أبناء السودان التائهون

رواية «تراتيل منسية» لعماد البليك

- ناقد وشاعر سوداني
- ناقد وشاعر سوداني
TT

أبناء السودان التائهون

- ناقد وشاعر سوداني
- ناقد وشاعر سوداني

في روايته الجديدة «تراتيل منسية» (صدرت هذا العام عن دار أطلس بالقاهرة) لا يسرد الروائي السوداني عماد البليك، حيوات سودانية لعائلات من اليهود المنسيين في إطار الثيمة التقليدية التي وسمت الاغتراب الأبدي لليهود، عبر تمثيلات حياة «الغيتو» في مجتمعات الأغيار، فحسب، بل يتأمل خلال السرد، هوية إنسانية عابرة لمعنى التيه حين يكون فردياً ومتذرراً على حياة مجموعة من اليهود يعجز كل واحد منهم عن تفسير تناقضاتها في العيش بين حدود قصوى لبلدين وجغرافيتين!
تنفتح ثيمات الهوية اليهودية في هذه الرواية على أفق إنساني؛ بداية بعنوان الرواية الذي يضمر استعارة توراتية، ومروراً بالعتبة النصية في الإهداء: «إلى كل تائهٍ يبحث عن أرضه، نفسه، وأمله»، حيث أمثولة الحكاية هنا تضمر عنواناً ذا دلالة تاريخية لليهود، تفضي بالقارئ إلى تمثيلات مركبة لشخصيات الرواية المغتربة.
تسلط الرواية الضوء على يهود منسيين عانوا اغتراباً مزدوجاً في إسرائيل (التي هاجروا إليها من السودان خلال السبعينات من القرن العشرين) ففيما يعرف المجتمع الإسرائيلي مهاجرين يهوداً عرباً؛ كاليهود المصريين، أو المغاربة، أو العراقيين، لا توجد دالة تعريفية لليهود السودانيين هناك، كأن اغتراب الهوية السودانية عربياً أصبح جزءاً لا يتجزأ من هويتهم في إسرائيل! من فندق «دان بانوراما» بمدينة يافا تتداعى ذكريات بطلة الرواية سوسو (نجمة الأكروبات الإسرائيلية والمدربة الوطنية الأولى لألعاب السيرك في إسرائيل) عن ماضيها السوداني من نافذة الذكريات.
الذكريات؛ ذكريات سوسو، وذكريات والدها، وذكريات يهود آخرين، هي تقنية الاسترجاع التي يتوسلها عماد البليك ليجعل لشخصياته الروائية المغتربة زمناً آخر هو زمن الرواية، في حين يراوح السرد برشاقة عبر تقاطعات أزمنة الواقع. بعد الفصل الأول، ترتد أحداث الرواية إلى مشهد من أواخر القرن التاسع عشر متتبعة سبب الوجود الأول لعائلة باروخ جولدشناين في السودان، عندما جاء الجد الأول باروخ مترجماً في صحبة جيش كتنشنر البريطاني الغازي.
يمارس عماد البليك تقنية التقطيع من خلال بورتريهات متناظرة في الفصول بأسماء الشخصيات الساردة، حيث يتوزع عليها السرد ويتداخل فيها الزمن الروائي، تضمر الحكاية، التي تتوالى مشاهدها متقطعة عبر الأزمنة والأمكنة: (الخرطوم ويافا في إسرائيل وتل أبيب) عالماً من الذكريات المتناظرة، فالزمن الحاضر يبدو تخصيصاً لحكاية الذكريات هنا وهناك. ومن خلال ذلك الزمن تنسرد أزمنة أخرى.
الشخصية المركزية في الرواية سوسو هي الأكثر حضوراً عبر سعيها وراء حلمها لتصبح نجمة ألعاب «الأكروبات» التي ازدهرت فرقتها السودانية خلال عقد السبعينات، والتي وجد عمر الأزرق (مدرب فرقة الأكروبات السودانية وفيلسوفها) في جرأتها وذكائها وبياضها؛ حلماً لطالما راوده في تدريب نجمة سودانية بمواصفات فتاة بيضاء موهوبة، فعمر الأزرق عبر ملاحظاته العميقة في فلسفة الأكروبات وعلاقتها بالجسد والفن وألعاب الخفة، استطاع أن يجعل من سوسو حلماً ممكناً وحباً مستحيلاً في الوقت ذاته: «سوسو... هي صورة المرأة الحلم التي كنت أراها في منامي والتي هربت مني ذات يوم... كنت مقتنعاً أنني سألتقي بها» ص 111.
تأخذ سوسو مساحة كبيرة في الرواية، تنتهي في الفصل قبل الأخير بعودة غامضة لها إلى الخرطوم، ليسدل ستاراً على مصيرها، بعد تفاصيل رحلة نجاح مطردة مع الأكروبات في الصين صحبة عمر الأزرق، لكن القارئ سيكمل مغزى بداية قصة سوسو في أول الراوية؛ بما يفسر له نجاح قصتها المبتورة في نهايتها لغرض أراده الراوي العليم؛ حين كسر تسلسل الأحداث وختم الرواية بتلك النهاية المفتوحة،
تحكي سوسو حيواتها في السودان عبر استغراق ذاتي لسيرة مغتربة. فوطأة الزمن الدائري على عالم البيت في سبعينات القرن الماضي، بعد وفاة والدتها، جعل من طبيعة العلاقة مع والدها (أستاذ سياسات الشرق الأوسط بالجامعة العبرية فيما بعد) مشوبة بالتمرد. تحاصرها العزلة، لكن من غير أفق للحياة فيما هي في مرحلة مراهقة وانطلاق، «فأن تكوني صبية جميلة ومتحررة في أسرة تحاصرك بالعزلة يبدو ذلك صعباً جداً وقاسياً» ص 10.
