استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»

كتاب جديد يبحث في خلفيات ودوافع المنضمات للتنظيم الإرهابي

استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»
TT

استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»

استراحة تأمل في عقول «الداعشيات»

تحت عنوان «استراحة تأمل في عقول الداعشيات»، جاء كتاب أزاده مافيني قوياً ومليئاً بالتحديات، حيث تناولت عبر صفحاته الحياة الداخلية ودوافع النساء اللائي انضممن إلى أو ساندن تنظيم «داعش» الإرهابي، في سرد روائي سلس رائع وسهل الفهم.
يتناول كتاب «استراحة تأمل في عقول الداعشيات» الكثير من المحرمات التي أعاقت النقاش الحاد عن التطرف الأصولي بشكل عام وتنظيم «داعش» بشكل خاص. الكتاب لا يقدم تصحيحاً مضيئاً لفهمنا للجماعة التي أرعبت المسؤولين والشعوب في جميع أنحاء العالم فحسب، بل أيضاً لمفهوم «الحرب الكبرى على الإرهاب» وللسياسات غير الفعالة، وغالباً غير المجدية للحكومات الغربية والشرق أوسطية.
تتبعت مافيني خطى ثلاث عشرة امرأة وفتاة من تونس وبريطانيا وسوريا وألمانيا، حيث ترسم صوراً ثلاثية الأبعاد لعوالمهن ومناطقهن والخيارات المتاحة وغير المتاحة لهن؛ وهو ما جعلني في كل مرة أتوقف لمعرفة ما سيحدث لهن. قد يثير هذا النهج غضب بعض القراء، وبخاصة بعد سنوات من التغطية الإعلامية التي مالت إلى تصوير هؤلاء النساء على أنهن شر فريد من نوعه، أو متطرفات متعطشات للدماء، أو نسوة متلهفات للقاء الجهاديين الرجال.
توقعت مافيني مثل هذه الاعتراضات وتعترف بحالة الرعب وبأهمية المعاناة التي عاشها ضحايا تنظيم «داعش»، مثل الإيزيديات اللائي حاز استعبادهن واغتصابهن تغطية هائلة، وأحياناً متقنة. لكن، بحسب الكاتبة، «ربما أعمانا الغضب الشديد ومنعنا من تقدير الظروف التي أفضت إلى ظهور أنصار تلك الجماعة»، و«لفهم حقيقة تلك الظروف» بحسب مافيني، «يجب علينا النظر إلى الفوارق بين هؤلاء النسوة ببعض التعاطف».
توجه الكاتبة نداءً بعد أن استشعرت معاناة المئات من المنتسبات لـ«داعش» – الحاليات والسابقات – وكذلك أطفالهن في المخيمات وفي مراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وما رأته من محاكمات قصيرة وتجريد من الجنسية والسجن إلى أجل غير مسمى في ظروف بشعة، في حين تلقى الحكومات، بما في ذلك حكومتا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بمشكلات مواطنيها المنضمين إلى «داعش» على كاهل السلطات غير المجهزة في العراق وسوريا.
الملاحظة الأهم لمافيني، وهو الموضوع الذي طفا على السطح مراراً وتكراراً في سردها التفصيلي، هي أن قرارات مجندات «داعش» - وبعضهن من الفتيات الصغيرات – كانت ذات مغزى لهن. في الواقع، لم يكلف أحد نفسه عناء معالجة ذلك في حينه؛ ولذلك يسلط الكتاب الضوء على إخفاق العائلات والمجتمعات والحكومات في الإنصات إلى المخاوف الحقيقية والمشروعة للنساء والفتيات، والمخاوف التي استغلها تنظيم «داعش»، وعدم معالجتها بطرق كان من الممكن أن تكون أفضل من الدعوة لـ«داعش».
وبحسب مافيني، يكمن أحد التحديات في أن مثل هذه المناقشات كان من الممكن أن تفهم على أنها تعاطف مع «داعش». فمن الولايات المتحدة وأوروبا إلى الدول العربية، غالباً ما تساهم شبكات مكافحة الإرهاب في أن تفهم أي سياسة متعلقة بالإسلام على أنها دعم لتنظيم «داعش» أو «القاعدة». والأسوأ من ذلك، في هذا الجو، فإن أي نقاش سياسي بين الشباب المسلم حول القضايا الجيوسياسية أو الاجتماعية الأكثر إلحاحاً من الممكن أن يفهم على أنه موضوع يخص المتشددين.
تبدو مافيني واقعية بشأن الأسباب التي أفضت بنا إلى هنا. فبينما أقامت «داعش» ما يسمى بـ«دولة داعش» وسط صراعات أكبر ذات دوافع سياسية في سوريا والعراق، كتبت مافيني تقول، إن التنظيم استخدم أدوات «فعالة للغاية» لجذب المجندين وإخضاع السكان والقضاء على «المنطقة الرمادية» للتعايش مع المسلمين في الغرب. ومن خلال اللعب على مخاوف العالم من الإسلام، تمكن التنظيم من «بث الزعر من المزاعم الدينية التي سعوا إلى ترويجها».
