أوبراين «الطيّع» بدلاً من بولتون «المتشدد»... يرسم ملامح سياسة ترمب الخارجية

في ظل خلاف الرئيس الأميركي مع «المؤسسة السياسية» المناهضة له

أوبراين «الطيّع» بدلاً من بولتون «المتشدد»... يرسم ملامح سياسة ترمب الخارجية
TT

أوبراين «الطيّع» بدلاً من بولتون «المتشدد»... يرسم ملامح سياسة ترمب الخارجية

أوبراين «الطيّع» بدلاً من بولتون «المتشدد»... يرسم ملامح سياسة ترمب الخارجية

تسمية روبرت أوبراين، قبل بضعة أيام، لمنصب مستشار الأمن القومي من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا تحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ لتثبيت تعيينه. لكن، مما لا شك فيه، أن تسميته تكتسب أهمية ودلالات، وتطرح كثيراً من التساؤلات حول اتجاهات السياسة الخارجية لإدارة ترمب في هذه المرحلة. فهي تأتي في وقت تعمل فيه واشنطن على ملفات، أهمها التوتر المتصاعد مع إيران، والسلاح النووي لكوريا الشمالية، والحرب التجارية المستعرة مع الصين، وملف عملية السلام في أفغانستان، والأزمة المستمرة في فنزويلا، وهي ملفات كانت كلها مصدر خلافات رئيسية بين جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق، مع ترمب، وأدت في نهاية المطاف إلى «إزاحة» بولتون من منصبه.
يحظى روبرت أوبراين بقبول عام لدى «المؤسسة» الحزبية الأميركية؛ خصوصاً الحزب الجمهوري. ثم إنه يتمتع بعلاقات جيدة مع زملائه في وزارة الخارجية، وفي وزارة الدفاع «البنتاغون» أيضاً. ويوصف، عموماً، بأنه «رجل ودّي»، بخلاف سلفه جون بولتون، الذي فقد «الانسجام» مع الرئيس.
حسب موقع وزارة الخارجية الأميركية، كان أوبراين في بداية مسيرته المهنية مسؤولاً قانونياً في لجنة تابعة لمجلس الأمن الدولي وجّهت اتهامات للعراق بعد حرب الخليج. وبفضل خبرته القانونية والعسكرية الكبيرة، فقد تقلد مناصب رفيعة في الإدارة الأميركية إبان عهود الرؤساء جورج بوش الابن، وباراك أوباما، وترمب. وبالإضافة إلى ما سبق، فإن أوبراين جنرال سابق في قوات الاحتياط التابعة للبحرية الأميركية، ومحامٍ مرموق تخرج من كلية حقوق جامعة كاليفورنيا – بيركلي الشهيرة.
اختار الرئيس بوش الابن، أوبراين، ضمن فريق الولايات المتحدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005، ليعمل إلى جانب بولتون، سفير واشنطن في الأمم المتحدة. وكان حتى صدور قرار تعيينه في منصبه الجديد يعمل مبعوثاً رئاسياً خاصاً لشؤون الرهائن في وزارة الخارجية، ويقدم استشارات للإدارة فيما يتعلق بمسائل الرهائن حول العالم، ويعمل على تطوير استراتيجيات التعامل مع قضايا الرهائن. وحقاً، برز اسم أوبراين خلال الأسابيع الماضية، لدوره في إطلاق سراح مغني «الراب» الأميركي، إيساب روكي، الذي اعتقل في السويد بتهمة اعتداء، وتدخل ترمب شخصياً لتأمين إطلاق سراحه، وأوفد أوبراين لحل قضيته... ورغم ذلك فقد تباينت ردود الفعل على تسميته لتولي هذا المنصب الرفيع.
صحيفة «يو إس أيه توداي» قالت إن البعض يعتبر اختيار أوبراين تقليلاً من أهمية هذا المنصب، ويشير إلى مدى النفوذ الذي يتمتع به وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي هو في الوقت الحالي رئيس لأوبراين. وفي المقابل، قال السيناتور الجمهوري لينسي غراهام، إن أوبراين «يفهم أماكن الخطر في العالم ويتمتع بمهارات تفاوضية كبيرة بصفته مفاوضاً لشؤون الرهائن»، متوقعاً له النجاح في مهمته. أما نيد برايس، الناطق باسم مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس باراك أوباما، فقال إن ترمب «بعد تحمّله تجربة بولتون لا يريد شخصية قوية أو آيديولوجية في منصب مستشار الأمن القومي».

