ماركات بريطانية يباركها البلاط الملكي عبر التاريخ

من مجوهرات وحقائب يد إلى أزياء أطفال

الملكة وكأس أسكوت الذي تصممه «غارارد» منذ عقود
الملكة وكأس أسكوت الذي تصممه «غارارد» منذ عقود
TT

ماركات بريطانية يباركها البلاط الملكي عبر التاريخ

الملكة وكأس أسكوت الذي تصممه «غارارد» منذ عقود
الملكة وكأس أسكوت الذي تصممه «غارارد» منذ عقود

للعائلة المالكة البريطانية رؤية خاصة في اختيار ما يناسبها ويتماشى معها من أزياء وإكسسوار. من بين شروطها المهمة أن تحمل روح العراقة الإنجليزية مع الاهتمام بأدق التفاصيل. وغالباً ما يتواصل أفراد العائلة المالكة مع دور أزياء بعيدة عن الاستعراض، وصاغة مجوهرات لهم تاريخ من التقاليد الراسخة قد تمتد إلى مئات السنين.
واللافت في الأمر أن هناك علاقة إخلاص لا تتأثر بالزمن تربط الطبقات الأرستقراطية البريطانية وبعض بيوت الأزياء والمجوهرات، لا تتوقف عند جيل بعينه، بل تمتد إلى أجيال أخرى يتوارثون هذه الثقة المتبادلة. ورغم أن الجيل الجديد يواكب تطورات الموضة وصيحاتها، مثل دوقة كمبردج ودوقة ساسيكس، اللتين تتعاملان مع بيوت أزياء عالمية ومتنوعة فإن أفراد العائلة المالكة يتوجهون إلى أسماء معينة في مناسباتهم المهمة. من هذه البيوت نذكر:

1. «دار غارارد» (The House of Garrard) للمجوهرات
في عام 1735 افتتح صائغ الفضة، جورج ويكس، متجره في شارع بانتون في لندن، وأطلق عليه اسم «دار غارارد»، وهو التاريخ الذي بدأت فيه علاقة هذه الدار مع العائلة المالكة البريطانية حين تلقى أول طلب ملكي من فريدريك، أمير ويلز. كانت هذه البداية لمشوار وصل إلى ذروته في عام 1843، عندما تم اختيار الدار لتكون أول متعهد رسمي للمجوهرات الملكية تُصمم لملوك بريطانيا وأمرائها السابقين واللاحقين ما يرغبون فيه من التيجان والقلائد والدبابيس والأساور والخواتم والصولجانات والميداليات والكؤوس التي يتوارثونها جيلاً بعد جيل. ليس غريباً أن تحافظ الدار في تصاميمها على هذا العبق الملكي وعراقته، من خلال حرصها على استعمال التقنيات التقليدية والأدوات اليدوية القديمة والتصميمات التي تربط القديم بالمعاصر، وفي الوقت ذاته تُبرز الصفاء الطبيعي للأحجار الكريمة.
ولا تكتمل حفلات التتويج وصعود العرش ولحظات تبادل خواتم الخطوبة ومجوهرات الزواج من دون اسم «غارارد». فهي الحاضر الغائب في كل الحفلات والمناسبات الملكية. ففي عام 1840، كلف الأمير ألبرت الدار بتجهيز الهدية التي سيقدمها إلى الملكة فيكتوريا، وكانت عبارة عن «بروش» من الياقوت محاط بسبع حبات من الماس، وهي الآن واحدة من أبرز ما تضمه «مجموعة المجوهرات الملكية».
ثم جاء دور ابنهما الأكبر إدوارد أمير ويلز. فحين تزوج في عام 1863 من ألكسندرا، التي سيرتبط اسمها باسم الدار طويلاً، اختار مجموعة كبيرة من المجوهرات، منها قلادة من الماس واللؤلؤ وقرطان ماسيان و«بروش» كبير، وكان قد دخل التصوير لأول مرة إلى الأعراس الملكية، وبذلك تحولت صور هذه المجوهرات إلى حديث الناس والصحف. ولأن ألكسندرا كانت في غاية الأناقة، فإنها أعطت لهذه المجوهرات بُعداً رفيعاً. ثم توالت الأعراس الملكية ومعها إبداعات الدار. عام 1911 كان حدثاً كبيراً في تاريخ الدار، حيث كُلّفت بتصميم تاج العرش للملكة ماري جدة الملكة إليزابيث الثانية، يتناغم مع الغطاء الذي كانت تضعه الملكة على رأسها، وهو ما أكسبها رضا البلاط الملكي. ومع كل هذه الإنجازات تفخر غارارد بأن البصمة المهمة في تاريخها، هي المجوهرات التي صممتها بطلب من الملك جورج الخامس والملكة ماري في عام 1911، كانا في رحلة إلى دلهي ليتم تتويجهما كإمبراطور وإمبراطورة للهند. كان امتحاناً صعباً للدار التي كان عليها أن تصمم مجوهرات تستحوذ على اهتمام الجميع، وأن تكون أيضاً بمستوى هذا الحدث الكبير. نجحت في مهمتها، وقدمت للملكة ماري قلادة من الماس والزمرد يمكن فصلها وربطها بالبروش، في حين كان التاج من الزمرد المزين بأفعى مرصعة بالماس.
لم تنقطع علاقة الدار مع الأجيال الأخرى. ففي عام 1981 قدم الأمير تشارلز خاتم زواج للراحلة الليدي ديانا تحيط به 14 حبة من الماس، وهو الخاتم نفسه الذي قدمه بعد سنين ابنهما الأمير ويليام، إلى كاثرين ميدلتون، واكتملت حلقات هذه العلاقة الوثيقة حين طلب القصر الملكي من حرفيي الدار إعادة تصميم الصولجان الملكي وترصيعه بالأحجار الكريمة.

