مافيا الرمال من الصين إلى المغرب

50 مليار طن سنوياً يستهلك نصفها في أعمال البناء

مافيا الرمال من الصين إلى المغرب
TT

مافيا الرمال من الصين إلى المغرب

مافيا الرمال من الصين إلى المغرب

بينما كانت بعض الدول العربية تشهد ما اصطلح على تسميته بـ«الربيع العربي»، كانت مدينة أصيلة في شمال المغرب تواجه ثورة من نوع آخر.
فخلال السنوات بين 2012 و2014، عرفت المدينة الساحلية زيادة غير مسبوقة في بناء الشقق والمنازل والفنادق والمنتجعات السياحية. وفي قلب طفرة التطوير العقاري هذه، كانت شركات البناء تبحث عن الخيارات الأرخص للتوفير في تكاليف الإنشاء، فوجدت غايتها في الرمال الشاطئية التي جرى استخراجها بأيادي المئات من الشباب الباحثين عن فرصة للعمل.
ونتيجة لتراجع الطلب على العقارات لاحقاً، توقف ضخ المال في هذه السوق، وتباطأ سحب الرمال. وأمام الشقق الفارغة وغير المكتملة، كشف الشاطئ الذي أزيلت رماله، وانخفض منسوبه، عن صخور أخذ المد يطالها ويخلف فيها بحيرات وبركاً. أمام هذه الخسائر الاقتصادية والثقافية والبيئية، قامت بلدية أصيلة في صيف 2016 باستيراد الرمل من أماكن أخرى لترميم أكثر الأماكن جلباً للسياح.
وفيما يعاقب القانون المغربي بالحبس من سنة إلى 5 سنوات على استغلال الرمال، بشكل غير قانوني، يستمر نهب الشواطئ في أصيلة، وعلى كامل السواحل المغربية، التي تمتد على طول 3500 كيلومتر. ويشير تقرير صدر مؤخراً عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن نصف حجم الرمال المستعملة كل سنة في البناء في المغرب، أي ما يعادل 10 ملايين متر مكعب، يتم توفيرها بشكل غير قانوني. ويصف التقرير، الذي حمل عنوان «الرمل والاستدامة»، ما يجري على شواطئ المغرب، بأنه جريمة منظمة تديرها «مافيا» تنهب الرمال خلافاً للقانون أو بتجاوز للرخص الممنوحة، وتتهرب من دفع الضرائب، وتعمل على تبييض أموالها بطرق غير شرعية. الأوضاع في المغرب هي أقل سوءاً مما يحصل في أماكن أخرى، كالهند والصين مثلاً، وهذا يجعل البعض يتساءل: ما هي القيمة الحقيقية لهذه المادة التي تنتشر في كل مكان وتجري وراءها المافيات؟

- أساس الحضارة المدنية
تعد الرمال والحصى ثروات لا تشغل بال الكثيرين، على الرغم من أهميتها في الاقتصادات العالمية، باعتبارها أكثر المواد الصلبة استخراجاً، واعتمادنا عليها من حيث الحجم يأتي في المرتبة الثانية بعد الماء. وإلى جانب الحصى، يدخل الرمل في صناعات أساسية كالإسمنت والإسفلت، وفي حالته النقية يستخدم الرمل في تصنيع الزجاج والدوائر الإلكترونية المتكاملة التي تعتمد عليها الحواسيب والهواتف المحمولة وجميع الأجهزة الإلكترونية.
ويجري استخراج الرمال والحصى على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، لكن هناك القليل من البيانات العالمية حول هذا النشاط. ويقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن مجموع ما يجري استخراجه من الرمال والحصى يبلغ نحو 40 إلى 50 مليار طن في السنة، حيث يتم استهلاك أكثر من نصف هذه الكمية في صناعة البناء وحدها. ووفقاً لدراسات شركة «زيون» الأميركية، بلغ حجم السوق العالمية للرمال والحصى في قطاع البناء 360 مليار دولار في سنة 2018.
وفي كل مكان، يشهد الطلب على الرمال ارتفاعاً سنة بعد سنة، مدفوعاً بتغير أنماط الاستهلاك وتزايد عدد السكان وزيادة التوسع الحضري وتطوير البنى التحتية. ومن المتوقع أن يقترب حجم السوق العالمية للرمال والحصى في قطاع البناء في سنة 2025 من 500 مليار دولار، بمعدل نمو عالمي يبلغ 4.6 في المائة سنوياً.
اللافت هو تضاعف الطلب على الرمال بمقدار ثلاث مرات خلال العقدين الماضيين، لا سيما في آسيا وأفريقيا، حيث تعد الاقتصادات الناشئة الأكثر شرهاً للرمال. فالصين وحدها تستخرج نحو ثلثي مجموع الرمال على مستوى العالم، حتى أن التقديرات تشير إلى استهلاكها في ثلاث سنوات ما استهلكته الولايات المتحدة طيلة القرن العشرين بأكمله. ومن النادر أن يخضع استخراج الرمال في الصين إلى تقييم للأثر البيئي، وفي كثير من الأحيان ينطوي هذا العمل على انتهاك القوانين المحلية بشكل روتيني. وعلى الرغم من وفرتها وانتشارها، لا يمكن استخدام الرمال الصحراوية في صناعة مواد البناء، لأن حبيباتها المكورة لا ترتبط جيداً بالخرسانة. لذلك يتم الحصول على الرمال من المقالع الجبلية، كما في لبنان، ويتم استخراجها بشكل متزايد من الشواطئ وتجريفها من النظم الإيكولوجية الهشة في البحار والأنهار، ما يتسبب بأضرار كبيرة.