وهكذا، بحسب مافيني، «بات (داعش)، في الخيال الغربي، ينظر له باعتباره قوة شيطانية أكثر من أي شيء واجهته الحضارة منذ أن شرع الإنسان في تسجيل تاريخ القتال منذ حروب طروادة».
كان ينظر إلى «داعش» على أنه تنظيم فريد بشكل صعب الفهم ويتطلب فئة جديدة من علماء الأرواح وطرد الشياطين، كما تصفهم مافيني، وأنها تتطلب جهداً لفهم ما إذا كانت ممارسات «داعش» مغروسة في الإسلام السائد. لم يكن هناك اهتمام كبير بأصول تلك الجماعة في «السياسات والحروب الأميركية» أو بالتجارب الحية للمسلمين في الغرب وفي أماكن أخرى، أو «للحسابات الباردة» للكثيرين في الغرب بأن الرئيس السوري القمعي العنيف بشار الأسد، كان أفضل من أي بديل ديني محتمل.
وبحسب مافيني، ربما توفر النصوص الإسلامية أدلة حول بعض قادة «داعش» واللاهوتيين، لكنها كانت إلى حد كبير بعيدة عن ممارسات آلاف الجنود والإداريين والمقيمين في الخلافة الذين كانوا يفتقرون في الغالب إلى الخبرة الدينية وكانوا مدفوعين بمزيج متنوع من الدوافع السياسة والإيمانية والاقتصادية والرغبة في الحفاظ على الذات.
للأشخاص المعنيين، هنا الذي تناولت مافيني حكاية كل منهن قصة تدور أحداثها في سياق شيق مما يجعل تحليل الكتاب سهلاً، لكن نقاط انطلاقهن متنوعة. فنور، على سبيل المثال، مراهقة تونسية شعرت بالحنق والاختناق من حكومة علمانية كانت الثورة السلمية مصدر إلهام لها، لكن أملها تبدد بعد أن تلاشت وعود الثورة. أما إيما، فهي شاب ألمانية وحيدة اعتنقت الإسلام لأنها أحبت الجالية المسلمة الدافئة القريبة من أصدقائها الألمان ذوي الأصول التركية. أما لينا، وهي ألمانية من أصول لبنانية، فقد تركت زوجها المسيء ووجدت عزاء في التطرف بعد أن نبذها والدها اللبناني العلماني. أما أسماء، ودعاء، فهما لم يكونا من سكان الرقة المتدينين، لكنهما أجبرتا على العيش في الرقة عندما سيطر «داعش» على مدينتهما.
وهناك الفتيات الثلاث اللاتي قدمن من مدرسة ثانوية شهيرة بمنطقة «بيثنال غرين» بضواحي لندن. فقد كن صديقات شيماء (شميمة) بيغوم، وهرب الأربعة للانضمام إلى «داعش» في سن المراهقة. ظهرت بيغوم، ذات الأصول البنغلادشية، في أحد المعسكرات وجردت من جنسيتها البريطانية بعد أن رفضت الاعتذار. أنجبت شميمة ثلاثة أطفال، أحدهم في المخيم. لكنهم ماتوا جميعاً لنقص الرعاية.
كما تعترف مافيني، قد يكون لدى بعض مصادرها الدوافع للتقليل من عنصر التورط وكونهن ضحايا، والتأكيد على عنصر تعمد المشاركة. ومع ذلك، يتوافق تصورها مع ما تعلمته أنا وزملائي خلال سنوات من إعداد التقارير الصحافية والتجارب تغلغلنا من خلالها في عمق المصادر بحثاً عن إجابات مقنعة لألغاز كبيرة محيرة. ولنصل إلى إجابة، دعونا نتساءل: لماذا كانت تونس التي تعد قصة النجاح النسبية لباقي الثورات العربية، المورد الأول للمتطرفين؟ هنا تشير الكاتبة إلى الإصلاحات الفاشلة والآمال المحطمة للشباب حديثي العهد بالتطرف). لماذا انجذب بعض البريطانيات من الجيل الثاني الناجح أكاديمياً إلى تلك الجماعة، وكيف لم يعلم آباؤهم بذلك ولماذا لم يمنعوهم؟
تشير مافيني هنا إلى نقطة مهمة: إذا كان لدى أولياء الأمور المهاجرين الفقراء وغير الناطقين بالإنجليزية وقت لملاحظة الفتيات اللاتي كن يقضين وقتاً أطول في المساجد، فإن كل ملاحظاتهن كانت تصب في أن ذلك علامة ومؤشر على تمسكهن بالقيم الحميدة والإيمان، لكنها في الحقيقة كانت انعكاساً لحيرة الأطفال بين بيئتهم الحرة في لندن والضغوط العائلية المحافظة. وشأن الأطفال (والفتيات) المعزولين عن مجتمعهم الغربي بدافع من آبائهن، جاء حديثي العهد بالإسلام من دون امتداد أو جذور عائلية أيضاً عرضة للمتطرفين.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

