أبرز التحديات التي تواجهها الحكومة الهندية في كشمير

في ظل تفاقم الوضع الأمني في الإقليم ولجوء باكستان إلى الأمم المتحدة

جنود هنود في كشمير (أ.ب)
جنود هنود في كشمير (أ.ب)
TT

أبرز التحديات التي تواجهها الحكومة الهندية في كشمير

جنود هنود في كشمير (أ.ب)
جنود هنود في كشمير (أ.ب)

أسفرت المناورة السياسية الهندية الأخيرة في إقليم كشمير، المرتبطة بإلغاء الوضع الدستوري الخاص بالإقليم، عن هزات جيوسياسية ودبلوماسية كبيرة في كثير من الأوساط، وعلى مختلف الصُعُد. وباتت نيودلهي تواجه عدة تحديات دبلوماسية على الصعيد الدولي، فضلاً عن الاضطرابات الداخلية في ولاية جامو وكشمير ذات الأغلبية المسلمة، حيث تواجه الحكومة معارضة شديدة.
ولا تزال الأوضاع في كشمير مشتعلة، وتنذر بمزيد من التدهور. وقد كانت تُعَد تاريخياً من أكثر المناطق التي تفتقر للاستقرار بسبب النزاعات الإقليمية بين الهند وباكستان، وبين الهند والصين، المستمرة على مدى العقود القليلة الماضية.
وخلال الأسبوع الماضي، جاء رد فعل باكستان والصين للقرار الهندي قوياً، تمثل خاصة في رفع القضية إلى الأمم المتحدة من طرف إسلام آباد، لكن الهند حاولت صد المحاولات الأممية القوية، التي دفعت مجلس الأمن إلى اعتزام اتخاذ قرار بشأن الأوضاع الراهنة في جامو وكشمير.
يقول آشوك مالك من مؤسسة الأبحاث والمراقبة الهندية: «تواجه الهند هجوماً من المحور الاستراتيجي الباكستاني - الصيني، كما أنه لا يمكن لها تجاهل نيات إسلام آباد بمواصلة طرق أبواب مجلس الأمن بدعم مباشر من الصين. وكيفية استجابة مجلس الأمن في المرة المقبلة ستتوقف على الأوضاع القائمة على الأرض في إقليم كشمير، وأي انهيار للنظام والقانون في وادي كشمير، مع استخدام نيودلهي القوة المفرطة ضد المدنيين، سوف يسفر عن إضعاف موقف الهند على الصعيد الدولي. كما أن أي تصعيد للتوترات العسكرية مع القوات الباكستانية على حدود الإقليم، سيُعتبر تهديداً صريحاً للسلام والأمن الدوليين، وسيوفر ذريعة للتدخل السياسي من قبل مجلس الأمن في الشؤون الهندية». وبالتالي، ستواجه الهند أوقاتاً عصيبة في محاولة تقديم موقفها من قضية جامو وكشمير، وفق المعايير الدولية، وتحت الضغوط المحلية والدولية المتنامية.

