8 تحديات ميدانية في سوريا... و3 عقبات أمام اللجنة الدستورية

المبعوث الدولي يسعى لتشكيل «مجموعة اتصال» دولية ـ إقليمية... وموسكو تتمسك بـ «مسار آستانة»

دورية عسكرية تركية في بلدة سراقب شمال سوريا (أ.ف.ب)
دورية عسكرية تركية في بلدة سراقب شمال سوريا (أ.ف.ب)
TT

8 تحديات ميدانية في سوريا... و3 عقبات أمام اللجنة الدستورية

دورية عسكرية تركية في بلدة سراقب شمال سوريا (أ.ف.ب)
دورية عسكرية تركية في بلدة سراقب شمال سوريا (أ.ف.ب)

ثمانية تحديات ميدانية في سوريا. ثلاث عقبات أمام المضي في تشكيل اللجنة الدستورية السورية بعد إحداث خمسة اختراقات. اعتراض روسي على تشكيل مجموعة اتصال دولية - إقليمية تضم اللاعبين الدوليين والإقليميين للبحث عن توافقات لحل الأزمة السورية.
كانت هذه قراءة مصادر دبلوماسية غربية حضرت مشاورات المبعوث الدولي غير بيدرسن في مجلس الأمن السبت الماضي قبل سفره إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو. ومن المقرر أن تجري سلسلة اتصالات بحثاً عن مقاربات لهذه التحديات. ويشمل ذلك استضافة بيدرسن لممثلي «المجموعة الصغيرة» التي تضم أميركا، وبريطانيا، وفرنسا، ودولاً عربية في جنيف في 12 الشهر الحالي، وعقد لقاء وزاري إنساني - سياسي - اقتصادي دعت إليه مسؤولة الخارجية والأمن الأوروبية فيدريكا موغيريني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في النصف الثاني من الشهر الحالي، إضافة إلى اجتماع وزاري في نيويورك لـ«المجموعة الصغيرة».