سلطات شرق ليبيا تواجه ضغوطاً دولية لوقف إعدام مدانين بـ«الإرهاب»

شمال افريقيا المدعي العام العسكري فرج الصوصاع (إعلام الجيش الوطني)

سلطات شرق ليبيا تواجه ضغوطاً دولية لوقف إعدام مدانين بـ«الإرهاب»

تزداد الضغوط الدولية والمحلية على سلطات شرق ليبيا لوقف تنفيذ أحكام الإعدام بحق مدانين بقضايا إرهاب، بعدما بدأت عمليات التنفيذ في 23 أغسطس (آب) الماضي.

خالد محمود (القاهرة)
أفريقيا A view of an empty street following a mutineers' attack on the airport and the presidency in Niamey, Niger, August 29, 2026. (Reuters)

قائد جديد للجيش بالنيجر... تدرب في الصين وقاد مهمة سحب القوات الغربية

عيَّن رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني، رئيساً جديداً لأركان القوات المسلحة سيتولى قيادة الجيش بعد أسبوعين من تمرد عسكري هز النيجر.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الولايات المتحدة​ عميلان من دائرة الهجرة والجمارك «آيس» خلال دورية في مطار رونالد ريغان الوطني في أرلينغتون بفيرجينيا (رويترز)

أميركا... ترحيل أفغانية دعمت مخططاً لـ «داعش»

قالت وزارة العدل الأميركية إنه تم ترحيل امرأة أفغانية اتهمت بدعم مخطط مستلهم من تنظيم «داعش» في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مركبة تابعة لقافلة عسكرية أميركية تسير في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق 17 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

قوات التحالف بقيادة أميركا بدأت الانسحاب من شمال العراق

أفاد وزير في إقليم كردستان العراق، الخميس، بأن قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة المتطرفين بدأت الانسحاب من شمال العراق.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شمال افريقيا حفتر خلال افتتاح جامعة بنغازي (إعلام الجيش الوطني الليبي)

عودة الروح إلى جامعة بنغازي الليبية عقب إعادة إعمارها

طوت جامعة بنغازي في شرق ليبيا صفحة آثار سنوات الحرب التي امتدت إلى حرمها الجامعي، وأعادت فتح أبوابها بعد استكمال المرحلة النهائية من مشروع إعادة إعمار مرافقها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
TT

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

اختتمت قمة مجموعة «بريكس» أعمالها، الأحد، في نيودلهي بتوافق على إطلاق مرحلة جديدة لتعزيز التعاون بين بلدان المجموعة ووضع تصورات رئيسية لـ«خريطة طريق» تنظم الرؤى المشتركة لـ«عالم متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً»، حسبما ورد في الإعلان الختامي للقمة. وعلى الرغم من توافق القادة المجتمعين على الخطوط الرئيسية لمواجهة التحديات التي تعترض خطط تمتين الشراكات داخل المجموعة، كشف التباين الواسع في الأولويات حجم المشكلات التي تواجه التكتل الذي يضم ثلث البشرية ونحو نصف إنتاجها التجاري. وبرغم دعوة الهند والصين أكبر دولتين في التكتل لتسوية سريعة للصراع حول أوكرانيا، لكن هذا الملف غاب عن البيان الختامي للقمة، كما برزت نقطة خلافية كبيرة حول إيران خلال مناقشات الصياغة النهائية للبيان.

