1251 حالة انتهاك للحريات الصحافية منذ بدء الأزمة السورية

مركز يعمل على توثيقها بغض النظر عن الجهة المرتكبة

TT

1251 حالة انتهاك للحريات الصحافية منذ بدء الأزمة السورية

قتل وخطف واعتقال وتغييب، انتهاكات طالت مئات الصحافيين والإعلاميين السوريين بعد ربيع 2011. منهم من قتل بنيران الحرب المستعرة، وآخرون لقوا حتفهم تحت التعذيب في أقبية المعتقلات، بينما لا يزال عشرات المختفين والمختطفين قسراً قابعين في غياهب السجون ينتظرون الحرية، حين كانت أسلحتهم عدسات كاميراتهم وهواتفهم المحمولة وأقلامهم الجريئة التي رصدت ووثقت مشاهد القصف والتدمير والتهجير على مدار ثمان سنواتٍ عجاف، فأولئك الإعلاميون والصحافيون والناشطون نجحوا في نقل الصورة من أرض الحدث إلى الرأي العام العالمي وأصبحوا سفراء الحقيقة.
ونظراً لتبعية اتحاد الصحافيين في سوريا للسلطة الحاكمة، شهد شهر فبراير (شباط) 2012 ولادة رابطة الصحافيين السوريين، أسسها صحافيون وصحافيات من سوريا لتكون بمثابة نقابة مهنية مستقلة تضم عدداً من المشتغلين بالصحافة المكتوبة والإذاعية والمرئية وباقي قطاعات الإعلام، ولعل أكثر مفاصل الرابطة فعالية هو «المركز السوري للحريات الصحافية»، الذي تأسس في شهر يونيو (حزيران) 2014. ليخلف لجنة الحريات في الرابطة.
- مؤشرات الانتهاكات الإعلامية
يترأس المركز القاضي والإعلامي إبراهيم حسين المتحدر من بلدة عامودا الكردية الواقعة أقصى شمال سوريا ومن مواليد 1969. والذي دخل قطاع الإعلام بعد التحاقه بجامعة دمشق لدراسة الحقوق في دمشق عام 1987. حيث تم اعتماده مراسلاً لصحيفة الاتحاد التي كان يرأس تحريرها المذيع والإعلامي السوري الراحل عدنان بوظو آنذاك، ثم كان عضواً في الكادر التحريري المؤسس لصحيفة الرياضية التي صدرت في دمشق إبان السماح بإصدار دوريات مطبوعة خاصة من قبل السلطات السورية في البلاد بعد سنة 2000. الأمر الذي أكسبه الخبرة في مجال الإعلام والكتابة الصحافية، وملامسة متاعب وهموم زملائه الصحافيين.
وبعد خروجه من سوريا عام 2013 معلناً انشقاقه عن السلطة القضائية احتجاجاً على الطريقة التي تعاملت بها السلطات مع الانتفاضة الشعبية ومطالبها، تقدم بطلب إلى رابطة الصحافيين ليصبح عضواً فيها، وبعد إعلان تأسيس مركز الحريات في الرابطة بعدة أشهر عمل باحثاً فيه ثم تولى إدارة المركز منذ يونيو 2016 وحتى اليوم، وعن بدايات عمله ولدى حديثه إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، يقول القاضي إبراهيم حسين: «بعد تأسيس الرابطة كانت هناك لجنة للحريات أوكلت إليها مهمة التوثيق والرصد، بعدها ونظراً لحجم العمل الكبير تأسس المركز ومنذ ذاك الحين نعمل بشكل مستقل على التوثيق والرصد بشكل مهني وحرفي».
ويرصد مركز حريات مؤشرات الانتهاكات الإعلامية في بلد تعددت فيه الأطراف المتحاربة، ويوثق باحثوه الانتهاكات التي تطال الإعلاميين أفراداً ومؤسسات، بالإضافة إلى تسجيل الخروقات التي يتعرض لها الإعلاميون السوريون خارج بلادهم، ويصدر بيانات وتقارير شهرية دورية، وينشر دراسات وتقارير سنوية.
ويضيف القاضي إبراهيم: «تعاون خبراء من منظمتي (مراسلون بلا حدود) و(فري بريس)، وتراكم خبرات أعضاء الرابطة الذين عملوا بلجنة الحريات سابقاً، كلها أمور ساهمت بإنجاح تأسيس المركز، ووضع معايير وآليات مهنية تحكم عمله»، مما أكسبه المصداقية لدى العديد من المؤسسات الإعلامية والمنظمات المهتمة بالشأنين الإعلامي والحقوقي.
ومنذ مارس (آذار) 2011 تشهد سوريا حرباً متعددة الأطراف، أبرزها النظام الحاكم والذي بات يسيطر مجدداً على معظم الأراضي التي كان قد خسرها، بدعم من إيران وروسيا، وفصائل سورية مسلحة ووحدات كردية وتشكيلات إسلامية متطرفة، وتصاعدت حدّة العنف بعد 2014 مع ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي وسيطرته على مساحات واسعة في ذروة قوته بين أعوام 2015 و2017 قبل أن يطرد بشهر مارس الماضي، لكن منظمات حقوقية محلية ودولية أكدت أن الحرب أوقعت نحو 370 ألف قتيل، وهُجر نصف السوريين داخل بلدهم وخارجها.