ثمانية تحديات

بحسب بيدرسن ومسؤولين غربيين، هناك ثمانية تحديات عاجلة في سوريا:
الأول، الوضع في شمال غربي سوريا. إذ إنه رغم محاولات روسيا وتركيا لإعادة تثبيت وقف النار الذي تم الإعلان عنه نهاية أغسطس (آب)، استُؤنفت الأعمال القتالية في إدلب ومحيطها. إذ قامت الحكومة بشن حملة عسكرية واسعة النطاق سيطرت خلالها على الجزء الجنوبي من منطقة خفض التصعيد. واستمرت الهجمات الجوية من القوات الموالية للحكومة. ولقي المزيد من المدنيين مصرعهم، وهرب المزيد من الأشخاص من بيوتهم، واستهدفت منشآت طبية وبنى تحتية، بما في ذلك الأسواق والمدارس ومخيمات النازحين ومحطات المياه. وأُفرغت قرى بشكل شبه كامل من سكانها.
وهناك اعتقاد أن الهدنة الجديدة التي بدأ تطبيقها قبل أيام لا تزال هشة ومعرّضة للانهيار باستئناف العمليات القتالية خصوصاً وسط حديث عن تعزيزات وقصف. وبدا، بحسب المصادر الدبلوماسية، أن روسيا منخرطة بشكل كامل في العملية العسكرية على عكس الجولة السابقة قبل أشهر. كما أن دور «حزب الله» وإيران اقتصر على وجود مستشارين من دون انخراط كامل للتنظيمات في العمليات القتالية.
الثاني، استهداف النقاط التركية. أعلنت تركيا عن استهداف قافلة عسكرية تابعة لها في إدلب بضربات جوية، في حين حُوصرت نقطة المراقبة التركية في مورك من قبل القوات الموالية للحكومة، وتعرضت هي الأخرى لقصف، وهو بمثابة تذكير بأن الوضع في إدلب يمكن أن يشعل صراعاً إقليمياً. والتقى الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان الثلاثاء الماضي وأعلنا عن التوصل إلى تفاهم حول كيفية تثبيت الوضع في إدلب استناداً إلى مذكرة التفاهم الموقعة في سبتمبر (أيلول) الماضي. ويعتقد أن موسكو أعطت أنقرة مهلة لتنفيذ «اتفاق سوتشي» الذي يتضمن تفكيك التنظيمات الإرهابية وإعادة تشغيل طريق حماة - حلب واللاذقية - حلب وتشغيل دوريات مشتركة ما يفسر إرسال تركيا تعزيزات، مقابل ضمانات روسية بعدم استهداف النقاط التركية. وشددت موسكو على «التطبيق الحرفي» لاتفاق سوتشي الذي يبدأ بوقف النار.
الثالث، وجود «هيئة تحرير الشام» المصنفة من قبل مجلس الأمن ومجموعات أخرى مثل «حراس الدين» بأنها تنظيمات إرهابية. ولوحظ أن بيدرسن قال في اجتماع مجلس الأمن: «محاربة الإرهاب لا ينبغي أن تعرّض حياة ثلاثة ملايين في إدلب ومحيطها من المدنيين للخطر. كل الأعمال التي تؤدي إلى قتلهم أو تشريدهم يجب أن تتوقف الآن. الوضع في إدلب يتطلب حلاً سياسيا في المقام الأول».
الرابع، التدخل الأميركي. استهدفت قبل أيام اجتماعاً قياديا لعناصر مرتبطة بـ«القاعدة» في ريف إدلب. وبحسب المصادر، فإن واشنطن أبلغت موسكو بأنها ستستأنف استهداف «إرهابيين في إدلب في حال توافرت معلومات بأنهم يشكلون خطراً على أمن أميركا أو حلفائها، إضافة إلى توافر معلومات عن قياديين رفيعي المستوى من تنظيم القاعدة». وكان هذا هو الاستهداف الأميركي الثاني بعد توقف استمر منذ بداية 2017.
كان وزير الخارجية الأميركي قدم إلى الجانب الروسي في مايو (أيار) مقترحات من ثماني نقاط بينها «محاربة الإرهاب». وكان هناك توافق أولي عليها، لكن الخلاف كان حول تسلسل تطبيقها. ويعتقد أن واشنطن تدفع للبدء ببند «مكافحة الإرهاب». يعني هذا نشاط القوات الجوية الأميركية غرب نهر الفرات وقت الضرورة، باعتبار أن مذكرة التفاهم الأميركية - الروسية نصت على سيطرة الأميركيين شرق الفرات والروس غربه. ولوحظ انتقادات موسكو لقصف واشنطن في ريف إدلب قبل أيام.
الخامس، شمال شرقي سوريا. تصاعدت وتيرة التوتر في يوليو (تموز)، حيث تمركزت القوات على جانب التركي من الحدود. وساهمت المحادثات التركية - الأميركية خلال شهر أغسطس في «تفادي انفجار الموقف»، بحسب بيدرسن. وجرت الخطوات الأولية لتطبيق التفاهمات المؤقتة التي تم الاتفاق عليها. لكن لا يزال هناك غموض في التفاهمات وتساؤلات حول سرعة التنفيذ وتهديدات تركية باللجوء إلى الخيار العسكري الذي سيخلط الأوراق في منطقة النفوذ الأميركي - الكردي شرق الفرات. وهناك من يعتقد أن التفاهمات بين واشنطن وأنقرة هي «تأجيل للتوغل وليس إنهاء له».
السادس، التوتر بين إيران وإسرائيل. أكدت إسرائيل قيامها بشن هجمات جوية على أطراف مدينة دمشق في 24 أغسطس معلنة أن الهدف كان إحباط هجوم بطائرات مسيرة من الأراضي السورية، قالت إسرائيل إنه تم التخطيط له من «فيلق القدس الإيراني» وتنظيمات تدعمها إيران. كما أعلن «حزب الله» أن اثنين من مقاتليه قتلا، وهدد بالرد من داخل الأراضي اللبنانية. وجرت أول من أمس جولة مضبوطة من التصعيد عبر جنوب لبنان، لكن القلق من جولة أخرى عبر البوابة السورية.
كانت إسرائيل وسعت دائرة استهداف إيران لتشمل العراق بعد سوريا، إضافة إلى إرسال «درون» إلى فوق بيروت. وقال بيدرسن: «هذه الأعمال التصعيدية مقلقة للغاية. أحث الأطراف كافة على احترام سيادة سوريا والدول الأخرى في المنطقة من خلال وقف هذه الاعتداءات والأعمال الاستفزازية وممارسة أكبر قدر من ضبط النفس قولاً وفعلاً».
السابع، هشاشة تسويات الجنوب السوري. وقال المبعوث الدولي لمجلس الأمن: «تصلنا تقارير حول عمليات الاعتقال والمظاهرات وحالات الاختفاء والاغتيالات في جنوب غربي سوريا وهي جميعها مصدر قلق بالغ»، ذلك بعد مرور سنة على تسوية رعتها موسكو وقضت بعودة قوات الحكومة إلى المنطقة مقابل ضمانات لمعارضين. وسجلت اغتيالات وتوترات في الجنوب، إضافة إلى أنباء عن تنافس روسي - إيراني وسط قصف إسرائيلي لمواقع في ريف درعا.
الثامن، تحديات إنسانية. المبعوث الدولي اختصر هذا التحديات بالقول: «عائلات سوريا تواجه مخاطر متعددة الأوجه، من العنف، والإرهاب، والنزوح، والتجنيد الإجباري، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، وتشريد الأسر، والعنف ضد المرأة، وعدد كبير من المسائل الأخرى المتعلقة بالحماية. كما يواجه السوريون مستويات غير مسبوقة من الفقر، والنقص في الموارد الاقتصادية، والشعور باليأس. هذا إضافة إلى ملايين اللاجئين الذين لا يزالون يواجهون عقبات تقف حائلاً بينهم وبين العودة الآمنة والطوعية بشكل يحفظ كرامتهم». وبرز في الفترة الأخيرة صعود المضايقات ضد السوريين في تركيا ولبنان.

