مافيا الرمال من الصين إلى المغرب

50 مليار طن سنوياً يستهلك نصفها في أعمال البناء

مافيا الرمال من الصين إلى المغرب
TT

مافيا الرمال من الصين إلى المغرب

مافيا الرمال من الصين إلى المغرب

بينما كانت بعض الدول العربية تشهد ما اصطلح على تسميته بـ«الربيع العربي»، كانت مدينة أصيلة في شمال المغرب تواجه ثورة من نوع آخر.
فخلال السنوات بين 2012 و2014، عرفت المدينة الساحلية زيادة غير مسبوقة في بناء الشقق والمنازل والفنادق والمنتجعات السياحية. وفي قلب طفرة التطوير العقاري هذه، كانت شركات البناء تبحث عن الخيارات الأرخص للتوفير في تكاليف الإنشاء، فوجدت غايتها في الرمال الشاطئية التي جرى استخراجها بأيادي المئات من الشباب الباحثين عن فرصة للعمل.
ونتيجة لتراجع الطلب على العقارات لاحقاً، توقف ضخ المال في هذه السوق، وتباطأ سحب الرمال. وأمام الشقق الفارغة وغير المكتملة، كشف الشاطئ الذي أزيلت رماله، وانخفض منسوبه، عن صخور أخذ المد يطالها ويخلف فيها بحيرات وبركاً. أمام هذه الخسائر الاقتصادية والثقافية والبيئية، قامت بلدية أصيلة في صيف 2016 باستيراد الرمل من أماكن أخرى لترميم أكثر الأماكن جلباً للسياح.
وفيما يعاقب القانون المغربي بالحبس من سنة إلى 5 سنوات على استغلال الرمال، بشكل غير قانوني، يستمر نهب الشواطئ في أصيلة، وعلى كامل السواحل المغربية، التي تمتد على طول 3500 كيلومتر. ويشير تقرير صدر مؤخراً عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن نصف حجم الرمال المستعملة كل سنة في البناء في المغرب، أي ما يعادل 10 ملايين متر مكعب، يتم توفيرها بشكل غير قانوني. ويصف التقرير، الذي حمل عنوان «الرمل والاستدامة»، ما يجري على شواطئ المغرب، بأنه جريمة منظمة تديرها «مافيا» تنهب الرمال خلافاً للقانون أو بتجاوز للرخص الممنوحة، وتتهرب من دفع الضرائب، وتعمل على تبييض أموالها بطرق غير شرعية. الأوضاع في المغرب هي أقل سوءاً مما يحصل في أماكن أخرى، كالهند والصين مثلاً، وهذا يجعل البعض يتساءل: ما هي القيمة الحقيقية لهذه المادة التي تنتشر في كل مكان وتجري وراءها المافيات؟

- أساس الحضارة المدنية
تعد الرمال والحصى ثروات لا تشغل بال الكثيرين، على الرغم من أهميتها في الاقتصادات العالمية، باعتبارها أكثر المواد الصلبة استخراجاً، واعتمادنا عليها من حيث الحجم يأتي في المرتبة الثانية بعد الماء. وإلى جانب الحصى، يدخل الرمل في صناعات أساسية كالإسمنت والإسفلت، وفي حالته النقية يستخدم الرمل في تصنيع الزجاج والدوائر الإلكترونية المتكاملة التي تعتمد عليها الحواسيب والهواتف المحمولة وجميع الأجهزة الإلكترونية.
ويجري استخراج الرمال والحصى على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، لكن هناك القليل من البيانات العالمية حول هذا النشاط. ويقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن مجموع ما يجري استخراجه من الرمال والحصى يبلغ نحو 40 إلى 50 مليار طن في السنة، حيث يتم استهلاك أكثر من نصف هذه الكمية في صناعة البناء وحدها. ووفقاً لدراسات شركة «زيون» الأميركية، بلغ حجم السوق العالمية للرمال والحصى في قطاع البناء 360 مليار دولار في سنة 2018.
وفي كل مكان، يشهد الطلب على الرمال ارتفاعاً سنة بعد سنة، مدفوعاً بتغير أنماط الاستهلاك وتزايد عدد السكان وزيادة التوسع الحضري وتطوير البنى التحتية. ومن المتوقع أن يقترب حجم السوق العالمية للرمال والحصى في قطاع البناء في سنة 2025 من 500 مليار دولار، بمعدل نمو عالمي يبلغ 4.6 في المائة سنوياً.
اللافت هو تضاعف الطلب على الرمال بمقدار ثلاث مرات خلال العقدين الماضيين، لا سيما في آسيا وأفريقيا، حيث تعد الاقتصادات الناشئة الأكثر شرهاً للرمال. فالصين وحدها تستخرج نحو ثلثي مجموع الرمال على مستوى العالم، حتى أن التقديرات تشير إلى استهلاكها في ثلاث سنوات ما استهلكته الولايات المتحدة طيلة القرن العشرين بأكمله. ومن النادر أن يخضع استخراج الرمال في الصين إلى تقييم للأثر البيئي، وفي كثير من الأحيان ينطوي هذا العمل على انتهاك القوانين المحلية بشكل روتيني. وعلى الرغم من وفرتها وانتشارها، لا يمكن استخدام الرمال الصحراوية في صناعة مواد البناء، لأن حبيباتها المكورة لا ترتبط جيداً بالخرسانة. لذلك يتم الحصول على الرمال من المقالع الجبلية، كما في لبنان، ويتم استخراجها بشكل متزايد من الشواطئ وتجريفها من النظم الإيكولوجية الهشة في البحار والأنهار، ما يتسبب بأضرار كبيرة.

