من هو موليير... مفخرة الآداب الفرنسية؟

منذ أكثر من أربعة قرون لا تزال مسرحياته تُعرض كل موسم

لوحة «موليير ولويس الرابع عشر» للرسام جان ليون جيروم 1862
لوحة «موليير ولويس الرابع عشر» للرسام جان ليون جيروم 1862
TT

من هو موليير... مفخرة الآداب الفرنسية؟

لوحة «موليير ولويس الرابع عشر» للرسام جان ليون جيروم 1862
لوحة «موليير ولويس الرابع عشر» للرسام جان ليون جيروم 1862

مَن منّا لم يسمع باسم موليير؟ عناوين مسرحياته فقط أصبحت على كل شفة ولسان: البخيل، طرطوف أو المنافق، طبيب رغم أنفه، المريض الوهمي أو بالوهم والوسواس، إلخ... وفي كل مرة تكاد تموت من الضحك وتستفيد! أقصد تستفيد علماً ومعرفةً وتعمقاً بالذات البشرية. وبالتالي فهي متعة وثقافة في ذات الوقت. وحتى هذه اللحظة ومنذ أكثر من أربعة قرون لا تزال هذه المسرحيات تُلعب على خشبة المسرح الفرنسي. إنها لا تشيخ. يبلى الزمن ولا تبلى. هل يشيخ شكسبير؟ مَن يستطيع أن يقتل شكسبير؟ العظماء لا يموتون.
فمَن هذا الشخص يا تُرى؟ وُلد جان باتيست بوكلان الملقب بموليير عام 1622 في باريس، وكان والده يشتغل في صناعة الفرش والسجاد، وأما جده فكان مولعاً بالفنون، وهو الذي كان يأخذه معه إلى المسرح غالباً. وهذا ما زاد من إعجاب الصبي موليير بالمسرحيات الهزلية على وجه الخصوص. ثم دخل إلى إحدى المدارس الثانوية الباريسية لإكمال تعليمه، ويقال إن زميله على مقعد الدراسة كان أحد الأمراء الفرنسيين، وهو الذي رعاه وحماه فيما بعد عندما أحس بموهبته وعبقريته. ولكن موليير اختلف مع والده عندما كبر، لأن هذا الأخير كان يريده أن يشتغل معه في صناعة السجاد والفرش، بل وأن يستلم المخزن مكانه بعد أن يكبر ويشيخ... أما هو فلم يكن يريد تكريس حياته لهذه المهنة التي لا يحبها، ولذلك دخل كلية الحقوق، ثم تعرف بعدئذ على عائلة فنانين تدعى بيجار، وأصبح صديقاً لهم. وعندئذ غيّر اسمه ولقب إلى موليير لأول مرة ولم يعرف أحد سبب هذا التغيير المفاجئ الذي طرأ عليه. ولا لماذا اختار اسم موليير دون غيره. ثم بالأخص ما كان يعرف أن هذا الاسم سوف يصبح أشهر من نار على عَلم وسوف يغطي على اسمه الحقيقي كلياً ونهائياً. فمن هو جان باتيست بوكلان؟ مَن هو هذا النكرة؟ وهل يعني لكم هذا الاسم شيئاً؟ هكذا نلاحظ أن الاسم المستعار أهم أحياناً ألف مرة من الاسم الحقيقي.
ثم حظي بعدئذ برعاية ولي العهد وشقيق الملك، الشيء الذي أتاح له أن يلعب في مسرحية تراجيدية أمام الملك لويس الرابع عشر، وهو من أشهر ملوك فرنسا إن لم يكن أشهرهم. ولكنها كانت مسرحية مملة، ثم لعب مسرحية هزلية ونجح فيها واستطاع أن يُضحك الجمهور وعلى رأسهم الملك. وعندئذ أدرك موليير أنه يمتلك مواهب كبيرة في الهزل لا الجد. فصوته وإشاراته وحركاته كانت كافية لجعل المشاهدين يموتون من الضحك. ولهذا السبب نال شهرة واسعة في مجال المسرح الفكاهي أو الهزلي. وعندئذ خصص له الملك مكانة دائمة في المسرح الموجود داخل قصر فرساي الشهير لكي يضحكه ويروّح عن نفسه عندما يشاء... وكانت عادة الملوك آنذاك أن يحيطوا أنفسهم بكبار الموهوبين من كتّاب وفنانين.
وكانت أول مسرحية هزلية كبيرة يلعب فيها موليير هي تلك المدعوة «المتحذلقات المثيرات للسخرية». وقد لعبها لأول مرة عام 1659، أي عندما كان في الثامنة والثلاثين من عمره. وقد نجحت هذه المسرحية نجاحاً باهراً ونالت رضا الملك إلى درجة أنه أغدق عليه العطايا والهبات. ولكن السيدات المتحذلقات اللواتي سخر منهن موليير حقدن عليه وهدمن مسرحه. وعندئذ بنى الملك لموليير مسرحاً جديداً خاصاً به.
وفي العام ذاته راح يهتم بموضوع مسرحي غير مطروق أو غير معهود في ذلك الزمان وهو: وضع المرأة في المجتمع. وكتب عندئذ مسرحية بعنوان «مدرسة النساء». وقد حققت نجاحاً صارخاً. ولكن حزب رجال الدين تضايق منه وراحوا يشككون في أخلاقية موليير ويعتقدون أنه شخص إباحي. وخافوا من تأثيره السيئ على الملك. ولذلك أدان الأصوليون هذه المسرحية واعتبروها خلاعية ومضادة للدين. يضاف إلى ذلك أن اهتمام الملك به وإيثاره له وإغداقه الهبات عليه جعل الممثلين الآخرين يغارون منه ويكرهونه كما حصل للمتنبي عند سيف الدولة. وقد رد عليهم عن طريق كتابة مسرحيات جديدة تستهزئ بهم. فالرجل كان واثقاً إلى حد الغرور. وفي عام 1664 صدر أمر سامٍ بتعيين موليير مسؤولاً عن قسم الترفيهات في القصر الملكي. وهو منصب رفيع بالنسبة لذلك الزمان. وفي العام نفسه كتب موليير إحدى مسرحياته الشهيرة بعنوان «طرطوف» أي المنافق، أو مدّعي التقوى والورع وهو ليس كذلك إلا ظاهرياً. وفيها أدان ازدواجية بعض رجال الدين الذين يُظهرون الورع ويُخفون عكسه. وقال إنهم يستخدمون الورع الظاهري لاستدرار عطف الناس عليهم واحترامهم لهم، ثم بالأخص لنيل الزكوات والأموال. وأفهمنا موليير أن بعض رجال الدين أكثر مكراً ودهاءً مما نظن، ولهم