ماركات بريطانية يباركها البلاط الملكي عبر التاريخ

من مجوهرات وحقائب يد إلى أزياء أطفال

الملكة وكأس أسكوت الذي تصممه «غارارد» منذ عقود
الملكة وكأس أسكوت الذي تصممه «غارارد» منذ عقود
TT

ماركات بريطانية يباركها البلاط الملكي عبر التاريخ

الملكة وكأس أسكوت الذي تصممه «غارارد» منذ عقود
الملكة وكأس أسكوت الذي تصممه «غارارد» منذ عقود

للعائلة المالكة البريطانية رؤية خاصة في اختيار ما يناسبها ويتماشى معها من أزياء وإكسسوار. من بين شروطها المهمة أن تحمل روح العراقة الإنجليزية مع الاهتمام بأدق التفاصيل. وغالباً ما يتواصل أفراد العائلة المالكة مع دور أزياء بعيدة عن الاستعراض، وصاغة مجوهرات لهم تاريخ من التقاليد الراسخة قد تمتد إلى مئات السنين.
واللافت في الأمر أن هناك علاقة إخلاص لا تتأثر بالزمن تربط الطبقات الأرستقراطية البريطانية وبعض بيوت الأزياء والمجوهرات، لا تتوقف عند جيل بعينه، بل تمتد إلى أجيال أخرى يتوارثون هذه الثقة المتبادلة. ورغم أن الجيل الجديد يواكب تطورات الموضة وصيحاتها، مثل دوقة كمبردج ودوقة ساسيكس، اللتين تتعاملان مع بيوت أزياء عالمية ومتنوعة فإن أفراد العائلة المالكة يتوجهون إلى أسماء معينة في مناسباتهم المهمة. من هذه البيوت نذكر:

1. «دار غارارد» (The House of Garrard) للمجوهرات
في عام 1735 افتتح صائغ الفضة، جورج ويكس، متجره في شارع بانتون في لندن، وأطلق عليه اسم «دار غارارد»، وهو التاريخ الذي بدأت فيه علاقة هذه الدار مع العائلة المالكة البريطانية حين تلقى أول طلب ملكي من فريدريك، أمير ويلز. كانت هذه البداية لمشوار وصل إلى ذروته في عام 1843، عندما تم اختيار الدار لتكون أول متعهد رسمي للمجوهرات الملكية تُصمم لملوك بريطانيا وأمرائها السابقين واللاحقين ما يرغبون فيه من التيجان والقلائد والدبابيس والأساور والخواتم والصولجانات والميداليات والكؤوس التي يتوارثونها جيلاً بعد جيل. ليس غريباً أن تحافظ الدار في تصاميمها على هذا العبق الملكي وعراقته، من خلال حرصها على استعمال التقنيات التقليدية والأدوات اليدوية القديمة والتصميمات التي تربط القديم بالمعاصر، وفي الوقت ذاته تُبرز الصفاء الطبيعي للأحجار الكريمة.
ولا تكتمل حفلات التتويج وصعود العرش ولحظات تبادل خواتم الخطوبة ومجوهرات الزواج من دون اسم «غارارد». فهي الحاضر الغائب في كل الحفلات والمناسبات الملكية. ففي عام 1840، كلف الأمير ألبرت الدار بتجهيز الهدية التي سيقدمها إلى الملكة فيكتوريا، وكانت عبارة عن «بروش» من الياقوت محاط بسبع حبات من الماس، وهي الآن واحدة من أبرز ما تضمه «مجموعة المجوهرات الملكية».
ثم جاء دور ابنهما الأكبر إدوارد أمير ويلز. فحين تزوج في عام 1863 من ألكسندرا، التي سيرتبط اسمها باسم الدار طويلاً، اختار مجموعة كبيرة من المجوهرات، منها قلادة من الماس واللؤلؤ وقرطان ماسيان و«بروش» كبير، وكان قد دخل التصوير لأول مرة إلى الأعراس الملكية، وبذلك تحولت صور هذه المجوهرات إلى حديث الناس والصحف. ولأن ألكسندرا كانت في غاية الأناقة، فإنها أعطت لهذه المجوهرات بُعداً رفيعاً. ثم توالت الأعراس الملكية ومعها إبداعات الدار. عام 1911 كان حدثاً كبيراً في تاريخ الدار، حيث كُلّفت بتصميم تاج العرش للملكة ماري جدة الملكة إليزابيث الثانية، يتناغم مع الغطاء الذي كانت تضعه الملكة على رأسها، وهو ما أكسبها رضا البلاط الملكي. ومع كل هذه الإنجازات تفخر غارارد بأن البصمة المهمة في تاريخها، هي المجوهرات التي صممتها بطلب من الملك جورج الخامس والملكة ماري في عام 1911، كانا في رحلة إلى دلهي ليتم تتويجهما كإمبراطور وإمبراطورة للهند. كان امتحاناً صعباً للدار التي كان عليها أن تصمم مجوهرات تستحوذ على اهتمام الجميع، وأن تكون أيضاً بمستوى هذا الحدث الكبير. نجحت في مهمتها، وقدمت للملكة ماري قلادة من الماس والزمرد يمكن فصلها وربطها بالبروش، في حين كان التاج من الزمرد المزين بأفعى مرصعة بالماس.
لم تنقطع علاقة الدار مع الأجيال الأخرى. ففي عام 1981 قدم الأمير تشارلز خاتم زواج للراحلة الليدي ديانا تحيط به 14 حبة من الماس، وهو الخاتم نفسه الذي قدمه بعد سنين ابنهما الأمير ويليام، إلى كاثرين ميدلتون، واكتملت حلقات هذه العلاقة الوثيقة حين طلب القصر الملكي من حرفيي الدار إعادة تصميم الصولجان الملكي وترصيعه بالأحجار الكريمة.

