هل تشمل العقوبات الأميركية الجديدة الصف الأول من «حلفاء حزب الله»؟

لبنان يترقب... والحريري زار واشنطن بسببها

هل تشمل العقوبات الأميركية الجديدة الصف الأول من «حلفاء حزب الله»؟
TT

هل تشمل العقوبات الأميركية الجديدة الصف الأول من «حلفاء حزب الله»؟

هل تشمل العقوبات الأميركية الجديدة الصف الأول من «حلفاء حزب الله»؟

«لست أنا من يحدد العقوبات الأميركية على (حزب الله). الحكومة الأميركية واضحة في كيفية مقاربة الموضوع، ولا يمكن تغييرها»...
بهذه العبارة ردّ رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، على كل التغريدات والانتقادات التي رافقت زيارته للولايات المتحدة الأميركية، والتي جاءت من نواب منتمين إلى «التيار الوطني الحر»، ومن حلفاء آخرين لهم، بسبب لقائه عدداً من الشخصيات البارزة الموصوفة «رأس حربة» في ملف العقوبات الأميركية على «حزب الله». ولعل على رأس هؤلاء وزير الخارجية مارك بومبيو، ولا ينتهون عند مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، مارشال بيلينغسلي، الذي أكد الحريري على العلاقة الجيدة به.

رأى سفير لبنان السابق في واشنطن، أنطوان شديد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الأخيرة إلى الولايات المتحدة «تعد من الزيارات المهمة، نظراً للاجتماعات واللقاءات التي عقدها الرئيس الحريري، ولا سيما مع وزير الخارجية مارك بومبيو، ومع مسؤولين كبار في وزارة الخزانة الأميركية، في طليعتهم مارشال بيلينغسلي مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، ودايفيد مالباس مدير البنك الدولي».
وما يؤكد على نجاح هذه الزيارة، بحسب شديد، هو الكلام الذي صدر عن الوزير بومبيو، الذي أكد فيه على ضرورة الحفاظ على استقرار المؤسسات الأمنية والسياسية والاقتصادية في لبنان، رغم سياسته الواضحة القاضية بفرض عقوبات على «حزب الله» وإدراجه على لائحة الإرهاب. واعتبر شديد أن هذا يعني أن الحريري «تمكّن من فصل الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية والسياسية والقطاع المصرفي عن (حزب الله)، وهذه ليست بالمسألة السهلة». وتابع لافتاً إلى أن «الحديث عن ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، واستكمال تطبيق القرار الدولي 1701، من الأمور الفائقة الأهمية أيضاً». ورأى السفير السابق أن «العقوبات الأميركية على إيران و(حزب الله) هي الآن قيد المتابعة يومياً من قبل الإدارة الأميركية، وهي لا تأخذ برأي أحد، أو تتأثر بإملاءات أي جهة، وصدورها مرتقب بين يوم وآخر».

مقرّبون مستهدَفون

من ناحية أخرى، غير خافٍ ما يدور في أروقة لبنان السياسية اليوم أن العقوبات الجديدة قد تطال مقربين من «حزب الله»، يُعدّون في خانة الحلفاء. وذكر مرجع مصرفي كبير، على علاقة ومتابعة لملف العقوبات الأميركية على «حزب الله»، لـ«الشرق الأوسط» أن «خيارات الخزانة الأميركية مفتوحة على أسماء تنتمي إلى التيار الوطني الحر، وإن لم يكن هناك شيء مؤكد حتى الساعة، بالنظر إلى سياسة المباغتة التي تتبعها الإدارة الأميركية في الإعلان عن الأسماء تدريجياً».
المصدر عينه، نقل عن بيلينغسلي، مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، اتهامه وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، وقوله إنه «يسعى من خلال المارونية السياسية إلى حماية منظومة (حزب الله)». ثم إن بيلينغسلي أبدى خشيته من عدم التزام فروع المصارف، ولا سيما تلك الموجودة في مناطق نفوذ «حزب الله»، بطريقة أو بأخرى، بقانون العقوبات، وإن أعرب عن ثقته بالإدارة المركزية للمصارف، والإجراءات التي نفذها مصرف لبنان في هذه الإطار.

