صفحة سياسية جديدة في إيطاليا... بعد إطاحة سالفيني

تحالف «النجوم الخمس» مع الديمقراطيين تحقق بتضافر جهود الداخل والخارج

صفحة سياسية جديدة في إيطاليا... بعد إطاحة سالفيني
TT

صفحة سياسية جديدة في إيطاليا... بعد إطاحة سالفيني

صفحة سياسية جديدة في إيطاليا... بعد إطاحة سالفيني

يوم الخميس المنصرم، أدت الحكومة الإيطالية الجديدة القسم أمام رئيس الجمهورية سيرجيو ماتّاريلّا، بعد ثلاثة أسابيع من المفاوضات المكثّفة بين حركة «النجوم الخمس» الشعبويّة، التي أسست في عام 2009 على منصّة إلكترونية، كتيّار احتجاجي على النظام القائم، والحزب الديمقراطي الذي قام على أنقاض الحزبين الاشتراكي والشيوعي، بعد انهيار التركيبة الحزبية التي سادت في المشهد السياسي الإيطالي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتشكّل هذه الحكومة الجديدة عودة إلى المسار المؤسسي الطبيعي، وإلى الحظيرة الأوروبية، بعد أربعة عشر شهراً من الاحتقان السياسي والاجتماعي المستمر، والتوتّر الدائم مع الحلفاء الأوروبيين والمؤسسات الأوروبية، على يد الحكومة السابقة التي لعب اليمين المتطرف الدور الأساسي فيها. ولقد أحدث هذا اليمين، ممثلاً بحزب «الرابطة» بزعامة ماتيو سالفيني، شرخاً عميقاً في المجتمع الإيطالي، أعاد إلى الأذهان الحقبة التي سبقت نشوء النظام الفاشي مطلع عشرينات القرن الماضي، وترك تداعيات سلبية جداً على عدد من الاستراتيجيات الأوروبية المهمة في مرحلة دقيقة يواجه فيها المشروع الأوروبي تحديات مصيريّة تتوقّف عليها ديمومته.
انطلاق الحكومة الإيطالية الجديدة التي كرّست بروز رئيسها جيوزيبي كونتي، كشخصية محوريّة في المعادلة السياسية، وذلك بعد الدور الثانوي الذي لعبه في الحكومة السابقة، ليس سوى خطوة أولى في مهمة معقدة لتصويب المسار الذي ذهبت فيه إيطاليا منذ مطلع الصيف الماضي.
صحيح أن «النجوم الخمس» ما زالت تشكّل أحد طرفي التحالف الحاكم، ولكن لا بد لها أن تعدّل في سياستها الجديدة، وأيضاً في مطامحها، بعد قطع الأواصر المتينة التي ربطتها طوال أربعة عشر شهراً مع حزب «الرابطة»، والاتفاق الذي توصّلت إليه مع خصمها السياسي الأول (الحزب الديمقراطي)، والذي واجه معارضة شديدة في صفوف قاعدتها الشعبية.
وفي أي حال، لقد بات بإمكان أوروبا، بعد تجديد قيادات مؤسّساتها الرئيسية الخمس، أن تعتمد على إحدى دولها الأعضاء الأساسية (إيطاليا في هذه الحالة) من أجل مواجهة الملفّات الحسّاسة التي تقتضي معالجتها توافقاً واسعاً، مثل أزمة الهجرة والسياسات الاقتصادية، التي كان لصعود اليمين المتطرف في الفترة الأخيرة تأثير سلبي كبير عليها.
ومما لا شك فيه أن محاولات التخريب المتعّمد التي قام بها سالفيني لإفشال - أو إعاقة - عدد من المشاريع والسياسات الأوروبية المهمة، بذريعة الدفاع عن المصالح الوطنية، قد أخّرت وعقّدت استراتيجيات واتفاقات ما عاد بإمكان أوروبا أن تماطل في إنجازها.
ولكن كيف وصلت إيطاليا إلى المأزق الذي عاشته خلال ولاية الحكومة السابقة، والذي أطلق صفّارات الإنذار في المحيط الأوروبي الذي كان يغلي على أكثر من جبهة؟
وكيف أسدل الستار فجأة قبل بداية الفصل الأخير من عمليّة صعود اليمين المتطرف إلى قمّة السلطة في ثالث أكبر اقتصادات أوروبا؟
وما حظوظ سالفيني في العودة مجدداً إلى صدارة المشهد السياسي الإيطالي، بعد ارتكابه هذا الخطأ الفادح، بتفجير أزمة حكومية كان الخاسر الوحيد فيها؟