رفع القيود

يتمثل التحدي الأول لحكومة ناريندرا مودي في تطبيع الأوضاع في إقليم كشمير، ورفع القيود الأمنية المشددة المفروضة عليه. وستتجلى الأوضاع الحقيقية في هذه المنطقة بشكل واضح وصريح بعد سحب القيود المفروضة على الاتصالات والانتقالات من قبل الحكومة الهندية. ويبدو أن الحكومة يساورها كثير من القلق تحسباً لردود فعل مدنية واسعة النطاق من جانب سكان الإقليم.
ويقول بعض الخبراء إنه يتعين على الحكومة الهندية الآن تلمُّس خطواتها بكل عناية وحذر لموازنة مصالح الأمن في المنطقة، مع الخطوات المعنية بالحيلولة دون قمع حقوق السكان. وفي هذا الصدد، يقول براكاش مينون، المسؤول الأسبق لدى مجلس الأمن القومي الهندي: «يسود مزاج عام من الخوف في وادي كشمير في ظل الخطاب العام، المتمحور حول استعانة الهند بأدوات القوة المعهودة في إخضاع سكان كشمير، وذلك من خلال اغتصاب مزيد من الأراضي ونزع الهويات».
وأسفر إلغاء المادة 370 من الدستور الهندي عن تغييرات جذرية في قضية كشمير، ذات الأبعاد الداخلية والخارجية. واليوم، يدور خطاب من تعتبرهم نيودلهي «انفصاليين» في كشمير، والأحزاب السياسية السائدة، حول نقطة أساسية، مفادها أن مسألة كشمير ليست مسألة تنموية، بل تتعلق بتلبية تطلعات السكان السياسية المحددة بكلمة واحدة هي «الحرية». لذلك، يرى بعض المحللين أنه من غير الواقعي عدم انتظار مقاومة من طرف سكان كشمير على القرار الهندي الأخير. وتتوقف الأوضاع الأمنية في الوادي على رد فعل سكان الإقليم بأسرهم، والشباب الذي حمل بعضه السلاح بالفعل. كما يمكن توقع رد فعل قوي من جانب باكستان، التي سوف تجد نفسها في مكانها الطبيعي للاستفادة القصوى من الأجواء الساخنة والمضطربة بالإقليم.
يقول آجاي شوكلا، وهو محلل دفاعي من نيودلهي: «لقد أدَّت السيطرة السياسية الهندية على إقليم كشمير إلى تأجيج الاستقطاب، والاستغراب على نطاق واسع، حيث تأسست حركة المقاومة الشعبية اعتباراً من بداية التسعينات. وقد استغلت باكستان الأوضاع، وصبَّت مزيداً من الوقود لإشعال الأوضاع (...) ما حوّل الولاية إلى ما يشبه برميل بارود مشتعلاً خلال عقد التسعينات ونحوه. ولذلك فإنه من شأن دورة العنف المماثلة أن تعاود الاندلاع بين أوساط المسلمين في كشمير، المصابين بحالة عميقة من الإحباط في المقام الأول. كما من شأن الاستيلاء على السلطة هناك أن يسفر عن صراع دموي مفتوح حول الاستقلال».
ووفقاً للمحلل الأمني كانوال سيبال، فإنه «يجب على الحكومة الهندية بالأساس تصوُّر ما تريد فعله، بدلاً من تصور ما لا تريد فعله، حتى تتمكن من كسر حلقة عدم الثقة الراهنة. كما تحتاج إلى تضميد جراح كشمير بأسلوب سياسي، وبطريقة عملية وصريحة. وتتمثل الخطوة الأولى على هذا المسار في الانخراط في حوار إيجابي. أما على الصعيد الاقتصادي، فلا بد من وجود خطة للتنمية، تتعلق بإحياء طرق التجارة التقليدية في كشمير، ما يمكن أن يدفع في اتجاه تغيير الأوضاع الراهنة على الأرض».

خيارات باكستان

يقول بعض المحللين إن أي تصعيد في أعمال العنف، مع إشعال الأوضاع المدنية، قد يجر المنطقة إلى دوامة لا تنتهي من العنف والعنف المضاد. وبهذا الخصوص، يقول راتان سينغ جيل، محرر نشرة «نورث لاينز» من جامو وكشمير إنه «من المرجح لباكستان استغلال الأصوات الصاخبة في كشمير على الصعيد الدولي. كما يمكنها رفع حالة التصعيد العسكري على الحدود بين البلدين. وسوف تُضطر الهند عندها إلى توجيه كثير من الموارد والوقت، والطاقات السياسية للتعامل مع باكستان، التي أعلنت عن تطلعات سياسية كبيرة في المنطقة».
أما بخصوص مدى استجابة باكستان، فسوف تكون لها تداعيتها المهمة على الولايات المتحدة الأميركية وعلى أفغانستان المجاورة. ومن بين نقاط النفوذ والتأثير التي تحظى بها باكستان، مقدرتها على محاولة إفساد المحادثات الأميركية الجارية مع حركة «طالبان» الأفغانية، وفق جيل.