- مشكلات بيئية واجتماعية
تفضل صناعة البناء استخدام رمل المقالع أو الرمل النهري على الرمل البحري، الذي يتوجب غسله جيداً لتنظيفه من الأملاح التي تؤدي إلى تآكل حديد التسليح المستخدم في الخرسانة الإنشائية. ونظراً لانخفاض كلفتها، تستخرج الرمال النهرية بالاعتماد على منصّات تجريف تتسبب بتغير كبير في تدفق الأنهار، وتآكل ضفافها، كما تؤدي إلى جفاف روافدها وانخفاض منسوبها.
ويُلحق تجريف الرمل لتنفيذ مشروعات البنى التحتية ضرراً واسعاً في النظم الإيكولوجية البعيدة عن مواقع هذه المشروعات. ففي إندونيسيا انخفضت كثافة مروج الأعشاب البحرية، وتراجعت أعداد سلاحف «تيرابين» النهرية المهددة بالانقراض في ماليزيا وبنغلاديش والهند، ولحق الضرر موائل تمساح «غاريال» النادر في شمال الهند ودلافين نهر الغانج. كما نتج عن تجريف الرمل في نهر اليانغستي الأدنى انخفاض كبير في مستوى المياه، ما أدى إلى خلل في النظام الغذائي للطيور المهاجرة في الصين.
ومع انتشار تجريف الرمال على نطاق واسع، لا يزال العالم حتى الآن يغض النظر عن البصمة البيئية الخطيرة لهذه الممارسة، في غياب معاهدات دولية تنظّم استخراج الرمال واستخدامها والتجارة بها. وتشير تقارير قام بجمعها الصندوق العالمي للطبيعة إلى حصول أعمال تنقيب واسعة عن الرمال الشاطئية والنهرية بشكل غير قانوني في 70 بلداً حول العالم. وتؤكد هذه المنظمة الدولية، في تقرير أصدرته عام 2018 بعنوان «آثار تعدين الرمل»، أن بعض أعمال التنقيب، بما فيها تلك الحاصلة على رخصة رسمية، كانت تجري في جوار المحميات الطبيعية أو داخلها.
وإلى جانب تأثيراته البيئية، يترك استخراج الرمال أثراً اجتماعياً متبايناً. فهو مورد عيش للكثير من الأسر، وفي المقابل يتسبب بقطع أرزاق أسر أخرى نتيجة إضراره بالمصائد السمكية والمقاصد السياحية وموارد الغابات. كما تشمل مخاطره السلامة المباشرة للعاملين في هذا القطاع، إذ سُجّل العديد من حوادث الغرق خلال استخراج الرمال من قاع الأنهار، إلى جانب حصول وفيات نتيجة الهبوط المفاجئ في التربة أو الانزلاقات الأرضية.
وكأي جريمة منظمة، لا يخلو التنقيب غير الشرعي عن الرمال من حوادث العنف، التي تصل أحياناً حد ارتكاب جرائم القتل. ففي الهند، ثاني أكبر بلد مستخرج للرمل في العالم، تدير عصابات منظمة استخراج الرمل غير الشرعي على نطاق واسع في البلاد. وتقوم هذه العصابات المارقة بتغطية أعمالها عن طريق الرشوة، وبلغ بها الأمر أن قتلت شرطياً حاول وقف أنشطتها في محمية وطنية للتماسيح في ولاية ماديا براديش. وتوفر العصابات المسلحة الحماية لعمال استخراج الرمال في محيط مدينة نيروبي، عاصمة كينيا. وفي ماليزيا، اتهم 34 مسؤولاً حكومياً بالتغاضي عن تهريب الرمل إلى خارج البلاد مقابل رشى. وفي العام الماضي، لقي ثلاثة أشخاص حتفهم في مظاهرات شعبية جرت في ولاية كومبو الغامبية احتجاجاً على التأثير الضار لاستخراج الرمل على حقول الأرز، الذي يشكل مصدر دخل السكان المحليين.
وفي العالم العربي، تتنوع المظاهر السلبية لإدارة الرمال ابتداءً بالعصابات المنظمة التي تنهب شواطئ المغرب والجزائر، مروراً بمافيا الكسارات والشواطئ في لبنان التي تدمر الثروات الطبيعية للبلاد، وانتهاءً بمشروعات التطوير العقاري في بعض الدول الخليجية، التي تقوم على استيراد الرمال وردم الموائل البحرية لإنشاء الجزر الاصطناعية. ومن المتوقع أن تؤدي الحروب المدمرة التي شهدتها بعض البلدان العربية إلى زيادة الطلب على الرمال والحصى. ففي العراق، تسعى العديد من البلديات إلى تعديل التشريعات الوطنية التي تحظر تجريف الحصى والرمال من أحواض الأنهار. وفي حال نجاحها في تحقيق ذلك، فإن مشكلة تهدّم المساكن والمنشآت سترخي بعبئها الثقيل على النظم البيئية المائية، خصوصاً في نهر دجلة.