إيطاليا مختلفة يميناً ويساراً
لا بد، في البداية، من التذكير بأن إيطاليا السياسية اليوم لا تشبه في شيء تلك التي كنّا نعرفها منذ عشر سنوات، وأن التحوّلات التي شهدتها بلدان الاتحاد الأوروبي على صعيد التغييرات في معادلاتها الحزبية، منذ الأزمة المالية والاقتصادية أواخر العقد الماضي، بلغت في إيطاليا مرحلة متقدمة جداً... يمكن القول إنها كانت بداية ما يصلح تسميته «الجمهورية الثالثة»؛ ذلك أن الدولة التي كانت مهد الديمقراطية المسيحية في أوروبا لم يعد هذا الخط السياسي فيها سوى أثر بعد عين، ولم تعد شعبيته وكتلته البرلمانية تزيد على 6 في المائة، بعدما كان قد سيطر على مقاليد الحكم طوال أربعة عقود متواصلة. وأيضاً الحزب الشيوعي الإيطالي، الذي قاد المسار التاريخي للابتعاد عن الخط السوفياتي، عندما كان أقوى الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية، لم يعد له نائب واحد في البرلمان الذي تولّى رئاسته أمينه العام فاوستو برتينوتّي من عام 2006 إلى عام 2008.
وعلى أنقاض الديمقراطية المسيحية التي أعطت إيطاليا وأوروبا بعض ألمع السياسيين - وليس بالضرورة أنزههم - بنى الملياردير المغامر صاحب العلاقات المشبوهة سيلفيو برلسكوني مشروعه السياسي مستنداً إلى إمبراطورية إعلامية مترامية، سخّر كل طاقاتها لترويجه. ومهّد، في الواقع، لما جاء بعده من ظهور للزعامات الشعبويّة من الفلبين إلى أميركا اللاتينية، ومن الولايات المتحدة إلى أوروبا.

ظروف بروز المعترضين
وفي معسكر اليسار، لم يتمكّن الحزب الديمقراطي الإيطالي، الذي أسس في نهاية عام 2007، من احتضان التركة اليسارية الكبيرة التي ورثتها إيطاليا بعد انهيار الحزبين الشيوعي والاشتراكي بسبب الصراعات الداخلية الشديدة التي عصفت بهما، وهو لا يزال حتى اليوم ضحيّة الخلافات الشخصية بين قياداته المتناحرة باستمرار.
هذا المشهد اليساري المتعثّر هو الذي شكّل الأرض الخصبة التي نشأت فيها حركة «النجوم الخمس»، على يد الممثل الفكاهي بيبي غريّو، وراحت تستنزف قاعدة اليسار المُحبَطة حتى أصبحت القوة السياسية الأولى في إيطاليا، بعد الانتخابات العامة الأخيرة في مارس (آذار) من العام الفائت.
وفي تلك الأثناء، كان المشهد اليميني، الذي «تيتّم» بعد الاهتراء الذي أصاب الديمقراطيين المسيحيين بسبب فضائح الفساد المالي الضخمة والتواطؤ مع المافيا، يتشكّل من جديد حول شخص برلسكوني الذي كان يطلق الوعود البرّاقة، مستنداً إلى تجربته الناجحة في عالم المال والأعمال. وحقاً ترأس برلسكوني الحكومة في ولايات ثلاث متتالية، تفرّد خلالها بقيادة المعسكر اليميني الذي وجد فيه منقذاً من خطر استمرار اليسار في الحكم، ولا سيما بعدما مثله على رأس السلطة ماريانو برودي، الرئيس الأسبق للمفوضية الأوروبية.
ولكن بعد عشر سنوات على انطلاق التجربة البرلسكونية، بدأت تظهر عليها علامات الوهن، وأخذت تكشف عن عقم مضمونها، وعجزها عن الوفاء بالوعود التي حملتها، وصار واضحاً أن هدفها الرئيسي ليس سوى تحصين «الفارس» في وجه الملاحقات القضائية التي لا تُعد ولا تحصى، والتي انتهى بعضها بإدانته وتجريده لفترة من حقوقه السياسية والمدنية، وإلزامه بالقيام بخدمات اجتماعية، بدل عقوبة السجن التي نجا منها لتجاوزه الثمانين من العمر.