أزمة مياه

تخطط الهند للاستفادة الكاملة من حصتها المائية بموجب معاهدة المياه الهندية لعام 1960 بينها وبين باكستان، علماً أن الحكومة الهندية كانت قد أعلنت في غير مناسبة اعتزامها الاستفادة الكاملة من حصتها المائية في الولاية بموجب المعاهدة المذكورة.
وبعد قضاء محكمة التحكيم الدولية في لاهاي لصالح الهند في القضية المرفوعة عام 2013 بشأن مشروع كيشانغانغا في كشمير، أشارت الحكومة الهندية إلى اعتزامها الإسراع في تنفيذ مشاريع الطاقة الكهرومائية في ولاية جامو وكشمير. وتعتبر الهند تلك المشاريع ذات أهمية فائقة على الصعيد الاستراتيجي، في سياق محاولات الصين الحثيثة تطوير الممر الاقتصادي الصيني - الباكستاني، الذي هو جزء من مبادرة البنية التحتية واسعة النطاق، المعروفة إعلامياً باسم مبادرة «حزام واحد وطريق واحد» الصينية. وهو ما يدفع البعض إلى التساؤل: هل من شأن ذلك أن يؤدي إلى مواجهات دولية جديدة؟

الاعتراض الصيني

من المرجح للاعتراض الصيني أن يشكل بالون اختبار للدبلوماسية الهندية، خصوصاً في إقليم كشمير.
ويشار إلى أن الشاغل الرئيسي لدى الصين لا يتمثل في كشمير بقدر ما يتمثل في إقليم لاداخ، الواقع على الحدود مع إقليم التبت الصيني (شرق)، ومع الركن الجنوبي الغربي لإقليم شينجيانغ، وكلاهما من الأقاليم التي تشهد وجوداً عسكرياً صينياً كبيراً. وعبر العقود السبعة الماضية، بذلت الصين كثيراً من الجهود، وأكثر من أي لاعب إقليمي آخر، بغية تغيير الأوضاع القائمة على الأرض في «مملكة» جامو وكشمير السابقة، وما يحيط بها من أراضٍ. وكجزء من الممر الاقتصادي الصيني - الباكستاني، أقامت الحكومتان الصينية والباكستانية كثيراً من مشروعات البنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج، وفي بعض الحالات ذات الاستخدام العسكري المنفرد في إقليم غيلغيت - بالتيستان. وعلى نحو منفصل، ومع ضم ثم «عسكرة» إقليمي التبت وشينجيانغ، تحولت تلك المناطق ذات الصفة العازلة تاريخياً إلى واجهات أمامية مسلحة.
يقول الخبير الاستراتيجي فيفيك ميشرا: «إن تصرفات الهند خلال العقد المقبل بشكل استراتيجي في إقليم لاداخ، وتمكنت من بناء القدرات المناسبة، فإن بعض الاستثمارات الصينية قد تكون في خطر. (...) ويدرك الصينيون أن الهند تفضل اللعب على المدى البعيد. والأوضاع الراهنة لا تقلقهم في شيء، وإنما يهتمون بإمكانات المستقبل».
وقالت صحيفة «غلوبال تايمز» الحكومية الصينية إن الهند مندفعة للغاية فيما يتعلق بالمسائل الحدودية، وتواصل محاولات كسر الوضع الراهن، الذي يؤثر بدوره على الأوضاع الإقليمية، مضيفة أن الهند تواصل تحدي مصالح الدول المحيطة بها، وتتوقع منهم ابتلاع الاستفزازات، وقبول الحقائق الجديدة التي تفرضها الإرادة الهندية عليهم.
وأشارت الصحيفة في إحدى مقالاتها الافتتاحية إلى أنه من غير المتصور بالنسبة لباكستان ألا تتخذ إجراءات مضادة قوية إزاء إلغاء المادة 370. وذكرت الصحيفة: «لا نرى أن الهند تملك من الموارد السياسية وغيرها من الأدوات ما يمكّنها من تولي زمام المنطقة بأسرها». من جهتها، يقول بهونتشوك ستوبدان، الدبلوماسي والخبير السياسي الهندي البارز: «لقد أعربت الصين عن عزمها الإلقاء بكامل ثقلها داخل مجلس الأمن في مواجهة الهند. وربما لا يسعف نيودلهي الوقت للتفكير في بعد رابع للأزمة الراهنة، وأعني مقدرة بكين على فتح جبهة عسكرية جديدة أخرى على الشريط الحدودي الطويل والمتنازع عليه مع الهند. وفي خاتمة المطاف، وجهت بكين إلى نيودلهي الاتهامات بمحاولة تحدي المصالح السيادية الصينية عن طريق التغيير القسري للأوضاع السياسية الداخلية، الراهنة في إقليم جامو وكشمير».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.