«سيناريوهات» العقوبات وتداعياتها

يتوقع الباحث الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة «أن تبقى الأسماء المتداولة حالياً في إطار التكهنات، لكن المؤكد أنها ستطال سياسيين لبنانيين من الصف الأول، محسوبين على (حزب الله) وحلفائه، بالإضافة إلى رجال أعمال، تعتبرهم الولايات المتحدة الأميركية مفاتيح مالية في هذه الأحزاب». وبالتالي، وفق عجاقة «هناك سيناريوهان مطروحان لهذه الأسماء. السيناريو الأوّل هو إدراج الشخصيات السياسية من الصف الأول، عملاً بمقولة أحد المستشارين في الإدارة الأميركية أن سياسيّي لبنان يمتلكون قسماً كبيراً من ثروة لبنان، لذا ولتغيير القرارات السياسية يكفي فرض عقوبات عليهم». وحقاً، خطت واشنطن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، عبر إدراج أسماء نائبين في البرلمان على لائحة العقوبات، مع طلب واضح إلى الحكومة اللبنانية، بوقف التعاطي مع الأشخاص المُدرجة أسماؤهم على لائحة العقوبات. لكن الصعوبة الكبيرة تكمنّ في خطورة إدراج اسم أحد الوزراء على لائحة العقوبات، لأنه سيستحيل إذ ذاك العمل مع الحكومة، مع مخاطر إدراج أسماء وزراء آخرين، في حال تواصلوا مع الوزراء المُدرجة أسماؤهم على لائحة العقوبات. وباعتقاد عجاقة، أن هذا السيناريو، على الرغم من وجود عناصر ومعلومات تذهب في اتجاهه، ينطوي على معضلة تواجه الإدارة الأميركية، لأن معاقبة أشخاص من الصفّ الأول سترّفع مستوى المواجهة بين واشنطن وبيروت، ما يناقض وضع لبنان في استراتيجية واشنطن الشرق أوسطية. وثمة احتمال (بحسب الأميركيين)، أن تعمد شخصيات الصفّ الأول إلى السير بخطوات قدّ تدفع بلبنان، إلى المحور المناهض لواشنطن. ولذا يستبعد عجاقة هذا السيناريو حالياً.
أما السيناريو الثاني - حسب عجاقة - فهو فرض عقوبات على شخصيات من الصف الثاني، أو شخصيات تعمل في الظل، وتابعة لـ«حزب الله» أو الأحزاب الموالية. هذه الشخصيات بمعظمها من رجال الأعمال، والمسؤولين الحزبيّين، يمسكون بزمام الأمور المالية في أحزابهم. ووفق الاستراتيجية الأميركية، يستهدف هذا السيناريو حلفاء «حزب الله» أكثر من الحزب بحد ذاته. والهدف إحداث شرخ بين «حزب الله» وحلفائه، عبر «جدوَلة» إدراج الأسماء (على مراحل)، عملاً بمبدأ العقوبات «الذكية» لضمان «خنق» هذه الأحزاب مالياً والحدّ من تحرّكها.
ويعتبر عجاقة، أن التداعيات المالية والاقتصادية ستكون هي نفسها في السيناريوهين، مع اختلاف قوّة هذه العقوبات، إذ إن السيناريو الأوّل أقوى بكثير. ومن هذه التداعيات، يُمكن ذكر تمويل بعض مشروعات «سيدر»، التي قد لا تجد مموّلين لها إذا رأت الولايات المُتحدة أن ثمة استفادة لهذه الأحزاب منها، بشكل أو بآخر. ثم هناك إمكانية الضغط الأميركي على سوق السندات الدولارية، ما يزيد الضغطّ الشعبي على هذه الأحزاب، وقد يعدّل نتائج الانتخابات النيابية المُقبلة. وهكذا، فالصورة التي تظهر من خلال الأحداث - أو يُسوّق لها – توحي بأن لبنان سيواجه كارثة مالية واقتصادية إذا ما قرّر مواجهة واشنطن، وسيصبح بمصاف الدول الخاضعة للعقوبات كإيران وسوريا وفنزويلا.
ويختتم عجاقة كلامه بالقول إن «زيارة الحريري لواشنطن جاءت على خلفية معلومات تشير إلى أن أسماء عشرات الشخصيات اللبنانية ستُدرج على لائحة العقوبات». ويتخوّف الحريري من أن يكون بينها وزراء في حكومته، ما قد يؤدي إلى إسقاط الحكومة. ولكن - على ما يبدو - أعطى الأميركيون تطمينات «مؤقتة» للحريري، الذي يعتبر، مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وقائد الجيش جوزيف عون، من أكثر الشخصيات موثوقية في واشنطن على الساحة السياسية اللبنانية.