- ما هي البدائل المتاحة؟
من الناحية التقنية، توجد بعض الخيارات للتخفيف من استهلاك الرمال، ومن ذلك مثلاً استغلال الطمي المتراكم في قاع السدود. في هذه الحالة، تكون المعادلة هي فوز جميع الأطراف. فمن جهة تحظى صناعة البناء بمادتها الأولية، ومن جهة أخرى يستفيد مشغلو السدود من خلال توفير سعة إضافية لتخزين المياه.
وفي البلدان المتقدمة، يحل البناء الجديد غالباً مكان البناء المهدم، وهنا تظهر أهمية تدوير أنقاض المباني في تقليل الحاجة لمواد بناء جديدة. ثلث مواد البناء المستخدمة للإسكان في بريطانيا هي مواد معاد تدويرها، وهذا الخيار يبدو واعداً في البلدان العربية التي دمرت حواضرها الحروب. كما أن تدوير مخلفات الزجاج يقلل من حاجة هذه الصناعة إلى الرمل الجديد. وتوجد بدائل للرمل في صناعة الخرسانة، كرماد محارق محطات الطاقة وغبار مقالع الصخور. إلا أن رخص سعر الرمل مقابل قيمة هذه البدائل يبقى عائقاً أمام تبنيها.
أياً تكن البدائل المقترحة، سيبقى استخراج الرمال أمراً لا مهرب منه. وأفضل الخيارات المتاحة هو تنظيمه في حدود قدرة الطبيعة على ضمان استدامته. وإلى أن يحصل ذلك، سيبقى استخراج الرمال جريمة منظمة تقع أمام أعيننا من دون أن نقيم لها وزناً.


مقالات ذات صلة

«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

بيئة ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)

«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

أكد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ألفارو لاريو، أن السعودية ترتبط مع الصندوق بشراكة استراتيجية طويلة الأمد تعود إلى بداية المؤسسة عام 1978،…

غازي الحارثي (الرياض)
الولايات المتحدة​ الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأربعاء إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها ​الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أشخاص يحتمون بالمظلات من أشعة الشمس مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فعاليات أسبوع الموضة في ميلانو بإيطاليا 22 يونيو 2026 (رويترز)

دراسة: عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير يرتفع عالمياً

ارتفع عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير بشكل حاد عالمياً خلال السنوات الخمسين الأخيرة بسبب التغيّر المناخي، وفق ما كشفت دراسة نُشرت نتائجها الاثنين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

أوروبا تشهد موجة حر شديد وفرنسا تعقد اجتماعات طارئة

أدت موجة من الحر الشديد تجتاح معظم أنحاء أوروبا إلى عقد اجتماعات طارئة في فرنسا، وإصدار تحذيرات على مستوى البلاد في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا حشد من الناس خلال احتجاج ضد منتجع فاخر وهو مشروع لشركة مرتبطة بجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منطقة حساسة بيئياً على ساحل البحر الأدرياتيكي في زفيرنيك بالقرب من فلورا بألبانيا يوم 6 يونيو 2026 (رويترز)

ما أسباب تصاعد المعارضة لمشروع منتجع فاخر مرتبط بعائلة ترمب في ألبانيا؟

يتصاعد الجدل في ألبانيا حول مشروع منتجع مرتبط بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسط احتجاجات ومخاوف بيئية، فيما تتمسك الحكومة بالمضي فيه.

