فراغ ما بعد الصحوة

موتها لا يعني تفتت البنى الاجتماعية والدينية والثقافية المنغرسة بعمق في المجتمع

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019
TT

فراغ ما بعد الصحوة

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب 2019

وماتت الصحوة، أو أُميتت. المهم أنها لم تعد تُشكل ذلك الطقس الغائم كلياً الذي عطل كل مناحي الحياة الثقافية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية لما يزيد على ثلاثة عقود. والأهم أن التآكل الواضح لمفاعيلها إنما يحدث اليوم على إيقاع ضربات مؤسساتية وشعبية متناغمة لتبديد أي إمكانية لإعادة إنتاجها، حيث الاندفاعة القوية لتجريف قواعدها ورموزها وأدبياتها، وهو تناغم يشي بميلاد لحظة مغايرة تماماً لما كان عليه المشهد الحياتي. لحظة مضادة بالضرورة لكل ما مارسته من عنف ضد مخالفيها، وواعدة بمشهد أكثر انفتاحاً وتنوعاً وتعدداً. بمعنى إلغاء حالة الاستفراد التي كانت سائدة آنذاك، وفتح الأفق لتمثيلات فردية وجماعية أكثر مرونة واستيعاباً لمقتضيات التحول البنيوي العميق الشامل الذي نعبره باتجاه السعودية الجديدة.
إبان تلك الحقبة، تمكنت الصحوة من الهيمنة على كل مفاصل المشهد، بما في ذلك الحركة الثقافية، حيث كانت تعد وجودها حالة ثقافية بالدرجة الأولى، بالنظر إلى أن الحالة الدينية، وفق أدبيات الصحوة، هي جزء أصيل من المكون الثقافي، بل هي الأُس الذي يقوم عليه أي فعل ثقافي. وبالتالي، أخذت لنفسها حق احتلال المنابر الإعلامية والأدبية، وتعقيم المنتجات الأدبية، وابتداع مصطلح الأدب الإسلامي، وتكفير المخالفين، وذلك في إطار أسلمة الحياة. وهو توجه عنفي، رمزي ومادي، لم يقتصر وجوده ومفاعيله على السعودية فقط، بل كان نتيجة امتدادات تعزيمية على مستوى العالمين العربي والإسلامي، حيث التنكيل بالمثقفين وتكفيرهم، والتهديد بتصفيتهم، والعبث حتى بالنصوص الأدبية التأسيسية التي لا تتوافق مع مرئيات وروح واستراتيجيات الصحوة، الأمر الذي دفع بعض المثقفين إلى مواجهة تلك الهجمة بما تيسر من الخطابات التنويرية للحد من تغولها، والتحاق بعضهم بالحراك الصحوي لاكتساب مغانمها المادية والوجاهية، وانزواء فصيل ثالث في الهامش إيثاراً للسلامة، وهكذا.
لقد كانت الصحوة هي المعادل للثقافة، الثقافة بمعناها الشمولي المركزي، أو هذا ما بشرت به أدبياتها، وأشعلت المعارك من أجله، في محاولة لفرض هذه المعادلة كأمر واقع، لدرجة أنها استحوذت على آليات الفعل الثقافي وفضاءاته ومنصاته. وقد تمكنت بالفعل من مسح الحدود الفاصلة بين الحالة الدينية والحالة الثقافية، وذلك في سياق الهيمنة على كل ما هو ثقافي، حيث ولدت جيلاً من المثقفين الصحويين المنذورين على الدوام لمنازلة المثقفين المتمردين على مستوجبات الصحوة، الأمر الذي عطل الفعل الثقافي بمعانيه الإبداعية المتعددة: الأدبية والفنية. وذلك على قاعدة التحريم التي استخدمتها الصحوة على نطاق واسع، وبمجانية فارطة، وكذلك باستدراج المبدعين إلى فخ الاعتراك على هامش الإنتاج الإبداعي.
واليوم، إذ تتهاوى الصحوة، بما كانت تمتلكه من حضورٍ كثيفٍ ساطٍ، ينفتح المشهد الثقافي على فراغ هائل، يبدو من الصعب على المثقفين ملؤه. وهذا هو أبرز التحديات للمثقفين الذين بنوا خطاباتهم وأمجادهم على منازلة الصحويين، حيث يُلاحظ وجود فصيل عريض منهم يفضل الإبقاء على وجود حالة صحوية ضعيفة، ليمارس ضدها حالة الاستئساد الثقافي، ويعيد إنتاج خطابه السجالي في المحطة المغادرة ذاتها. وذلك هو ما يكفل له مشروعية الحضور والتأثير والنجومية أيضاً على إيقاع تحطيم أصنام الصحوة. وفي نهاية المطاف، يحاول هذا الفصيل تأخير لحظة الاستحقاق الثقافي قدر الإمكان، لئلا ينكشف فقره المعرفي، وعجزه الأدائي على مستوى الإنتاج الإبداعي، بمعزل عن مهاترات الهامش. وهذا هو بالتحديد من يجعل المشهد مفتوحاً على خواءٍ إبداعي، يعجز المثقفون عن سد شقوقه الواسعة بمنتجات ثقافية مقنعة.
كل فراغ بحاجة إلى من يملأه أو يحركه. وبمقتضى هذا القانون، تقدم جيل شبابي جديد ليعبئ ذلك الفضاء الشاسع بحراك مغاير لاعتيادات المشهد، وهو حضور يمكن التأريخ له بجيل ما بعد الألفين، الجيل الذي اكتسب مشروعيته على إيقاع مبادرات استراتيجية معلنة تضع الروح الشبابية ضمن جوهر هوية ورؤية السعودية الجديدة. وفي الوقت الذي كان فيه رموز الثقافة القديمة، جيل الكِتاب، ينتظرون التفاتة مؤسساتية تموضعهم على رأس هرم الفعل الثقافي، وتدفعهم لاحتلال مواقع الصحويين المندحرين، تقدم ذلك الفصيل الشبابي بخبراته المعرفية والجمالية المتواضعة، وضآلة إحساسه بالمديونية للرموز الثقافية المكرسة، للقبض على مفاصل الفضاء الثقافي المفتوح على تحولات بنيوية كبرى. فهو جيل السوشيال ميديا والمدونات والبودكاست واليوتيوب، حيث الصوت الثقافي من حق الجميع، الأمر الذي شكل مظهراً مركباً من مظاهر التحدي، إذ لا حوار بين فريق ما زال غير قادر على الخروج من مضائق الماضي، وفريق مندفع بقوة إلى الأمام، ولا يريد الالتفات إلى الخلف.