في السبعينات، حين كان السودان منفتحاً اجتماعياً، كانت بدايات الانهيار تتكشف مع نظام الجنرال نميري الذي انقلب على السلطة في نهاية عقد الستينات، وألغى الحياة الديمقراطية بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) عام 1964، ومع قرارات التأميم الاشتراكي للمؤسسات الخاصة، كان والد سوسو، رغم اندماجه في المجتمع كأحد أثرياء الخرطوم، من ضحايا ذلك النظام، لكنه لم يفقد الأمل متوسماً في ابنته الوحيدة سوسو أن تتخرج مهندسة ليستعيد ما فقده بقرار تأميم الممتلكات. وإن كان باروخ، في قرارة نفسه، يحدس بأن ذلك التغيير المفاجئ لحياة الخرطوم هو بداية لانهيار كبير في مصير المدينة:
«هذه المدينة نسيج بدأ يفقد رونقه، روعته الأولى... ترهل هذا النسيج... السودان القديم الذي تركه الإنجليز بدأ يغيب تماماً ونظام الألفة لم يعد هو» ص 40. ورغم الحالة المنسية في المجتمع الإسرائيلي العام لأفراد اليهود السودانيين، فإن الحساسية والاحتياط في دفن حيواتهم القديمة في السودان، ظل هاجساً. في حين بدا ذلك عسيراً على باروخ الذي تشرب الحياة السودانية إلى درجة التماهي. كانت الحياة السودانية لباروخ جزءاً من هويته التي أحبها، ولتأكيد هذه العلاقة الحميمة، يدرج عماد البليك إشارة تاريخية في أحداث الرواية عن فنان سوداني معروف (الموسيقار عبد الكريم الكابلي) بوصفه أحد أصدقاء باروخ المقربين.
يبدو عقد السبعينات واضحاً في نسيج الرواية المتصل برصد يوميات الحياة المنطلقة في الخرطوم؛ ماركات السيارات الإنجليزية، الأندية الليلية، بنات الهوى في شارع الجمهورية، والسمت البيروقراطي لهوية كبار الموظفين الذين يتسكعون ليلاً في شارع الجمهورية بسيارات مرسيدس فارهة؛ ذلك ما ترصده ذاكرة سوسو في فندق «دان بانوراما» في حين تطل على تلك الحياة من خلال شرفة المنزل التي ولدت فيه بشارع الجمهورية.
تعكس الرواية تصميماً مقصوداً لمعنى التيه كحالة مضاعفة أو مزدوجة. وهي حالة لا تنطبق إلا على يهود السودان الذين كان تعدادهم 1000 يهودي، في حين تجاوز تعدادهم في بعض دول العالم العربي كالمغرب 270 ألفاً.
في ختام الرواية، يتساءل المؤلف: «يهود السودان الذين تفرقوا في الأرض، أغلبهم باتوا ناجحين في مناصبهم الجديدة... هل فقدهم أم فقدوه؟» ص 250.
وإزاء سؤال كبير كهذا، ينهض سؤال آخر حيال الشروط التي حكمت منطق التفسير السياسي العدمي للأنظمة العروبية في الخمسينات؛ باتخاذها قرار عمليات تهجير اليهود من بلدانهم العربية (بعد أن ظلوا في بعض تلك البلدان لأكثر من ألف سنة) ـ وما إذا كانت تلك العمليات قائمة على منطق أو سوية موضوعية.
ذلك أن إلغاء حيوات مواطنين وإهدار تاريخهم الاجتماعي فقط بحجة مواجهة احتلال إسرائيلي غربي - وفقط، بحسبان أولئك المواطنين اليهود «صهاينة محتملين» وفق ذلك المنطق العدمي الأعمى؛ هو الذي جعل اغتراب اليهود السودانيين بخاصة اغتراباً مضاعفاً. فعبارة «أنا سوداني أكتر منكم» التي لطالما رددها اليهودي السوداني «جولدمان»، كلما شك بعض السودانيين في سودانيته (بسبب بشرته البيضاء) كانت كاشفة في دلالتها الحارقة على الانتماء إلى السودان.
هناك خيوط للواقع متذررة في ثنايا النص المتخيل للرواية، فالواقع يحضر هنا في أكثر من قصة، لكن حين أدرج المؤلف، في ثنايا نصه الروائي، اسماً لشخصية واقعية لا تزال على قيد الحياة (الفنان السوداني الكبير عبد الكريم الكابلي الذي يعيش في أميركا اليوم، وكان قد صرح مؤخراً بأن له جذوراً يهودية) كان يشي بكثير من تكرار تذكر الأسى الذي يمكن أن يتخيله الفرد حين يتعين عليه إخفاء هويته، فقط لكونه مختلفاً لوناً أو ديناً، كما يشي بعجز الآيديولوجيا عن تعميم رواياتها الرسمية مهما اشتغلت على ذلك بقوة السلاح، وأن الأصول هي الأصول ولن تتغير.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.