2. الحقائب والإكسسوارات الجلدية من «لونر» (Launer)
لا تظهر الملكة إليزابيث الثانية أمام الملأ إلا وحقيبة اليد معلقة بذراعها، وغالباً ما تكون من ماركة «لونر»، وهي دار بريطانية عريقة تصنع الحقائب اليدوية منذ سبعين عاماً. وكانت بداية العلاقة مع البلاط البريطاني حين أرسلت إلى الملكة في عام 1968 حقيبة يد كعربون تعارف، فأُعجبت بها الملكة، بعد أن لمست عراقتها والبصمة البريطانية في كل جزء فيها ولم تتردد في منح الدار ترخيصاً ملكياً (Royal Warrant)، وهو أعلى تقييم واعتراف بالجودة يمكن أن تتسلّمه أي ماركة تتعامل مع الملكة أو مع زوجها الأمير فيليب أو ابنها الأمير تشارلز. وكما يؤكد مؤرخ العائلة المالكة هوغو فيكيرز، فإن الملكة تولي عناية خاصة للحقيبة اليدوية، وعادة ما تستخدمها لإرسال رسائل مشفرة إلى طاقم العمل الذي يرافقها في تنقلاتها الرسمية، وذلك من خلال طريقة حملها للحقيبة وتحريكها بوضعيات مختلفة يمكن أن تصدر التعليمات الصامتة التي يعرفها المقربون، إضافة طبعاً إلى دورها الأساسي في إكمال طلة الملكة وأناقتها الكلاسيكية وأحيانا تهدئة ألوانها البراقة النابضة بالحيوية.
ويوجد ضمن قائمة الذين يتعاملون مع هذه الدار أيضاً كاميلا دوقة كورنوول وزوجة الأمير تشارلز. كما جاء ذكر هذه الحقيبة في أحد البرامج الإذاعية التي تبثها محطة «BBC4»، حيث أكد الضيف السير ديفيد كاندين المتخصص في كتابة السيرة والتاريخ أن البارونة مارغريت ثاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة كانت تحرص على حمل حقيبة يد من دار «لونر» وتعتبرها نقطة القوة في طلّتها. وأضاف أنها كانت تمسكها بيدها مثل صولجان الحكم والقوة والتحدي. وقد ظهرت الحقيبة أيضاً في كثير من الأفلام السينمائية وعلى مسارح برودواي حيث يمكن التعرف عليها بسهولة من خلال علامتها البريطانية المتكونة من حبل ملتوٍ من النحاس المطلي بالذهب، وعبارة «صُنِع في إنجلترا». إضافة إلى أنها تُصنع بكل تفاصيلها على يد أمهر الصناع الحرفيين من أنواع كثيرة من الجلود، مثل جلود العجول والسحالي والنعام والتماسيح والثعابين، مع بطانة من أكثر جلود الغزلان نعومة. أما الألوان، فتأتي بطيف واسع من التدرجات.
تعود حكاية هذه الحقائب إلى الأربعينات من القرن الماضي عندما هرب سام لونر مع زوجته وطفليه من تشيكوسلوفاكيا إلى لندن بسبب الحرب. في لندن، استأجر ورشة عمل صغيرة لصنع الحقائب في قلب حي سوهو، وكان هدفه صنع منتجات استثنائية باستخدام أجود أنواع الجلود، وهكذا بنى لونر سمعته في عالم الجلود الفاخرة، وسرعان ما صارت حقائبه مفضلة من قبل الطبقات المخملية والأرستقراطية. بعد رحيل الأب، تسلّم الابن القيادة وبدأت الماركة بالانتشار والتوسع بحيث أصبحت تتوفر في بعض المتاجر اللندنية الراقية، كما تحرص في السنوات الأخيرة على استخدام الألوان المضيئة التي تناسب كل الأعمار، مع احتفاظها بإرثها البريطاني الفريد وارتباطها الوثيق بالملكة إليزابيث الثانية.