شخصية غير صدامية
في أي حال، شخصية أوبراين وتجربته، لا توحيان بأن ردّات فعل الإدارة الأميركية على الأزمات المندلعة، كالعدوان الإيراني الأخير وغير المسبوق على أكبر وأهم منشأة للطاقة في العالم، قد يأخذ شكلاً عسكرياً، ولو لم يكن شاملاً. فالرد على الهجوم الإيراني لا يقابل بالإصرار على سلاح العقوبات وحده، على ما طلبه ترمب من وزير الخزانة ستيفن منوتشين، ليتبعه بالقول إنه «من السهل جداً إجراء مكالمة هاتفية للردّ على هجمات السعودية، لكن الأمر ليس ضرورياً اليوم أو غداً أو في غضون أسبوعين».
ترمب، الذي يصرّ على تكرار أنه لن يتعامل مع طهران، إلى أن يرى تغييراً في سلوكها باتجاه تحولها «دولة طبيعية»، لا ينفك يطلق تصريحات متناقضة، توحي بأنه متردّد. ويرى البعض أنه قد يكون يتبع خطوات سلفه باراك أوباما، ويستخدم لغته التي سخر منها سابقاً، «عبر استعداده لتقديم حوافز من شأنها تسهيل المفاوضات»، بحسب موقع «ذي هيل» الأميركي. غير أن أحداً لا يشك في أن التصعيد الإيراني الأخير، الذي اعتبر أنه أكبر استفزاز للوضع، الذي نشأ في أعقاب معاودة واشنطن فرض عقوباتها على طهران، كان أول اختبار إيراني للوضع، الذي نشأ بعد إزاحة جون بولتون من منصبه.

العدوان الإيراني الجديد
الدكتور ماتيو ليفيت، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني والجماعات الإرهابية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، كان قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً: «إن نمط الهجوم التصاعدي الإيراني لا يمثل تحدياً لإدارة ترمب فقط، بل أيضاً للمجتمع الدولي الأوسع، بما في ذلك الصين، في ضوء تأثير تلك الهجمات على اقتصاد النفط العالمي». وأضاف ليفيت أنه «لمن المهم للغاية الآن تقديم أدلة علنية بأن إيران هي التي تقف وراء الهجوم على منشآت النفط السعودية، ومن ثم فإن السعوديين بصفتهم الطرف المتضرّر يجب أن يدعوا إلى اجتماع خاص لمجلس الأمن الدولي».
ليفيت لم يربط الهجوم الإيراني بشكل مباشر برحيل بولتون، قائلاً إن «إيران كانت تريد أن تصعّد من الأزمة في مطلق الأحوال. إلا أن الإحساس بأن ترمب لا يريد الحرب، من المرجح أن يغذي لدى الإيرانيين فكرة أنه لن تكون هناك تكلفة تذكر للهجمات الأخيرة على منشأتي النفط في السعودية، حتى الهجمات على السفن القريبة في الخليج، والتي تم تنفيذها باحترافية عالية لإمكان نفيها».
من ناحية ثانية، كتب مايكل نايتس، خبير الشؤون العسكرية لدول الخليج في «معهد واشنطن» أيضاً، في مقالة له: «إذا افترضنا ثبوت صحة الدلالات الأولية على حدوث الهجوم بواسطة صواريخ تسيارية أطلقت من الأراضي الإيرانية، فإن الضربة تشكل مجازفة جريئة للغاية من قبل القيادات الإيرانية. ومع أنه يمكن لإيران الاعتماد على شكوك الرأي العام الدولي لإنكار مسؤوليتها، مهما كانت الظروف، فإن هجوماً بهذه الضخامة كفيل بإثارة عواقب دبلوماسية وعسكرية شديدة الخطورة». وأردف نايتس أحد الاحتمالات، هو أن «مسؤولي الأمن الإيرانيين قرّروا أن بإمكانهم مواصلة اختبار العزم الأميركي والسعودي، من دون معاناة عواقب وخيمة، ربما بهدف زعزعة أو إبطال ثقة أحدهما بالآخر، أو إجبارهما على مواجهة إيران».