- مشكلات بيئية واجتماعية
تفضل صناعة البناء استخدام رمل المقالع أو الرمل النهري على الرمل البحري، الذي يتوجب غسله جيداً لتنظيفه من الأملاح التي تؤدي إلى تآكل حديد التسليح المستخدم في الخرسانة الإنشائية. ونظراً لانخفاض كلفتها، تستخرج الرمال النهرية بالاعتماد على منصّات تجريف تتسبب بتغير كبير في تدفق الأنهار، وتآكل ضفافها، كما تؤدي إلى جفاف روافدها وانخفاض منسوبها.
ويُلحق تجريف الرمل لتنفيذ مشروعات البنى التحتية ضرراً واسعاً في النظم الإيكولوجية البعيدة عن مواقع هذه المشروعات. ففي إندونيسيا انخفضت كثافة مروج الأعشاب البحرية، وتراجعت أعداد سلاحف «تيرابين» النهرية المهددة بالانقراض في ماليزيا وبنغلاديش والهند، ولحق الضرر موائل تمساح «غاريال» النادر في شمال الهند ودلافين نهر الغانج. كما نتج عن تجريف الرمل في نهر اليانغستي الأدنى انخفاض كبير في مستوى المياه، ما أدى إلى خلل في النظام الغذائي للطيور المهاجرة في الصين.
ومع انتشار تجريف الرمال على نطاق واسع، لا يزال العالم حتى الآن يغض النظر عن البصمة البيئية الخطيرة لهذه الممارسة، في غياب معاهدات دولية تنظّم استخراج الرمال واستخدامها والتجارة بها. وتشير تقارير قام بجمعها الصندوق العالمي للطبيعة إلى حصول أعمال تنقيب واسعة عن الرمال الشاطئية والنهرية بشكل غير قانوني في 70 بلداً حول العالم. وتؤكد هذه المنظمة الدولية، في تقرير أصدرته عام 2018 بعنوان «آثار تعدين الرمل»، أن بعض أعمال التنقيب، بما فيها تلك الحاصلة على رخصة رسمية، كانت تجري في جوار المحميات الطبيعية أو داخلها.
وإلى جانب تأثيراته البيئية، يترك استخراج الرمال أثراً اجتماعياً متبايناً. فهو مورد عيش للكثير من الأسر، وفي المقابل يتسبب بقطع أرزاق أسر أخرى نتيجة إضراره بالمصائد السمكية والمقاصد السياحية وموارد الغابات. كما تشمل مخاطره السلامة المباشرة للعاملين في هذا القطاع، إذ سُجّل العديد من حوادث الغرق خلال استخراج الرمال من قاع الأنهار، إلى جانب حصول وفيات نتيجة الهبوط المفاجئ في التربة أو الانزلاقات الأرضية.
وكأي جريمة منظمة، لا يخلو التنقيب غير الشرعي عن الرمال من حوادث العنف، التي تصل أحياناً حد ارتكاب جرائم القتل. ففي الهند، ثاني أكبر بلد مستخرج للرمل في العالم، تدير عصابات منظمة استخراج الرمل غير الشرعي على نطاق واسع في البلاد. وتقوم هذه العصابات المارقة بتغطية أعمالها عن طريق الرشوة، وبلغ بها الأمر أن قتلت شرطياً حاول وقف أنشطتها في محمية وطنية للتماسيح في ولاية ماديا براديش. وتوفر العصابات المسلحة الحماية لعمال استخراج الرمال في محيط مدينة نيروبي، عاصمة كينيا. وفي ماليزيا، اتهم 34 مسؤولاً حكومياً بالتغاضي عن تهريب الرمل إلى خارج البلاد مقابل رشى. وفي العام الماضي، لقي ثلاثة أشخاص حتفهم في مظاهرات شعبية جرت في ولاية كومبو الغامبية احتجاجاً على التأثير الضار لاستخراج الرمل على حقول الأرز، الذي يشكل مصدر دخل السكان المحليين.
وفي العالم العربي، تتنوع المظاهر السلبية لإدارة الرمال ابتداءً بالعصابات المنظمة التي تنهب شواطئ المغرب والجزائر، مروراً بمافيا الكسارات والشواطئ في لبنان التي تدمر الثروات الطبيعية للبلاد، وانتهاءً بمشروعات التطوير العقاري في بعض الدول الخليجية، التي تقوم على استيراد الرمال وردم الموائل البحرية لإنشاء الجزر الاصطناعية. ومن المتوقع أن تؤدي الحروب المدمرة التي شهدتها بعض البلدان العربية إلى زيادة الطلب على الرمال والحصى. ففي العراق، تسعى العديد من البلديات إلى تعديل التشريعات الوطنية التي تحظر تجريف الحصى والرمال من أحواض الأنهار. وفي حال نجاحها في تحقيق ذلك، فإن مشكلة تهدّم المساكن والمنشآت سترخي بعبئها الثقيل على النظم البيئية المائية، خصوصاً في نهر دجلة.