في هذا المفصل بالتحديد تكمن أعتى التحديات الثقافية، وجوهرها يقوم على وجود تيار يرغب في تعديل مواقعه في المشهد، بحيث تكون الثقافة بالصورة التي اعتادها هي محور التنمية بمعناها الشامل، لتعويض الخسارة الفادحة التي تكبدها الوطن بسبب ذلك الضمور الثقافي المتأتي من تغول الصحوة، ولكنه لا يقدم الدليل على أحقيته بهذا الدور من خلال منتجاته الإبداعية والفكرية التي تمثل سيرورة اللحظة، فهو يتموضع في موقف المتفرج الذي يستشعر فيه وجود رؤية مؤسساتية تنتصر للثقافة بمعناها العصري الموائم بين النخبوي والشعبي، المؤكد عليه من خلال توأمة الفعل الثقافي بالأداءات الترفيهية. وفي المقابل، هناك تيار معولم، غير معني بكل السجالات حول الغرب والتراث والحداثة وشرعنة قصيدة النثر وقدسية اللغة، وغيرها من القضايا المؤرشفة، بقدر ما هو معني بالتعبير عن وجوده ضمن لحظة ما بعد حداثية.
وإذا كان تاريخ الصحوة هو تاريخ معاركها، فإن تاريخ الثقافة التنويرية هو تاريخ مقاومتها لمحاولات تزييف الوعي، وبالتالي فإن مهمة المثقف التنويري لا تعني الاستنقاع في تلك اللحظة المتخثرة، بل تجديد خطاب المواجهة. وهذا ما تحتمه خطابات المابعد، فموت الصحوة لا يعني تفتت البنى الاجتماعية والدينية والثقافية المنغرسة بعمق في مجتمعنا، التي تتمظهر على شكل أعراف وتقاليد وطقوس ومقولات راسخة، إذ لا تكفي النزعة الوطنية المتعالية اليوم للإجهاز على الثقافة العنيدة، الرافلة في المحافظة والتقليدية، وبالمقابل لا يمكن لمد الثقافة الاستهلاكية التي تشكل جانباً محورياً من الثقافة الشبابية أن يكون منطلقاً لتهديد ثقافة أصولية ممتدة في الزمان والمكان. والأهم أن الثقافة التنويرية التي أدت دورها بكفاءة في لحظة مفصلية من لحظات المواجهة تحتاج اليوم إلى أن تسائل نفسها عن جدوى الأبعاد الآيديولوجية التي كانت تنحقن بها آنذاك، وأثبتت المنعطفات التاريخية والأحداث السياسية والاجتماعية عطالتها. كما أنها مطالبة بألا تكون غطاءً زائفاً لمشتبهات ثقافية. وكل ذلك لا بد أن يُستظهر في أدبيات اللحظة على طاولة حوار عريضة وصلبة بين مختلف التيارات الفاعلة.
الجيل الجديد من المشتغلين بالثقافة لا يشكل تهديداً للجيل الماضي، فهما ينتميان إلى المجال الدلالي ذاته، ويؤديان الوظيفة الإنتاجية ذاتها، مع اختلاف الأدوات والأولويات، وهو تصور استراتيجي أكد عليه وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله آل فرحان في أكثر من مناسبة، ضمن رؤية التحول الوطني، وفي سياق توطين التعريف الأحدث الذي اعتمدته اليونيسكو لمعنى الثقافة، المعني بتمثيل جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، التي تشمل بالضرورة الفنون والآداب وطرائق الحياة. وهذا هو جوهر الاستراتيجية الثقافية بموجب الوثيقة التي اعتمدتها الوزارة، من خلال تأكيدها على بناء مجتمع حيوي تكون فيه الثقافة نمط حياة، وركيزة للنمو الاقتصادي، ومنطلقاً لتعزيز الهوية الثقافة للمملكة ومكانتها الدولية، وهي مهمة ثقافية كُبرى لا تحيل إلى رغبة للإبدال الثقافي، بتهميش جيل لصالح جيل أحدث، بقدر ما هي دعوة لتجديد الفعل الثقافي، وإعادة ربطه بالفعل الاجتماعي، بالنظر إلى كونهما نسقين متكاملين.
الفراغ الثقافي الهائل لا يمكن تعبئته بضجيج المشتبهات الثقافية، ولا بأي نزعة وطنية صاخبة، خالية في الآن نفسه من الرصيد الأدبي والفني. وذلك يعني أن إعلان موت الصحوة ما هو إلا خطوة ابتدائية لمشوار طويل بتنا نتلمسه حتى في تغيير المناهج التعليمية، وذلك ضمن خطة بعيدة المدى. وهو الأمر الذي يحتم على المؤسسة الثقافية اعتماد سياسة الخطوط المتوازية، التي تعادل بين إعجابها ومساندتها للفصائل الشبابية التي صارت تتمدد في الهامش الأكبر من المشهد، وبين فصيل المحاربين القدماء من المثقفين الذين صاروا يستشعرون تهميشهم القصدي، الأمر الذي يهدد المشهد بانزواء أهل الخبرة الثقافية، وظهور مشهد بلا رموز ثقافية. وهذا لا يعني بالتأكيد الدعوة إلى تزيين المشهد بتماثيل ثقافية عاطلة عن الفعل، ولا استكمال مشروع تجريف الصحوة بالاعتماد على جحافل شبابية محمولة على صخب اللحظة.
- ناقد سعودي



رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس
TT

رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس

رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» - التي ألفها بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- والتي فازت بجائزة «بوليتزر»، وألهمت تأليف مجلدين ضخمين آخرين عن المدينة.

وأكدت زوجته، الشاعرة والكاتبة المسرحية كارمن بولوسا، خبر وفاته في المستشفى، مشيرة إلى أنه كان يعاني من «خرف أجسام ليوي» (Lewy body dementia) (وهو اضطراب عصبي تدريجي يحدث بسبب تراكم بروتينات غير طبيعية تسمى«أجسام ليوي» في خلايا الدماغ).

واشتهر مايك والاس، مؤلف التاريخ المرموق لمدينة نيويورك، بكتابه الصادر عام 1998 بعنوان «غوثام» (Gotham) - والذي سرد قصة المدينة حتى عام 1898 - على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية. وقد حصل الكتاب على جائزة «بوليتزر» 2017، وألهم تأليف جزأين تاليين له.

والاس (يساراً) وبوروز (في صورة غير مؤرخة) (المصدر: أسوشييتد برس)

وذكرت لجنة جائزة «بوليتزر» حينها أن كتاب «غوثام» -الذي ألفه والاس بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- قد جمع خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث». وذكرت أيضاً في معرض وصفها للكتاب: «ينسج المؤلفان تواريخ متنوعة - تتراوح بين الجنس وأنظمة الصرف الصحي، والتمويل والعمارة، والهجرة والسياسة، والشعر والجريمة. إن أبطال الكتاب هم مئات الأفراد - سواء كانوا مشاهير أو مغمورين - الذين أدى امتزاجهم وتصادمهم إلى توليد طاقة حركية هائلة، وابتكار ثقافي، ورؤية تقوم على الوحدة في ظل التنوع؛ وهي رؤية أصبحت تشكل مساهمة مميزة في الحضارة العالمية».

في أوائل الستينيات، كان والاس - وهو من مواليد بروكلين - يسعى لتحقيق حلم والدته بأن يصبح طبيباً، حيث درس المواد التمهيدية للطب في جامعة كولومبيا، لكن بعد أن كاد يرسب في مادة الكيمياء العضوية، تبنى أفكاراً راديكالية في السنوات التي سبقت أحداث عام 1968، حين سيطر الطلاب على مباني الحرم الجامعي احتجاجاً على حرب فيتنام، (وقد كان والاس من بين مئات الطلاب الذين اعتُقلوا خلال تلك المظاهرات).

بعد ذلك، حوّل والاس مسار دراسته إلى التاريخ، وما أطلق عليه مصطلح «راديكالي»، الذي عرفه بأنه التاريخ الاجتماعي الذي ينطلق من القاعدة (من عامة الناس) إلى القمة، وشرح فيه التأثير العميق للرأسمالية؛ ما أدى إلى تفاقم الفوارق والصراعات الطبقية والاقتصادية والاجتماعية. وقد ذهب للقول بأن معظم الروايات التقليدية للتاريخ شهدت قيام «الطبقات المهيمنة في الولايات المتحدة - سواء عن وعي أو دون وعي - بالاستحواذ على الماضي»؛ ولذا حرص في عمله على إدراج أصوات النساء والسود والطبقة العاملة وغيرهم ممن تم تهميشهم أو استبعادهم غالباً.

بدأ المشروع البحثي - الذي استغرق إنجازه نصف قرن - عام 1976، حين حصل والاس وبوروز على منحة قدرها 7000 دولار لتأليف كتاب شامل يتناول التحول العالمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، لكنهما قررا لاحقاً أن سرد القصة من منظور مدينة نيويورك، وعبر فترة تمتد 500 عام، يُعد في حد ذاته تحدياً هائلاً وكافياً.