2. الحقائب والإكسسوارات الجلدية من «لونر» (Launer)
لا تظهر الملكة إليزابيث الثانية أمام الملأ إلا وحقيبة اليد معلقة بذراعها، وغالباً ما تكون من ماركة «لونر»، وهي دار بريطانية عريقة تصنع الحقائب اليدوية منذ سبعين عاماً. وكانت بداية العلاقة مع البلاط البريطاني حين أرسلت إلى الملكة في عام 1968 حقيبة يد كعربون تعارف، فأُعجبت بها الملكة، بعد أن لمست عراقتها والبصمة البريطانية في كل جزء فيها ولم تتردد في منح الدار ترخيصاً ملكياً (Royal Warrant)، وهو أعلى تقييم واعتراف بالجودة يمكن أن تتسلّمه أي ماركة تتعامل مع الملكة أو مع زوجها الأمير فيليب أو ابنها الأمير تشارلز. وكما يؤكد مؤرخ العائلة المالكة هوغو فيكيرز، فإن الملكة تولي عناية خاصة للحقيبة اليدوية، وعادة ما تستخدمها لإرسال رسائل مشفرة إلى طاقم العمل الذي يرافقها في تنقلاتها الرسمية، وذلك من خلال طريقة حملها للحقيبة وتحريكها بوضعيات مختلفة يمكن أن تصدر التعليمات الصامتة التي يعرفها المقربون، إضافة طبعاً إلى دورها الأساسي في إكمال طلة الملكة وأناقتها الكلاسيكية وأحيانا تهدئة ألوانها البراقة النابضة بالحيوية.
ويوجد ضمن قائمة الذين يتعاملون مع هذه الدار أيضاً كاميلا دوقة كورنوول وزوجة الأمير تشارلز. كما جاء ذكر هذه الحقيبة في أحد البرامج الإذاعية التي تبثها محطة «BBC4»، حيث أكد الضيف السير ديفيد كاندين المتخصص في كتابة السيرة والتاريخ أن البارونة مارغريت ثاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة كانت تحرص على حمل حقيبة يد من دار «لونر» وتعتبرها نقطة القوة في طلّتها. وأضاف أنها كانت تمسكها بيدها مثل صولجان الحكم والقوة والتحدي. وقد ظهرت الحقيبة أيضاً في كثير من الأفلام السينمائية وعلى مسارح برودواي حيث يمكن التعرف عليها بسهولة من خلال علامتها البريطانية المتكونة من حبل ملتوٍ من النحاس المطلي بالذهب، وعبارة «صُنِع في إنجلترا». إضافة إلى أنها تُصنع بكل تفاصيلها على يد أمهر الصناع الحرفيين من أنواع كثيرة من الجلود، مثل جلود العجول والسحالي والنعام والتماسيح والثعابين، مع بطانة من أكثر جلود الغزلان نعومة. أما الألوان، فتأتي بطيف واسع من التدرجات.
تعود حكاية هذه الحقائب إلى الأربعينات من القرن الماضي عندما هرب سام لونر مع زوجته وطفليه من تشيكوسلوفاكيا إلى لندن بسبب الحرب. في لندن، استأجر ورشة عمل صغيرة لصنع الحقائب في قلب حي سوهو، وكان هدفه صنع منتجات استثنائية باستخدام أجود أنواع الجلود، وهكذا بنى لونر سمعته في عالم الجلود الفاخرة، وسرعان ما صارت حقائبه مفضلة من قبل الطبقات المخملية والأرستقراطية. بعد رحيل الأب، تسلّم الابن القيادة وبدأت الماركة بالانتشار والتوسع بحيث أصبحت تتوفر في بعض المتاجر اللندنية الراقية، كما تحرص في السنوات الأخيرة على استخدام الألوان المضيئة التي تناسب كل الأعمار، مع احتفاظها بإرثها البريطاني الفريد وارتباطها الوثيق بالملكة إليزابيث الثانية.