أولويات القمة

جاءت المداخلات الختامية للقادة خلال القمة التي حملت تسمية «بريكس بلوس» بسبب مشاركة بلدان من خارج المجموعة، لتعكس التوجهات الرئيسية التي جرى التوافق عليها.

وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن «الاهتمام العالمي بأنشطة (بريكس) يتزايد باستمرار، وأن المجموعة تُشارك بفاعلية في صياغة نظام عالمي أكثر عدلاً وتعدداً للأقطاب».

ورأى بوتين أن «(بريكس) أصبحت قوة دافعة مؤثرة في تعزيز التعددية الحقيقية في العلاقات الدولية».

وعلى الرغم من تشديده على أن النظام الأحادي القطب للعلاقات الدولية أصبح من الماضي، لكنه أقر بأن «تشكيل عالم متعدد الأقطاب ليس بالأمر الهين؛ إذ يواجَه بمقاومة شديدة من قِبَل أولئك الذين اعتادوا التفكير بمنطق استعماري».

وأشار الرئيس الروسي إلى أنهم (أي الغرب) «غير مستعدين لتقبّل الواقع المتغير، ويحاولون بكل الوسائل احتواء المنافسين المتنامين». وتُستخدم حروب التعريفات الجمركية، والعقوبات غير المشروعة، ومحاولات الديكتاتورية الاقتصادية، والابتزاز، والتدخل في الشؤون الداخلية، والقوة الغاشمة.

وقال بوتين أمام القمة: «تدعو مجموعة (بريكس) إلى منح جميع الدول، دون استثناء، فرصاً متساوية وغير محدودة لتحقيق نمو اقتصادي واجتماعي مستدام ومتوازن، بما يضمن رفاهية شعوبها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقافاتها وتقاليدها الوطنية الفريدة والالتزام بنماذجها التنموية السيادية».

وفاخر بأن «القيم والمبادئ الأساسية التي تتبناها دول (بريكس) تعد جذابة لدول كثيرة». وأشاد الزعيم الروسي بهذا «الالتزام بحل المشكلات بشكل جماعي، استناداً إلى القانون الدولي والأحكام الرئيسية لميثاق الأمم المتحدة».

ووضع بوتين تصوره لتطوير التعاون داخل المجموعة، مشيراً إلى أن دول «بريكس» تستحوذ على ما يقرب من ربع الصادرات العالمية، وتساهم بالجزء الأكبر من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 49 في المائة.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الهندية تظهر كلاً من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين في قمة «بريكس» في نيودلهي (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن الدول الأعضاء في المجموعة تشهد نمواً سكانياً متزايداً باطراد، وتعزيزاً للأسواق المحلية، وإنشاء مراكز صناعية وتكنولوجية ومالية وعلمية وتعليمية قوية، فضلاً عن بناء بنية تحتية حديثة للنقل والطاقة والتقنية الرقمية. وقد بلغ حجم التجارة الداخلية داخل المجموعة 1.2 تريليون دولار.

وتحدث عن أهمية تطوير «تكامل اقتصادات الدول الأعضاء» بما يتيح فرصاً واسعة للتعاون وإنشاء سلاسل إنتاج وتقنيات وخدمات وأسواق جديدة، مقترحاً «إنشاء منصة نمو مشتركة لدول (بريكس)، تجمع بشكل طبيعي بين المزايا التنافسية لاقتصاداتنا».

خريطة طريق

عموماً، كانت إعادة هيكلة النظام العالمي - بدءاً من إصلاح مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الدولية وصولاً إلى قواعد التجارة الجديدة - الموضوع الرئيسي لقمة «بريكس» في نيودلهي.

وبعد مداولات ولقاءات ثنائية في اليوم الأول، تحول التركيز في ثاني أيام القمة إلى الآفاق المستقبلية وإصلاح نظام الحوكمة العالمية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لدى وصوله إلى قمة «بريكس» في دورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (أ.ف.ب)

وفي افتتاح الجلسة العامة، اقترح الزعيم الهندي ناريندرا مودي التحرك نحو اتخاذ إجراءات حاسمة. وقال: «لقد حان الوقت لتحويل وحدتنا وتوافقنا داخل مجموعة (بريكس) إلى نتائج ملموسة على الساحة العالمية».