«الشرق الأوسط» (تيرانا)

حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
TT

حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)

من المتوقع أن تتخطى موجة الحر التي تجتاح أوروبا 35 درجة مئوية لفترة، الجمعة، وأن تطول 150 مليون شخص على الأقل، بينهم أكثر من 50 مليوناً في ألمانيا و30 مليوناً في فرنسا، وفق تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشير تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أنَّ الحرارة ستتخطى 30 درجة مئوية بالنسبة إلى أكثر من 420 مليون شخص في أوروبا (من دون احتساب تركيا)، ما يعني أنها ستطول نحو 7 أشخاص من كلّ 10 بالقارة، حسب أرقام تستند إلى توقعات خدمة الأرصاد الجوية الألمانية ومركز الأبحاث المشتركة، وتتقاطع مع أرقام منظمة «كليماداشبورد» النمساوية غير الحكومية.

وهذه الأرقام تتجاوز التوقعات الصادرة عن المعهد الألماني للأحوال الجوية، والتي حُسبت بالنسبة إلى الخميس في الساعة 3.00 بتوقيت غرينتش. وتوقَّعت أن تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية وأن تطول 101 مليون نسمة.

امرأة تدفع عربة أطفال وسط المدينة خلال موجة حارة في فيينا بالنمسا 26 يونيو 2026 (رويترز)

وعلى عكس الخميس، لم تعد المنطقة الأكثر تضرراً من موجة الحر هي البر الفرنسي بل ألمانيا، حيث من المتوقع أن تصل درجات الحرارة إلى أكثر من 30 درجة مئوية، الجمعة، وأن تطول نحو 82 مليون نسمة، بينهم 52 مليوناً ستطولهم درجات حرارة تصل إلى 35 مئوية.

ولا تزال التوقعات تشير إلى أنّ درجات الحرارة ستتجاوز 35 مئوية لنحو 34 مليون نسمة في فرنسا و17 مليوناً في إيطاليا و15 مليوناً في هولندا. وأصدر «المعهد الهولندي للأرصاد الجوية» أول إنذار له بشأن موجة الحر الشديد، الذي يسري مفعوله الجمعة في معظم أنحاء البلاد.

ومن المتوقع أيضاً أن تؤثر مستويات درجات الحرارة هذه بشكل كبير على كل من المجر وبلجيكا ولوكسمبورغ.

ويُتوقع أن تطول موجة الحرّ التي شهدتها أوروبا الغربية في الأيام الأخيرة منطقة البلقان اعتباراً من السبت، فيما كان كامل ساحل البحر الأدرياتيكي مشمولاً، الجمعة، بتحذيرات من المستوى الأحمر، حسب وكالة «ميتيو ألارم».

ومن المنتظَر أن تصل مستويات الحرارة إلى 39 درجة، اعتباراً من الأحد حتى الاثنين على الأقل، في بعض مناطق صربيا ومقدونيا الشمالية والبوسنة ومونتينيغرو، وفق مختلف الهيئات الوطنية للأرصاد الجوية.

رجل يضع غطاءً على رأسه لتخفيف أثر الحرارة في روتردام بهولندا (إ.ب.أ)

وفي بلغراد، يُفترَض أن تصل الحرارة إلى 36 درجة السبت، و38 الأحد، و39 الاثنين والثلاثاء، متجاوزة الرقم القياسي البالغ 38.7 درجة الذي سُجّل في العاصمة في يونيو (حزيران) 2021.

وفي صربيا التي شهدت في السنوات الثلاث الأخيرة معدلات الحرارة الأشدّ صيفاً منذ بدء القياسات عام 1951، يعمل أكثر من عامل من كل خمسة في الهواء الطلق، حسب موقع «كليما 101» المتخصص، وشوهد عمّال في ورش البناء ظهر الجمعة تحت الشمس الحارقة. ورغم الحرّ، يُتوقَّع أن يشارك آلاف الأشخاص في بلغراد السبت في تجمّع ينظمه الحزب التقدمي الصربي الحاكم، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومع تجاوز درجات الحرارة 35 درجة، قصد كثير من السكان، الجمعة، الأماكن المظَلَّلة وتلك التي يتوافر فيها الماء. وقال ألكسندر (60 عاماً) وقد غمر قدميه في نافورة بوسط المدينة، لوكالة الصحافة الفرنسية: «أعاني كثيراً من الحر الشديد، وهذا المكان هو الأنسب لي».