«الفوضى»... و«النزف»
من جهة أخرى، اللافت في التطوّرات الأخيرة أنها تكشف عن وجهين للسياسة الأميركية، يبدو أن إيران قررت اختبارهما معاً. فإقالة أو استقالة بولتون، كانت النتيجة الطبيعية «للفوضى السياسية» التي تشهدها أروقة البيت الأبيض، كما يرى مراقبون. واندلاع الخلاف بين أركان إدارة ترمب حول أفضل السبل لتحقيق «صفقته» مع إيران، أسلوبه المحبب في تحقيق إنجازاته السياسية، كانت تتجمع نُذُره منذ مدة، تجاوزت الخلاف حول الموقف من «المبادرة الفرنسية». وهذه المبادرة هي التي قيل إن ترمب كان قد أعطى «الضوء الأخضر» لها للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شخصياً، عندما التقى به على هامش قمة «مجموعة الدول السبع» في منتجع بياريتز، بجنوب غربي فرنسا.
هنا، في موضوع حساسية منصب مستشار الأمن القومي، ينبغي التوقف عند قول هنري كيسينغر، «عميد» الدبلوماسية الأميركية، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لمدة سنتين، إلى جانب وظيفته وزيراً للخارجية. إذ كتب كيسينغر في مذكراته عن تجربته مع الرئيس ريتشارد نيكسون: «الأمر ببساطة يرجع إلى أن الرئيس لم يكن يحب أن يرى من حوله عدداً كبيراً من الناس... وهناك أيضاً عامل آخر، هو قرب المسافة بين مكتب الرئيس ومكتب مستشار الأمن القومي، في حين أن مكاتب الوزراء تفصلها مسافة 10 دقائق بالسيارة... الرئيس الجمهوري يرى في مسؤول الأمن القومي مستشاراً شخصياً رهن إشارته، ومعبّراً عن مصالحه واهتماماته».
غير أن تفسيرات كيسينغر قد لا تكفي لتفسير النزف الكبير الذي شهدته إدارة ترمب. بل ثمة من يقول إنها تكشف عن مشكلات تتجاوز الخلاف في وجهات نظر أركانها معه، وعن توجه حثيث للرئيس لتكريس سلطة، وصفها البعض بأنها «تسعى إلى تكريس أسلوب الاستبداد»، تشبّهاً بالأنظمة التي تمجد «الزعيم»، كالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جينبينغ، وتهدّد قيم الديمقراطية التي دافع ويدافع عنها رؤساء الولايات المتحدة.
هكذا خرج كبير المستشارين الاقتصاديين، غاري كوهين، بسبب قرار ترمب رفع التعريفة الجمركية على الألمنيوم والصلب، وخرجت وزيرة الأمن الداخلي كيرستين نيلسن على قضية ضبط الحدود مع المكسيك، وخرج مدير «إف بي آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي) جيمس كومي، وكذلك وزير العدل جيف سيشنز على قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية.
وبحسب تحليل لصحيفة «نيويورك تايمز»، الناقدة لسياسات ترمب، لـ21 منصباً بارزاً في البيت الأبيض ومجلس الوزراء منذ عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، يظهر أن الاضطرابات التي شهدتها إدارة ترمب كانت غير عادية خلال الأشهر الـ14 الأولى من رئاسته. إذ جرى تغيير 9 من شاغلي هذه المناصب مرة واحدة على الأقل خلال إدارة ترمب، مقارنة بـ3 مناصب خلال الفترة نفسها في إدارة كلينتون، و2 في عهد باراك أوباما، وواحد في عهد جورج بوش الابن. ومن ثم، يمكن القول عموماً إن إدارة ترمب شهدت أكبر عملية خروج من المناصب الرئيسية إبان فترته الرئاسية الأولى، في تاريخ الرؤساء الأميركيين.