وجهان... فهم يخفون مآربهم الدنيوية بل وجشعهم تحت ستار كثيف من التُّقى الظاهري والتسبيحات والتهليلات والخشوع المنافق الذي ينطلي على عامة الشعب. ولكن هذه المسرحية أحدثت فضيحة في الأوساط الدينية الفرنسية. وقامت الدنيا ولم تقعد بسببها. وقد اضطر الملك إلى تعليقها أو إيقاف تمثيلها لكي يخفف من سخط الكهنة والخوارنة الذي كان قد بلغ أوجه. فالملك نفسه كان يخاف من رجال الدين، أي الخوارنة والرهبان والمطارنة، هذا ناهيك بالبابا! ولكن موليير تحايل على الرقابة وقدم حفلات تمثيل خاصة لها. تصوروا الوضع: لويس الرابع عشر، الملك الشمس، باني قصر فرساي، وأعظم ملوك فرنسا، يخاف من رجل دين! كانت فرنسا آنذاك لا تزال أصولية من أقصاها إلى أقصاها. أما اليوم فأصبح رجال الدين هم الذين يخافون ولم تعد لهم أي قيمة أو هيبة في فرنسا المعاصرة. وهكذا انتقلنا من نقيض إلى نقيض. وخير الأمور أوساطها.
وفي عام 1665، أبدعت عبقرية موليير مسرحية جديدة بعنوان «دون جوان»، وقد لاقت هي الأخرى أيضاً نجاحاً منقطع النظير. وأصبح اسم موليير على كل شفة ولسان. وبلغت شهرته أوجها إلى درجة أن الملك دعا فرقته المسرحية باسم «فرقة الملك» شخصياً. وهكذا أصبح موليير أهم فنان في عصره، ونال المجد من جميع أطرافه، وطبقت شهرته الآفاق.
ثم ألّف بعدئذ مسرحية شهيرة تحت عنوان «كاره المجتمع» أو «مبغض البشر»، وفيها يعبِّر عن ألمه ومرارته بسبب افتراقه عن زوجته أرماند أو تطليقه لها. ثم كتب مسرحية أخرى تحت عنوان «الطبيب رغماً عنه» وبعدئذٍ حاول أن يمثل مسرحية «طرطوف المنافق» تحت اسم آخر، ولكن رجال الدين أحسوا بالأمر فمنعوها فوراً من جديد. وفي عام 1668، كتب مسرحيته الشهيرة عن «البخيل»، واشتهر «بخيل موليير» في شتى أنحاء العالم. فكل من يريد أن يضحك على البخل والبخلاء ويموت من الضحك ما عليه إلا أن يذهب إلى المسرح الفرنسي ويشاهد هذه المسرحية الرائعة. ولكن لا بأس في أن تقرأوا كتاب «البخلاء» للجاحظ. فقد تموتون من الضحك أيضاً. الجاحظ أيضاً كان موليير العرب قبل موليير. والآداب العربية لا تقل خطورة وأهمية عن الآداب الفرنسية. ولكنّ هذا موضوع آخر. أما آخر مسرحية كتبها موليير فكانت بعنوان «المريض الوهمي»، أي الذي يتوهم أنه مريض وهو لا يشكو من أي شيء في الواقع. ولكن موليير أُصيب في أثناء تمثيلها بوعكة صحية على خشبة المسرح. ثم تفاقمت وتغلبت عليه وسقط صريعاً أمام الجمهور وهو يمثلها. وهكذا مات أجمل موتة على خشبة المسرح وسقط شهيد الفن.
ولكن، كما قلنا، لا يزال معظم هذه المسرحيات إن لم يكن كلها تُمثَّل على خشبة المسرح في باريس باعتبارها من روائع الأدب العالمي. نعم منذ نحو أربعة قرون لا يزال موليير صامداً يجذب إلى مسرحياته كل عام بل كل أسبوع أو كل شهر آلاف المشاهدين! إنه المسرح الخالد، المسرح الذي لا ينتهي إلا لكي يبدأ من جديد. أخيراً، من الممتع أن نقرأ المقدمة التي كتبها موليير لمسرحيته الشهيرة التي جرّت عليه المشكلات مع رجال الدين: «أي طرطوف المنافق» فهو يقول ما معناه:
«هذه المسرحية أحدثت من الضجة والفرقعة أكثر من غيرها بكثير. وقد اضطهدوها وحاربوها ومنعوها أكثر من جميع مسرحياتي الهزلية السابقة. وهذا يدل على أن رجال الدين هم أقوى الفئات في المجتمع وأكثرها هيبة وجبروتاً. ففي السابق تهكمت على النساء المتحذلقات، أو على الأطباء الفاشلين، أو على الأرستقراطيين من دوق ومركيز، إلخ أو على المخدوعين من قِبل زوجاتهم... ولكن لم يهددني أحد منهم على الرغم من كل ذلك ولم تُمنع مسرحياتي بسببهم. وحدها المسرحية التي تتهكم على رجال الكنيسة أو بعضهم وتصوِّرهم على هيئة منافقين أو دجالين مُنعت فوراً بعد أول عرض لها وجلبت لي المشكلات المزعجة من كل النواحي، بل وهددت حياتي الشخصية. وقد كان رجال الدين ملاعين جداً ودهاة وأذكياء في محاربة هذه المسرحية. والسؤال المطروح: لماذا هاجموها؟ لأنها تفضح مخازيهم وحيلهم الهادفة لخداع الناس واستدرار الأموال منهم. فقد زعموا أنها تسيء إلى الدين نفسه، وإلى التُّقى والورع، لا إلى الدجالين الذين يتكسبون بالدين والتُّقى والورع. إنهم يضعون قناع الدين على وجوههم وهو منهم براء. هكذا احتالوا على الموضوع ولم يواجهوه صراحةً، ولولا ذلك لما استطاعوا الإساءة إليَّ ومنع المسرحية من التمثيل. فقد زعموا أني أهاجم الدين في حين أنني لا أهاجم إلا المتاجرين به! وزعموا أني زنديق أو خليع، في حين أني مؤمن بالله كبقية البشر... باختصار: لقد قاموا بحملة شنيعة وكبيرة لتشويه سمعتي ومقاصدي الحقيقية. وللأسف فإنهم نجحوا في ذلك ولو لفترة من الزمن. فقد انطلت الحيلة على الناس».
أحياناً يتساءل المرء: هل يتحدث موليير عن عصره أم عن عصرنا؟ الفرق بينهم وبيننا هو أن التنوير الذي جاء بعد موليير مباشرةً نجح عندهم وحجّم رجال الدين وما عادوا بقادرين على تهديد أحد أو استغلاله. أما نحن؟