ودعا إلى وضع أجندة جديدة طموحة للمجموعة للعشرين عاماً القادمة، بالإضافة إلى آلية لضمان استمرارية القرارات وتنفيذها.

ورأى مودي أن إصلاح نظام الحوكمة العالمية هو التحدي الرئيسي أمامه. وقال إنه ينبغي تطوير عشر مبادرات بشكل مشترك، ثم صياغتها في «خريطة طريق» يمكن إعدادها للقمة القادمة. وقال إن النظام الحالي يشبه الهرم، حيث تتركز السلطة وصنع القرار في القمة، ولا يستطيع أحد التأثير فيه. ورأى أن هذا الهرم من الامتيازات يجب تحويله إلى منصة للشراكة، حيث يكون لكل دولة صوت مسموع.

«شي» في نيودلهي

وتابع الرئيس الصيني شي جينبينغ هذا النهج. وأشار إلى أن «دول (بريكس) يجب أن تتبوأ الصدارة في تحسين الحوكمة العالمية». كما يجب عليها أن تضطلع بدور ريادي في صون السلام وتحفيز الابتكار.

واقترحت الصين مبادرة لتعزيز التصنيع الجديد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأكدت بكين استعدادها للتعاون مع دول «بريكس» للحصول على نتائج البحوث العلمية والتطبيقات العملية، فضلاً عن تعميق التعاون في الإنتاج وسلاسل التوريد.

وتُعد زيارة شي إلى نيودلهي في غاية الأهمية. فقد تدهورت العلاقات بين بكين ونيودلهي بشكل ملحوظ بعد الاشتباكات على طول خط السيطرة في جبال الهيمالايا عام 2020. إلا أنه في عام 2025، زار مودي الصين لأول مرة منذ سبع سنوات. وبعد ذلك، استأنف البلدان الرحلات الجوية المباشرة والتجارة عبر الحدود.

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

خلافات على البيان الختامي

وقال شي: «يجب على الصين والهند أن تدعما عالماً يسوده المساواة». علما بأن تباين المواقف بين بكين ونيودلهي ظهر خلال كل مسيرة «بريكس» منذ تأسيسها، وبرز بشكل خاص عند مناقشة ملفات مثل توسيع المجموعة أو أولويات تحركها المشترك حيال الأزمات الإقليمية والدولية.

كما برزت تباينات خلال صياغة البيان الختامي للقمة، وبالإضافة إلى تفضيل القادة عدم التطرق للصراع حول أوكرانيا، برز الملف الإيراني كعنصر خلافي. وقال مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف إن «الاتفاق على الإعلان النهائي كان صعباً» مع إشارة إلى أن «الوضع المحيط بإيران تسبب في بعض التوتر».

بدوره أجاب مودي عن سؤال حول الخلاف المحيط بمصطلح «الحرب على إيران» الذي احتاج إلى مداولات واسعة بين الأعضاء قبل الاتفاق على صيغة نهائية مبهمة ومرضية للجميع.

وأعربت الوثيقة عن القلق إزاء المخاطر المتزايدة للحرب النووية، ودعت إلى تعزيز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي. كما دعت إلى الإسراع في تنفيذ القرارات التي تُنشئ منطقة في الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. وحذّرت من سباق تسلح في الفضاء، وطالبت برفع العقوبات الأحادية غير القانونية، وأقرّت بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تحفيز النمو الاقتصادي.

أعلام البلدان المشاركة في قمة «بريكس» بدورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وساطة هندية صينية

إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف أن رئيس الوزراء الهندي والرئيس الصيني عرضاً، كل على حدة، على الرئيس الروسي المساعدة في تسوية الأزمة الأوكرانية.

وأفاد بأن الزعيمين طرحا هذه المقترحات خلال محادثات ثنائية مع بوتين على هامش قمة «بريكس»، موضحاً: «خلال الاتصالات الثنائية، أبدى مودي وشي اهتماماً دقيقاً بملف التسوية الأوكرانية، وعرضا مساعيهما للمساعدة في البحث عن حل للمشكلة». وأضاف أن الرئيس الروسي أشاد بهذه المبادرة و«قدم معلومات مفصلة عن الوضع الراهن».

في السياق، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إن التوصل إلى اتفاقات بشأن المسألة الإقليمية قد يسهل المضي قدماً في مفاوضات الأطراف في النزاع الأوكراني.

