الطيب صالح وعبد الله الناصر وبينهما ذو الرمة وتشرشل

الروائي السعودي يستحضر ذكرياته مع الأديب السوداني

الطيب صالح و عبد الله الناصر
الطيب صالح و عبد الله الناصر
TT

الطيب صالح وعبد الله الناصر وبينهما ذو الرمة وتشرشل

الطيب صالح و عبد الله الناصر
الطيب صالح و عبد الله الناصر

بعد أعوام من وفاته، يستحضر الكاتب والروائي السعودي عبد الله الناصر، جانبا من علاقته بالأديب السوداني الراحل الطيب صالح، وبينها مرافقته إلى الصحراء، بحثا عن أثر شاعرها ذي الرمة.
ويسرد الناصر في حديثه هنا مع «الشرق الأوسط»، كما في محاضرة سابقة ألقاها في الخرطوم عن ذكرياته كواحد من المثقفين السعوديين الذين عاصروا الأديب السوداني الراحل خلال زياراته المتكررة لبلادهم مشاركا في الكثير من المؤتمرات والندوات الثقافية والفكرية، وأهمها المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، كما في لقاءاتهم به في المناسبات الثقافية العربية كمهرجان أصيلة في المغرب أو غيره.
وشكلت تلك المساحات من اللقاءات الأدبية والفكرية مع الطيب صالح لعبد الله الناصر «ألبوما» من الذكريات مكنته من الاقتراب والنفاذ إلى الكثير من ملامحه الثقافية. وفي ندوة ثقافية نظمت أخيرا بالعاصمة السودانية الخرطوم، نظمتها وزارة الثقافة السودانية، تحدث الناصر عن ذكرياته مع الطيب صالح.
يقول الناصر: «كان الطيب صالح أثيرا عزيزا سافرت معه إلى مؤتمرات أدبية كثيرة، وذهبنا سويا إلى بلدان كثيرة، ورحلنا إلى الصحراء معا في أثر شاعر الصحراء الأول ذي الرمة، وفي ليالي رمضان بلندن كنا نلتقي». وقال عن الطيب إنه «يكتب رواياته بنفس شعري».
ويضيف: «إن أحاديث الروائي الطيب صالح عن ذي الرمة والمتنبي وأبي علاء المعري ما زالت تروى في المجالس الثقافية السعودية من خلال الذين عاصروا جلساته في مهرجان الجنادرية على مدى سنين».
واستعرض الناصر بعض الذكريات المشتركة مع الراحل، خاصة تنظيمه رحلة للطيب صالح إلى ديار الشاعر ذي الرمة، متناولا أعماله الأدبية واهتماماته الإنسانية.
يقول: «كان الطيب صالح أستاذي، تعلمت منه كثيرا، فهو كاتب عملاق، ومن القلة جدا في عالمنا العربي، فهو يجمع بين الإبداع والتعمق في اللغة مع فهم الشعر العربي، وفي ذلك تفوق على كثير من الروائيين العرب، لأنه امتلك ناصيتها، وتعمق في الأدب العربي قديمه وحديثه. وأشهد هنا أن الطيب كان عميق الإيمان، عميق الإحساس بالله، معتزا بتاريخه، معتزا بعروبته، معتزا بتراثه وبثقافته العربية إلى أبعد الحدود، ولقد كان مؤمنا حقا، ولكنه ذلك الإيمان الشفيف الرهيف، الذي قد لا تراه في المظهر، ولكنه يذهب إلى أعماق أعماق الروح».
ورأى أن الطيب صالح كان «يمارس الصعود دائما رغم قلة إنتاجه، لأنه يؤمن بالكيف لا بالكم، ومع أنه كتب (عرس الزين)، و(دومة ود حامد) و(بندر شاه)، وغيرها، إلا أن روايته (موسم الهجرة إلى الشمال)، كانت الأشهر بينها من حيث الدراسات وما استند عليها من تفسيرات، حول علاقة الشرق بالغرب، والمستعمر بالمستعمر، ولكنها لم تكن أفضلها، كما كان يقول الطيب صالح نفسه».
وعن أثر الراحل الطيب الصالح في الأدباء والمثقفين السعوديين خاصة، والخليجيين عامة، ذكر الناصر أن هذا «التأثير كان واضحا»، ولا غرو في ذلك؛ إذ إنه كان المثقف العربي الأبرز في كل أمسيات دورات «الجنادرية» على مدى 23 عاما مضت من عمره، كما يزين ملتقيات المثقفين العرب الذين تحتضنهم العاصمة السعودية الرياض كل عام، يحدثهم عن معتركات الحياة الثقافية السعودية والخليجية والعربية بتفاصيل لا تتوفر لدى الكثيرين منهم، كما كانت له مساجلات في مجلس الراحل الشيخ عبد العزيز التويجري».