3. هؤلاء يقفون وراء أناقة أطفال العائلة المالكة
مع قدوم أطفال الأمير ويليام والدوقة كيت ميدلتون تحركت الدماء في عروق موضة الأطفال في بريطانية، وتحول الأطفال الثلاثة إلى أيقونات للموضة. ليس أدل على هذا من الأميرة الصغيرة «شارلوت» التي كانت ولادتها حدثاً كبيراً لم تشهد له العائلة المالكة مثيلاً، لأنهم لم يُرزَقوا بطفلة منذ عام 1990. وقد جاءتهم مَن تحتل المركز الرابع في خلافة العرش في بريطانيا، وهذا ما أحاط ولادتها بهالة من الاهتمام العالمي لا سيما أن التطور التكنولوجي ساعد في انتشار صورها، ورغبة الأمهات بالاقتداء بها فيما يتعلق بالموضة. مثلا ذاع صيت الشال الأبيض العاجي الذي كانت ملفوفة به عند الولادة، وهو من إنتاج دار G H Hurt and Son Ltd التي تتعامل مع العائلة المالكة منذ أكثر من سبعين عاماً، وسبق أن زودت الملكة إليزابيث الثانية بالشال الذي لفت به ابنها الأمير تشارلز، وأيضاً ابنه الأمير ويليام والأمير هاري والأمير جورج والأميرة شارلوت والأمير لويس.
ما يلبسه الأمير الصغير جورج أيضاً مثار اهتمام. فكل ما يلبسه اليوم قد يُنعش الأسواق في اليوم التالي من ظهوره. ويبدو أن والدته الدوقة كيت ميدلتون تحرص على التواصل مع دور أزياء محددة، منها دار المصممة البريطانية «رايتشل رايلي» التي صممت كثيراً من إطلالات الأمير الصغير، ومنها الثياب التي ظهر بها في أول رحلة رسمية له مع والديه إلى نيوزيلندا. وتشتهر هذه المصممة بفلسفة خاصة في تصميم أزياء الأطفال تتلخص في الخطوط التقليدية والخياطة المتقنة والتطريزات اليدوية والتزيينات ورسوم «الفينتاج» التي عادة ما تُصمم خصيصاً للدار.
كما تتعامل العائلة المالكة أيضا مع دار «أميا» Amaia البريطانية للأطفال التي تديرها مصممتان؛ إحداهما إسبانية والثانية فرنسية. تأسست هذه الدار عام 2004 في لندن، وتتميز بموازنتها بين الكلاسيكية والمعاصرة واهتمامها بمكملات الأناقة، كالأحذية وزينة الشعر والأزرار اللؤلؤية وبطانات القطن النقي والأقمشة وغيرها.
كما تقف وراء أناقة أطفال العائلة المالكة دار «بيبا» Pepa & Company التي سبق أن ظهر كل من الأمير جورج والأميرة شارلوت بتصاميمها لأكثر من 8 مرات، ومنها فستان الأميرة الذي ارتدته أثناء رحلة العائلة إلى كندا. تأسست الدار عام 2013 عندما قررت بيبا غونزاليس إعادة الاعتبار لملابس الأطفال الكلاسيكية وتقديمها إلى الجيل الجديد بعد أن وجدت نقصاً في هذا الجانب. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه الدار علامة تجارية معترف بها عالمياً وترفع شعار «نحن نستمتع برؤية أطفالنا وهم يشبهون أنفسهم».



حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
TT

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

من متاجر الجمعيات الخيرية والأسواق الشعبية، إلى منصات إعادة البيع على الإنترنت، يغيّر جيل زد علاقته بالموضة والاستهلاك. فالقطعة المستعملة لم تعد علامة على التوفير، بل أصبحت أحياناً أكثر جاذبية من الجديدة، والعثور على حقيبة فاخرة أو معطف نادر بسعر زهيد قد يكون إنجازاً يستحق الاحتفال به على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان شعار الموضة، لعقود طويلة، واضحاً: كلما ارتفع السعر، ارتفعت القيمة. وكانت أسماء دُور الأزياء العالمية وشعاراتها الكبيرة كافية لمنح صاحبها شعوراً بالتميز والمكانة.

أصبح اقتناء قطعة فريدة من محلات الملابس المستعملة أمراً يدعو للتفاخر (غيتي)

فبالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء «جيل زد» والأجيال الأصغر سناً، لم تعد الأناقة مرتبطة بالضرورة بشراء الجديد أو دفع مبالغ كبيرة مقابل قطعة تحمل اسماً شهيراً، بل أصبح البحث عن قطعة مميزة، بسعر معقول، وربما مستعملة، جزءاً من ثقافة جديدة في التسوق تعرف باسم Thrifting أو التسوق من متاجر الملابس المستعملة.

ففي عالم تنتشر فيه الملابس نفسها بآلاف المتاجر، يبحث الشباب عن شيء مختلف؛ قطعة لا يرتديها الجميع، أو سترة قديمة لم تعد تُنتَج، أو حقيبة تحمل طابعاً من زمن آخر.

لهذا أصبحت متاجر الملابس المستعملة والأسواق الشعبية ومتاجر الجمعيات الخيرية وجهاتٍ يقصدها الشباب بحثاً عن «الكنوز المخفية».

هناك من يفضل المتاجر الخيرية التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة (غيتي)

قد يدخل المتسوق متجراً لا يعرف ماذا سيجد فيه، ثم يخرج منه بمعطف مميز أو حذاء من علامة معروفة أو حقيبة عتيقة، وكل ذلك مقابل مبلغ قد لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من سعر القطعة الجديدة. وهنا تكمن متعة الـThrifting ليست المتعة في الشراء وحده، بل في الاكتشاف.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لو بقي تسوق المستعمل محصوراً في المتاجر والأسواق، لربما لم يكن ليصل إلى المكانة التي يحتلها اليوم.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة.

على منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، أصبح الشباب يصورون جولاتهم داخل متاجر الملابس المستعملة، ويعرضون ما عثروا عليه، ويكشفون عن الأسعار، ويشرحون كيفية تنسيق القِطع القديمة مع الملابس الحديثة.

انتشرت مقاطع ما يُعرف بـThrift Hauls، حيث يستعرض المستخدمون مجموعة من مشترياتهم، كما تحولت فكرة العثور على قطعة فاخرة بسعر منخفض إلى نوع من المحتوى الذي يثير الفضول والإعجاب.