بروز سالفيني
هنا، وجد ماتّيو سالفيني، زعيم حزب «الرابطة» - «رابطة الشمال» سابقاً، فرصته الذهبية لملء الفراغ الذي كان قد بدأ يتسّع في دائرة برلسكوني العاجز عن تسمية وريث سياسي له. وبالفعل، أمسك سالفيني بزمام قيادة «الرابطة»، ذات القناعات الانفصالية أصلاً، بعدما انقلب أولاً على مؤسسها أومبرتو بوسّي، ثم على «راعيه» روبرتو ماروني، قبل أن ينزع عنها طابعها الانفصالي الذي قامت عليه. ومن هناك، يبدأ رحلته السريعة نحو أقصى اليمين، مدعوماً بزخم داخلي تولّد وتعاظم مع أزمة المهاجرين الذين كانوا يتدفقون بعشرات الآلاف على السواحل الإيطالية، ومستنداً إلى دعم دولي واسع من الحركات اليمينية.
عندما تسلّم سالفيني قيادة «الرابطة» لم تكن شعبيتها تتجاوز 6 في المائة من الناخبين، مقتصرة على مقاطعات الشمال التي كانت في البداية تطالب باستقلالها عن إيطاليا، إلا أن «الرابطة» احتلت المرتبة الثالثة بنسبة 16 في المائة في انتخابات العام الماضي، بعد حركة «النجوم الخمس» والحزب الديمقراطي، مُضاعفة النتيجة التي حصل عليها برلسكوني، ومرسّخة بذا صورتها كوريث طبيعي للرصيد السياسي اليميني في إيطاليا.
لم يكن في حسابات سالفيني الوصول يومذاك إلى الحكومة، بل كان يتأهب لمواصلة دوره التحريضي في المعارضة، بانتظار الموعد الانتخابي التالي لتكريس زعامته، وترسيخ شعبيته الصاعدة بقوة وسرعة، غير أن العداء المستحكم بين حركة «النجوم الخمس» والحزب الديمقراطي، الذي قضى منذ اللحظة الأولى على أي أمل في التقارب بينهما لتشكيل حكومة ائتلافية، رغم المحاولات المستميتة التي بذلها رئيس الجمهورية، والضغوط القوية التي مارستها أطراف داخلية وخارجية، فتح أمام سالفيني فرصة العمر للوصول إلى الحكم. وحقاً، تولى في الحكومة الائتلافية مع «النجوم الخمس» منصبي نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية. وهذا المنصب الأخير جعل منه سالفيني منبراً دائماً لحملاته المدروسة بعناية فائقة ضد المهاجرين والأجانب والمـؤسسات الأوروبية. وما هي إلا أشهر حتى أصبح هذا الزعيم اليميني المتطرف ذو الماضي اليساري «القبطان الأوحد» لسفينة الحكم، بينما كانت شعبيته تصعد بسرعة مع كل استطلاع، حتى دنت في الفترة الأخيرة من نسبة 40 في المائة. وهذه النسبة بموجب قانون الانتخاب الإيطالي تمكّنه من الحصول على الغالبية المطلقة في البرلمان، وتتيح له تشكيل حكومة من غير الاضطرار إلى الدخول في تحالفات مع القوى الأخرى.
وخلال تلك الفترة، ما عاد هناك من منازع لسالفيني على قمّة الهرم السياسي الإيطالي. وعليه، ترسّخ اليقين لدى الجميع بأن وصوله إلى رئاسة الحكومة لم يعد ينتظر سوى التوقيت المناسب الذي لن يحدّده أحد غيره. إلا أن أجواء «المبايعة» التي كانت تحيط بتحرّكات زعيم «الرابطة» راحت تكشف عن نشوة مُفرِطة في تصرّفاته، أبعدته عن الإصغاء إلى مشورة المقرّبين الذين راحوا يتذمّرون من تفرّده باتخاذ القرارات، ودفعت به إلى مرتبة مرتفعة من الغرور الذي بدأ ينذر باقتراب موعد الزلّات الفادحة والأخطاء المميتة.