«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات
TT

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«آيرلندا موجودة لكن الكاتب لا يتحمل وزر إن زارها أحدهم ولم يجدها»، بهذه العبارة يقدم الكاتب الألماني الشهير هاينريش بول (1917 - 1985) لكتابه المعنون «يوميات آيرلندية» لأنه يعرف عن يقين أن الآخرين لن يشاهدوا آيرلندا بعينيه، التي وثق رحلته إليها بمزيج نادر من الحس الإنساني مع الملحوظات العفوية المشحونة بالسخرية اللاذعة.

الكتاب صدرت ترجمة جديدة له أنجزها ماجد الخطيب عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، وتبلغ أهمية الكتاب أنه أدار في ستينات القرن الماضي دفة مئات الآلاف من السياح الألمان نحو آيرلندا؛ مواطنين يودون مشاهدة آيرلندا بعيني الكاتب بعد أن قرأوا القصص الغريبة والطريفة والانطباعات الذكية التي أوردها بول في نصوصه، حتى أن الكاتب الآيرلندي البارز هوغو هاملتون يعترف بأنه تحول إلى سائح في بلده ينظر إلى البشر والحواضر بشكل آخر بعد أن قرأ هذا العمل الأيقوني ضمن سياق أدب الرحلات.

يضم الكتاب انطباعات ومشاهدات وسرداً قصصياً من الحياة اليومية للآيرلنديين آنذاك عبر الغور العميق في الروح الإنسانية، الذي عُرف به الكاتب المنحدر من مدينة كولونيا، مؤكداً أن الآيرلنديين كانوا شعباً يحاول الاستفاقة من كابوس التاريخ في أوروبا، أو مجرد بقعة منسية من أوروبا على المحيط الأطلسي لا تزال تغط في سباتها رغم أن غبار الحرب العالمية الثانية لم يبلغها، كما لاحظ جيمس جويس.