عقد واختراقات

بالنسبة إلى بيدرسن، «بات واضحاً أكثر من أي وقت مضى أنه لا يوجد حل عسكري في سوريا»، وأن وقف النار على المستوى الوطني «أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى»؛ لأن المسار السياسي «يضمن استعادة سوريا لسيادتها». عليه، فهو واصل عمله لـ«بدء مسار إنتاج دستور جديد يتم وفقاً له إجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254».
وخلال مشاوراته، حرص بيدرسن مع الحكومة و«هيئة التفاوض السورية» وأطراف إقليمية ودولية للتأكيد أنه «لا يتم الاتفاق على شيء حتى يتم الاتفاق على كل شيء». ونجح في إحداث اختراقات في تشكيل اللجنة الدستورية، بوابة المسار السياسي. هي: «أولاً، اتفاق على أن تكون هناك رئاسة مشتركة للجنة بأن يكون هناك رئيس للجنة تسميه الحكومة وآخر تسميه المعارضة. الثاني، دور الأمم المتحدة بصفتها ميسّراً من خلال المساعي الحميدة للمبعوث الخاص. الثالث، نسبة تصويت 75 في المائة مع السعي لاتخاذ القرارات بالتوافق. الرابع، تشكيل جسم موسع من 150 عضواً، وجسم مصغر من 45 عضواً. الخامس، التزام واضح بضمان أمن وسلامة أعضاء اللجنة وأسرهم».
لكن، لا تزال هناك ثلاث عقد، حسب المصادر الغربية، هي: اعتراض تركيا على اسم في القائمة التي قدمتها دمشق وضمت أربعة أسماء في القائمة الثالثة للمجتمع المدني. عدم التوافق على كيفية الإشارة إلى القرار 2254 في مرجعية اللجنة، وعدم تثبيت ما إذا كان هدف اللجنة صوغ دستور سوري جديد أو تعديل الدستور الحالي للعام 2012. وقال بيدرسن للمجلس: «إنني على تواصل مع المعارضة والحكومة لهذا الغرض (حل العقد). كما أنني عبّرت عن استعدادي للعودة إلى دمشق في أقرب فرصة لاستكمال العمل» على تشكيل اللجنة وقواعد العمل فيها.
ويأمل المبعوث الدولي في الوصول إلى حل هذه العقد قبل اجتماع الجمعية العامة في النصف الثاني من الشهر المقبل. وتعمل موسكو للضغط كي تحقق إنجازاً قبل القمة الروسية - التركية - الإيرانية في أنقرة في 16 الشهر الحالي كي تتبنى إنجاز إعلان اللجنة الدستورية وفق مسار آستانة و«ضامنيه» الثلاثة. في المقابل، تتمسك الأمم المتحدة بملكية المسار الدستوري - السياسي. إضافة إلى ذلك، يتمسك بيدرسن بإعطاء أهمية خاصة لملف السجناء والمعتقلين والمخطوفين كي تلعب الأمم المتحدة دوراً بارزاً فيه.
وفي الصورة الأوسع، فإن مشروع بيدرسن لتشكيل «لجنة اتصال» دولية - إقليمية لا يزال قائماً للجمع بين كتلتين: «ضامني آستانة» وهم روسيا وإيران وتركيا و«المجموعة الصغيرة» بقيادة أميركا مع ضم الصين. لكن موسكو لا تزال تعطي الأولوية لمسار آستانة وغير متحمسة لاقتراح بيدرسن الذي قال: «حان الوقت لتجميع إرادة الدول المشاركة في هذه التكتلات وأيضاً الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن بشكل عملي في إطار مجموعة تضم الفاعلين الأساسيين في إطار مشترك في جنيف من أجل دعم المسار السياسي».



الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
TT

الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)

أظهرت بيانات حكومية يمنية أن أكثر من 158 ألف شخص فرُّوا من المناطق التي دخلتها جماعة الحوثيين في الساحل الغربي، بينما حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين، مع فرار العائلات من العنف، داعية المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم للنازحين والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم مواردها المحدودة.

ووفقاً للوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، ارتفع عدد الفارين من مناطق الساحل الغربي والمسجلين في 8 محافظات إلى 158109 أشخاص، يمثلون 23550 أسرة، نتيجة استمرار العمليات العسكرية والقصف والاشتباكات وتدهور الأوضاع الأمنية.

وتشير البيانات الحكومية، حتى 20 سبتمبر (أيلول)، إلى أن محافظة تعز تصدَّرت المحافظات المستضيفة، باستقبال 11867 أسرة، تضم 83123 شخصاً موزعين على 15 مديرية، تلتها محافظة لحج بـ5472 أسرة (38304 أشخاص) في 9 مديريات، أبرزها المضاربة ورأس العارة وتبن والمسيمير.

وفي العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ بلغ عدد الأسر النازحة المسجلة 3114 أسرة، تضم 15003 أشخاص موزعين على مديريات المحافظة، بينما سجلت محافظة الحديدة 1471 أسرة، تضم 10297 شخصاً في مديريتي حيس والخوخة.

عشرات الآلاف من اليمنيين النازحين يعيشون تحت الأشجار (إعلام محلي)

ورصدت الوحدة الحكومية حركة نزوح جديدة من مديريتي حيس والخوخة جنوب الحديدة باتجاه عدن، وقالت إنها تتابع هذه الحركة، في وقت استقبلت فيه محافظة أبين 1420 أسرة، تضم 9940 شخصاً في مخيمَي خنفر وزنجبار.

وتوزعت بقية الأسر النازحة -وفق البيانات الحكومية- على حضرموت بواقع 110 أسر، والمهرة 70 أسرة، وشبوة 26 أسرة.

وأكدت الوحدة أن معظم الأسر اضطرت إلى ترك منازلها وممتلكاتها بصورة مفاجئة، الأمر الذي فاقم معاناتها الإنسانية وزاد هشاشتها الاقتصادية، مشيرة إلى أن الاحتياجات الأكثر إلحاحاً تشمل المأوى ومواد الإيواء الطارئة والسلال الغذائية والمساعدات النقدية متعددة الأغراض، إلى جانب مياه الشرب والخدمات الصحية ومستلزمات النظافة.

أرقام أممية

من جهتها، حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين في اليمن، ودعت المجتمع الدولي إلى دعم الفارين من العنف والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم «ما تملكه من موارد شحيحة».

وأظهرت أحدث بيانات المنظمة أن 129438 شخصاً، أي ما يعادل 21573 أسرة، نزحوا في 7 محافظات منذ بدء موجة النزوح المرتبطة بالقتال، مع تسجيل زيادة قدرها 11352 شخصاً خلال 3 أيام فقط، مقارنة بـ118086 نازحاً في 18 سبتمبر.