- نقابة صحافية مستقلة
«فعندما اجتمعت إرادة عشرات الصحافيات والصحافيين خارج جسم النظام، بهدف إنشاء منظمة تدافع عنهم وتحتويهم كانت رابطة الصحافيين»، والكلام للصحافي علي عيد رئيس رابطة الصحافيين، والتي وسعت عملها وأنشطتها لتشمل قطاع التدريب المهني وبناء القدرات والتشبيك مع مختلف الجهات للدفاع عن الحريات الإعلامية في سوريا، وأوضح عيد: «تعمل الرابطة لضمان استقلالية مهنة الصحافة، والدفاع عن الحريات العامة، وصون حرية الرأي والتعبير على وجه الخصوص».
وتمكنت الرابطة التي ينتسب لها نحو 500 من الإعلاميين السوريين من مختلف المكونات، في نهاية 2017 من نيل عضوية الاتحاد الدولي للصحافيين، وعن علاقة مركز الحريات بالرابطة يقول عيد: «المركز يشكل الذراع الحقوقي والقانوني للرابطة، ومع أنه يتبع لها إدارياً، فإنه يقوم برصد وتوثيق الانتهاكات بشكل مهني يتوافق مع المعايير الدولية وبكل استقلالية».
ويقوم فريق مركز حريات بإعداد قاعدة بيانات للانتهاكات بعد رصد حالات الاعتقال والاختفاء والاختطاف والقتل والضرب، يضاف إليها مصادرة المعدات الصحافية ومنع ممارسة المهنة والمضايقات التي يتعرض لها العاملون في مجال الإعلام في بلد باتت منقسمة إلى جزر جغرافية منفصلة بحسب تموضع كل جهة وسيطرتها العسكرية.
وعن كيفية آليات التوثيق ورصد الانتهاكات أشار القاضي حسين: «نوثق حالات الانتهاك بغض النظر عن الجهة المرتكبة للانتهاك أو الجهة التي تتعرض له، لدينا معايير وقواعد مهنية محددة لا نحيد عنها»، منوهاً بوجود صحافيين في معظم مناطق سيطرة النظام يزودون المركز بالمعلومات الأولية في حال تعرض صحافي أو إعلامي لأي انتهاك.
ومن بين أبرز التحديات والعقبات التي تواجه عمل المركز وفريق باحثيه، «عدم احترام الجهات العسكرية المسيطرة في سوريا لحرية نقل المعلومة والأخبار، مما قد يعيق إمكانية التحقق من الانتهاكات الواقعة في مناطق نفوذها»، بحسب إبراهيم حسين.
وتمكن مركز الحريات من توثيق قرابة (1251) حالة انتهاك منذ شهر مارس (آذار) 2011. لغاية نهاية أغسطس (آب) الماضي، وتصدر النظام السوري والقوات الحكومية قائمة الجهات المعتدية بمسؤوليتها عن أكثر من نصف الانتهاكات، وبحسب قاعدة بيانات مركز الحريات لقي (452) صحافياً وإعلامياً سورياً حتفهم خلال نفس الفترة، كما وثق المركز (250) حالة اعتقال واحتجاز وخطف تعسفي على يد مختلف الأطراف، وتم تسجيل (100) حالة انتهاك ضد جهات مجهولة، وهناك (36) إعلامياً لا يزالون قيد الاحتجاز أو الإخفاء القسري ومصيرهم لا يزال مجهولاً.
وفي ذروة اتساع سيطرته الجغرافية والعسكرية، واحتلال مسلحي تنظيم «داعش» الإرهابي مساحات واسعة من سوريا بين أعوام 2015 و2017، كانت المعلومات شبه معدومة ومغلقة، ونقل القاضي حسين، «لا أحد كان يجرؤ على نقل معلومة أو حدث، وكانت تلك المناطق أشبه بصندوق أسود محكم الإغلاق، وما كنا نوثقه غالباً كان يصلنا من أشخاص ناجين فروا من مناطق التنظيم»، لافتاً بأن أكثر جهة بعد النظام ارتكبت انتهاكات ضد الصحافيين والإعلاميين كان تنظيم «داعش» المتطرف.