3. هؤلاء يقفون وراء أناقة أطفال العائلة المالكة
مع قدوم أطفال الأمير ويليام والدوقة كيت ميدلتون تحركت الدماء في عروق موضة الأطفال في بريطانية، وتحول الأطفال الثلاثة إلى أيقونات للموضة. ليس أدل على هذا من الأميرة الصغيرة «شارلوت» التي كانت ولادتها حدثاً كبيراً لم تشهد له العائلة المالكة مثيلاً، لأنهم لم يُرزَقوا بطفلة منذ عام 1990. وقد جاءتهم مَن تحتل المركز الرابع في خلافة العرش في بريطانيا، وهذا ما أحاط ولادتها بهالة من الاهتمام العالمي لا سيما أن التطور التكنولوجي ساعد في انتشار صورها، ورغبة الأمهات بالاقتداء بها فيما يتعلق بالموضة. مثلا ذاع صيت الشال الأبيض العاجي الذي كانت ملفوفة به عند الولادة، وهو من إنتاج دار G H Hurt and Son Ltd التي تتعامل مع العائلة المالكة منذ أكثر من سبعين عاماً، وسبق أن زودت الملكة إليزابيث الثانية بالشال الذي لفت به ابنها الأمير تشارلز، وأيضاً ابنه الأمير ويليام والأمير هاري والأمير جورج والأميرة شارلوت والأمير لويس.
ما يلبسه الأمير الصغير جورج أيضاً مثار اهتمام. فكل ما يلبسه اليوم قد يُنعش الأسواق في اليوم التالي من ظهوره. ويبدو أن والدته الدوقة كيت ميدلتون تحرص على التواصل مع دور أزياء محددة، منها دار المصممة البريطانية «رايتشل رايلي» التي صممت كثيراً من إطلالات الأمير الصغير، ومنها الثياب التي ظهر بها في أول رحلة رسمية له مع والديه إلى نيوزيلندا. وتشتهر هذه المصممة بفلسفة خاصة في تصميم أزياء الأطفال تتلخص في الخطوط التقليدية والخياطة المتقنة والتطريزات اليدوية والتزيينات ورسوم «الفينتاج» التي عادة ما تُصمم خصيصاً للدار.
كما تتعامل العائلة المالكة أيضا مع دار «أميا» Amaia البريطانية للأطفال التي تديرها مصممتان؛ إحداهما إسبانية والثانية فرنسية. تأسست هذه الدار عام 2004 في لندن، وتتميز بموازنتها بين الكلاسيكية والمعاصرة واهتمامها بمكملات الأناقة، كالأحذية وزينة الشعر والأزرار اللؤلؤية وبطانات القطن النقي والأقمشة وغيرها.
كما تقف وراء أناقة أطفال العائلة المالكة دار «بيبا» Pepa & Company التي سبق أن ظهر كل من الأمير جورج والأميرة شارلوت بتصاميمها لأكثر من 8 مرات، ومنها فستان الأميرة الذي ارتدته أثناء رحلة العائلة إلى كندا. تأسست الدار عام 2013 عندما قررت بيبا غونزاليس إعادة الاعتبار لملابس الأطفال الكلاسيكية وتقديمها إلى الجيل الجديد بعد أن وجدت نقصاً في هذا الجانب. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه الدار علامة تجارية معترف بها عالمياً وترفع شعار «نحن نستمتع برؤية أطفالنا وهم يشبهون أنفسهم».



«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
TT

«كارولينا هيريرا» تستعيد البدايات في نيويورك

نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)
نقشة البولكا إحدى بصمات الدار ظهرت في الكثير من التصاميم وبألوان متنوعة (رويترز)

لم تتغير صورة المرأة في عرض «كارولينا هيريرا لربيع وصيف 2027»؛ فهي لا تزال مفعمة بالأنوثة والجمال والفخامة. لم يتغير أيضاً مصدر إلهامها: نيويورك، المدينة التي قدمت فيها كارولينا هيريرا أول عرض لها في عام 1981.