وقال عثمان بلبيسي، المدير الإقليمي للمنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن كثيراً من النازحين اضطروا إلى النزوح أكثر من مرة بحثاً عن الأمان، محذراً من أن الأعداد «في ازدياد مستمر».

الغالبية العظمى من النازحين اليمنيين يفتقدون أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وتستضيف تعز العدد الأكبر من النازحين المسجلين لدى المنظمة، بواقع 73494 شخصاً، تليها لحج بـ33828، وعدن بـ8946، والحديدة بـ8244، إضافة إلى أبين وحضرموت ومأرب.

وقال بلبيسي إن هذه العائلات فقدت منازلها ومصادر دخلها، وتصل إلى بلدات تعاني أصلاً أوضاعاً صعبة، مضيفاً أن المجتمعات المضيفة «لا تستطيع القيام بذلك بمفردها»، في إشارة إلى الحاجة المتزايدة للدعم الإنساني.

وبالتزامن مع النزوح الداخلي، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن 3106 أشخاص عبروا البحر الأحمر من اليمن إلى جيبوتي حتى مساء الأحد الماضي، مشيرة إلى أنها تقدم مساعدات عاجلة لعدد من الوافدين، ومجددة دعوتها إلى توفير مزيد من الدعم في ظل استمرار حركة الفرار.


التضليل... سلاح حوثي حول خطوط النار

في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
TT

التضليل... سلاح حوثي حول خطوط النار

في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)

لم يتوقف التصعيد العسكري للجماعة الحوثية عند خطوط الجبهات؛ إذ فتحت بالتوازي جبهة أخرى في الفضاء المعلوماتي، مستخدمة التسجيلات المفبركة والمقاطع القديمة والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وإشاعات الانتصارات وتهويل نتائج الهجمات لتقديم رواية مغايرة لمسار المعارك.

وتترافق الحملة الدعائية الحوثية مع نشر مقاطع تحت مسمى «توثيق انتصارات عسكرية واسعة»، بينها مشاهد للسيطرة على مواقع في تعز والجوف ومأرب، وأخرى أعيد تقديمها بوصفها لعمليات حديثة، في حين تشير الخريطة الميدانية إلى واقع أكثر تعقيداً.

جاء ادعاء الجماعة إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15 في أجواء مأرب نموذجاً بارزاً؛ إذ بث إعلامها الحربي مقاطع زعم أنها لحطام الطائرة، قبل أن تكشف منصات تدقيق الحقائق عن أن اللقطات مقتطعة ومعاد تدويرها من حادثة قديمة، وجرى دمجها مع مشاهد لسقوط مسيّرة أميركية.

ويصف سكان مديرية الشمايتين جنوب غربي تعز الإشاعات التي تبثها الجماعة عن قرب سقوط مناطقهم بـ«الغزو الفيسبوكي»، بعد تدفق أنباء مفبركة حول سقوط مواقع حاكمة، عقب فشل محاولات تسلل؛ بهدف إثارة الذعر بين القوات الحكومية وسكان مدينة التربة.

يقول نجيب عباس، وهو معلم وناشط سياسي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإشاعات لم تؤثر كثيراً في معنويات السكان، لكنها دفعت بعضهم إلى تخفيف الحركة في الأسواق والمرافق العامة وشراء احتياجات منزلية إضافية؛ خشية استهداف الطرق ومركبات نقل المواد الضرورية.

ويستقبل سكان مناطق تعز التي تسعى الجماعة للسيطرة عليها رسائل التودد الحوثية ومحاولات استمالتهم بالتهكم، مبدين مخاوفهم من ممارساتها ورفضهم توسعها.

وكثّفت خلال التصعيد الأخير حملات التضليل والفبركة لاستهداف المواطن اليمني بالدرجة الأولى، عبر نشر الإشاعات وإرباك الرأي العام ورفع معنويات أنصارها، مع محاولة استثمارها خارجياً لصناعة صورة غير حقيقية عن الوضع في اليمن، هذا ما يقوله وكيل وزارة الإعلام اليمنية، فياض النعمان، الذي شرح لـ«الشرق الأوسط» كيفية تعامل الحكومة مع سيل التضليل.