وفي بريشتينا، عاصمة كوسوفو، كان الشارع الرئيسي الذي يكون عادة مزدحماً بالمارة شبه خالٍ ظهر الجمعة، فيما كان القلائل الذين يمرّون فيه يسرعون الخطى كي لا يمكثوا طويلاً في الحرّ.

وقالت الموظفة الحكومية (41 عاماً) مايليندا التي كانت تشتري أدويتها سريعاً قبل عطلة نهاية الأسبوع لوكالة الصحافة الفرنسية: «من المتوقع أن تشتدّ موجة الحر خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأريد أن أؤمّن كل ما أحتاج إليه حتى لا أضطر للخروج غداً وبعد غد».

وعلى الساحل الأدرياتيكي، امتد الحرّ إلى مياه البحر أيضاً؛ إذ تجاوزت حرارة المياه في بولا بكرواتيا صباح الجمعة 27 درجة عند الساعة الثامنة.

رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)

وسبق أن شهد صيف 2025 موجات حرّ عدة في البلقان، وسُجِّل في كوسوفو في يوليو (تموز) 2025 أشد يوم حرّ على الإطلاق مع تسجيل 42.4 درجة مئوية. وتعرضت ألبانيا لحرائق عدة التهمت عشرات آلاف الهكتارات واضطر آلاف السكان إلى إخلاء منازلهم.

التغير المناخي مسؤول

وخلصت شبكة علمية دولية في دراسة نشرت نتائجها الجمعة، إلى أن التغير المناخي مسؤول «في شكل لا لبس فيه» عن موجة الحرّ الشديدة التي تضرب أوروبا الغربية راهناً، والتي كانت ستكون شبه مستحيلة الحدوث قبل نحو 50 عاماً.

وأكّد علماء شبكة «وورلد ويذر أتريبيوشن» (دبليو دبليو إيه) الذين يدرسون مسؤولية الاختلالات المناخية الناجمة عن الأنشطة البشرية في الظواهر المناخية القصوى، أن درجات الحرارة المرتفعة جدّاً خلال النهار والليل أيضاً كانت ستكون «شبه مستحيلة» في هذه الفترة من عام 1976 الذي شهد بدوره قيظاً استثنائياً.

ولو وقعت موجة حرّ من هذا القبيل، لكانت ألطف بـ3.5 درجات مئوية نهاراً و2.4 درجة ليلاً، حسب حسابات العلماء.

وقال تيودور كيبينغ من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن الذي شارك في هذه الأبحاث: «خلصنا إلى أنه خلال السنوات الخمسين الأخيرة التي زادت فيها حرارة الكوكب 1.1 درجة مئوية، تغيّرت أرجحية وقوع موجة قيظ كهذه بدرجة فائقة».

وصرّح خلال عرض الدراسة على وسائل الإعلام بأن «موجة كهذه ما كانت ممكنة في يونيو من دون التغيّر المناخي».

وأشارت فريديريكه أوتو من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن إلى أن «هذه الظاهرة المناخية ليست غير الاعتيادية لكن درجات الحرارة كذلك» بسبب التغيّر المناخي البشري المصدر.

«مزعج وخطير»

يتأتّى هذا التغيّر المناخي البشري المصدر من الاستخدام الكثيف لمصادر الطاقة الأحفورية، من فحم ونفط وغاز أحفوري، فضلاً عن قطع الغابات.

واستند العلماء المقيمون في عدّة بلدان أوروبية في أبحاثهم إلى بيانات أرصاد جوية حالية وتوقّعات الأيام المقبلة؛ إذ إن موجة الحرّ ما زالت متواصلة، وقارنوها بالمعطيات المسجّلة في 2003 و1976.

طفل يحاول التخفيف من أثر الحرارة بالوقوف داخل نافورة ماء في تورين بإيطاليا (إ.ب.أ)

ولم تلق هذه الأبحاث التي أجريت بوتيرة متسارعة مراجعة من باحثين خارجيين، وفق الإجراءات المعمول بها في إطار المنشورات العلمية. غير أن المنهجية المعتمدة سبق أن صادقت عليها الأسرة العلمية، حسبما ذكّر القيّمون على هذه الأبحاث.

وباتت الليالي الحارة أكثر ترجيحاً بمائة مرّة اليوم مما كانت عليه الحال خلال موجة الحرّ القياسي في 2003. وباتت الحرارة القصوى خلال النهار أكثر ترجيحاً بعشر مرّات، حسب الباحثين.

