الشوفان وقهوة الشعير... بدائل لذيذة للطهي

الأردن في طريقه إلى الطبخ الصحي

الشوفان وقهوة الشعير... بدائل لذيذة للطهي
TT

الشوفان وقهوة الشعير... بدائل لذيذة للطهي

الشوفان وقهوة الشعير... بدائل لذيذة للطهي

تتجه الفنادق والمنتجعات في الآونة الأخيرة إلى البدائل الغذائية الصحية؛ حتى أن بعضاً منها يمنع منعاً باتّاً استخدام المُكمّلات المصَنعة.
وبالنظر إلى القانون الغذائي في الأردن فإنه يشدد على المعايير التي تتصل بالسلامة الغذائية وما تقتضيه من استخدام المكونات الطبيعية تماماً وتجنب الملونات الصناعية.
محمد فاروق - الشيف التنفيذي في فندق شيراتون عمّان النبيل؛ واحد من الطهاة الذين يفضلّون استخدام معززات النكهة الطبيعية عند تحضير الطعام أسوة بالأجداد؛ وكان من بين ما استخدمه منتجات طبيعية للمهندس عامر أبو ناموس؛ «توفرّ منتجات كهذه في السوق المحلية مدعاة للفخر والتشجيع؛ بعد أن تعودّنا على منتجات طبيعية لشركات تايلاندية أو إنجليزية». يقول لـ«الشرق الأوسط».
وبِعينٍ ناقدة وبعد التجربة؛ يذكر أن النكهة الطبيعية المُعدّة من الخضار «بديل مكعبات الدجاج» حظيت بإعجابه؛ حين أضافها إلى اللحوم والدجاج والصلصات؛ وكانت النتائج حسب رأيه ترقى إلى المستوى المطلوب؛ كما أنه أحبَّ طعم القهوة المُعدّة من الشعير؛ ناهيك عن خل التفاح الذي أضفى نكهة لطيفة إلى السلطات والطبخ.
طريقة الطهي تضمن النكهة الطيبة مع هذه المنتجات الصحية بحسب ما يخبرنا به فاروق في حال الالتزام بطريقة الاستخدام؛ والتي إذا ما شَابها خطأ فستكون النتيجة غير مقبولة.
ومن واقع خبرته فإن المعرفة تَختزل أي فجوة وبها سيتقبل الزبون المنتج؛ «فمن فينا لا يرّحب بالطعام المحضرّ من المكونات الطبيعية!»؛ مسدياً نصيحة سبق وأن تلقاها من أحد أساتذته «أنت بحاجة إلى تعليم زبونك»؛ مما يعني بحسب توضيحه أنه يقع على عاتق هؤلاء المُنتجين بذل جهد كبير في تدريب الفئات المستهدفة بشأن تبيان الفوائد وطرق الاستعمال؛ والتسويق الذكي بعيداً عن الأهداف التجارية؛ وشيئاً فشيئاً يمكن أن تتسع رقعة الانتشار لتشمل المنشآت السياحية.
للمرضى والأصحاء
رغبة عارمة تملّكت المهندس عامر أبو ناموس لابتكار منتجات طبيعية نالت موافقة واستحسان الجهات الرسمية؛ وقد بدأ طرف الخيط من السنوات التي عمل خلالها نائباً لرئيس قسم التغذية في المستشفى الإسلامي؛ حين كان يبثّ الكثير من المرضى شكواهم اليومية بخصوص عدم توفر بدائل غذائية صحية، كمرضى الضغط الذين يُمنعون من شرب القهوة؛ فقفزت إليه الفكرة «لماذا لا أبادر إلى إنتاج بدائل آمنة؟».
يقول خبير التغذية «فلسطيني الأصل» في حديث مع «الشرق الأوسط» إن مشكلة إعراض الناس عن تناول البدائل الصحية وضعته أمام تحدٍ حقيقي يكمن في إنتاج بدائل طبيعية لا يُضاف إليها أي مواد حافظة وفي الوقت نفسه يصحبها طعم لذيذ، ساعياً إلى إزالة فكرة راسخة تروّج لصالح المنتج غير الصحي وما فيه من لذة لا تقاوم؛ في حين أن المنتج الصحي قادر على منح تلك اللذة؛ وهو الأولى بالثقة وفقاً له.
ويتابع حديثه بالقول: «أرّقني تذمر المرضى من حرمانهم لبعض الأطعمة؛ في تلك الآونة كان نداء في داخلي لا يسكت يخبرني أن الله أوجد الدواء قبل الداء، ومن هنا قررت تكريس وقتي لأغير نمط حياتهم؛ وكل همّي أن آخذ بيدهم إلى الشفاء، وأن ينعم الأصحاء بمعيشة لا مرض فيها». وعلى سيرة الأصحاء يقول م. أبو ناموس إن الناس عموماً يمكنهم الاستفادة من خصائص منتجاته؛ ففي العصر الحديث صاروا عرضة للكثير من الأمراض بسبب الهوس بالطعام المُصنّع والمعلَبات والوجبات السريعة؛ مما جعل توفير بدائل غذائية تحمي صحتهم وتكون أسلوب حياة حاجة مُلّحة؛ حسب تعبيره.
وبنبرة أسف يحكي «من المحزن أن نترك مكونات أصيلة مثل زيت الزيتون ونستخدم عوضاً عنها الزبدة المُهدرجة».
تستهدف مؤسسته بالدرجة الأولى ربات البيوت؛ فـ«المرأة صاحبة القرار في المطبخ ودورنا أن نعلّمها طرق استخدام البدائل بحيث تطهو لعائلتها بطريقة صحية وبنكهة رائعة».