في كتاب «غوثام: تاريخ مدينة نيويورك حتى عام 1898» -الذي نُشر تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس «نيويورك الكبرى» طرح والاس وجهة نظر مفادها أن توحيد المناطق التي أصبحت تُعرف بـ «الأحياء الخمسة» (boroughs) كان بمنزلة خطوة طبيعية اتخذتها الحكومة المحلية، تماثل ما حققته الشركات الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر من مساعٍ للقضاء على المنافسة عبر تشكيل «التروستات» (اتحادات الشركات) والاحتكارات.

وفي حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2017، قال والاس: «رغم ما يُفترض أن كبار المصرفيين ومديري الشركات يكنّون حباً للأسواق الحرة، فإن الرأسماليين الحقيقيين في تلك الحقبة كانوا يرون أن المنافسة ضرب من الجنون؛ فهم يضطرون لخفض الأجور؛ ما يؤدي لظهور النقابات العمالية التي تستوجب القمع من وجهة نظرهم، وهو ما يقود بدوره إلى الاشتراكية».

أعقب كتاب «غوثام» (Gotham) جزآن تاليان وصلا بقصة مدينة نيويورك إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.

مايك والاس

وعالج والاس - الذي انفرد بتأليف العملين اللاحقين - موضوعات مماثلة في كتاب «غوثام الكبرى: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1898 إلى 1919» (Greater Gotham: A History of New York City From 1898 to 1919) الصادر عام 2017، حيث تتبع كيف أزاحت المدينةُ أوروبا عن مكانتها كعاصمة مالية عالمية مع بروز الولايات المتحدة كدولة دائنة عقب الحرب العالمية الأولى؛ وكذلك في كتاب «غوثام في زمن الحرب: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1933 إلى 1945» (Gotham at War: A History of New York City From 1933 to 1945)، والذي يتناول كيف تبوأت المدينة مكانة العاصمة العالمية حين نجحت في مسعاها - الذي لم تكن التوقعات تصب في صالحه - لتصبح مقراً للأمم المتحدة.

بلغ مجموع صفحات المجلدات الثلاثة نحو 3500 صفحة. ومع ذلك، أشار النقاد إلى أن حيوية والاس وبراعته في السرد، إلى جانب تناوله الصريح وغير المتحيز لشخصيات أسهمت في بناء المدينة، جعلت من قراءة هذه الكتب تجربة سلسة وممتعة. فعلى سبيل المثال، كتب والاس أنه في عام 1908 - أي قبل انتشار السيارات - كان هناك أكثر من 120 ألف حصان تخلّف وراءها 60 ألف غالون من البول و2.5 مليون رطل من الروث في الشوارع كل يوم!

جمع في سفره الضخم خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث


فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
TT

فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته

تحوي البادية الفلسطينية صروحاً أموية عدة، أهمها صرح يعود إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، كشفت عنه بعثة بريطانية في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، نواحي شمال مدينة أريحا. أُطلق على هذا الصرح اسم «الخربة» التي خرج منها، ثم اشتهر باسم «قصر هشام»، وأهم معالمه سجادة فسيفسائية ضخمة تزيِّن أرض حمّامه الكبير، توصف بـ«أكبر فسيفساء في العالم». تمتد على مساحة 835 متراً مربعاً، وتتألف من مجموعة خانات فسيفسائية مترابطة، تشكِّل كلها، بعضها مع بعض، أرضيّة جامعة.

حافظت هذه الفسيفساء على مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التوثيقية التي التُقطت عند اكتشافها في الثلاثينات.

كيف نجت هذه السجادة من الخراب؟ وكيف خرجت مكوّناتها من بين الردم بشكلها الأصلي؟

في الواقع، أظهرت الدراسات العلمية المتأنية أنَّ الموقع شُيّد في عهد هشام بن عبد الملك، واستمرَّت حركة البناء فيه بعد رحيل الخليفة، إلى أن تعرَّضت المنطقة لزلزال كبير خلال عام 746، فتهاوى القصر إثر هذا الزلزال، إلا أن الأتربة والأنقاض المتراكمة حفظت أرضياته الفسيفسائية، وشكّلت لها ستاراً واقياً.

في عام 1959، نشرت جامعة أكسفورد دراسة شاملة تناولت هذا الموقع الأثري الأموي، وحملت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء».

في هذا الكتاب المرجعي، قدَّم العالم البريطاني روبرت هاملتون دراسةً تحليليةً شاملةً تناولت أرضيات القصر الفسيفسائية، وحوت رسوماً توثيقية خاصة بهذه السجادات شكّلت أساساً لدراسة هذا الأثر الفريد.

عُرف «قصر هشام» في الميادين الخاصة بعلم الآثار، واقتصرت شهرته على هذه الميادين. في عام 1994، عاد اسم هذا القصر إلى الواجهة الإعلامية بعد نقل صلاحيات إدارته إلى السلطة الفلسطينية، وسارعت دائرة الآثار الفلسطينية الوليدة إلى العمل على تأهيله وإحيائه بالتعاون مع «اليونيسكو»، و«معهد الآثار الفرنسيسكاني»، وأجرت مسحاً طوبوغرافياً جديداً للموقع، وأنشأت معهداً لترميم الفسيفساء بدعم من الحكومة الإيطالية في عام 1999. بعدها، نظفت دائرة الآثار هذه الفسيفساء ونقّتها وثبّتتها خلال عام 2010، ثم قيّمت حالة حفظها وصيانتها. في تلك الحقبة، قام الباحث الفلسطيني حمدان طه بحملة لتصوير هذا الأثر الكبير بالتعاون مع فريق محلّي ضمّ 4 علماء من فلسطين، وفي عام 2015، نشر مجلداً خاصاً بهذه الفسيفساء، حوى عرضاً توثيقياً شاملاً لمكوّناتها.