إيران... و«المؤسسة السياسية»
من ناحية ثانية، يكشف خروج المسؤولين البارزين عن خلافات تتجاوز أيضاً إدارة ترمب، وتصطدم بالمؤسسة السياسية الأميركية، حتى داخل أوساط الحزب الجمهوري. فالخلاف حول الموقف من إيران وأفغانستان، انخرط فيه أعضاء بارزون من قيادات الحزب ورموزه في مجلس الشيوخ، وسط تحذيرات من مغبة تأويل إيران لضبط النفس على أنه ضعف في العزيمة.
وهذا الأمر تسبب في خلاف علني نادر بين ترمب والسيناتور لينسي غراهام، الذي أعرب في تغريدة عبر «تويتر» عن خشيته من أن يشجّع ضبط النفس الأميركي إيران على مزيد من الاستفزازات، ولا سيما بعد قرار ترمب بالتراجع عن ضربها رداً على إسقاط الطائرة الأميركية المسيّرة. إلا أن ترمب ردّ بالقول إن قراره «كان مؤشراً على القوة، لا يفهمه بعض الناس فقط»، مضيفاً أنه «من السهل بدء الحروب»، مذكّراً غراهام بدعمه حرب العراق، التي يصفها بالكارثة.
بدوره، وجّه السيناتور الجمهوري تيد كروز، عن ولاية تكساس، انتقادات لاذعة لوزير الخزانة الأميركية ستيفن منوشين، متهماً ما وصفه بـ«الدولة العميقة» بمحاولة الإبقاء على «شعرة معاوية»، وإجهاض سياسة أقصى العقوبات، التي لا بديل عنها لإجبار النظام الإيراني على الخضوع... وتحوّل إيران إلى «دولة طبيعية».
وفي ملف أفغانستان، أكد غراهام أيضاً على أنه من الخطأ استقبال مَن تلطّخت أياديهم بالدماء الأميركية على الأراضي الأميركية، «مثمّناً» في الوقت نفسه قرار الرئيس إلغاء الاجتماع السرّي المبرمج سابقاً مع قيادات «طالبان» في كامب ديفيد.

تحديات البعد الاقتصادي
هذه الخلافات العلنية تقدّم مؤشراً إضافياً عن عمق الأزمة التي يشهدها الحزب الجمهوري، الذي يبدو خاضعاً بطريقة استثنائية لسلطة الرئيس. وهي أزمة معقدة في ظل الخلاف المندلع مع الحزب الديمقراطي حول سبل معالجة الأزمات السياسية الخارجية والداخلية والاقتصادية والاجتماعية، كقضايا المناخ والتأمين الصحي والتعليم وضبط السلاح وملف المهاجرين والسياسات النقدية. ذلك أنه على الرغم من ادعاءات ترمب حول «الاقتصاد القوي»، تشير الدلائل والتحليلات الاقتصادية إلى احتمال تباطؤ الاقتصاد الأميركي.
كذلك يرى منتقدوه أن تشديده على إنجازاته التي سمحت للولايات المتحدة «باستعادة هيبتها الدولية» وتجديد قوتها العسكرية، لا تعدو أكثر من شعارات شعبوية، يعمل ترمب على «شحن» قاعدته الشعبية بها، لتجديد انتخابه عام 2020 لـ4 سنوات جديدة... «وربما أكثر»، بحسب «تغريدته» التي رفع فيها شعار «لنجعل أميركا قوية مرة أخرى في 2024»، رغم أن الدستور يمنع ذلك!
حتى المواقف التي أعلنها السيناتور ميتش ماكونيل، زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، المشيدة ببولتون، وانتقادات ليز تشيني كبيرة الجمهوريين في مجلس النواب، والسيناتور الجمهوري ميت رومني، المرشح الرئاسي السابق، لسياسات ترمب الخارجية، بأنها تضعف ادعاءاته بإعادة بناء قوة أميركا الدولية، فإنها لا تبدو كافية للتأثير على زعامة ترمب وتفرده بالقرار السياسي. وهو يعبر عن هذا التفرّد باستخدامه المكثّف للأوامر الرئاسية بشكل غير مسبوق أيضاً، في مواجهة السلطتين التشريعية والقضائية معاً. وهكذا تجاوز تصويت الكونغرس ضد قرار تمويل الجدار مع المكسيك، ووقف صفقات الأسلحة، وعطّل الأحكام القضائية حول دخول المهاجرين.