يرى بعض النقاد الألمان أن بول كان يبحث في آيرلندا عن هويته التي طمستها إلى حد ما سنوات الحكم النازي والحرب العالمية، فراح يبحث في هذه البقعة من الأرض عن السلام والاطمئنان الذي فقده في ألمانيا بسبب التهم السياسية والأمنية التي كانت تلاحقه. أراد أن يعثر على ما يفتقده في شخصيته من مرح وسخرية وعفوية، فالألماني نقيض الآيرلندي في العديد من النواحي، حيث إنه منضبط ودقيق وجاد ومبرمج، على عكس فوضوية وسخرية وعفوية الآيرلندي.

يقول الآيرلندي: «حينما خُلق الزمن... خلق منه الكثير»، لذلك لم يكن للزمن قيمة عنده في تلك السنوات في حين يسابق الألماني الوقت لإعادة بناء ما خلفته الحرب، حتى أنه عندما يتأخر عرض الفيلم ساعتين في السينما لا يتذمر أحد، وربما لن تجد ساعة حائط حتى في محطة قطارات دبلن الرئيسية في ذلك التوقيت.

يقدم بول لوحة غنية بالتفاصيل عن حياة الآيرلنديين التي لا تحسب حساباً للوقت ويصف تعلقهم بشرب الشاي ليلاً ونهاراً وتدينهم المفرط وإدمانهم الكحول والمراهنات في سباق الخيول. اللافت أن الآيرلنديين في الخمسينات قاموا بتحويل دور السينما إلى مجتمع صغير تتطاير فيه أغطية الشمبانيا في حين يسرد أحدهم وهو جالس في الصف الثالث من قاعة العرض نكتة إلى آخر يجلس في الصف العاشر. لم يكتف بول بوصف «قمرة النوتي» في أماكن اللهو والشراب، بل دخلها وعاش تجربة احتساء الكحوليات في كبائن صغيرة لا تزيد مساحتها على متر مربع يجلس فيها الزبون منفرداً، ويظل يحتسي الشراب ولا يخرج منها إلا إذا انتهت نقوده أو سقط مغشياً عليه وتم نقله بعربة الإسعاف.

يلاحظ الكاتب أن كثيراً من الآيرلنديين يعزون مصائبهم وفقرهم إلى الأقدار التي لا يمكن مقاومتها، وهي ظاهرة سلبية تنطوي على مفارقة لافتة، فهم لا يفعلون شيئاً لتغيير ذلك، بل يفقد الواحد ساقه في حادث أو ينهار بيته في حريق أو يغرق المركب الذي يهاجر فيه إلى الولايات المتحدة لكنه يكتفي بترديد مقولة «أنه كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ».

المطر العاصف ظاهرة يومية في حياة الآيرلنديين، بفضله تحوّل البلد إلى بقعة خضراء من الأرض ينمو عليها العشب والأشجار والمحاصيل الزراعية، لكن الشمس نادرة للغاية حتى أن البعض يؤرخون للوقائع الشهيرة في حياتهم باليوم المشمس الفلاني أو الصباح المشرق في سنة كذا. ومن أمثلة ذلك أن يحكي شرطي المرور للمؤلف عن ابنته التي وُلدت في يوم مشمس قبل اليوم الذي قتلت فيها امرأة مجنونة أحد رجال الدين الذين تحبهم بدعوى إرساله إلى الجنة.

ولد هاينريش بول عام 1917 في مدينة كولونيا لعائلة ذات جذور إنجليزية، وطبعت مرارة العيش بصماتها على طفولته، فعانى ويلات الجوع بعد الحرب العالمية الأولى، ثم زجّت به الأقدار جندياً في أتون الحرب العالمية الثانية، لتشكل التجارب القاسية في جبهات القتال جوهر رؤيته الأدبية ومواقفه السياسية الرافضة للظلم. ويعد بول مهندس «إعادة الاعتبار» للأدب الألماني بعد عام 1945؛ إذ نجح في كسر العزلة الثقافية لبلاده ومنح أدبها اعترافاً دولياً، وبحسب كاتب سيرته «هاينريش فومفيغ»، لم يحظَ أديب ألماني في العصر الحديث بمثل ذلك التأثير العميق والحب العالمي الذي ناله بول.

وكان قطباً بارزاً في «مجموعة 47»؛ تلك النخبة الأدبية التي سعت لبناء وعي ألماني جديد فوق ركام الهزيمة، وبصفتهم رواداً لهذا التحول، حاول هو ورفاقه - مثل غونتر غراس - تطهير اللغة من الآيديولوجيا النازية، معالجين قضايا الذنب، والعدمية، والمسؤولية التاريخية، مستلهمين ذلك من الفلسفة الوجودية.

أثمرت موهبته الاستثنائية سلسلة من الروائع الخالدة التي تُرجمت للعربية، وحُوّلت لأعمال سينمائية ومسرحية، منها «وصل القطار في موعده»، و«لم ينطق بكلمة واحدة»، و«بلياردو في التاسعة والنصف». وتوجت هذه المسيرة الإبداعية بحصوله على جائزة نوبل للآداب، ليبقى رمزاً للجندي الذي تمرد بقلمه على بشاعة الحرب.