تقول الدار في بيانها الصحافي إن المجموعة تعود إلى العالم الذي ابتكرته كارولينا في نيويورك عام 1981، من خلال لوحة ألوان تتباين بين الأسود والأبيض وأحمر هيريرا والأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك، كما تستمدّ بعض تفاصيلها الأخرى، الوحي من بسكويت نيويورك الشهير بلونيه الأسود والأبيض.

الأصفر المستوحى من لون سيّارات الأجرة في نيويورك سيحضر بقوة في الموسم المقبل (كارولينا هيريرا)

يستمد هذا العالم أيضاً إلهامه من أيقونات موضة أسهمن في رسم ملامحه، مثل سي. زي. غِست، سيدة مجتمع معروفة في نيويورك، وديانا فريلاند، التي ترأست مجلة «فوغ» الأميركية و«هاربر بازار» سابقاً، ولي رادزويل، الشقيقة الصغرى لجاكلين كينيدي أوناسيس. وفي هذا السياق، يقول غوردون ويس، مصمم الدار الحالي: «أردتُ أن أتخيّل كيف تبدو تلك المرأة الراقية اليوم». ترجم هذه الفكرة في أزياء تغطي احتياجات امرأة لا تقبل التنازل عن الأناقة في كل مكان وزمان.

تباينت اقتراحات الدار بين أزياء للنهار وأخرى للمساء والسهرة (كارولينا هيريرا)

فهذه المرأة دائمة الحركة؛ قد تتنزه في بارك أفينيو أو تُلبِي دعوة غذاء، أو تضطر للركض لتستوقف سيّارة أجرة للحاق باجتماع عمل، وبالتالي تحتاج لكل هذه التحركات أزياء مناسبة.

لبَى غوردون ويس هذه الرغبات أو المتطلبات، واقترح مجموعة تنتقل من النهار إلى المساء بانسيابية وفخامة، من خلال سترات ذات قصّات طويلة، وتنانير واسعة وفساتين مستقيمة ومرنة في الوقت نفسه. تعتمد للنهار على أقمشة التويد والبوبلين القطني والغاباردين والدنيم للنهار، وللمساء والسهرة على الشيفون والأورغانزا والدانتيل المعدني وقماش الغزار.

تعود الدار إلى القيم التي رسمت هويّة الدار منذ انطلاقتها في عام 1981 (كارولينا هيريرا)

وبما أن مصمم الدار، غوردن ويس، لا يعترف بالحلول الوسطى، ويعشق الألوان الصارخة والنقشات الواضحة، فإن المجموعة طرحت أزياء كثيرة بنقشات البولكا، إحدى بصمات الدار، بألوان متنوعة طالت الإكسسوارات أيضاً، إلى جانب أخرى متفتحة بالورود والأزهار.

شراكات استثنائية

بورتريه السيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول (كارولينا هيريرا)

وتروي المجموعة حكاية هيريرا مع نيويورك عبر ثلاث شراكات، تستحضر كلّ منها محطّة من تاريخ الدار في المدينة.

في الأولى، تتعاون مع مؤسسة آندي وارهول للفنون البصرية لتقديم بورتريه للسيدة هيريرا من توقيع آندي وارهول. وتظهر الصورة، التي يُرخَّص استخدامها للمرّة الأولى، على مجموعة مختارة من القطع، من بينها فستان قصير مطرّز وحقيبة «جاكلين». ويستحضر البورتريه الصداقة التي جمعت وارهول بالسيدة هيريرا والعالم الإبداعي الذي جمعهما في نيويورك.

تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية (كارولينا هيريرا)

في الثانية، تُجسّد مجلّة «ذي نيويوركر» جانباً آخر من هويّة نيويورك الثقافية. وفي إطار هذه الشراكة، يُعيد فستان وقطع منفصلة أخرى مطرّزة، إحياء غلاف العدد الذي وصل إلى أكشاك الصحف في 27 أبريل (نيسان) 1981، وهو اليوم نفسه الذي قدّمت فيه كارولينا هيريرا أوّل عرض أزياء لها في نادي متروبوليتان. رسمت الفنانة لوني سو جونسون الغلاف الأصلي، فيما أعاد مشغل هيريرا تجسيد أفق مانهاتن الظاهر فيه بالتطريز اليدوي.