اعتبارات «براغماتية»
في المقابل، يقول البعض إن ترمب ليس «متشدداً بطبعه»، بل يميل إلى البراغماتية في عقد الصفقات، ويرفض الدخول في حروب لا داعي لخوضها، ولا تحقق أي فائدة أو مصلحة للولايات المتحدة. وحقاً، هذا ما عبّر عنه ترمب بشكل واضح، بعدما أوقف الضربة التي أقنعه بتنفيذها بولتون ضد إيران في اللحظة الأخيرة، إثر إسقاطها الطائرة الأميركية المسيّرة في منطقة الخليج قبل أكثر من شهرين. وتلا ذلك تصاعد التوتر معها واتهامها بتفجير بعض ناقلات النفط واحتجازها ناقلات أخرى.
غير أن قرار استبعاد الحرب قد لا يكون مرتبطاً فقط بأسباب انتخابية تفرض على ترمب الامتناع عن الدخول في حرب جديدة، بينما هو يسعى إلى سحب القوات الأميركية من ساحات الشرق الأوسط. بل قد يكون قراراً أميركياً يستعيد ما توصلت إليه إدارة أوباما، ولو مواربة، عبر ترك المنطقة للمثلث التركي - الإيراني - الإسرائيلي، بينما تحتفظ واشنطن بهيمنتها، وخصوصاً على إمدادات الطاقة العالمية.

السلف... جون بولتون
> جون بولتون مستشار الأمن القومي الثالث للرئيس دونالد ترمب، وأحد أبرز «صقور» الإدارة الأميركية.
- طرده ترمب في تغريدة، صباح الثلاثاء، في 10 سبتمبر (أيلول) 2019، بسبب خلافه الكبير معه على ملفات السياسة الخارجية في إيران وكوريا الشمالية وأفغانستان.
- محامٍ ومعلق سياسي ومستشار جمهوري ودبلوماسي سابق، تلقى تعليمه الجامعي في جامعة ييل العريقة.
- شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة من أغسطس (آب) 2005 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2006 في عهد الرئيس جورج بوش الابن. واستقال في ديسمبر 2006 بعد سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلس الشيوخ.
- شارك في كثير من المنظمات المحافظة، وعرف عنه تشدده اليميني، ولا سيما الشؤون الأمنية، وقربه من تيار «المحافظين الجدد». وكان مديراً لـ«مشروع القرن الأميركي الجديد» الذي أيّد الحرب ضد العراق.

والخلف... روبرت أوبراين
> روبرت أوبراين، عيّنه الرئيس دونالد ترمب مستشاراً لشؤون الأمن القومي في 18 سبتمبر الحالي، خلفاً لجون بولتون.
- محامٍ ينتمي إلى الحزب الجمهوري، تخرج في جامعة كاليفورنيا - لوس أنجليس، وكلية حقوق جامعة كاليفورنيا - بيركلي. وبدأ مسيرته المهنية مسؤولاً قانونياً في لجنة تابعة لمجلس الأمن الدولي، وجّهت اتهامات للعراق بعد حرب الخليج.
- تقلد بعدها مناصب رفيعة في الإدارة الأميركية، إبّان عهود جورج بوش الابن، وباراك أوباما، ودونالد ترمب.
- جنرال سابق في قوات الاحتياط التابعة للبحرية الأميركية، اختاره بوش ليكون ممثلاً للولايات المتحدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005، ليعمل إلى جانب بولتون في الأمم المتحدة.
- قبل تعيينه، عمل أوبراين مبعوثاً رئاسياً لشؤون الرهائن في وزارة الخارجية، ويقدم استشارات للإدارة فيما يتعلق بمسائل الرهائن حول العالم.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».