كشفت وزارة السياحة الفلسطينية عن فسيفساء قصر هشام لفترة وجيزة عام 2010، ثم أعادت طمرها بغية الحفاظ عليها، وأعادت الكشف عنها استثنائياً في عام 2016، بحيث أصبحت متاحةً للسياح والزوار لمدة شهر واحد فقط. بعدها، عقدت الوزارة اتفاقاً مع «الوكالة اليابانية للتعاون الدولي» لترميم الموقع وتحديثه وتجهيزه، وأثمر هذا الاتفاق عن إعادة الكشف عن الفسيفساء في خريف 2021، بعد تأمين كل السبل لحمايتها، وبلغت تكلفة هذا المشروع 12 مليون دولار. أُقيم فوق هذه الأرضية سقف واقٍ، جاء على شكل قبة معدنية تغطّي أرضية الفسيفساء، وشُيّد هذا السقف فوق 4 قواعد رئيسية مثبتة في الزوايا. وجرى تأمين ممرات داخلية للدخول إلى الموقع، مع مسارات علوية للزوار والسياح، استناداً إلى المعايير الدولية المتبعة في تنظيم مسألة الحفاظ على الآثار. هكذا تحوَّل قصر هشام إلى موقع سياحي مفتوح، بعدما كان على مدى عقود من الزمن موقعاً أثرياً يعرفه أهل الاختصاص فحسب.

تتكوَّن هذه الفسيفساء الضخمة من 38 خانة مترابطة، ووفقاً للدراسة التي أنجزها روبرت هاملتون، تتبنّى هذه الخانات 7 أنماط تصميمية، شكّلت أساساً لتأليف فسيفساء الحمّام الملكي. تتوسّط هذه الفسيفساء الضخمة سجادة دائرية بديعة تحت القبة المركزية، وتتكوّن من مجموعة أقواس متداخلة تشع من الوسط في اتجاه الخارج. يحوي تأليف الفسيفساء الجامع 4 سجادات دائرية أصغر حجماً، تقع كل منها بين 4 أعمدة. تشكّل هذه السجادات الدائرية الـ4إطاراً مربّعاً يحيط بالسجادة الكبيرة التي تحتل مركز الوسط، وتحوي كل منها شبكة من التصاميم الدائرية تبدو كأنَّها خيوط منسوجة. كذلك يحوي هذا التأليف الجامع سجادتين مستطيلتين، تقع إحداهما عند مدخل القاعة الشرقية، والأخرى في الجانب الجنوبي. ثمة سجادات مستطيلة أخرى تزينها زخارف مجدولة.

من جهة أخرى، يحوي هذا التأليف 3 سجادات طويلة تشكِّل إطاراً له، وتحدّ هذا الإطار سلسلة من الحنيات تماثل المحاريب، زيّنت كل منها بتأليف خاص، ومنها ما زُيِّن بزخارف نباتية مجرّدة، ومنها ما زُيِّن بزخارف تحاكي ما تُسمّى بـ«أشكال قوس قزح». تجاور إحدى هذه الحنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتفرّد بصورة ثنائية في وسط عتبتها تمثّل سكيناً وفاكهة على شكل عنقود من العنب.

وصف روبرت هاملتون خصائص كل لوحة من ألواح هذه الأرضية، وقارنها بالأمثلة التي سبقتها زمنياً في الشرق الأوسط، وأظهرت هذه المقارنة متانة تأليف فسيفساء «قصر هشام»، ودقة أسلوبها الهندسي الذي تميّزت به بشكل خاص. لا يشكّل هذا الأسلوب التجريدي الهندسي خصوصيّة أمويّة، إذ نقع على كنائس محلية من العهد البيزنطي تعتمد هذا الأسلوب، منها على سبيل المثل كنيسة تُعرف بـ«الكنيسة الشمالية»، في موقع «اليصيلة» الأثري شمال الأردن، على بعد نحو 9 كيلومترات إلى الشرق من مدينة إربد. تعود هذه الكنيسة إلى القرن الخامس الميلادي، وتزيِّنها أرضية فسيفسائية تخلو من أي عناصر تصويرية آدمية وحيوانية، وتعتمد التقاسيم الهندسية البحتة. تتبنّى فسيفساء قصر هشام هذا الطراز، وتتميّز بضخامتها وبتأليفها المسبوك.

توقَّف روبرت هاملتون أمام الصورة الثنائية التي تحضر استثنائياً في إحدى حنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتمثّل بسكين وفاكهة على شكل عنقود من العنب، فرأى هذا العالِم البريطاني أنِّ هذه الصورة الثنائية ترمز إلى ثنائية الذكر والأنثى، وتشير إلى الولادة، وهي تختزل رمزيّاً اسم الخليفة الوليد. في المقابل، دحض غازي بيشة هذه القراءة التأويلية في كتابه «القصور الأموية في الأردن» الصادر سنة 1974، وأشار إلى حضور هذه الصورة الثنائية في كثير من الأرضيات الكنسية الأردنية، ورأى أنَّها تشكِّل في العالم البيزنطي رمزاً للخصوبة والعطاء والازدهار.


أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية

اوكتافيو باث
اوكتافيو باث
TT

أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية

اوكتافيو باث
اوكتافيو باث

لم تكن باريس في ستينات وسبعينات القرن العشرين مجرد مدينةٍ أوروبيةٍ، بل كانت «المِرجلَ» الذي انصهرت فيه طموحاتِ أدباء أميركا اللاتينية، لتولد من رحمِ غربتها «طفرة» أدبيةً أعادت صياغة الخريطة الروائية العالمية. لقد شكّل عمالقةٌ من أمثال غابرييل غارسيا ماركيز، وماريو فارغاس يوسا، وخوليو كورتاثار، وكارلوس فوينتس، مجتمعاً أدبياً متوقداً، حوّل شوارع «مدينة الأضواء» إلى ساحاتٍ للتجريب والتمرد الفكري، فتحولت باريس إلى المَهد الذي احتضنَ «طفرة» الأدب اللاتيني.

ماركيز

ومن القامات التي سكنت ضفاف «السين» وتميز كل واحد منهم عن الآخر: ماريو فارغاس يوسا (البيرو)، ففي كنف باريس، وبين جدران وكالة الصحافة الفرنسية، تفتحت موهبته لتثمر «مدينة الكلاب»؛ الرواية التي دوّت في الآفاق وأعلنت ميلاد كاتبٍ سيغير وجه الرواية الحديثة. وغابرييل غارسيا ماركيز (كولومبيا)، الذي قاسى في باريس شظف العيش وفقرَ البدايات، لكنه في رحم هذا الفقر، استلهمَ خيوط ملحمته الخالدة «مائة عام من العزلة»، محولاً عزلته الباريسية إلى كونٍ سحريٍّ لا ينسى. وهناك خوليو كورتاثار (الأرجنتين)، الذي اتخذ من باريس مستقراً أبديّاً منذ الخمسينات، وفي أزقتها ودروبها المتاهية، نسج تحفته «الحجلة» (Rayuela)، التي جعلت من المدينة بطلةً حقيقيةً في سياقٍ من الغرائبية والعبث. وكارلوس فوينتس (المكسيك)، الذي كان الجسرَ الحيّ الذي يربط أدباء القارة ببعضهم البعض، وحلقة الوصل التي عززت حضورهم في المشهد الأدبي العالمي.

أوستورياس

أيقونات ثقافية

لم تكن إقامة هؤلاء العمالقة عشوائية، بل تمحورت حول مساحاتٍ صارت أيقوناتٍ ثقافية: الحي اللاتيني؛ القلب النابض الذي ضخَّ الحياة في عروق إبداعهم، حيث تلاقت الأفكار فوق موائد المقاهي العتيقة. ومكتبة «شكسبير وشركاه»: الملاذ الذي احتضن أرواح المغتربين، وظلَّ حتى يومنا هذا منارةً تجمع المبدعين من كل فجٍّ عميق. وفندق «لويزيانا»: الشاهدُ الصامتُ على بداياتهم المتواضعة، حيث كان الفندقُ «محطةَ انتظار» قبل أن يحلقوا في سماء العالمية ويذيع صيتهم في الآفاق.

كانت باريس «المسافة» الضرورية التي منحتهم موضوعيةً قاسيةً لرؤية أوطانهم بوضوح؛ فمن بُعدِ كيلومتراتٍ طويلة، اكتشفوا جوهر هويتهم اللاتينية. ولم يكن هذا التماسّ الأدبي محض صدفة، بل دعمته مؤسسات نشرت إبداعهم (مثل دار «غاليمار»)، مما فتح أمامهم أبواب العالمية. وفي خضمِّ هذا العطاء، لم تخلُ مسيرتهم من دراما إنسانية؛ حيث تحولت علاقاتهم من صداقاتٍ أخويةٍ وطيدة إلى خلافاتٍ أيقونية كالعراك الشهير بين يوسا وماركيز عام 1976، لتصبح هذه المواقف جزءاً من الأسطورة التي أحاطت بـ«طفرة» الأدب اللاتيني.

في كتابه المثير للدهشة تحت عنوان «أنوار الوطن: قرنٌ من أدباء أميركا اللاتينية في باريس»، يجسّد مؤلفه جايسون فايس، بأسلوبٍ يجمع بين الرصانة الفكرية والعمق البلاغي، مفارقةً فلسفية عميقة؛ وهي معادلة الإبداع في المنفى والغربة، فالوطن الذي غادره هؤلاء الكُتّاب قسراً أو طوعاً، لم يغب عنهم، بل استحال «نوراً» داخلياً يُضيء عتمة المنفى، ومنح نصوصهم بريقاً لا يضاهى. يمكننا تأمل هذه العلاقة من عدة زوايا أدبية وروحية: المنفى كمرآة للذات: حين يبتعد المبدع عن جغرافيا وطنه، يكتشف أن الوطن ليس مجرد تضاريس، بل هو لغة وذكريات وإيقاع نفسي. باريس هنا لم تكن مجرد مدينة أوروبية، بل كانت «المرآة» التي انعكس فيها الوطن بوضوح أكبر. ففي الغربة، يزداد الحنين حدةً، وتتحول الصور الباهتة للأرض الأم إلى مشاهد نابضة بالحياة في أعمالهم الروائية.