تطريزات غنية مستوحاة من علاقة الدار بشركة «تافين» للمجوهرات (كارولينا هيريرا)

أمّا الشراكة الثالثة، فتجمع كارولينا هيريرا بدار المجوهرات الراقية Taffin، التي أسّسها «جايمس دي جيفنشي». وتعود الحكاية إلى عنوان جمع الدارَين يوماً: 954 ماديسون أفينيو. فقد كان المبنى يحتضن متجراً لـ«جيفنشي»، ثم افتتحت «تافين» أول صالة عرض لها في طابقه الثالث. وحين استحوذت كارولينا هيريرا على المبنى لاحقاً، بقيت «تافين» فيه لسنوات عدّة، كذلك العلاقة التي تربطهما ببعض.


هل يجعل الذكاء الاصطناعي استئجار الملابس هو الموضة المقبلة؟

الذكاء الاصطناعي في خدمة الموضة (غيتي)
الذكاء الاصطناعي في خدمة الموضة (غيتي)
TT

هل يجعل الذكاء الاصطناعي استئجار الملابس هو الموضة المقبلة؟

الذكاء الاصطناعي في خدمة الموضة (غيتي)
الذكاء الاصطناعي في خدمة الموضة (غيتي)

كان استئجار الملابس، حتى وقت قريب، خياراً يرتبط في أذهان كثيرين بالمناسبات التي لا تتكرر كثيراً، من حفلات الزفاف إلى حفلات التخرج والمناسبات الرسمية. فما الحاجة إلى شراء قطعة بثمن غالٍ تستعمل لمرة واحدة في العمر ثم تُركن جانباً.

الآن، بسبب الظروف الاقتصادية وزيادة الوعي بمفهوم الاستدامة والرغبة في الحصول على إطلالات متنوعة من دون صرف مبالغ كبيرة، أصبح استئجار الملابس للمناسبات المهمة واليومية على حد سواء جزءاً من سوق آخذة في التوسُّع، لا سيما وأن هذا التوجه وجد حليفاً جديداً له في الذكاء الاصطناعي.

أصبح من السهل رؤية المنتج على الجسد قبل استئجاره (غيتي)

تطبيقات كثيرة بدأت توفر للمتسوق ما يشبه «غرفة قياس» افتراضية تساعده على رؤية الملابس عليه، قبل أن يدفع رسوم الاستئجار.

وحسب موقع «Conversation»، تتيح منصات كثيرة للمستخدمين استئجار الملابس مباشرة من أشخاص آخرين، فيما بدأت متاجر كبرى، في بريطانيا مثل «سيلفريدجز» «Selfridges» وغيرها، توفير خيارات للاستئجار. إلا أن معظم هذه الخدمات تعتمد على التسوق عبر الإنترنت، ما يترك سؤالاً مهماً بلا إجابة قبل إتمام الطلب: كيف ستبدو القطعة عليّ؟ وهل سيكون مقاسها وشكلها مناسبين؟ وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي.

تجربة افتراضية قبل الدفع

بحثت ريبيكا بيتش، المحاضرة في التسويق بجامعة «أوكسفورد بروكس»، مع زملائها، في نظرة المستهلكين إلى استئجار الملابس اليومية، وإمكان استخدام روبوت محادثة مدعوم بالذكاء الاصطناعي لمساعدة المستخدم في اختيار القطع المناسبة.

وشملت الدراسة ثلاث مجموعات نقاش و28 مقابلة، وأظهر المشاركون اهتماماً واضحاً بفكرة استخدام الذكاء الاصطناعي لرؤية شكل الملابس عليهم قبل اتخاذ قرار الاستئجار، إذ يمكن لروبوت المحادثة أن يبدأ بسؤال المستخدم عن مقاسه وتفضيلاته والهدف من ارتداء القطعة، سواء أكان مناسبة معينة أو رحلة أو حتى مناسبة يومية.

تخدم عملية الاستئجار وعدم الإرجاع مفهوم الاستدامة (غيتي)

أما الخطوة الأكثر إثارة فتتمثل في إمكانية تحميل صورة للمستخدم، ليظهر في صور افتراضية مرتدياً الملابس التي يفكر في استئجارها. وبذلك تتحول الشاشة إلى ما يُشبِه غرفة قياس رقمية، وإن كانت لا تزال بعيدة عن التجربة الحقيقية أمام المرآة.