وأصبح السؤال ليس: «لماذا تشتري ملابس مستعملة؟»، وإنما: «ماذا استطعت أن تجد؟»،

وهكذا نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل ما كان يُنظَر إليه بوصفه وسيلة لتوفير المال إلى ثقافة وموضة لها جمهورها ولغتها ومؤثروها.

وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في قلب المعادلة ونشر هذه الظاهرة (غيتي)

تختلف تجربة التسوق من شخص إلى آخر، فهناك من يستمتع بالتجول في الأسواق الشعبية وأسواق الشوارع، حيث تختلط الملابس القديمة بالأحذية والحقائب والإكسسوارات.

وهناك من يُفضل المتاجر الخيرية، التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة، بينما تذهب عائدات المبيعات إلى دعم الأعمال الخيرية. وآخرون يبحثون عن متاجر متخصصة في القطع القديمة أو منصات إلكترونية تجمع البائعين والمشترين في سوق واسعة للمنتجات المستعملة. وفي جميع الحالات، أصبحت عملية البحث نفسها جزءاً من التجربة.

اكتسب متجر ليفتيز «Lefties» الذي نشأ لتصريف فائض ملابس «زارا» بأسعار مخفضة جماهيرية لدى الشباب (موقع ليفتيز)

المفارقة أن الاهتمام بالملابس المستعملة، أو من موسم مضى، لم يلغِ اهتمام الشباب بالعلامات الفاخرة، بل على العكس، هناك سوق متنامية للمنتجات الفاخرة المستعملة.

فالحقيبة التي تبدو بعيدة المنال عندما تكون جديدة، يمكن أن تصبح أكثر قابلية للشراء عندما تكون مستعملة. والمعطف الذي يبلغ سعره آلافاً عند طرحه للمرة الأولى، قد يصبح في متناول شاب يبحث عنه بعد سنوات.

وأحياناً تكون القطعة القديمة أكثر جاذبية من الجديدة، خصوصاً إذا كانت نادرة أو من مجموعة لم تعد متوفرة.

ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك، فقد تحولت الملابس المستعملة لدى بعض الشباب إلى مشروع تجاري صغير.

فهُم يبحثون عن القطع المميزة في المتاجر الخيرية والأسواق الشعبية، ويعرفون العلامات التي تحظى بطلب مرتفع، ثم يشترونها بأسعار منخفضة ويعيدون بيعها عبر الإنترنت. قد تكون حقيبة فاخرة، أو سترة من علامة معروفة، أو حذاءً نادراً. وبعد العثور على القطعة، تبدأ مرحلة أخرى: تنظيفها، وتصويرها، وكتابة وصف جيد لها، ثم عرضها للبيع على إحدى منصات إعادة البيع.

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

وبذلك يمكن أن تتحول هواية البحث عن الملابس المستعملة إلى مصدر دخل إضافي.

بل إن بعض الشباب طوّروا معرفة واسعة بالعلامات التجارية والأسعار واتجاهات السوق، فأصبحوا يتعاملون مع القطع المستعملة ليس بوصفها ملابس فحسب، وإنما بوصفها سلعاً قابلة لإعادة البيع والاستثمار.

القديم مستدام

هناك سبب آخر وراء شعبية هذه الظاهرة؛ وهو الاهتمام المتزايد بالاستدامة.

فبدلاً من شراء الملابس الجديدة باستمرار، والتخلص منها بعد فترة قصيرة، يمنح شراء الملابس المستعملة القطعة عمراً أطول، ويقلل الحاجة لإنتاج قطعة جديدة، لكن اختزال ظاهرة الـThrifting في الاستدامة وحدها سيكون تبسيطاً لها.