واستبعد العلماء مسؤولية ظاهرة «إل نينيو» الطبيعية التي ترفع الحرارة على سطح الأرض في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، متسبّبة بموجات جفاف وفيضانات وحرارة قياسية في العالم. ولاحظوا أن هذه الظاهرة لم تؤد «أيّ دور» في موجة الحرّ الحالية.

ويجعل «الإجهاد الحراري» الناجم عن درجات حرارة ومستويات رطوبة عالية هذا القيظ «مزعجاً وخطيراً بشكل خاص»، حسب فريديريكه أوتو.

وكشفت الدراسة أن نحو 45 في المائة من المدن الـ854 المشمولة بالتحليل في 30 دولة أوروبية حطّمت المستويات القياسية للإجهاد الحراري أو أنها على وشك تحطيمها.

وتستند هذه الخلاصات إلى مؤشّر حرارة يعرف بـ«مقياس حرارة ذي بُصيلة مخضّلة» يقوم على الحرارة والرطوبة ونسبة الإشماس والغطاء السحابي. ويستخدم هذا المؤشّر خصوصاً في عالم الرياضة.

و​ذكر مكتب الأرصاد الجوية البريطاني أن ‌درجة ‌الحرارة ​في ‌سوفوك بشرق ​إنجلترا بلغت 36.9 درجة مئوية، اليوم الجمعة، ‌لتحطم الرقم ‌القياسي ​لأشد ‌أيام ‌يونيو حرارة لليوم ‌الثالث على التوالي، وذلك مع اقتراب موجة الحر من نهايتها.


«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)
ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)
TT

«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)
ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)

أكد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ألفارو لاريو، أن السعودية ترتبط مع الصندوق بشراكة استراتيجية طويلة الأمد تعود إلى بداية المؤسسة عام 1978، مشيراً إلى أن المملكة كانت عضواً مؤسساً وأحد أوائل الداعمين للصندوق.

وقال لاريو لـ«الشرق الأوسط» إن أول رئيس للصندوق الدولي للتنمية الزراعية كان السعودي عبد المحسن السديري، موضحاً أن العلاقة بين الجانبين تطورت على مر السنين إلى شراكة تشغيلية واسعة تشمل التعاون الفني وتبادل المعرفة والاستثمارات المشتركة الرامية إلى تعزيز التنمية الزراعية والأمن الغذائي والتحول الريفي، مشدّداً على أن إنشاء مكتب الاتصال التابع للصندوق في الرياض يعكس العمق والأهمية الاستراتيجية المتزايدة لهذا التعاون، لافتاً إلى أن السعودية تعد من بين أكبر 20 دولة مانحة للصندوق، بمساهمات بلغت نحو 536.4 مليون دولار منذ عام 1978.

رؤية السعودية والأمن الغذائي وإدارة المياه

وأشار لاريو إلى أن «رؤية السعودية 2030» تعترف بأن الأمن الغذائي، وإدارة المياه المستدامة، والاقتصادات الريفية المرنة، ضرورية للازدهار طويل الأمد، مؤكداً أن تجربة الصندوق تظهر أن الاستثمار في المنتجين الصغار والمجتمعات الريفية يعد من أكثر الوسائل فاعلية لتحقيق هذه الأهداف.

أكد لاريو أنه يمكن للصندوق دعم طموحات مبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر (واس)

وأوضح أن الصندوق، استناداً إلى خبرته العالمية في الزراعة الصغيرة وأنظمة الغذاء المقاومة للمناخ والتنمية الريفية، قادر على تقديم حلول عملية تدعم أولويات المملكة ومستهدفات رؤية 2030، مشيراً إلى الشراكات القائمة مع «وزارة البيئة والمياه والزراعة» و«صندوق التنمية الزراعية السعودي»، قائلاً إنها يمكن أن تسهم في تعزيز الشركات الصغيرة والمتوسطة في المناطق الريفية، وخلق فرص للنساء والشباب، وتسهيل الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.

التوافق مع السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر

وحول مبادرتي «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر»، أكد رئيس «إيفاد» بأنهما مبادرتان طموحتان وتحوليّتان تتوافقان بشكل وثيق مع مهمة الصندوق في تعزيز الزراعة المستدامة والمرنة مناخياً والتنمية الريفية المستدامة، وتابع: «يمكن للصندوق دعم هذه الطموحات من خلال جلب خبرة عالمية في الزراعة المقاومة للمناخ، وكفاءة المياه، واستعادة الأراضي»، واستعرض لاريو شراكة الصندوق مع وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية في جازان (جنوبي السعودية)، لافتاً إلى أنها دعمت سلاسل قيمة القهوة والمانجو الذكية مناخياً، إلى جانب 60 مزرعة ذكية مناخية، مما عزّز تقنيات توفير المياه وممارسات الزراعة المستدامة التي قدمت نموذجاً مستداماً وقابلاً للتوسُّع يساهم في أجندة السعودية الخضراء.