يوضح النعمان أن الحكومة ترصد المحتوى وتتحقق من مصدر التزييف وتاريخ نشره ومكان تصويره ومقارنته بالمعلومات الرسمية والميدانية، مؤكداً أن سرعة التحقق خلال العمليات العسكرية ضرورية لمنع تحول المعلومة الكاذبة روايةً يصعب تصحيحها.

لقطة من فيديو فبركه الحوثيون عن استهدافهم مواقع للجيش اليمني بالطيران المسيَّر (إعلام حوثي)

ومنذ إعلان الحوثيين في يوليو (تموز) الماضي بدء التصعيد في البحر الأحمر، تصاعدت روايات الجماعة عن إجبار قطع بحرية دولية على مغادرة الممر، وتدمير سفن وناقلات نفط بالكامل، مع تضخيم نتائج الهجمات البحرية لتقديم الجماعة بوصفها قادرة على تغيير قواعد الملاحة.

«معركة» الرواية

رفعت الهجمات الحوثية مخاطر الشحن وتكاليف التأمين وأدت إلى تغيير بعض الناقلات لمساراتها، إلا أن الجماعة، وبعد سيطرتها على باب المندب ناقضت نفسها وأعلنت أنها لن تمنع مرور السفن، بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب كشف فيها عن مبادرة الجماعة للتواصل مع حكومته وطمأنته بعدم الدخول في قتال معها أو استهداف سفنها. وتعمد الجماعة إلى الخلط بين الأحداث الحقيقية وتأويلها المبالغ في نتائجها، بما يجعل الرواية أكثر قابلية للانتشار.

العروض العسكرية من أهم وسائل الدعاية الحوثية (أ.ف.ب)

وتتخذ الدعاية الحوثية في مأرب طابعاً أكثر تنظيماً، يستهدف ضرب التلاحم القبلي والعسكري من خلال مزاعم «التسليم الوهمي» للمواقع، وإشاعات عن قرب دخول المدينة أو خلافات مالية داخل الجيش اليمني أدت إلى انسحابات من مواقع استراتيجية.

ويرى أنور العامري، المستشار السياسي والإعلامي لرئيس هيئة الأركان العامة السابق، أن خطورة الإشاعة تكمن في وصولها إلى المتلقي قبل المعلومة الموثقة، منتقداً عدم اهتمام الحكومة الشرعية بهذا الجانب بالشكل المناسب، بما يسهل انجرار ناشطين وإعلاميين ومثقفين محسوبين عليها إلى الاستجابة للروايات الحوثية.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن سرعة الاتصال العسكري ووضوح المعلومة يمثلان جزءاً أساسياً من الحفاظ على المعنويات، مشيراً إلى جهود وزارة الدفاع ودائرة التوجيه المعنوي في هذا الجانب.

الحوثيون استغلوا استيلاءهم على مدينة المخا لرفع معنويات مقاتليهم (أ.ب)

وينوّه إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تطوراً نوعياً في أدوات التضليل، لكنه لا يلغي أساليب الحرب النفسية التقليدية، وإنما يزيد سرعة إنتاج المحتوى وحجمه وإمكانات التلاعب به. ويقسم الدعاية الحوثية إلى ثلاثة مستويات: الإشاعة والبيان الدعائي والمبالغة في الانتصارات، ثم إعادة تدوير المحتوى عبر المنصات والحسابات المتعددة، وأخيراً إنتاج وتعديل الصور والأصوات والفيديوهات والنصوص بالذكاء الاصطناعي.

انتصارات مصنّعة

كانت الجماعة الحوثية ردّت على مقاطع الجيش اليمني التي توثق استهداف عناصرها بطائرات مسيَّرة، بمقاطع مشابهة مولدة بالذكاء الاصطناعي، وظهر التزييف بوضوح في غالبيتها، في محاولة لرفع معنويات مقاتليها، إلى جانب إعادة تداول محتوى قديم أو مصطنع لتقديم صورة عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الحكومية.

ويلفت العامري، وهو إعلامي سابق في دائرة التوجيه المعنوي للجيش اليمني، إلى أن مواجهة إشاعات الحوثيين عن سقوط مناطق أو مدن تتطلب إدارة الفارق بين سرعة انتشار الرواية وقدرة الميدان على التحقق منها، محذراً من التضحية بالدقة في السباق مع الإشاعة.

