام الحاكم والذي بات يسيطر مجدداً على معظم الأراضي التي كان قد خسرها، بدعم من إيران وروسيا، وفصائل سورية مسلحة ووحدات كردية وتشكيلات إسلامية متطرفة، وتصاعدت حدّة العنف بعد 2014 مع ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي وسيطرته على مساحات واسعة في ذروة قوته بين أعوام 2015 و2017 قبل أن يطرد بشهر مارس الماضي، لكن منظمات حقوقية محلية ودولية أكدت أن الحرب أوقعت نحو 370 ألف قتيل، وهُجر نصف السوريين داخل بلدهم وخارجها.

- نقابة صحافية مستقلة
«فعندما اجتمعت إرادة عشرات الصحافيات والصحافيين خارج جسم النظام، بهدف إنشاء منظمة تدافع عنهم وتحتويهم كانت رابطة الصحافيين»، والكلام للصحافي علي عيد رئيس رابطة الصحافيين، والتي وسعت عملها وأنشطتها لتشمل قطاع التدريب المهني وبناء القدرات والتشبيك مع مختلف الجهات للدفاع عن الحريات الإعلامية في سوريا، وأوضح عيد: «تعمل الرابطة لضمان استقلالية مهنة الصحافة، والدفاع عن الحريات العامة، وصون حرية الرأي والتعبير على وجه الخصوص».
وتمكنت الرابطة التي ينتسب لها نحو 500 من الإعلاميين السوريين من مختلف المكونات، في نهاية 2017 من نيل عضوية الاتحاد الدولي للصحافيين، وعن علاقة مركز الحريات بالرابطة يقول عيد: «المركز يشكل الذراع الحقوقي والقانوني للرابطة، ومع أنه يتبع لها إدارياً، فإنه يقوم برصد وتوثيق الانتهاكات بشكل مهني يتوافق مع المعايير الدولية وبكل استقلالية».
ويقوم فريق مركز حريات بإعداد قاعدة بيانات للانتهاكات بعد رصد حالات الاعتقال والاختفاء والاختطاف والقتل والضرب، يضاف إليها مصادرة المعدات الصحافية ومنع ممارسة المهنة والمضايقات التي يتعرض لها العاملون في مجال الإعلام في بلد باتت منقسمة إلى جزر جغرافية منفصلة بحسب تموضع كل جهة وسيطرتها العسكرية.
وعن كيفية آليات التوثيق ورصد الانتهاكات أشار القاضي حسين: «نوثق حالات الانتهاك بغض النظر عن الجهة المرتكبة للانتهاك أو الجهة التي تتعرض له، لدينا معايير وقواعد مهنية محددة لا نحيد عنها»، منوهاً بوجود صحافيين في معظم مناطق سيطرة النظام يزودون المركز بالمعلومات الأولية في حال تعرض صحافي أو إعلامي لأي انتهاك.
ومن بين أبرز التحديات والعقبات التي تواجه عمل المركز وفريق باحثيه، «عدم احترام الجهات العسكرية المسيطرة في سوريا لحرية نقل المعلومة والأخبار، مما قد يعيق إمكانية التحقق من الانتهاكات الواقعة في مناطق نفوذها»، بحسب إبراهيم حسين.
وتمكن مركز الحريات من توثيق قرابة (1251) حالة انتهاك منذ شهر مارس (آذار) 2011. لغاية نهاية أغسطس (آب) الماضي، وتصدر النظام السوري والقوات الحكومية قائمة الجهات المعتدية بمسؤوليتها عن أكثر من نصف الانتهاكات، وبحسب قاعدة بيانات مركز الحريات لقي (452) صحافياً وإعلامياً سورياً حتفهم خلال نفس الفترة، كما وثق المركز (250) حالة اعتقال واحتجاز وخطف تعسفي على يد مختلف الأطراف، وتم تسجيل (100) حالة انتهاك ضد جهات مجهولة، وهناك (36) إعلامياً لا يزالون قيد الاحتجاز أو الإخفاء القسري ومصيرهم لا يزال مجهولاً.
وفي ذروة اتساع سيطرته الجغرافية والعسكرية، واحتلال مسلحي تنظيم «داعش» الإرهابي مساحات واسعة من سوريا بين أعوام 2015 و2017، كانت المعلومات شبه معدومة ومغلقة، ونقل القاضي حسين، «لا أحد كان يجرؤ على نقل معلومة أو حدث، وكانت تلك المناطق أشبه بصندوق أسود محكم الإغلاق، وما كنا نوثقه غالباً كان يصلنا من أشخاص ناجين فروا من مناطق التنظيم»، لافتاً بأن أكثر جهة بعد النظام ارتكبت انتهاكات ضد الصحافيين والإعلاميين كان تنظيم «داعش» المتطرف.