شخصية المثقف في واقع مضطرب

غلاف مذكرات خاتون كرخية
غلاف مذكرات خاتون كرخية
TT

شخصية المثقف في واقع مضطرب

غلاف مذكرات خاتون كرخية
غلاف مذكرات خاتون كرخية

تقدّم رواية «مذكرات خاتون كرخية» للروائي خضير فليح الزيدي تصويراً مركّباً ومعمّقاً لشخصية المثقف في سياق اجتماعي وسياسي مضطرب، وذلك من خلال عدسة مقهى شعبي يتحوّل إلى مرآة لأزمات المثقف العربي عامة، والعراقي على وجه الخصوص، إذ تعكس الرواية صورة المثقف، ليس كشخصية نخبوية منعزلة، بل ككائن منغمس في هموم اليومي، ويعاني من التناقضات بين المثال والواقع، بين الحلم بالفاعلية والوقوع في شراك الهامشية والوضع الاقتصادي المزري.

من خلال تحليل الرواية، نستكشف تشريحاً وجوديّاً واجتماعيّاً لصورة المثقف بوصفه شاهداً، وضحية، وحاملاً للذاكرة، إذ يظهر «جميل القربان» ككاتب شكاوى وناقل للحكايات، وهو نموذج للمثقف العضوي الذي يعيش بين الناس ويكتب همومهم. مهنته في كتابة الشكاوى سمحت له بأن «مرّت من خلف نظارته كل مشكلات الكون»، ممَّا يجعله أرشيفاً حيّاً للألم اليومي. هذا الدور يشبه دور المؤرخ الشعبي الذي يسجل ما يتجاهله التاريخ الرسمي، فضلاً عن أن اهتمامه بحكاية سعاد خاتون الكرخية التي اغتصبها أحد أقاربها، يضعه في موقع حامل الذاكرة الجريحة، ممَّا يعكس مسؤولية المثقف في حفظ قصص المظلومين والمهمّشين وإعادة الاعتبار لهم.

أمَّا شخصية الكاتب الراحل حسب الحاج (والد الراوي) فتقدّم كنموذج للمثقف الذي وقع في فخّ النجاح المبكر، وعانى من عقدة الإبداع والإخفاق، ولم يستطع تجاوزه. قصته (منشور سري) التي نشرها على جدران المدينة، أصبحت بمثابة العقدة التي منعته من الإنتاج الأدبي اللاحق، هذه العقدة ترمز إلى أزمة المثقف العربي الذي يقع تحت وطأة النجاح الأول أو الصورة النمطية، فيفشل في تطوير ذاته أو تجاوز ذاك الإنجاز. كما أن موته من دون تحقيق حلمه الأدبي يكشف عن الفجوة بين الطموح الرومانسي والإمكانات الواقعية، وهي فجوة يعيشها العديد من المثقفين في عالم تخلّى عن دعمه للثقافة بشكل عام.

ويبدو أن الراوي ومن خلفه (خضير فليح الزيدي) أراد من خلال علاقة المثقفين في المقهى بنظام الديون (جدولة الديون) أن يقدّم نقداً لاذعاً لوضعية المثقف الاقتصادية الهشّة، فـ«جميل القربان» نفسه مدين للحاج حمادة، وهذا الدين يحدُّ من حريته ويجعله رهينة لانتظار عمل كتابي يسدّد به دينه. هذه الحالة تظهر التبعية المادية التي تقوض استقلالية المثقف وتجعله خادماً لمن يملك المال. حتى المثقف المغترب القادم حديثاً من النرويج، الذي قدّم مفهوم «الجدولة» يظهر كمحاولة لإبراز الذات الثقافية من دون فهم عميق للواقع المحلي، الأمر الذي يعكس أزمة المثقف المنفصل عن سياقه.

ومن تجليات صور المثقف في الرواية نجد صورة المثقف الهامشي والمهمّش الذي يعيش صراعاً بين الحفاظ على ما تبقى من كرامته أو التخلي عن ثوابته الأخلاقية، فالشخصيات المثقفة في المقهى مثل: ياسر الطويل، والمطرب العاطل، تعيش على هامش المجتمع، فياسر الطويل، الذي «يقرأ المقامات الأكثر صعوبة بنشاز واضح»، يرمز إلى المثقف أو الفنان الذي فقد مكانته في زمن التحولات الثقافية والسياسية، إذ لم يعد «سوق له بعد اليوم ولا مقبوليّة، حتّى إن ركب الموجة العارمة، فصورته الماثلة لا تنسجم مع روح العصر». هذه الهامشية تجعل المثقف يلجأ إلى التكيف السلبي أو الخنوع، كما يظهر في توقيع الشهود على الكمبيالة بدافع الخوف أو المصلحة. المقهى هنا يصبح ملجأ للمثقفين المنكسرين الذين فقدوا صوتهم في الفضاء العام. كما يسلط النص – بحرفيّة عالية - الضوء على التوتر بين دور المثقف كناقد وواجبه كفرد يحاول البقاء. «سمّوعي اللئيم» (إسماعيل عبد الحق) الذي كان يعمل في النظام السابق «رجل أمن كان مخلصاً في عمله، بدراجة هوائيّة يراقب حتّى النمل والصراصير في المقاهي والسينمات، لكنّه الآن لم يُعد من أزلام النظام المنهار»، ويحاول الآن التكيف مع النظام الجديد، يمثل نموذجاً للمثقف الذي يضحي بمبادئه من أجل الأمان. توقيعه كشاهد على الكمبيالة مقابل تخفيف ديونه يظهر كيف يمكن أن يتحوّل المثقف (أو من يحمل وعياً) إلى أداة في يد السلطة المتمثلة بصاحب المقهى عندما تكون مصلحته الشخصية على المحك.