ورأى أحد المشاركين في الدراسة أن هذه الخدمة يمكن أن تكون «حاجة مرحَّباً بها في عالم الموضة»، بينما أشار آخر إلى أن روبوت المحادثة يستطيع الإجابة عن أسئلة قد يصعب الحصول على إجابات واضحة عنها عند استئجار الملابس، مثل الرسوم الإضافية أو حالة القطعة، وما إذا كانت تحمل آثار استخدام سابق.

استئجار الملابس اليومية جزء من سوق آخذة في التوسُّع (غيتي)

من «اشترِ أكثر» إلى «استأجر بذكاء»

لا تتوقف الفكرة عند مساعدة المستخدم في اختيار المقاس أو اللون؛ فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يلعب دوراً في تذكيره أيضاً بالتكلفة البيئية لخياراته، وتحويل قرار الاستئجار من مجرد وسيلة للحصول على إطلالة جديدة إلى اختيار أكثر وعياً.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه صناعة الأزياء السريعة انتقادات متزايدة بسبب الكميات الضخمة من الملابس التي تنتجها، ثم ينتهي جزء كبير منها في مكبات النفايات أو ينتقل إلى أسواق في دول نامية.

وتشير الدراسة إلى أن قطاع الأزياء يرتبط بنحو 10 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، فيما ينتهي نحو 85 في المائة من المنسوجات في مكبات النفايات. ومن شأن إطالة عمر الملابس عبر إعادة استخدامها واستئجارها أن تقلل البصمة المرتبطة بالكربون والمياه والنفايات.

ويمكن للذكاء الاصطناعي هنا استخدام ما يُعرَف بـ«التنبيهات الخضراء»، وهي رسائل قصيرة تظهر للمستخدم لتشجيعه على اتخاذ خيار أكثر استدامة؛ فقد تقترح الشاشة، مثلاً، أن استئجار قطعة معينة بدلاً من شرائها يمكن أن يوفر كمية محددة من المياه ويقلل انبعاثات الكربون. لكن أهمية هذه الفكرة تعتمد على أن تكون الأرقام المستخدمة موثقة ودقيقة، حتى لا يتحول الجانب البيئي إلى مجرد أداة تسويقية.

توفر عملية استئجار الأزياء والإكسسوارات عملية التدوير وتخدم الاستدامة (موقع جون لويس)

مستشار أزياء لا ينام

ومع الوقت، يمكن للروبوت أن يتجاوز دوره كغرفة قياس افتراضية ليصبح أشبه بمستشار شخصي للأزياء، يتذكر تفضيلات المستخدم والقطع التي أحبها والمقاسات التي تناسبه.

فإذا كان المستخدم يستعد، مثلاً، لرحلة، يستطيع الذكاء الاصطناعي اقتراح مجموعة متكاملة من الملابس المناسبة للوجهة ومدة السفر، وربما يجمع قطعاً يمكن استئجارها بدلاً من شراء ملابس جديدة لن تُستخدَم إلا مرات قليلة.

ورغم الوعود التي يحملها الذكاء الاصطناعي، فإنه لا يخلو من مفارقة بيئية؛ فتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي يحتاج بدوره إلى كميات كبيرة من الطاقة والمياه، خصوصاً في مراكز البيانات التي تحتاج إلى التبريد المستمر.

في النهاية، قد لا تكون المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في العادات التي ترسخت لدى المستهلكين. فإذا استطاعت «غرفة القياس» الافتراضية أن تمنح المتسوق ثقة أكبر في استئجار قطعة بدلاً من شرائها، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من تغيير علاقة الناس بملابسهم.

يمكن استئجار فساتين سهرة أو للأيام العادية بمبالغ معقولة ولأيام محددة (موقع جون لويس)

فربما لا يكون مستقبل الموضة هو امتلاك خزانة أكبر، بل معرفة أفضل بما نحتاج إليه فعلاً... وما يمكننا استئجاره عندما نحتاج إليه. ومع ذلك، فإن الطريق لا يزال طويلاً بسبب مخاوف تتعلق بالنظافة، واحتمال تعرُّض الملابس للتلف، وما قد يترتب على ذلك من رسوم للتنظيف أو الإصلاح. كما أن بعض المستهلكين لا يزالون يرون أن استئجار الملابس أمر غير مرغوب فيه.