القرار الانتحاري
في الخامس من أغسطس (آب) الماضي، كان سالفيني يمضي عطلته الصيفية على أحد الشواطئ الإيطالية، محاطاً بأنصاره، وبعيداً عن مستشاريه الأقربين، عندما قرّر وحده اتخاذ قرار كان أقرب ما يكون إلى الانتحار السياسي. يومذاك، أعلن على وسائل التواصل الاجتماعي أنه تقدّم بطلب لسحب الثقة من رئيس الحكومة، ودعا إلى إجراء انتخابات فوراً، كان يعرف أنه سيخرج منها ظافراً.
بيد أن هذا «الانتحار» الذي ارتكبه الرجل، والذي يوصف بأنه «أكبر إعصار سياسي في التاريخ الإيطالي الحديث»، ليس بالسهولة التي ظهر بها، ولا يمكن إرجاعه إلى مجرّد خطأ في الحسابات أو التقديرات السياسية. فمنذ أشهر، كان سالفيني يخشى من تهميشه نتيجة تفاهم بين شريكته في الحكم (حركة «النجوم الخمس») و«عدوه» اللدود الحزب الديمقراطي. وكانت مراكز ثقل الحكومة الإيطالية، بعد الانتخابات الأوروبية الأخيرة التي حققت فيها «الرابطة» انتصاراً مدويّاً، قد توزّعت على ثلاث جبهات: محور سالفيني، ومحور زعيم «النجوم الخمس» لويجي دي مايو، ومحور رئيس الوزراء كونتي مع وزير الخارجية إنزو موافيرو ميلانيزي ووزير الاقتصاد جيوفانّي تريّا ورئيس الجمهورية سيرجيو ماتّاريلّا.
ووفقاً لقيادي في الحزب الديمقراطي شارك في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، فإن المحور الثالث، القريب من الاتحاد الأوروبي، بدأ ينسج ما صار يُعرف باسم «عملية أورسولا» - تيمناً بالأحزاب الإيطالية التي صوتت لصالح الرئيسة الجديدة للمفوضية الأوروبية أورسولا فان در لايين - التي تهدف في نهايتها إلى قطع الطريق أمام سالفيني لمواصلة صعوده إلى رئاسة الحكومة.
ويقول العارفون إن سالفيني استشعر تلك المؤامرة، وبلغته معلومات محددة عن تفاصيلها، لكنه يدرك أن تفجير الأزمات الحكومية في إيطاليا تترتب عليه فاتورة لا بد من سدادها في صناديق الاقتراع. وخلال الأيام الأخيرة التي سبقت انفجار الأزمة، كان واضحاً أن ثمّة تحركات أوروبية لفرض حجر صحّي حول سالفيني، تمهيداً لمحاصرته وعزله. وفي تلك التحركات كان كونتي يلعب الدور المحوَري من داخل المؤسسات، مدعوماً من رئيس الجمهورية.
وفي موازاة ذلك، ظهرت في وسائل الإعلام الإيطالية معلومات موثّقة عن مفاوضات سرّية جرت بين «الرابطة» ومقرّبين من الكرملين للحصول على مساعدات مالية روسية لدعم وصول سالفيني إلى رئاسة الحكومة. وتزامن ظهور تلك المعلومات مع الفوز الساحق الذي حققته «الرابطة» في الانتخابات الأوروبية، وبعد ساعات من التصريحات التي أدلى بها سالفيني داعياً مرة أخرى، لكن من موقع الفائز هذه المرة، إلى رفع العقوبات الأوروبية عن موسكو.