اطلاع الطيب صالح على المشهد الثقافي، سواء في المملكة أو دول الخليج الأخرى، جعله، كما يضيف الناصر، يتنبأ بطفرة في الرواية النسائية الخليجية بشكل عام، والسعودية بشكل خاص، حيث نقلت عنه مجلة «عالم الكتب - العدد الرابع 1981»، قوله: «إذا كان الخليج عنده أدب حديث وأصيل وليس ازدهارا مجبرا فسيكون مكتوبا على يد امرأة؛ لأن النساء هن اللاتي يعشن تحت ظروف اجتماعية صعبة تجعلهن مؤهلات للكتابة في الرواية والشعر.. وإنه إذا كانت هناك رواية خليجية خلال السنوات الـ10 المقبلة فإنها سوف تكون رواية امرأة كتبت بالقهر والغضب».
وعلى الرغم من أنه صنف واحدا من أفضل مائة روائي عالمي، فإن الطيب صالح كان بسيطا متواضعا. وعن هذه النقطة، يقول الناصر: «أذكر أننا – في السفارة السعودية في لندن، حيث عمل الناصر مستشارا ثقافيا هناك - كنا نقيم حفل إفطار أدعو إليه بعض الأدباء من العرب والسعوديين والمهتمين، وكان يتحول ذلك الحفل إلى مهرجان أدبي رمضاني يستمر إلى قبيل بزوغ الفجر بقليل، حيث كان أديبنا الطيب صالح يستمتع بجلساته وقفشاته وما يدور فيه من نقاش، ويتحدث فيه عن ذكرياته في شهر رمضان في الزمن الغابر بشجن، غير أنه في نفس الوقت يصغي إلى أحاديث الآخرين بشغف كبير. وفي ليلة من تلك الليالي الأدبية الرمضانية، كنا نتحدث عن شخصيتين عظيمتين هما عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، بمشاركة عدد من الإخوة السعوديين أذكر منهم الدكتور الإعلامي محمد صبحي، والدكتور محمد الماجد، حيث كان الطيب صالح محبا لعبد الله بن عمر ومعجبا بتقواه، وهو كتب عنه حلقات في مجلة «المجلة» وعن زهده في الدنيا، والإعراض عنها رغما عن مكانته العظيمة في نفوس الناس».
كذلك كان الطيب، يضيف الناصر.. «معجبا بابن عباس.. معجبا بذكائه وفصاحته وسرعة بديهته، وحسن تخلصه، وتفقهه، وغزارة علمه، فقد كان حبر الأمة، إلى جانب شاعرية ابن عباس، فقد كان أديبا حافظا للشعر وأيام العرب، وكان شديد التسامح في إلقاء الشعر، والتحدث به وعنه، فقد كان يلقي قصائد عمر بن أبي ربيعة في المسجد، وكانت له أحاديث معه ومع الحطيئة وكثير من الشعراء».
ويذكر الناصر أنه ذات مرة صلى الطيب صالح صلاة التراويح معه في المكتب، وكان يؤمهم آنذاك الدكتور إبراهيم السعدان الذي كان وقتها، يحضر لشهادة الدكتوراه، وكان صوته عذبا جميلا، وكان حينها نحيلا، نحيفا، فلما قضيت الصلاة، فإذا بالطيب صالح يلتفت إليه قائلا: «يا أخي، لست أدري، ذكرني هذا الشاب بعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، هكذا والله تخيلته».
ويضيف الناصر: «بعدها أمسك الطيب بيدي وحدق في وجهي، وكأنه يستقرئ شيئا، أو يتذكر شيئا!! ثم قال: ألم يكن مكتبكم هذا مكتبا لرئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل، ذلك الصهيوني المتعصب في صهيونيته؟ قلت: بلى! كان مكتبا له، وتسلم وزارته هنا.. قال: ما ظنك لو أنه قام من قبره، وسمع هذا الشاب يقرأ القرآن في مكتبه!! ألن يقول ما قاله أبو جهل وقد اعتلى ابن مسعود صدره، وأخذ يحز رقبته بسيفه، فقال: لقد ركبت مركبا صعبا يا رويعي الغنم؟! ثم سقطت دمعة من عين الطيب صالح!».



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».