مكتب للتنسيق في الرياض

وأكد لاريو أن الصندوق يرى إمكانات قوية لتعميق التعاون مع السعودية في السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن ذلك يأتي بالتزامن مع توسع دور المملكة وريادتها العالمية في مجالات المناخ والبيئة، واستدرك أن «إيفاد» يتطلع إلى التعاون مستقبلاً مع صندوق التنمية الزراعية السعودي من خلال تبادل المعرفة وبناء القدرات وإطلاق مبادرات مشتركة في التمويل، خصوصاً في أفريقيا، فضلاً عن تعزيز التعاون مع مراكز البحث والقطاع الخاص والمؤسسات في منطقة الخليج عبر مكتب التنسيق في الرياض.

تهديد تغيّر المناخ لسبل العيش الريفية

وعلى الصعيد الدولي، شدد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية على أن تغير المناخ أصبح أحد أكبر التهديدات لسبل العيش الريفية في العالم النامي، محذراً من أن إنتاجية المحاصيل الزراعية قد تنخفض بأكثر من 25 في المائة في بعض المناطق بحلول نهاية القرن، وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجويّة المتطرّفة باتا يؤثران بالفعل على المحاصيل والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك، ويفرضان ضغوطاً متزايدة على الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات الريفية.

شراكة الصندوق مع وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية دعمت سلاسل قيمة القهوة (إيفاد)

وأشار لاريو إلى أن صغار المزارعين هم الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي، نظراً لافتقار كثير منهم إلى المدخرات أو أدوات التأمين أو شبكات الحماية التي تمكنهم من التعافي من الخسائر المتكررة، مؤكداً أن الاستثمار في بناء القدرة على الصمود لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحة لحماية سبل العيش والاقتصادات الريفية وأنظمة الغذاء، وكشف عن أن الصندوق يعد من أكبر مزودي التمويل المناخي للزراعة الصغيرة في العالم، موضحاً أن تمويل المناخ شكّل 60 في المائة من برنامج القروض والمنح المعتمد خلال السنة الأولى من دورة التجديد الحالية، بقيمة بلغت 616.2 مليون دولار، متجاوزاً الهدف المحدد عند 45 في المائة.

يؤكد الصندوق أن الاستثمار في المنتجين الصغار والمجتمعات الريفية من أكثر الطرق فاعلية لتحقيق أهداف رؤية السعودية في التنمية الزراعية والريفية (إيفاد)

وأضاف أن الصندوق يدعم مجموعة واسعة من الحلول، تشمل المحاصيل المقاومة للجفاف، والري الموفر للمياه، والإدارة المستدامة للأراضي، وحفظ التربة والمياه، فضلاً عن تطوير البنية التحتية المقاومة للمناخ، مثل الطرق والتخزين وأنظمة الإنذار المبكر، وأكد أن التحدي الرئيسي لم يعد يكمن في إيجاد الحلول التقنية، بل في إيصال التمويل إلى المجتمعات الريفية التي تحتاج إليه على نطاق واسع، مشيراً إلى أن كل دولار يُستثمر في التكيف مع تغير المناخ يمكن أن يولد أكثر من عشرة دولارات من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

استعادة التربة وتأهيل أحواض المياه

وشدّد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية على أهمية الحلول القائمة على الطبيعة، مثل استعادة التربة وتأهيل أحواض المياه والتوسع في أنظمة الزراعة الحرجيّة، موضحاً أن هذه الاستثمارات تسهم في تعزيز الإنتاجية والدخل والقدرة على الصمود أمام الجفاف والفيضانات وموجات الحرارة الشديدة، ونوّه بأن مشاريع الصندوق أسهمت في وضع 2.5 مليون هكتار تحت إدارة زراعية مقاومة للمناخ، كما ساعدت على تجنب أو احتجاز ما يعادل 48.2 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

الشراكة بين السعودية والصندوق عززت تقنيات توفير المياه وممارسات الزراعة المستدامة في 60 مزرعة بمنطقة جازان (إيفاد)

وجاءت تصريحات لاريو على هامش مشاركته في الاحتفال باليوبيل الذهبي لمرور 50 عاماً على تأسيس صندوق «أوبك للتنمية الدولية»، واعتبر في هذا الصدد أن «صندوق أوبك» واحد من الأمثلة على توجيه الدول النامية والمنتجة للنفط مواردها نحو التنمية إلى الجنوب العالمي، مضيفاً أن الصندوق لعب دوراً مهماً في تشكيل الاستقرار الاقتصادي العالمي والتنمية والمرونة، حيث خصص أكثر من 32 مليار دولار أميركي لمشاريع في أكثر من 125 دولة.