محطة فسخ التحالف
فكرة فسخ الائتلاف الحاكم مع «النجوم الخمس» كانت تراود سالفيني منذ أشهر، إلا أنه كان حريصاً على التأكد من عدم وجود تفاهم بين الحركة والحزب الديمقراطي. ولذا اتصّل بالأمين العام للحزب الديمقراطي الذي أكد له أن الديمقراطيين يفضّلون الذهاب إلى الانتخابات في حال سقوط الحكومة، مستفيدين من التراجع الكبير في شعبية «النجوم الخمس» التي تنافسهم على القاعدة الشعبية نفسها.
وفي حينه، شعر سالفيني بشيء من الارتياح، وظن أن ساعة الصفر قد أزفت، لكنه لم يستشعر تلك التحركات التي كانت تمهّد لطعنه، والتي لا يتقنها أحد مثل السياسيين في إيطاليا.
وللعلم، كان ماتّيو رينزي، رئيس الوزراء الأسبق العدو التاريخي لحركة «النجوم الخمس»، الذي ما زال يسيطر على غالبية البرلمانيين في الحزب الديمقراطي، قد راح يكرّر تصريحاته الداعية إلى ما كان في حكم المستحيل قبل أسابيع: حكومة وحدة مع الحركة لتهميش سالفيني.
ومن ناحيته، كان بيبّي غريّو، مؤسس «النجوم الخمس»، يخطو في تصريحاته مقترباً من رينزي، بعد سنوات من الشتائم والعداوة، داعياً إلى «وقف زحف البرابرة»، وتشكيل تحالف مع الديمقراطيين، مدعوماً من رئيس الجمهورية ومن الفاتيكان. وبالمناسبة، كان كيل الفاتيكان قد طفح من انحرافات سالفيني في موضوع المهاجرين، واستخدامه الاستفزازي للرموز الدينية في حملاته الانتخابية.
ومن ثم، جاء المسمار الأخير في نعش طموحات سالفيني من حيث لم يكن يتوقّعه زعيم «الرابطة» الذي كان قد فتح كل الجبهات الممكنة مع الاتحاد الأوروبي. لقد جاءه من الولايات المتحدة، الحليف الأكبر لإيطاليا المؤثر في معظم قرارتها الاستراتيجية منذ قيام الجمهورية الأولى.
إذ يقول العارفون إن اللقاء الذي عقده سالفيني في 17 يونيو (حزيران) الماضي مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في واشنطن، انتهى بترسيخ الشكوك التي تساور الأميركيين بشأن زعيم «الرابطة»، وبالذات لجهة «انفتاحه» الواسع على موسكو، وتقاربه المُفرط مع الصين التي وقّعت معها إيطاليا اتفاقاً حول مشروع «طريق الحرير»، في تحدّ سافر للموقف المشترك الذي اعتمدته الدول الغربية والأطلسية من المبادرة الصينية.

«المؤامرة»
كانت «المؤامرة»، التي تحدّث عنها سالفيني بعد سقوطه المدوّي، وفشل محاولته الأخيرة للعودة إلى الائتلاف السابق، عندما عرض رئاسة الحكومة على لويجي دي مايّو، مقابل عدم التحالف مع الديمقراطيين، قد اكتملت فصولها في القمّة الأخيرة لمجموعة الدول الصناعية السبع في منتجع بياريتز الفرنسي.
في بياريتز، أقنع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الأميركي دونالد ترمب بإعلان تأييده لاستمرار كونتي في رئاسة الحكومة الإيطالية، كما أكدت بعض وسائل الإعلام الأميركية. تلك كانت الزفرة الأخيرة للقبطان الذي خسر سفينته قبل نهاية الصيف على الشواطئ الإيطالية.

أبرز شخصيات حكومة كونتي الجديدة
> الحكومة الإيطالية الجديدة التي شكلها جيوزيبي كونتي بالأمس، بعد إخراج حزب «الرابطة» اليميني المتطرف من الائتلاف، ودخول الحزب الديمقراطي اليساري شريكاً في السلطة لحركة «النجوم الخمس»، تضم وزراء من الحركة والحزب وحركة «حر ومساوٍ» اليسارية، بجانب مستقلين، بينهم رئيس الوزراء كونتي نفسه. وفيما يلي أبرز الوزراء:
جيوزيبي كونتي (مستقل) رئيساً للحكومة
ريكاردو فاكارو (النجوم الخمس) أميناً لمجلس الوزراء
لوتشيانا لامورجيزي (مستقلة) وزيرة للداخلية
لويجي دي مايو (النجوم الخمس) وزيراً للخارجية
لورينزو غيريني (ديمقراطي) وزيراً للدفاع
روبرتو غوالتييري (ديمقراطي) وزيراً للمال والاقتصاد
ألفونسو بونافيدي (مستقل) وزيراً للعدل
ستيفانو باتوانيللي (النجوم الخمس) وزيراً للتنمية الاقتصادية
نونزيا كاتالفو (النجوم الخمس) وزيرة للعمل والسياسات الاجتماعية
باولا دي ميكيلي (ديمقراطية) وزيرة للبنى التحتية والنقل
تيريزا بيلانوفا (ديمقراطية) وزيرة للزراعة والغذاء والغابات
روبرتو سبيرانزا (حرّ ومساوٍ) وزيراً للصحة
لورينزو فيورامونتي (النجوم الخمس) وزيراً للتربية والجامعات والأبحاث
سيرجيو كوستا (النجوم الخمس) وزيراً للبيئة وحماية الأرض والبحر
داريو فرانشيسكيني (ديمقراطي) وزيراً للتراث والثقافة والسياحة



ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.