فالشاب قد يشتري مستعملاً لأنه أرخص، أو لأنه يريد قطعة لا يملكها أحد من أصدقائه، أو لأنه يبحث عن تصميم قديم، أو لأنه يريد إعادة بيعها وتحقيق ربح منها، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل انتهى عصر الماركات؟

الجواب: لا ليس بالضرورة، فجيل زد لا يدير ظهره تماماً للعلامات التجارية الفاخرة، لكنه يبدو أكثر استعداداً لإعادة تعريف العلاقة بها وتغيير تسميتها.

قد يرتدي شاب سترة اشتراها من متجر خيري ببضعة جنيهات، إلى جانب حذاء مستعمل من علامة فاخرة وساعة قديمة وحقيبة عثر عليها في سوق شعبية. بالنسبة إليه، لا تكمن قيمة الإطلالة في أن تكون جميع القطع جديدة أو باهظة الثمن، بل في الطريقة التي جرى بها جمعها وتنسيقها.


الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)

يتجدد موعد جوائز «فاشن تراست أرابيا» من جديد في دورتها لعام 2026، حاملة معها أسماء جديدة وآمالاً كبيرة من مواهب تسعى إلى ترسيخ حضورها على خريطة الموضة والأزياء العالمية. كالعادة، واستباقاً لحفل توزيع الجوائز في آخر الشهر، كشفت المؤسسة عن القائمة النهائية للمرشحين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كلهم يتنافسون على سبع جوائز قيمة، «مادياً ومعنوياً ولوجستياً» يُعلن عنها في الدوحة في 28 من الشهر الحالي.

21 مصمماً يحلمون بالجائزة بكل ما تحمله من دعم مادي ولوجستي (فاشن تراست أرابيا)

ويأتي اختيار المرشحين عموماً، عقب عملية تقييم تتولاها اللجنة الاستشارية التي تضم أسماء عالمية مؤثرة على ساحة الموضة، من رؤساء تنفيذيين في بيوت أزياء كبيرة ومصممين عالميين إلى مشترين وغيرهم. ومن المقرر أن يلتقي المرشحين لجنة التحكيم لتقديم أعمالهم ومشروعاتهم، قبل الإعلان عن أسماء الفائزين السبعة خلال الحفل الختامي الذي سيقام مساء 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بحضور نجوم سيحطّون الرحال في الدوحة من كل أنحاء العالم.

6 فئات تحتفي بتنوع التصميم

تتوزع القائمة النهائية للمرشحين على ست فئات، تعكس تنوع مجالات التصميم واتساع مساحات الإبداع في صناعة الأزياء.

ففي فئة الأزياء الجاهزة، تضم القائمة ريانة هيمسكر، من الجزائر، وسارة ماني بوروتش من الأردن، وأحمد حسن من السعودية.

سارة ماني بوروتش من الأردن المرشحة عن فئة الأزياء الجاهزة (فاشن تراست أرابيا)

أما فئة أزياء السهرة والمساء، فيتنافس عليها كل من سيندي أبي شالا من علامة «CIN»، وحيدر كريم من علامة «أوسكار كراي»، وكلاهما من لبنان، إلى جانب دانا رياض من علامتها «دانا رياض» من فلسطين.

وفي فئة الإكسسوارات، وصلت إلى المرحلة النهائية علياء زكي من لبنان، ومريم المالكي من قطر، وصفاء بودخانة من تونس.

دانا رياض من من فلسطين المرشحة عن فئة أزياء السهرة (فاشن تراست أرابيا)

وتضم فئة المجوهرات فاروج فارتان كازانجيان من علامة «هاري في» من مصر، ليال السلطان من علامة «إلورا» من الكويت، وجويل خراط من لبنان.

أما جائزة فرانكا سوزاني، الخاصة بالمواهب الواعدة، فتتنافس عليها ليلى الطوايا من فلسطين والأردن، ويوسف زغيب من لبنان، وزينة عيسى من سوريا.

وفي فئة تكنولوجيا الأزياء، تشمل القائمة شيماء وفاطمة العلاة من مصر، وسيرين قبيسي من لبنان وآمنة حسين من تونس.