- سوريا الأخطر للصحافيين
يشرح المحامي محمد الصطوف، وهو باحث بمركز الحريات، آلية عمل المركز، إذ يرصد باحثوه الانتهاكات ومن ثم يتحققون منها بالتشارك مع المتعاونين بمنطقة الحدث، وقال: «فبعد التأكد من وقوع الانتهاك بالاعتماد على المصادر الموثوقة، والتيقن من أنه يتماشى مع المعايير المتبعة بعملنا، ندرجه في قاعدة البيانات، ومن ثم ننشره في التقرير الشهري الذي يصدره المركز».
يتألف كادر المركز من مدير وباحثين اثنين، وهناك عشرات من المتعاونين من أعضاء رابطة الصحافيين ومن خارج الرابطة متوزعين على مختلف المناطق السورية وخارج البلاد، سيما تلك التي يوجد بها إعلاميون سوريون. حيث ينشر المركز تقريراً دورياً كل شهر وتقريراً نصف سنوي يستعرض بواسطة الإنفوغرافيك الانتهاكات التي حصلت خلال ستة أشهر، وفي الشهر الأول من كل عام يصدر تقرير سنوي يستعرض بالتحليل أبرز الانتهاكات.
وتقول الإعلامية علا الحريري التي تعمل باحثة في المركز، إن المركز، إضافة لذلك يصدر بيانات في مناسبات محددة، وأضافت: «نقوم كذلك بإعداد ونشر تقارير خاصة تتعلق بحدث معين أو موضوع ما يتعلق بالحريات الإعلامية في سوريا، وكل إصدارات المركز أقوم بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية»، ويتم إرسال هذه الإصدارات عبر البريد الإلكتروني «إلى مئات من عناوين المؤسسات الإعلامية والجهات الصحافية السورية والعربية والدولية، إضافة إلى الجهات والمنظمات الحقوقية المهتمة بالشأن الإعلامي في مختلف بلدان العالم».
وبحسب التقرير النصف سنوي الأخير الصادر عن المركز، بلغ عدد الانتهاكات الموثقة منذ بداية العام الحالي ولغاية نهاية شهر أغسطس الماضي 56 انتهاكاً، وكانت هيئة تحرير الشام - جبهة النصرة سابقاً - وفصائل «درع الفرات» و«غصن الزيتون» بشمال سوريا الأكثر انتهاكاً.
ويصف القاضي إبراهيم حسين المشهد الإعلامي في سوريا بـ«القاتم»، ويعزو السبب إلى «أن البلاد يحكمها نظام استبدادي حوَّل سوريا إلى سجن كبير تنعدم فيه الحريات»، في وقت أرخت الحرب بظلالها على المشهد وجعلته سوداوياً، ويضيف: «أثبتت كل أطراف النزاع أن عدوها اللدود هو من ينقل الحقيقة، وتستغل هذه الأطراف كل فرصة للتنكيل والاعتداء على الإعلاميين والناشطين ونشر الرعب والخوف في أوساطهم».
ومن الجدير بالذكر أن منظمة «مراسلون بلا حدود» صنفت سوريا على أنها البلد الثاني الأكثر خطورة بالنسبة للعمل الصحافي في تقريرها السنوي الأخير، وفي ختام حديثه شدد القاضي إبراهيم حسين: «برائيي هي الأكثر خطورة نتيجة غياب حرية العمل الإعلامي والمهني، فالديكتاتورية والاستبداد أدت إلى فشل الدولة السورية، وانتفاضة الشعب مردها قمع الحريات العامة والإخلال بمبدأ سيادة القانون».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.