فيرجيني فيارد... بين وجع التخلِّي ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
TT

فيرجيني فيارد... بين وجع التخلِّي ورفض النسيان

بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)
بعد عرضها لخريف وشتاء 2023 (أ.ف.ب)

هناك جروح لا تأتي من الفراق نفسه، وإنما من الطريقة التي يحدث بها الفراق وما يتركه من فراغ، عندما تنتهي علاقة عمرها سنوات في لحظة واحدة، ينتقل فيها الطرف الآخر إلى الصفحة التالية بسهولة وباحتفالية، بينما تبقى أنت عالقاً تبحث عن تفسير لكي تضع نقطة النهاية.

جُرح التخلي والإحساس بالفقد لا يخصان العلاقات العاطفية وحدها، بل يمكن أن يحدثا في العمل أيضاً. وربما يكونا أكثر قسوة عندما يكون هذا العمل هو الذي بنيت فيه جزءاً كبيراً من هويتك وحياتك. وهذا بالضبط ما تكشفه تجربة مصممة «شانيل» السابقة فيرجيني فيارد في كتاب بعنوان «نظرة: حياة في دار شانيل» Un regard: Une vie chez Chanel نشرته مؤخراً ليتزامن صدوره مع أسبوع باريس لربيع وصيف 2027.

فيرجيني فيار تحيي الحضور بعد انتهاء عرضها لربيع وصيف 2024 (أ.ف.ب)

فالمصممة التي قضت أكثر من ثلاثين عاماً في الدار الفرنسية، وعملت إلى جانب كارل لاغرفيلد لعقود، ثم أصبحت المديرة الإبداعية للدار بعد وفاته، تفتح للمرة الأولى تقريباً هذا الباب المغلق منذ خروجها في عام 2024: باب الألم.

فيار لا تتحدث في الكتاب عن الملابس والعروض والنجاحات والإخفاقات فقط، بل تفتح أيضاً الباب أمام مشاعر نادراً ما نراها خلف بريق عالم الموضة: غضبها وحزنها من الطريقة التي انتهت بها علاقتها بـ«شانيل»، والأكثر من ذلك، ألمها من شعورها بأن ما قدمته للدار لم يحظَ بالاعتراف الذي كانت تتوقعه.

لذلك، فإن كتابها Un regard: Une vie chez Chanel، ليس مجرد مذكرات عن الموضة، بل حكاية مصممة تحاول أن تستعيد مكانها في قصة أمضت أكثر من ثلاثة عقود في صناعتها. مصممة لا تحاول فقط أن تتذكر ما كان، بل أن تعرف أيضاً ماذا بقي منها بعد أن أغلقت «شانيل» الباب خلفها.

في الكتاب، كما في تصريحاتها الإعلامية، لا تتساءل لماذا تخلَت عني «شانيل»، بقدر ما تتساءل: كيف لا أُذكر، وكأنني لم أكن هناك أو أترك أثراً؟ وكيف يمكن أن تُطوى السنوات التي قضيتها فيها بهذه السهولة كما لم تكن؟.

ماذا فعل بها الرحيل؟

تؤكد فيارد في مقابلاتها التلفزيونية أنها متحدثة غير جيدة. فقد كانت دائماً تتجنَب الأضواء مفضلة أن تتحدث أعمالها عنها، ورغم ذلك نجحت إلى حد كبير في أن تنقل إلى المشاهد والقارئ، شيئاً من حزنها وألمها في كونها اختُزلت إلى مجرد «فاصل» في قصة «شانيل»، بين كارل لاغرفيلد وماثيو بلازي.

ظلت وفيَّة لأسلوبها الهادئ في كل تشكيلاتها (صورة أرشيفية)

دخلت المصممة «شانيل» عام 1986، وهي في الرابعة والعشرين من عمرها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت جزءاً من الدار، وإن بقيت طويلاً بعيداً عن الأضواء. كانت المرأة التي تعمل خلف الكواليس، تعرف تفاصيل الملابس، وتتابع الحرفيين وفرق العمل، وتحوّل أفكار كارل لاغرفيلد إلى مجموعات حقيقية. كانت، كما تقول عن نفسها: «مترجمة جيدة جداً لأفكاره». وهنا تبدأ قصة علاقة طويلة ومعقدة مع لاغرفيلد.

كان هو الشخصية الطاغية، صاحب الحضور الإعلامي والشخصية الاستعراضية، بينما كانت هي أكثر تحفظاً وهدوءاً. أمضيا معاً عقوداً، كان فيها لاغرفيلد معلماً وصديقاً ورئيساً وشخصاً اكتشف موهبتها، لكنه كان أيضاً شخصية كبيرة إلى درجة جعلت من الصعب عليها أن تجد لنفسها مساحة مستقلة. ظلت في عيون متابعي الموضة تحت جلبابه حتى بعد وفاته.