يأتي بعد ذلك، تلاقح الحضارات (التثاقف)، بكون باريس «مختبراً عالمياً» للأفكار، منحت هؤلاء الكتّاب أدواتٍ حداثية، وتقنيات سردية متطورة، لكنهم لم يذوبوا فيها. لقد كان نجاحهم يكمن في «التهجين الأدبي»؛ حيث صهروا عبثية باريس، وفلسفتها، وتاريخها، مع «الواقعية السحرية» وأساطير أميركا اللاتينية، فخرج إلينا أدبٌ عالميٌّ بامتياز، مُحمّلٌ بروحٍ محليةٍ غائرة في القدم. لذلك أصبحت باريس بوصلة النجاح التي توثق «محطة الوعي»؛ فبمجرد أن يُقرأ الكاتب اللاتيني في باريس، أو يُترجم عبر دور نشرها العريقة، فإنه يحصل على اعترافٍ دوليٍّ يُعيده إلى وطنه بطلاً أدبياً، ويمنحه شرعية العبور إلى العالمية. وهكذا تحولت باريس إلى «جسرٍ» يربط بين هوامش أميركا اللاتينية ومركزية الثقافة العالمية. وفي هذا المجال، لو غصنا في تجربة كتّاب وأدباء أمثال ماريو فارغاس يوسا، أو غابرييل غارسيا ماركيز، أو خوليو كورتاثار، نكتشف أن هؤلاء حملوا «أنوار أوطانهم» ليضيئوا بها سماء باريس، وتمسكوا بلغتهم الأم، وكذلك كتّاب آخرون «يتنفسون» المدينة (مثل كورتاسار وفارغاس يوسا). هؤلاء الأخيرون بقوا أوفياء للغتهم الأم (الإسبانية)، لكن باريس عملت في نصوصهم كـ«مُحفّزٍ سريالي». وصول فارغاس يوسا إلى الأكاديمية الفرنسية - وهو الذي يكتب بالإسبانية - هو اعترافٌ فرنسي بأن «الأدب اللاتيني» قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من صيرورة الثقافة العالمية. ولكن هناك مَن تحول إلى الكتابة بلغة الآخر؛ أي هؤلاء الذين اتخذوا من «لغة موليير» جسراً ليعبروا فيه عن ذواتهم المهاجرة، إذ قامت النقاشات حول «المثقف المهاجر» و«اللغة كوطن بديل». إن هؤلاء الكتاب، الذين اختاروا الفرنسية، لم يكتفوا بكونهم «مترجمين» لذواتهم، بل تحولوا إلى «مبدعين» استلهموا من روح اللغة الفرنسية هيكلاً جديداً لأفكارهم، مما يثري مشهد الأدب العالمي أمثال إدواردو مانيت الذي عانى تجربة المنفى القسري، وروايته «الغرباء»، وهيكتور بيانشوتي من ضفاف الأرجنتين إلى قبة الأكاديمية، يعتبر بيانشوتي حالة استثنائية؛ فهو لم يكتفِ بالكتابة بالفرنسية، بل صعد سلّم الاعتراف الثقافي الفرنسي حتى نال مقعداً في «الأكاديمية الفرنسية». وراؤول دامونتي بوتانا والمعروف بالاسم المستعار كوبي الذي يُعتبر تجسيداً للتمرد السريالي.

ثمة لحظةٌ فارقةٌ في حياة المبدع، حين يجد نفسه واقفاً على أعتاب مدينةٍ ليست مدينته، يقتات من ذكرياتِ أرضٍ باتت بعيدة، ويكتبُ بلغةٍ قد لا تكون لغته الأم، أو يكتبُ عن وطنٍ يراه بوضوحٍ أكبر كلما زادت المسافة. هذا ما تعبّر عنه تجربة أدباء أميركا اللاتينية في باريس، التي تتقاطع مع حكاية أولئك المبدعين الذين اختاروا «الفرنسية» موطناً لأقلامهم، ليشكلا معاً لوحةً فريدة لـ«إنسان الغربة».

على الجانب الآخر، نجد تلك الكوكبة التي اختارت الفرنسية لغةً للإبداع، مثل كونديرا وماكين ويونسكو. إذا كان أدباء أميركا اللاتينية قد لجأوا لباريس ليحفظوا «ذاكرة الوطن»، فإن هؤلاء المبدعين لجأوا إلى «اللغة الفرنسية» ليجدوا «وطناً للروح»، إذ إن اختيار اللغة ليس مجرد أداة للكتابة، بل هو قرارٌ فلسفيٌّ بتفكيك الهوية وإعادة بنائها. فعندما يكتب المرء بلغةٍ غير لغته الأم، فهو لا يكتبُ فقط، بل هو يتخلص من زوائد المألوف، ويصل إلى جوهر الفكرة دون أن تعيق حركة خياله قيودُ التراث والنشأة.