وبحسب أبو ناموس فإن منتجاته تنطلق من نهج علمي دقيق ومدروس؛ مع الحرص على التعاون مع مصانع تنتج وفق المعايير المهنية بأعلى جودة ووفق المواصفات؛ بعيدا عن المشاريع التي تستهدف الربح؛ مثمناً تقدير ودعم الجهات الرسمية مثل وزارة الزراعة ونقابة المهندسين الزراعيين لجهوده.
لا سموم ممتعة
نُورد إليكم مميزات بعضٍ من منتجاته:
بديل مكعبات الدجاج «ناترافيج»: مكث م. عامر ثلاث سنوات في العمل على إنتاجه؛ كونه يدخل في الاستخدام اليومي؛ مع تأكيده على أنه المنتج الوحيد في الأردن الخالي من الملح الصيني؛ وهو مادة ضارة تحتوي على سموم تعرف بـ«جلوتومات الصوديوم» توجد في المنتجات الرائجة.
يتميز هذا المنتج بخلوه من الدهون والزيوت المهدرجة؛ ويوضع عادة في بداية الطهي على الحساء والكبسة وغيره، ولا داعي لإضافة البهار، لأنه في الأساس يحتوي على بهار وخضار؛ وقد حاز على إشادة من جرّبوه.
قهوة الشعير: تعد بديلا عن القهوة العربية؛ وتخلو من الكافيين وآمنة لمرضى الضغط وللأطفال، على أن يُضاف إلى كل لتر ماء معلقة هيل ومعلقتان من قهوة الشعير، وهي ممتازة للالتهابات خاصة الكلى كونها مدرة للبول، مع العلم أن الشعير مُكوّن مهدئ للجسم ويُعد من الأغذية الوظيفية.
التلبينة النبوية أو «طحين الشعير»: وهي بديل عن الطحين أو النشا أو الشوفان؛ وتحتوي على الألياف الخشبية علاوة على أنها مُشبعة، ويوصي خبير التغذية بإضافة التلبينة إلى الحلويات بمعدل 25 - 30 في المائة، ويحبذ إضافتها إلى الحليب للرضع بدءاً من سن 5 أشهر فما فوق.
ويقول إن التلبينة سنة نبوية مهجورة مستدلا بقول الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: «التلبينة مجمّة لفؤاد المريض تذهب بعض الحزن»؛ فهي غذاء فعال في تهدئة النفس وعلاج الاكتئاب؛ وتجدي نفعاً مع القولون والإمساك؛ كما أنها ترفع المناعة في الجسم ومفيدة لمرضى السكري.
ويزيد بحديث نبوي آخر: «والذي نفسي بيده إنها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ».
خل التفاح: يُعدّ من المُكمّلات الغذائية الطبيعية، ويمكن استخدامه في السلطات والدجاج واللحم والصُوص؛ مستشهدا بالحديث النبوي: «نِعم الإدام الخل»؛ فقد ثبت علميا عِظم فائدته لمرضى الكولسترول. إذن من الواضح احتذاؤه بالنظام الغذائي لسيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام الذي عرُف عنه تناول العسل والتلبينة؛ ومن جهة ثانية يظهر تمسكه بتراث الأجداد عبر تحضيره بأجود الطرق الزعتر الأخضر المضاف إليه السماق والسمسم؛ وغيره من المنتجات الشعبية.
سألناه عن بعض أفكار الطهي التي يقترحها من تلك البدائل بطرق سريعة؛ فعددّ منها: الكنتاكي الصحي والبطاطا المشوية والشيبس البيتي، ناصحاً بتحضير الصوص الصحي من كلٍ من التلبينة النبوية والخل الطبيعي وبدائل مكعبات الدجاج مع إضافة زيت زيتون.
ولا يدخر الرجل وسعاً في تنظيم ورشات العمل في الجمعيات والمراكز والمدارس وافتتاح بوفيهات للطعام الصحي وطرح أفكار متجددة للطهي؛ والمشاركة في المعارض والأيام العلمية، وكذلك في مهرجان التذوق الحسي للطبخ الصحي؛ إذ يشهد ذلك كله تفاعلاً ملحوظاً من الحضور؛ مؤكداً أنه لجأ إلى توزيع الاستبيانات للتحقق من آراء الفئات المستهدفة في الطعام المطهي بهذه المنتجات فكانت النسبة الأكبر راضية وراغبة بتجريبه.
وعلى ما يبدو أن النَفس الطويل مطلوبٌ في رحلته؛ فالمطاعم والمستشفيات لم تتعاط بعد مع منتجاته؛ معقباً: «غالبيتها تميل إلى شراء المنتج الأرخص والكمية الأوفر».
وعن المنتجات التي يعكف على اختبارها لتخرج قريباً إلى النور؛ قال إن تركيزه سينصّب على السكر والملح، وسيتجه إلى إنتاج مخبوزات يومية تكون بديلا عن الكعك؛ معرباً عن أمله بالتغلب على المعوقات المادية واللوجيستية التي تحول دون تطور المشروع وانتشاره بالسرعة المطلوبة ليصل إلى مختلف شرائح المجتمع.



المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.