تكتب فيارد في نهاية كتابها رسالة إلى لاغرفيلد، وتقول له: «ألومك قليلاً... لأنك كنت الوحيد الذي رآني حقاً». هذه الجملة ربما تلخص امتناناً عميقاً لرجل ساعدها على اكتشاف نفسها، وفي الوقت نفسه كان قربها منه بمثابة نقمة لأنه جعلها تعيش دائماً في ظله.

فبعد وفاته في عام 2019، أصبحت فيارد المديرة الإبداعية لـ«شانيل». لم يكن الأمر سهلاً. فهي لم ترث المنصب فقط؛ ورثت المقارنة معه. كان عليها أن تثبت قدرتها على قيادة «شانيل» من دون أن تحاول أن تكون كارل لاغرفيلد جديداً.

ظلت فيرجيني وفية لأسلوب الدار وتلعب على المضمون والجينات المتوارثة (إ.ب.أ)

جاء أسلوبها أكثر هدوءاً وأقل استعراضاً تركز فيه على الحرفية أكثر من خلال تصاميم يمكن أن تعيش معها المرأة لزمن طويل، ولا تعتمد على الإبهار الذي تصنعه عروض الأزياء الضخمة. وخلال خمس سنوات على رأس الدار، قدمت لحظات مهمة، من بينها عرض «متييه داغ» Métiers d’Art في داكار عام 2022، الذي تعتبره من أكثر أعمالها فخراً. وتُذكّر بأن الدار حققت خلال إدارتها نتائج تجارية قوية، حتى لو لم تلقَ مجموعاتها دائماً الترحيب نفسه في الصحافة وفي أوساط الموضة.

لكن تجربتها لم تكن خالية من الأخطاء. وهنا تبدو فيارد صريحة مع نفسها. فهي تعترف بأنها كانت شديدة التحفظ، وأنها لم تأخذ الوقت الكافي لاختيار «ذراع يمنى» يساعدها كما كانت هي مع كارل لاغرفيلد، ترى الآن أن ذلك جعلها أكثر هشاشة. كما تعترف بأن عرض مارسيليا في مايو 2024 لم يكن ناجحاً كما كانت تتمنى.

من عرضها على نهر السين لخريف وشتاء 2024 (صورة أرشيفية)

ثم جاء الخامس من يونيو 2024، حين أبلغها آلان فيرتهايمر، أحد مالكي «شانيل»، بأن العلاقة ستنتهي. لم تكن تتوقع القرار. ولم تحصل، بحسب روايتها، على تفسير واضح. وبعد الغداء وقعت الأوراق، ودَعت فريقها، وفي اليوم التالي وصلت صناديق أغراضها إلى منزلها. كان كل شيء سريعاً بشكل مؤلم.

وفي مقابلتها التلفزيونية الأخيرة مع برنامج Quotidien، التي عُرضت في 2 أكتوبر 2026، عادت فيارد إلى تلك اللحظة للمرة الأولى، عندما سُئلت عن سبب إقالتها، وردّت ببساطة إنها لم تحصل على تفسير شاف، وإنها حتى اليوم لا تعرف تماماً لماذا حدث ذلك. وأضافت أن هذا تحديداً أحد الأسباب التي دفعتها إلى تأليف الكتاب: «كنت أريد أن أفهم».

الأصعب، كما قالت، لم يكن فقط إنهاء العقد، وبأن الأمر كان سيصبح أقل إيلاماً لو قيل لها ببساطة: «انتهى الأمر، لكن السنوات التي قضيتها معنا كانت جميلة». فهذا بالنسبة إليها، كان سيجعل النهاية أكثر إنسانية.

رفض النسيان

ثم جاء الجرح الأكبر من الذاكرة عندما غادرت الدار، حيث شعرت أن اسمها بدأ يختفي من رواية تاريخ «شانيل». كان هناك غابرييل شانيل، ثم كارل لاغرفيلد، ثم ماثيو بلازي، أما هي فبدت وكأنها مجرد مرحلة انتقالية بين اسمين، أو حسب قولها «مجرد فاصل».

تقول في واحدة من أكثر العبارات حزناً في الكتاب، إنها عندما تنظر اليوم إلى مجموعاتها تتساءل كيف استطاعت أن تكون «قوية إلى هذا الحد وقليلة الحضور في الذاكرة الجماعية بهذا الشكل وكأن مجموعاتها عبرت العالم في صمت»، وكانت هي موجودة «خلف زجاج».