الحوثيون يستخدمون مجسمات لطائرات مسيَّرة وصواريخ خلال تجمعات أنصارهم (غيتي)

ويشيد بدور الدائرة التوجيه المعنوي في القوات المسلحة اليمنية في هذه المواجهة، عبر الرصد المبكر للإشاعات منذ ظهورها، وتحديد مصادرها ومضمونها ومدى انتشارها، ثم تصنيفها بين معلومة كاذبة أو ادعاء غير مؤكد أو خبر يحتاج إلى تحقق، عبر تنسيق المعلومات العسكرية وتوحيد مصدرها، ومقارنة الروايات، ثم إيصال المعلومات الموثقة بسرعة ووضوح يمنعان استغلال الفراغ المعلوماتي وتضارب التصريحات.

ولا تستهدف المواد الدعائية التي تنتجها الجماعة الحوثية القوات المسلحة الحكومية فقط؛ بل إنها موجهة أساساً إلى جمهورها الداخلي بدرجة أكبر، وإلى المجتمعات المحلية في مناطق سيطرة الحكومة، فالروايات عن السيطرة على المخا مثلاً، أو تحقيق انتصارات خاطفة يمكن أن ترفع معنويات المقاتلين والأنصار وتحجب أخبار الخسائر والتراجع الميداني.

وفي المقابل، تنقل روايات مثل «الحصار الاقتصادي» وتحميل الحكومة والتحالف مسؤولية أزمة الرواتب والأسعار النقاش من أداء الجماعة الداخلي إلى خصومها، خصوصاً في المناطق التي تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة.


معارك تعز و«باب المندب» تكبح هجمات الحوثيين للتوغل شرقاً

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

معارك تعز و«باب المندب» تكبح هجمات الحوثيين للتوغل شرقاً

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

كثفت القوات الحكومية اليمنية، الثلاثاء، غاراتها الجوية على مواقع وتحصينات وتعزيزات تابعة للحوثيين في محافظة تعز (جنوب غرب)، بالتزامن مع استمرار المواجهات في عدد من الجبهات، بينما أعلنت القوات استعادة مواقع في جنوب وغرب المحافظة، وإسقاط طائرتين مسيّرتين، وأسر عدد من عناصر الجماعة قرب «باب المندب».

وقال محور تعز العسكري التابع للقوات المسلحة اليمنية إن الطيران الحربي شن خمس غارات على مواقع وتجمعات وآليات حوثية في جبهة الأحكوم بمديرية حيفان، جنوب شرقي المحافظة، مشيراً إلى أن الضربات استهدفت، وفق مصادر عسكرية، تعزيزات كانت في طريقها إلى جبهتي حيفان والصبيحة.

وفي غرب تعز، تواصلت المواجهات في مناطق العنين وبني بكاري وجرداد والكدحة، وسط محاولات حوثية للتسلل والهجوم. وأعلن محور تعز إسقاط طائرتين مسيّرتين، إحداهما في جبل جرداد جنوب غربي المحافظة، والأخرى في جبهة الكدحة، وقال إن الأخيرة كانت محملة بقذيفة هاون قبل وصولها إلى هدفها.

وأفادت مصادر ميدانية باستعادة القوات الحكومية مواقع وتلالاً في جبهات جنوب وغرب تعز، بينها مواقع في محيط كهبوب القريبة من «باب المندب»، بعد مواجهات عنيفة مع الحوثيين.

وقالت المصادر إن قوات «العمالقة» و«درع الوطن» استعادت عدداً من التلال المهمة والمسيطرة في كهبوب، بعدما كانت الجماعة قد سيطرت عليها خلال الأيام الماضية. كما أعلنت القوات الحكومية أسر سبعة من عناصر الحوثيين على ساحل السقيا، جنوب «باب المندب»، والاستيلاء على عربة عسكرية تابع للجماعة.

وفي جبهة غرب جرداد بني عمر، الواقعة بين مديريتي الوازعية والشمايتين، قالت مصادر إن القوات الحكومية تصدت لهجوم حوثي وأجبرت المهاجمين على التراجع.