إنّ الوصايا المعلقة على جدران المقهى، التي تشكل «مخطوطة كتاب الحياة»، تمثل حكمة جماعية راكمها «الرحالون» من المثقفين والعارفين بالحياة. هذه الوصايا مثل: «كن حذراً في التكيّف مع الحياة» و«إيّاك أن تنغمس في حبّ الحياة»، تعكس وعياً وجوديّاً متشائماً، وتُظهر المثقف بوصفه حاملاً لوعي تاريخي متشظٍّ شكّلته تجارب مريرة في تاريخ العراق المضطرب، فالمثقف – في هذا السياق - هو ناقل لهذا الوعي التراجيدي، الذي يخلق خطاباً موازياً للخطاب الرسمي المتفائل، ممَّا يجعله حارساً للذاكرة النقدية، وضحية لتاريخ دموي، وشاهداً منهكاً يحمل عبء الحكايات والديون والذاكرة، لكنّه يظل حاملاً لمشعل الحكاية، حتى إن كان ضوءه خافتاً، فقد أصبح المقهى بوصفه فضاءً مغلقاً وزمناً متجمّداً سجناً وجوديّاً للمثقف، لكنَّه أيضاً منبره الوحيد من خلال شخصيات مثل: «جميل»، و«حسب الحاج»، و«ياسر الطويل». وأصبح السرد نفسه محاولة أخيرة للخلاص، أو على الأقل للمقاومة عبر الكلمة، في عالم حيث «الحياة ليست سوى جدولة الماضي وحساباته المبررة».


تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ
TT

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

بعد نصف قرنٍ على ولادة «أبل» في مرآبٍ صغيرٍ بوادي السيليكون، يبدو الاحتفاء بها أقرب إلى تأملٍ في سيرة عصرٍ كاملٍ تشكّل على وقع الشاشة، واللمس، والصورة، والسرعة، والرغبة الدائمة في امتلاك الأحدث. الحكاية التي بدأت تجربة تقنية محدودة، اتسعت لتغدو إحدى أكثر العلامات حضوراً في الوعي اليومي للإنسان المعاصر. عبر خمسة عقود تحولت «أبل» من مشروعٍ صغيرٍ إلى كيانٍ ينسج صلته بتفاصيل حياة مئات الملايين من البشر: في العمل، والتواصل، والذاكرة، والذائقة، وتمثيل الذات أمام الآخرين. تبدو هذه الرحلة أبعد من قصة صعودٍ مالي، وأعمق من سجل ابتكاراتٍ ناجحة؛ إنها درسٌ في قدرة التكنولوجيا على التحول إلى ثقافة، وقدرة المنتج على اكتساب معنى رمزيّ يتجاوز وظيفته المباشرة. لذلك يمنح اليوبيل الذهبي لـ«أبل» مناسبةً لتفكيك الشيفرة التي جعلت «التفاحة المقضومة» علامةً على الحداثة، والتميز، والانتماء إلى زمنٍ يرى العالم فيه نفسه من خلال شاشات مضيئة.

قبل أن تبلغ «أبل» منزلة الأيقونة الثقافية المعولمة، وجب عليها استيعاب درسٍ تأسيسيٍ: الجودة ثقافة قبل أن تكون تقنية. درس تمتد جذوره إلى اليابان الخارجة من الحرب العالمية الثانية، حين أرسل الجنرال دوغلاس ماك آرثر الفيزيائي هومر ساراسون للمساهمة في إعادة بناء قطاع الاتصالات الياباني، حيث وجد أن جوهر الأزمة يتصل بالعقلية المؤسسية: خوفٌ من مساءلة السلطة، وترددٌ في اتخاذ القرار، وانعدام المبادرة. كان الخلل في تصور العمل ذاته: العلاقة بين العامل والنظام، والفرد والمسؤولية، والمنتج ومعناه الأخلاقي.

علّم ساراسون اليابانيين أن الجودة تبدأ من طريقة التفكير، والثقافة التي تحيط بالإنتاج، والقدرة على تحويل كل تفصيلٍ صغيرٍ إلى جزءٍ من منظومةٍ واعية. غادر اليابان عام 1950، وبقيت أفكاره طازجة في فضاء الصناعة اليابانية حتى صارت فلسفةً شاملةً تحكم أداء كبرى الشركات. وبحلول أواخر السبعينات، كانت المنتجات اليابانية قد رسخت سمعةً عالميةً في الدقة والإتقان. أما «أبل»، التي تأسست عام 1976، فاحتاجت زمناً أطول كي تجعل هذا الدرس جزءاً من بنيتها الداخلية.