وأشار إلى أنه إلى جانب مسألة التنازلات الإقليمية، لا يزال أمام الأطراف الاتفاق على عدد من الموضوعات الأخرى.

وقال أوشاكوف إن الأميركيين باتوا يتفهمون موقف روسيا على نحو أفضل. وكان الكرملين أعرب عن أمل في أن يعقد لقاء ثلاثياً بشأن أوكرانيا في المستقبل المنظور.

إلى ذلك، قال بيسكوف في تعليق لصحيفة «إزفيستيا» على تصريحات جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي: «نأمل أن يعقد هذا اللقاء (الثلاثي بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا) في المستقبل المنظور. ونحن نتفق في هذا الشأن مع السيد كوشنر».

ولفت إلى أنه لا توجد حالياً مقترحات جديدة بشأن التسوية الأوكرانية، مؤكداً أن اللقاء الثلاثي المرتقب هو السبيل للبحث عن خيارات.


قمة «بريكس» تنطلق اليوم في نيودلهي

ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
TT

قمة «بريكس» تنطلق اليوم في نيودلهي

ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)
ملصق ترحيبي بالرئيس الصيني شي جينبينغ في نيودلهي (أ.ف.ب)

وصل الرئيس الصيني شي جينبينغ، اليوم (السبت)، إلى نيودلهي، للمشاركة إلى جانب قادة الهند وروسيا وإيران في قمة لمجموعة بريكس تتصدرها ملفات النزاعات والتجارة والطاقة.

ويتوقع أن تهيمن الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط أواخر فبراير (شباط)، إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، والحرب المستمرة في أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي في 2022، وما نتج عنهما من الاضطرابات في التجارة العالمية وأسعار النفط، على محادثات القمة التي تنطلق السبت وتستمر يومين.

ويشكل حضور شي بحد ذاته حدثاً مهماً؛ إذ ستكون هذه أول زيارة له إلى البلاد منذ 2019، وهي تمثل خطوة كبيرة في مسار التقارب البطيء بين البلدين المتنافسين، بعد 6 سنوات من المواجهة العسكرية الدامية التي دارت بينهما على طول الحدود المتنازع عليها في منطقة الهيمالايا.

أعلام دول «بريكس» في مركز المؤتمرات «بهارات ماندابام» بنيودلهي (أ.ب)

وشهدت العلاقات بين العملاقين الآسيويين المسلّحين نووياً تحسناً تدريجياً عقب موافقتهما على استئناف الرحلات الجوية والاتصالات رفيعة المستوى ومنح التأشيرات، وأكدت بكين الجمعة، أن «الصين مستعدة للعمل مع الهند من خلال تعزيز التواصل وتوطيد التعاون والتعامل مع الاختلافات وفق الأصول».

ومع ذلك، لا يزال انعدام الثقة يخيم إلى حد كبير على العلاقات، على وقع استمرار الخلافات الحدودية، مع احتفاظ البلدين بانتشار عسكري على طول الحدود الممتدة بينهما نحو 3500 كيلومتر عند أطراف منطقة التبت الصينية.

ويجري شي السبت، محادثات مباشرة مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بحسب «الخارجية» الهندية.

وتظاهر عشرات التبتيين في نيودلهي الجمعة، رافعين لافتات ضدّ زيارة شي، بحسب مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، وهم يعيشون في المنفى مثل زعيمهم الروحي الدالاي لاما الذي انتقل إلى الهند للفرار من حملة قمع صينية عام 1959.

* «بريكس» منذ 2009

أُسس منتدى «بريكس» عام 2009 ليجمع الاقتصادات الناشئة الكبرى؛ البرازيل وروسيا والهند والصين، وانضمت إليه سريعاً جنوب أفريقيا، وذلك خارج إطار التكتلات التي تهيمن عليها الولايات المتحدة والقوى الغربية، مثل مجموعة السبع.

وتوسع التكتل بعد ذلك ليشمل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإيران، وغيرها.

دورية للشرطة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وقبل انعقاد القمة، استقبل مودي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي قال: «حين يتعرض بلد لضغوط سياسية واقتصادية على تجارته وطاقته وبناه التحتية ونظامه المالي، فإن العواقب تتخطى حدوده».

وتغلق إيران منذ اندلاع الحرب مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، ما تسبب في ارتفاع حاد في أسعار النفط. وتخطى سعر برميل برنت مجدداً هذا الأسبوع عتبة 100 دولار.

الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في لقاء سابق عقد في روسيا يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2024 (رويترز)

وتثير هذه الحرب انقساماً بين أعضاء «بريكس»؛ إذ تواصل روسيا والصين تعاملهما التجاري مع إيران على الرغم من العقوبات الشديدة التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على طهران والدول المتعاملة معها في إطار حملة تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني.

وقال هارش بانت المحلل في مركز «أوبزيرفر ريسيرتش فاونديشن» للدراسات القريب من الحكومة الهندية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذا النزاع سيكون خط الانقسام الرئيسي خلال القمة».

ومن جهة أخرى، التقى مودي الجمعة فلاديمير بوتين، بعد 6 أشهر على آخر زيارة للرئيس الروسي إلى الهند، وأكدت نيودلهي أنهما «تبادلا وجهات النظر» بشأن الشرق الأوسط وأوكرانيا، مشيرة إلى أن مودي «أكد مجدداً أن النزاعات لا تحلّ إلا بالحوار والدبلوماسية».

وتعدّ الهند حليفاً تقليدياً لموسكو وواصلت استيراد النفط الروسي رغم العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، بذريعة أن المداخيل النفطية تسمح لموسكو بتمويل حربها على أوكرانيا.

وساعد ذلك نيودلهي في تجاوز أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.


البيت الأبيض: مسؤول روسي سيحضر اجتماع مجموعة العشرين في هيوستن

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)
TT

البيت الأبيض: مسؤول روسي سيحضر اجتماع مجموعة العشرين في هيوستن

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)

قال مسؤول في البيت الأبيض، الجمعة، إن مسؤولاً روسياً سيحضر اجتماعاً للطاقة خاصاً بمجموعة العشرين في هيوستن الأسبوع المقبل.

ورحبت الولايات المتحدة الشهر الماضي بحضور وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف اجتماعاً لدول مجموعة العشرين في ولاية كارولاينا الشمالية، في المرة الأولى التي يحضر فيها وزير المالية الروسي المنتدى شخصياً منذ غزو روسيا لأوكرانيا في 2022.

وسيُعقد الاجتماع الوزاري لمجموعة العشرين بشأن وفرة الطاقة من يوم الاثنين إلى الأربعاء بحضور مسؤولين أميركيين، منهم وزير الداخلية دوغ بورغم، ووزير الطاقة كريس رايت، والمسؤول في البيت الأبيض جارود أجين. ولم يذكر البيت الأبيض بعد من سيحضر اجتماع الأسبوع المقبل من الجانب الروسي، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومن المتوقع أيضاً حضور مسؤولين بقطاع الطاقة من أوروبا وآسيا. وقالت محكمة تدقيق الحسابات الأوروبية هذا الشهر إن جهود الاتحاد الأوروبي للتحرر من الاعتماد على النفط والغاز الروسيين تتعثر في وقت يقترب فيه الشتاء مع وجود مخزونات غاز منخفضة بنحو غير معتاد.

وعلى الرغم من اسم الاجتماع، فإن الحربين الدائرتين في أوكرانيا وإيران جعلتا أمن الطاقة مبعث قلق للعديد من الدول، إذ سجل سعر الديزل في الولايات المتحدة رقماً غير مسبوق تجاوز ستة دولارات للغالون هذا الأسبوع، وأُغلق مضيق هرمز أيضاً بنحو شبه كامل أمام شحنات النفط والغاز الطبيعي، ويشكل بناء مراكز البيانات الأميركية ضغطاً على إمدادات الكهرباء.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء، إنه أجرى محادثة «رائعة» مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق من الأسبوع، وإن الزعيم الروسي يرغب في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

وعلى الرغم من أحدث الزيارات التي قام بها مبعوثون أميركيون إلى موسكو وكييف، يشكك مسؤولو المخابرات في الولايات المتحدة وأوكرانيا وأنحاء أوروبا في جدية بوتين في إنهاء الحرب.

ومن المرجح أن يصوت مجلس النواب الأميركي على فرض عقوبات جديدة على روسيا خلال اجتماع مجموعة العشرين، لكن من غير المؤكد ما إذا كان مشروع القانون سيتم إقراره في ذلك المجلس مثلما حدث في مجلس الشيوخ الأميركي.

وفرضت إدارة ترمب لأول مرة عقوبات على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إذ حجبت المعاملات وجمدت أصول أكبر شركتين نفطيتين فيها، وهما «روسنفت» و«لوك أويل».