كما شهدت الوازعية غارات جوية استهدفت مواقع للحوثيين في منطقتي الظريفة والمشجب، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات في عدد من مناطق التماس. وقالت مصادر عسكرية إن الضربات ألحقت خسائر بالجماعة وأفشلت محاولات تعزيز مواقعها والتقدم في الجبهة.

وفي جبهة كهبوب المطلة على «باب المندب»، أعلنت «ألوية العمالقة الجنوبية» أسر قيادي حوثي وأحد مرافقيه، إلى جانب تنفيذ ضربات قالت إنها دمرت آليات واستهدفت تجمعات للحوثيين في كهبوب والوازعية.

خسائر بشرية

تأتي التطورات الميدانية وسط تقارير عن خسائر بشرية كبيرة خلال اليومين الماضيين. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر عسكرية من الجانبين مقتل 154 شخصاً على الأقل في المعارك التي شهدتها عدة محافظات يمنية.

وقالت مصادر عسكرية تابعة للحوثيين إن 118 شخصاً قُتلوا جراء الغارات والمواجهات والقصف المدفعي في تعز والجوف ومأرب وصعدة، معظمهم في تعز، بينما أفادت مصادر عسكرية حكومية بمقتل 36 عسكرياً خلال يومين من المواجهات، غالبيتهم في جبهات جنوب وغرب تعز.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يتصدون للهجمات الحوثية غرب تعز (إعلام عسكري)

وفي موازاة ذلك، أفادت مصادر ميدانية بمقتل القيادي الحوثي محمد عبد الله سعد جلافة العوير، المعروف باسم «أبو مالك العوير»، مع عدد من مرافقيه، خلال المواجهات في محيط جبل جرداد بمديرية الوازعية.

امتداد القتال

لا تقتصر المواجهات على تعز ومحيط «باب المندب»، إذ استمر القصف والاشتباكات في عدد من الجبهات الأخرى. وفي مأرب، تواصلت المواجهات في حريب والجوبة والكسارة والمشجح، من دون تغير في خريطة السيطرة.

وفي الجوف، أعلنت القوات الحكومية غارات على مواقع حوثية في رحوب وصلبة بمديرية برط العنان، ومواقع في المراشي والظاهر. كما أعلنت القوات الحكومية استهداف عناصر وعتاد حوثي في البيضاء، وإسقاط طائرة مسيّرة في شبوة.

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

وفي تطور منفصل، أدانت وزارة حقوق الإنسان اليمنية قصفاً صاروخياً استهدف سوقاً شعبية في منطقة الحجف بمديرية المضاربة ورأس العارة في محافظة لحج، وقالت إن الهجوم أدى إلى إصابة عدد من المدنيين وإلحاق أضرار بالممتلكات والمركبات.

وذكرت الوزارة أن السوق تعرضت، الاثنين، لقصف بصاروخين باليستيين سقطا بفارق زمني يقارب ساعة، مشيرةً إلى أن المعطيات الأولية المتعلقة بالتوقيت والمسار تشير، وفقاً لها، إلى إطلاقهما من مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في مديرية السبرة بمحافظة إب. وأكدت أنها تواصل جمع المعلومات والتحقق من حجم الإصابات والأضرار.

هجمات الحوثيين شردت نحو 150 ألف يمني من الساحل الغربي وغرب تعز (رويترز)

وفي الصبيحة، أكد رئيس الأركان والقائم بأعمال قوات «درع الوطن»، اللواء عبد الرحمن صالح اللحجي، ثبات القوات في الجبهة، وقال إن المنطقة لن تكون طريقاً لعودة الحوثيين إلى عدن، داعياً إلى مواصلة القتال والثبات في مواجهة الجماعة.

تأتي هذه التطورات امتداداً لمواجهات شهدتها خلال الأيام الماضية المرتفعات الواقعة بين غرب تعز وشمال لحج، حيث تركز القتال حول مواقع جبلية في الشمايتين وجبل حبشي والوازعية وكهبوب، وسط محاولات متبادلة لتثبيت المواقع والتحكم بالمرتفعات المطلة على طرق الساحل و«باب المندب». وكانت القوات الحكومية قد أعلنت في وقت سابق استعادة مواقع وإحباط هجمات وتسللات حوثية في عدد من هذه الجبهات.