- سوريا الأخطر للصحافيين
يشرح المحامي محمد الصطوف، وهو باحث بمركز الحريات، آلية عمل المركز، إذ يرصد باحثوه الانتهاكات ومن ثم يتحققون منها بالتشارك مع المتعاونين بمنطقة الحدث، وقال: «فبعد التأكد من وقوع الانتهاك بالاعتماد على المصادر الموثوقة، والتيقن من أنه يتماشى مع المعايير المتبعة بعملنا، ندرجه في قاعدة البيانات، ومن ثم ننشره في التقرير الشهري الذي يصدره المركز».
يتألف كادر المركز من مدير وباحثين اثنين، وهناك عشرات من المتعاونين من أعضاء رابطة الصحافيين ومن خارج الرابطة متوزعين على مختلف المناطق السورية وخارج البلاد، سيما تلك التي يوجد بها إعلاميون سوريون. حيث ينشر المركز تقريراً دورياً كل شهر وتقريراً نصف سنوي يستعرض بواسطة الإنفوغرافيك الانتهاكات التي حصلت خلال ستة أشهر، وفي الشهر الأول من كل عام يصدر تقرير سنوي يستعرض بالتحليل أبرز الانتهاكات.
وتقول الإعلامية علا الحريري التي تعمل باحثة في المركز، إن المركز، إضافة لذلك يصدر بيانات في مناسبات محددة، وأضافت: «نقوم كذلك بإعداد ونشر تقارير خاصة تتعلق بحدث معين أو موضوع ما يتعلق بالحريات الإعلامية في سوريا، وكل إصدارات المركز أقوم بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية»، ويتم إرسال هذه الإصدارات عبر البريد الإلكتروني «إلى مئات من عناوين المؤسسات الإعلامية والجهات الصحافية السورية والعربية والدولية، إضافة إلى الجهات والمنظمات الحقوقية المهتمة بالشأن الإعلامي في مختلف بلدان العالم».
وبحسب التقرير النصف سنوي الأخير الصادر عن المركز، بلغ عدد الانتهاكات الموثقة منذ بداية العام الحالي ولغاية نهاية شهر أغسطس الماضي 56 انتهاكاً، وكانت هيئة تحرير الشام - جبهة النصرة سابقاً - وفصائل «درع الفرات» و«غصن الزيتون» بشمال سوريا الأكثر انتهاكاً.
ويصف القاضي إبراهيم حسين المشهد الإعلامي في سوريا بـ«القاتم»، ويعزو السبب إلى «أن البلاد يحكمها نظام استبدادي حوَّل سوريا إلى سجن كبير تنعدم فيه الحريات»، في وقت أرخت الحرب بظلالها على المشهد وجعلته سوداوياً، ويضيف: «أثبتت كل أطراف النزاع أن عدوها اللدود هو من ينقل الحقيقة، وتستغل هذه الأطراف كل فرصة للتنكيل والاعتداء على الإعلاميين والناشطين ونشر الرعب والخوف في أوساطهم».
ومن الجدير بالذكر أن منظمة «مراسلون بلا حدود» صنفت سوريا على أنها البلد الثاني الأكثر خطورة بالنسبة للعمل الصحافي في تقريرها السنوي الأخير، وفي ختام حديثه شدد القاضي إبراهيم حسين: «برائيي هي الأكثر خطورة نتيجة غياب حرية العمل الإعلامي والمهني، فالديكتاتورية والاستبداد أدت إلى فشل الدولة السورية، وانتفاضة الشعب مردها قمع الحريات العامة والإخلال بمبدأ سيادة القانون».


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».