لم يكن أدباء أميركا اللاتينية في باريس - مثل غارسيا ماركيز أو خوليو كورتاثار - يكتبون عن باريس التي كانت بالنسبة لهم «مختبراً» للنضج، ومكاناً يمنح الكاتب المسافة اللازمة لرؤية وطنه بـ«عدسةٍ كونية»، بل إنهم كانوا يفرون من أتون السياسة والاقتصاد، ليجدوا في المقاهي الباريسية صومعةً لترميم الذات، حيث يمتزج صخب السريالية الفرنسية بواقعية أميركا اللاتينية السحرية، ليصنعوا أدباً يفوح برائحة الغابات الاستوائية في أزقة مدينة الأضواء. في كلتا التجربتين، تظهر باريس ككائنٍ حيّ، كما وصفها الأدباء الآخرون: «الملاذ»، «العيد»، «اللعوب» و«الفاتنة»، و«الواحة» التي تمنحهم الحرية لتأكيد ذواتهم أو بالأحرى الجسر الذي يربط بين «تخوم العالم» و«مركزه»، والامتزاج بين الحنين والمجهول.

يوسا

إن هؤلاء المبدعين - سواء كانوا لاتينيين يحملون إرث القارة البعيدة، أو «مهاجرين لغويين» اختاروا فرنسية النص - يؤكدون على شيءٍ واحدٍ هو أنّ الإبداع لا يعترف بالحدود الجغرافية، و«الوطن» الحقيقي ليس رقعة أرضٍ نولد عليها، بل هو تلك المساحة الرحبة من الحرية التي يصنعونها بأنفسهم عبر استحضار ذكريات الماضي أو عبر استنطاق لغةٍ جديدة.

لقد أثبت هؤلاء أنَّ الكاتب، حين يغترب، لا يضيع بالضرورة، بل يجد صوته الحقيقي في أصداء الصمت، ويحول ألمه الشخصي إلى «أنوار» تضيء دروب القراء في كل زمان ومكان. ويمكن للكاتب أن يكون «مغترباً» حتى داخل لغته الأم، وأنَّ الإبداع الحقيقي لا يولد إلا في المسافة الفاصلة بين الانتماء والرحيل بفعلِ تلاطم أمواجِ الأزمات السياسية، والاختناقات الثقافية، والانهيارات الاقتصادية في أوطانهم، لذلك وجد أدباء أميركا اللاتينية ملاذاً في الهجرة إلى باريس التي لطالما كانت قبلةَ المنفيين والمغضوب عليهم كأنهم يشتركون في «سيرة جماعية» للإبداع، متجذرةً في تربة أوطانهم الأولى رغم الغربة.

لم يقف هؤلاء الأدباء عند حدود الجدل الأدبي التقليدي بين «الفانتازيا» و«الغرائبي»، بل غاصوا عميقاً في نقد «صنمية السلعة» التي تلتهمُ الإبداع. وقد تم توثيق ذلك من خلال محاوراتهم وجدلهم وشتات رسائلهم، ومذكراتهم. وكانت بينهم مظلاتٍ إنسانية مشتركة؛ كالدبلوماسية، أو النزوح القسري، أو التجاوز الجنسي، أو حتى التغرب في لغةٍ أخرى (الفرنسية). ومع كل تلك الاختلافات بينهم إلا لأنّ ثمة «نغمة خفية» توحدُ بين أدباء أميركا اللاتينية، وهي حالة لم تعرفها الأمم المهاجرة الأخرى في باريس التي تحولت قنديلاً يُضيءُ طريقهم نحو إعادة اكتشاف هويتهم اللاتينية.

سوبولفيدا

هؤلاءَ العمالقة صاغوا تاريخ باريس «الهسباني»: كورتاسار، ساردوي، أستورياس، كاربنتيير، ريبيرو، بريس إيشينيكي، فارغاس يوسا، وغارسيا ماركيز، أوكتافيو باث، وأليخاندرا بيزارنيك وغيرهم، نرى في أعمالهم مختلف التأثيرات، ومنها «التأثيرات السريالية في روايات خوليو كورتاثار» أو «تمثيلات الغربة في أدب ماريو فارغاس يوسا»، و«خبايا» إقامتهم في باريس. وهناك أسماء أدبية نسوية مهمة، وفي مقدمتهن لويزا فوتورانكس، التي حظيت بترجماتٍ إنجليزية بارعة. ولا يمكن إهمال رؤية تأثير الثورة الكوبية على تنامي الاهتمام الأوروبي بأميركا اللاتينية، وحضور أسماء أدبية مهمة في جلسات المقاهي الباريسية.

يُشكّل وجود هؤلاء الأدباء في المنفى، تجسيداً لـ«ظاهرة باريس» كمركز ثقلٍ أبدي في حياة النخبة المثقفة في أميركا اللاتينية. وبينما لا يزال بعض النقاد يشككون في قدرة باريس على الاحتفاظ بهيبتها الأدبية لكنها كانت آنذاك كـ«مختبرٍ وجودي» صقل «تحول أميركا اللاتينية» من مجرد ملاذٍ للمنفيين إلى فضاءٍ فكري، كما دمجوا في أعمالهم، وهذا هو التأثير الأهم في كتابتهم، التحليل النفسي وما بعد البنيوية، بل إن هؤلاء الأدباء المغتربين من أميركا اللاتنية حولوا اغترابهم إلى نصوصٍ عابرة للحدود، تعيد خلق الوطن من رحم العدم. في الختام، نتساءل: هل كان من الممكن أن يحدث هذا التحول الفلسفي في أعمالهم ووصوله إلى العالمية دون التماسّ مع باريس؟

صهروا عبثية باريس وفلسفتها وتاريخها مع «الواقعية السحرية» وأساطير أميركا اللاتينية