- ما هي البدائل المتاحة؟
من الناحية التقنية، توجد بعض الخيارات للتخفيف من استهلاك الرمال، ومن ذلك مثلاً استغلال الطمي المتراكم في قاع السدود. في هذه الحالة، تكون المعادلة هي فوز جميع الأطراف. فمن جهة تحظى صناعة البناء بمادتها الأولية، ومن جهة أخرى يستفيد مشغلو السدود من خلال توفير سعة إضافية لتخزين المياه.
وفي البلدان المتقدمة، يحل البناء الجديد غالباً مكان البناء المهدم، وهنا تظهر أهمية تدوير أنقاض المباني في تقليل الحاجة لمواد بناء جديدة. ثلث مواد البناء المستخدمة للإسكان في بريطانيا هي مواد معاد تدويرها، وهذا الخيار يبدو واعداً في البلدان العربية التي دمرت حواضرها الحروب. كما أن تدوير مخلفات الزجاج يقلل من حاجة هذه الصناعة إلى الرمل الجديد. وتوجد بدائل للرمل في صناعة الخرسانة، كرماد محارق محطات الطاقة وغبار مقالع الصخور. إلا أن رخص سعر الرمل مقابل قيمة هذه البدائل يبقى عائقاً أمام تبنيها.
أياً تكن البدائل المقترحة، سيبقى استخراج الرمال أمراً لا مهرب منه. وأفضل الخيارات المتاحة هو تنظيمه في حدود قدرة الطبيعة على ضمان استدامته. وإلى أن يحصل ذلك، سيبقى استخراج الرمال جريمة منظمة تقع أمام أعيننا من دون أن نقيم لها وزناً.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

وجد باحثون درسوا بيانات من الأقمار الاصطناعية في ولاية كاليفورنيا الأميركية أن الأحياء التي يزداد بها عدد السيارات الكهربائية شهدت تراجعا في ​تلوث الهواء الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.

وعلى العكس من ذلك، أكدت بيانات الأقمار الاصطناعية أيضا أن الأحياء التي زاد بها عدد السيارات التي تعمل بالوقود شهدت ارتفاعا في التلوث. وقالت رئيسة الدراسة ساندرا إيكل من كلية كيك للطب في جامعة جنوب كاليفورنيا في بيان «إننا حتى لم نصل بعد إلى مرحلة الاستخدام الكامل للسيارات الكهربائية، لكن ‌بحثنا يظهر أن ‌تحول كاليفورنيا نحو السيارات الكهربائية يحدث بالفعل ‌اختلافات ⁠يمكن ​قياسها ‌في الهواء الذي نتنفسه».

وذكر الباحثون في مجلة «ذا لانست بلانيتاري هيلث» أنه مقابل كل 200 سيارة عديمة الانبعاثات أضيفت إلى أحياء كاليفورنيا بين عامي 2019 و2023، انخفضت مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 1.1 بالمئة. ويمكن أن يؤدي هذا الغاز الملوِث، الذي ينبعث من حرق الوقود الأحفوري، إلى نوبات ربو والتهاب ⁠بالشعب الهوائية وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

ولإجراء التحليل، قسم الباحثون ‌كاليفورنيا إلى 1692 حيا وحصلوا على البيانات ‍المتاحة للجمهور من إدارة ‍المركبات في الولاية بشأن عدد السيارات المخصصة للاستخدامات الخفيفة ‍وعديمة الانبعاثات المسجلة في كل حي. وتشمل هذه المركبات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية، والسيارات الهجينة القابلة للشحن، والسيارات التي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين.

ثم حصلوا بعد ذلك على بيانات من جهاز استشعار عالي ​الدقة بقمر اصطناعي يراقب مستويات ثاني أكسيد النيتروجين من خلال قياس كيف يمتص الغاز أشعة الشمس ويعكسها. وقال ⁠الباحثون إنهم يعتزمون مقارنة البيانات المتعلقة باستخدام السيارات عديمة الانبعاثات بعدد زيارات غرف الطوارئ ودخول المستشفيات للعلاج بسبب الربو في جميع أنحاء كاليفورنيا.

وتفضل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيارات التي تعمل بالوقود وألغت الإعفاءات الضريبية التي كانت تهدف إلى تشجيع استخدام السيارات الكهربائية. وأشار التقرير إلى أنه من المتوقع أن يؤدي الانتقال الكامل إلى السيارات الكهربائية إلى تقليل تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين في الهواء الطلق بنسبة 61 بالمئة في الولايات المتحدة وبنسبة تصل إلى 80 بالمئة في الصين.

وقالت إيكل إن النتائج الجديدة «‌تظهر أن الهواء النقي ليس مجرد نظرية، بل إنه يحدث بالفعل في مجتمعات محلية في أنحاء كاليفورنيا».


السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.