وذكّر لاريو بأن دول «أوبك» الأعضاء، هم المؤسسون للصندوق الدولي للتنمية الزراعية، ودعا لاريو في رسالة إلى القادة العالميين خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، إلى النظر للتكيّف المناخي وبناء القدرة على الصمود باعتبارهما استثماراً في النمو والاستقرار والازدهار المشترك، وليس مجرد تكلفة تنموية، مؤكداً أن مستقبل الأمن الغذائي العالمي يتوقف على زيادة الاستثمارات الموجهة إلى المجتمعات الريفية وصغار المنتجين.


«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)

تواصل موجة حر شديدة اجتياح غرب أوروبا، متسببة في وفاة أكثر من 40 شخصاً في فرنسا وحدها، وذلك بفعل ظاهرة جوية تعرف باسم «حاجز أوميغا».

إليك ما ينبغي معرفته عن ظاهرة «حاجز أوميغا» وما إذا كان تغيّر المناخ يعني أنها قد تصبح أكثر تواتراً في السنوات المقبلة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ما ظاهرة «حاجز أوميغا»؟

تستمد الظاهرة الجوية اسمها من شكل الحرف اليوناني Ω، وتنحصر فيها كتلة مستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة.

ويشير عنصر «الحجز» إلى كيفية احتجاز منطقة الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع. ففي الظروف العادية، ينقل التيار النفاث الأنظمة الجوية بثبات من الغرب إلى الشرق.

ولكن خلال حدوث ظاهرة «حاجز أوميغا»، يتعطل هذا التدفق وقد ينحرف بنحو كبير شمالاً وجنوباً؛ ما يؤدي إلى عزل أنظمة الضغط. ويسهم ضعف الرياح والتباينات في درجات حرارة الغلاف الجوي في ظهور هذه الأنماط المستقرة بطيئة الحركة.

ونتيجة ذلك، يستقر الهواء الساخن فوق المنطقة نفسها. وعادة ما تستمر ظاهرة «حاجز أوميغا» ما بين ثلاثة إلى عشرة أيام، لكنها قد تستمر أسابيع.

امرأة تستخدم مظلة لحماية نفسها من الشمس في أثناء سيرها في شارع أكسفورد حيث تشهد بريطانيا درجات حرارة قياسية... لندن يوم 23 يونيو 2026 (رويترز)

ماذا يحدث خلال «حاجز أوميغا»؟

أسفل منطقة الضغط المرتفع في الوسط، تصبح الأحوال الجوية حارة وجافة. ويمنع الضغط المرتفع أيضا تشكّل السحب؛ ما يؤدي إلى سماء صافية ومشمسة تسمح بارتفاع درجات الحرارة.

وهذه الظروف هي التي تسبب موجة الحر الشديدة في فرنسا وإسبانيا حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تشهد المناطق الواقعة في مناطق الضغط المنخفض المحيطة بموجة الحر ظروفاً أكثر برودة وأمطاراً.

وتقع بريطانيا على الحدود بين نظام الضغط المرتفع والهواء الأكثر برودة في شمال الغرب. ويقول مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إن ذلك يؤدي إلى حرارة شديدة في الجنوب والشرق، وظروف أكثر برودة ورطوبة في الشمال والغرب.

هل تغيّر المناخ هو السبب؟

لم يتفق العلماء بعد على كيفية تأثير تغيّر المناخ على تواتر ظواهر الحواجز الجوية مثل «حاجز أوميغا».

ومع ذلك، فإن الإجماع العلمي العالمي يؤكد أن تغيّر المناخ يزيد من تواتر موجات الحرارة وشدتها.

وأدت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، الناجمة في الأساس من حرق الفحم والنفط والغاز، إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بنحو 1.3 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الثورة الصناعية.

ويعني هذا الارتفاع في درجة الحرارة أن موجات الطقس الحار تصل إلى درجات حرارة أعلى.

وقالت كلير بارنز، الباحثة المشاركة في مجال الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة في «إمبريال كوليدج لندن»، إن أوروبا تشهد حالياً موجات حرارة أعلى بمقدار درجتين إلى 4 درجات مئوية عما كانت لتصبح عليه لولا الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

ونتيجة ذلك، عندما تحدث ظواهر مثل «حاجز أوميغا»، قد تكون الحرارة الناتجة أشد بنحو ملحوظ.