جويل خراط من لبنان المرشحة عن فئة المجوهرات (فاشن تراست أرابيا)

وكعادة «فاشن تراست أرابيا» في استضافة مصممين من بلد بعيد وتخصيص جائزة سابعة مستقلة للمصممين المشاركين منها، تشمل الجائزة هذا العام المكسيك، لتكون الدولة الضيفة.

ويخضع المرشحون المكسيكيون لآلية التحكيم نفسها المعتمدة لبقية المتنافسين، في خطة تعكس توجهاً نحو توسيع آفاق التواصل بين المواهب الإبداعية في أسواق مختلفة، وتعزيز فرص التعاون وتبادل الخبرات على المستوى الدولي. ويأتي هذا التعاون بدعم من «فوغ» المكسيك وأميركا اللاتينية، انطلاقاً من أهمية بناء شبكات مهنية عابرة للحدود، وتوفير بيئات داعمة للمصممين الشباب تساعدهم على تطوير أعمالهم وتوسيع حضورهم. وتضمن قائمة المرشحين عن المكسيك، باتريسيو كامبيلو عن علامة «كامبيلو» والثنائي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» وكاميلا بانز عن علامة «بانزو».

الثنائي المكسيكي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» (فاشن تراست أرابيا)

المنح المالية والإرشاد المهني:

ولا تقف أوجه الدعم التي توفرها المؤسسة عند حدود التكريم؛ إذ تشكل المنح المالية وبرامج الإرشاد المهني جانباً أساسياً من منظومة عملها. ويحصل الفائزون على منح تتراوح قيمتها بين 100 ألف و200 ألف دولار، حسب حجم النشاط التجاري لكل مصمم، في حين تبلغ قيمة المنحة المخصصة للفائز بجائزة «فرانكا سوتساني» للمواهب الواعدة 50 ألف دولار.

في فئة تكنولوجيا الأزياء تشارك كل من شيماء وفاطمة العلاوي من مصر (فاشن تراست أرابيا)

وفي امتداد للدعم التجاري، الذي يعدّ من أهم العناصر التي يحتاج إليها أي مصمم شاب، تعرض مجموعات الفائزين في فئات الأزياء الجاهزة وأزياء السهرة والإكسسوارات والمجوهرات لدى الشريكين التجاريين للمؤسسة، «هارودز» و«أوناس» على مدى موسم، بما يتيح للمصممين فرصة الوصول إلى أسواق أوسع وجمهور دولي.

كما تشمل برامج الدعم عاماً كاملاً من الإرشاد المهني المصمم وفق احتياجات كل فائز بالتعاون مع «براند X سوسايتي». ويشارك المصممون الفائزون أيضاً في برنامج إرشادي خاص يمتد يومين في لندن، تنظمه المؤسسة مع «ذي بيستر كوليكشن» والمجلس البريطاني للأزياء و«براند Xسوسايتي».

وتعكس هذه البرامج توجهاً يتجاوز منح الجوائز المالية إلى مواكبة المصممين في مراحل تطورهم المهني، ومساعدتهم على التعامل مع متطلبات الصناعة، من بناء العلامة التجارية إلى التوسع التجاري والانفتاح على الأسواق العالمية.

من الاكتشاف إلى حضورها العالمي

تأسست «فاشن تراست أرابيا» عام 2018 مستلهمة تجربة «فاشن تراست يو كي» أي البريطانية، وهي مؤسسة غير ربحية تقوم رؤيتها على توفير فرص عملية للمصممين الذين بلغوا مرحلة الاستعداد لدخول الأسواق العالمية، لكن يفتقدون إلى الدعم المالي والتوجيه الاستراتيجي وبرامج الإرشاد، وهو ما تقدمه المؤسسة بالتعاون مع خبراء وشخصيات ذات خبرة واسعة في صناعة الأزياء. فغايتها منذ تأسيسها لا تقتصر على الاحتفاء بالأسماء الجديدة، بل تمتد إلى تهيئة الظروف التي تمكّن هذه المواهب من بناء مسارات مهنية مستقرة، وتطوير علامات تجارية قادرة على المنافسة خارج حدود المنطقة