عندما أسس ستيف جوبز شركة «نيكست» بعد خروجه من «أبل»، تصوّر أن جمع العقول اللامعة تحت ضغطٍ عالٍ يكفي لإنتاج أشياء عظيمة. لكن تجربته كشفت سريعاً أن العبقرية الفردية تحتاج إلى هندسةٍ ثقافيةٍ تنظّمها، والطاقة الخلاقة تبلغ أثرها حين تتحول إلى عمليةٍ قابلةٍ للتكرار والتحسين. وقد أيقن أن الموهبة الخام تحتاج إلى نظام، والإلهام يحتاج إلى بنية، والمنتج العظيم يولد من عقلٍ جمعي يقيس، ويصحح، ويعيد البناء.

في تلك المرحلة استنار جوبز بأفكار الثمانيني جوزيف غوران، أحد كبار مهندسي الجودة في الولايات المتحدة، الذي دعا إلى النظر في كل شيء بوصفه عملية متكررة، وأن القياس طريق السيطرة على الجودة. انجذب جوبز إلى هذه الرؤية، التي منحت الحدس الإبداعي جسداً قابلاً للإدارة. لكن التحول جاء متأخراً بالنسبة إلى «نيكست»، التي توقفت عن التصنيع عام 1993. انتقل هذا الإدراك مع جوبز إلى تجاربه التالية، وتحول إلى ذخيرةٍ فكريةٍ ستظهر آثارها لاحقاً.

ولدى شرائه شركة «بيكسار»، واجه معضلة ثقافية مغايرة، إذ ضم الاستوديو نخبةً مبدعةً قادرةً على إنتاج فيلمٍ ناجح، ثم تخرج منهكةً عقب كل مشروع، وكأن النجاح يستنزف شروط استمراره. طبق جوبز فلسفة العملية المنظمة: بناء نظامٍ يسمح بانتقال العمل، وتراكم المعرفة، واستكمال المشروع من أي نقطة. وبهذا المعنى، تحولت «بيكسار» من ورشةٍ إبداعيةٍ عميقة الموهبة إلى مؤسسةٍ قادرةٍ على الاستدامة، ومن حالةٍ فنيةٍ استثنائيةٍ إلى بنيةٍ تنتج الخيال بانتظام.

عاد جوبز إلى «أبل» في 1997، وكانت الشركة على حافة الانهيار وجلب معه خبراء تشربوا دروس الجودة من «هيوليت باكارد» و«موتورولا»، ومزج خبراتهم بما تعلمه في «بيكسار» و«نيكست» ليقدم بهم منجزه الأكثر تأثيراً: المنتج الأيقوني ثمرة منظومةٍ كاملة، والجمال الصناعي نتاج ثقافةٍ مصنعية تجعل الجودة قابلةً للتوسع على نطاقٍ هائل. ومع جهاز «iPod nano» عام 2005، بدأت العناصر المتفرقة تتجمع في صيغةٍ واحدة: تصميمٌ رشيق، تصنيعٌ دقيق، تجربة مستخدمٍ سلسة، ورغبةٌ قادرةٌ على تحويل الجهاز الصغير إلى علامةٍ على زمنٍ جديد.

تجاوز مشروع «أبل» مسألة التصنيع إلى طرح ثقافيٍّ أعمق: تحويل الحرفة إلى خوارزمية، واللمسة الإنسانية إلى إجراءٍ قابلٍ للتكرار. لقد تعاونت الشركة مع حرفيين في اليابان لتطوير عملياتٍ دقيقة، من بينها صناعة الهيكل الفولاذي العاكس. سُجلت أدق التفاصيل: زاوية المعصم، ومقدار الضغط، والسرعة، وإيقاع الحركة، وحتى صوت التلميع. تحولت الحرفة، التي كانت تنتقل بالتوارث والخبرة اليدوية، إلى كودٍ رياضي، ثم نُقلت إلى الصين كي تُعاد على نطاقٍ صناعيٍّ شاسع. عند تلك اللحظة أبرق نجم «أبل»: الجمع بين روح الفن ومنطق المصنع، وبين أثر اليد وصرامة الآلة، وبين الهالة الجمالية ومتطلبات الإنتاج الضخم.

خارج المصانع، بنت «أبل» لنفسها موضعاً خاصاً في المخيلة العالمية. فمنذ ظهوره، تجاوز الآيفون وظيفة الاتصال، وصار حاملاً لمعانٍ اجتماعيةٍ وثقافية، ومرآةً لطريقة حضور الفرد في العالم. الهاتف هنا وسيلةٌ للحديث، وكاميرا للذاكرة، ومحفظة للهوية، ومسرحٌ صغيرٌ يمارس عليه الإنسان صورته اليومية. هكذا غدا اقتناء الجهاز إشارةً إلى موقعٍ رمزي، وانضماماً إلى جماعةٍ متخيلةٍ ترى نفسها أقرب إلى الإبداع، والأناقة، والتميز.

روّجت «أبل» لنفسها عبر فكرة «التفكير بشكل مختلف»، فشيدت حول منتجاتها وعداً ثقافياً: من يختارها يقترب من عالمٍ أكثر صفاءً وجرأةً وقدرةً على تحويل العمل إلى أسلوب حياة. بهذا الوعد تشكل ولاءٌ استثنائيٌّ، حيث ارتبطت الأجهزة بصورة الذات الحديثة: ذات أنيقة، خفيفة، خلاقة، واثقة من أدواتها. وتظهر إعلانات «أبل»، في معظمها، كدعوةٍ إلى نمط عيشٍ مرغوب، أكثر من كونها شرحاً لمواصفاتٍ تقنية. الشاشة اللامعة نافذةٌ على هوية، والجهاز امتدادٌ للجسد، والواجهة البيضاء لغةٌ بصريةٌ توحي بالنقاء والسيطرة والانسجام.

تشير القراءات السيميائية إلى أن «أبل» بنت علامتها عبر ثلاثية: الاسم، والمنتج، والمزاج. الاسم/ الشعار «تفاحة»، يحمل خفةً ومرحاً وسهولةً في التحول إلى أيقونةٍ عابرةٍ للغات والثقافات. والمنتجات تمنح العلامة أرضيتها العملية عبر الأداء والجودة والتكامل. أما المزاج فقد تحرك عبر مراحل متوالية: روح التمرد في الثمانينات، طموح الريادة في التسعينات، ثم الراحة الواثقة في الألفية الجديدة. ومن هذا التداخل بين الاسم والشيء والإحساس، صارت «أبل» ظاهرةً تتجاوز حدود الشركة، ورمزاً ثقافياً معولماً لعصر الإنترنت بأكمله.

بحلول عام 2011، اعتلت «أبل» قمة القيمة السوقية العالمية. وبعد رحيل جوبز المبكر، قاد تيم كوك الشركة إلى طورٍ جديدٍ تضاعفت فيه أرباحها، واتسع فيه مفهومها لذاتها، إذ تحولت تدريجياً من شركةٍ تتمحور حول دورة الأجهزة الكبرى إلى منظومةٍ رقميةٍ واسعة، يشكل قطاع الخدمات فيها رافداً مركزياً من روافد الربح: عمولات متجر التطبيقات، واشتراكات التخزين، وصفقات البحث، ومجمل البنية التي تجعل المستخدم يعيش داخل فضاءٍ مغلقٍ ومريحٍ في آنٍ واحد. تجاوزت قاعدة المستخدمين ملياراً ونصف المليار إنسان، وتحولت هذه الكتلة إلى مجتمعٍ رقميٍّ هائل، وسوقٍ ثقافيةٍ يحرص صانعو التطبيقات والمحتوى والمنافسون على الوجود داخلها.

هذا التحول يعيد تعريف معنى شركة التكنولوجيا. صارت «أبل» صانعة أجهزة، وحارسة بوابة، ومنسقة نظامٍ بيئيٍّ كامل. المستخدمون داخل هذا العالم يصنعون المحتوى، ويستهلكونه، ويشترون التطبيقات، ويدفعون الاشتراكات، ويعيدون إنتاج الولاء نفسه عبر عاداتٍ يوميةٍ صغيرة. في هذا الكون، تبيع «أبل» الجهاز والتجربة، الراحة والانتماء، الأداء والإحساس، وتحوّل علاقة المستهلك بالمنتج إلى علاقةٍ طويلةٍ مع بيئةٍ كاملةٍ من الخدمات والرموز والإيماءات.

قصة «أبل»، بهذا المعنى، قصة انتقال معرفةٍ عبر القارات، وخطوط التجميع، وأنظمة الإدارة، وأشكال الخيال. إنها قصة تعلمت فيها الصناعة الأميركية من اليابان، ثم أعادت صياغة الدرس بين مختبرات كاليفورنيا ومصانع آسيا. وهي أيضاً قصة الصين التي راكمت خبرةً صناعيةً هائلةً من خلال إنتاج أجهزة صُممت لتبدو كأنها قادمةٌ من عالمٍ أملس، خفيف، ومثالي. وفي العمق، إنها قصة شركةٍ استطاعت أن تجعل من شعارٍ بسيطٍ حاملاً لمعاني التمرد، والإبداع، والتميز، والانتماء.

اليوم، تدخل «أبل» مرحلةً جديدةً مع صعود جيلٍ قياديٍّ وسط تحديات الذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية، وأسئلة سلسلة التوريد، والبحث عن الموجة التالية من الابتكار. لكن جوهر الحكاية يبقى في قدرة هذه الشركة على عكس تحولات عصرها وصناعتها في آنٍ واحد. «أبل» مرآةٌ للحداثة الرقمية: تصنع المنتجات، وتصوغ الرغبات، وتؤثر في الذائقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأدواته. وبعد 50 عاماً، تبدو «التفاحة المقضومة» أكثر بكثير من علامةٍ تجارية؛ إنها استعارةٌ كبرى لعصرٍ كامل، وحلمٌ صناعيٌّ تحول إلى أسطورةٍ ثقافية، وتذكيرٌ بأن تفاحة المعرفة، منذ بدء التكوين، كانت دائماً بوابةً إلى عالمٍ آخر.