قانون العقوبات و«حزب الله»

في الواقع عاشت الدولة اللبنانية طويلاً على وقع لوائح عقوبات أميركية صادرة عن «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» التابع لوزارة الخزانة الأميركية «أوفاك» OFAC تستهدف «حزب الله» قيادة وأفراداً. وأُقر في هذا السياق قانونان، هما «هيفبا 1» و«هيفبا 2»، ولوائح سبقتهما، وأخرى أتت عبر مراسيم تطبيقية لـ«هيفبا 1». لكن في 9 يوليو (تموز) من العام الحالي، شهد مسار العقوبات تحولاً، إذ الأول أدرج اسمي نائبين عن الحزب، هما أمين شري ومحمد رعد، على لوائح العقوبات، بتهمة «استغلال النظام السياسي والمالي اللبناني» لصالح حزبهما، وإيران الداعمة له.
واتهمت الإدارة الأميركية النائب شري «باستغلال منصبه الرسمي، لدفع أهداف (حزب الله) التي تتعارض في غالب الأحيان، مع مصالح الشعب والحكومة اللبنانيين»، إضافة إلى قيامه بتهديد أحد المصارف وعائلاتهم، بعدما جمّدوا أرصدة لعناصر «حزب الله»، مدرجة أسماؤهم على اللائحة السوداء، الصادرة عن «أوفاك». أما النائب رعد - رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، أي كتلة «حزب الله» النيابية - فاتُهم بإعطاء الأولوية لأنشطة «حزب الله»، وارتهان ازدهار لبنان. وشملت اللائحة أيضاً اسم وفيق صفا «الرجل الظل» لأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، وهو مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب.
إدراج الأسماء هذه يحظر على المواطنين الأميركيين التعامل مع أصحابها، ويجمّد أي أصول عائدة لهم في الولايات المتحدة، ويحد أيضاً من قدرتهم على الاستفادة من النظام المالي الأميركي. ولم تكتف وزارة الخزانة الأميركية بذلك، بل طالبت الحكومة اللبنانية أيضاً بوقف التعامل معهم. وسبقت الخطوة أعلاه، سلة من قوانين وتدابير لجأت إليها واشنطن، بالطرق الدبلوماسية والعسكرية والتشريعية والتنفيذية، عبر عقوبات اقتصادية ضد إيران وبرنامجها النووي ومنظومة صواريخها الباليستية، وكذلك تمدّدها عبر «حركات إرهابية» تابعة لها - حسب تصنيف الإدارة الأميركية - في دول عدة، منها لبنان والعراق وسوريا وصولاً إلى اليمن. ومن هذه الإجراءات الإضبارة W8E عام 1999، ثم الـ«باتريوت آكت»، إثر أحداث سبتمبر (أيلول) 2001. وإبان عهد الرئيس باراك أوباما، صِيغ مشروع قانون باسم «كاسندرا» تضمن ملاحقة «حزب الله»، لاتجاره بالمخدرات وتبييض الأموال، لكن مشروع القانون سُحب يومذاك حرصاً من أوباما على الاتفاق النووي مع إيران.
ولبنانياً، وضِع البنك اللبناني – الكندي عام 2011 على لائحة المؤسسات المصرفية المشبوهة. وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 أقرّ الكونغرس الأميركي القانون الرقم 2297 الذي يمنع «حزب الله» والكيانات المرتبطة به من النفاذ إلى مؤسسات مالية دولية ومؤسسات أخرى لأهداف مختلفة. ويتعهد القانون أشد العقوبات الأميركية على الحزب، وأي منظمة أو فرد تابع له، وأي مؤسسة مالية في أي مكان في العالم، تسهل أعماله عن دراية. وعند صدور هذا القانون، حصل إرباك على الساحة اللبنانية؛ حيث وقعت جمعية المصارف في مأزق، خوفاً على علاقتها مع المصارف المراسلة. وتحرّك السياسيون لإطفاء فتيل اشتعال أزمة حتمية بين المصارف و«حزب الله»، ولا سيما عند صدور اللوائح بأسماء الواجب تجميد وإقفال حسابتهم المصرفية.
وعلى الفور، شكلت لجنة نيابية لمعالجة الأمر ونقل حساسية المشهد اللبناني إلى الإدارة الأميركية، علّ وعسى يكون وقع القانون ليناً. وتوجهت جمعية المصارف لحماية قطاعها في جولة على المصارف المراسلة والإدارة الأميركية، وتأكيدها الالتزام بالقوانين والتشريعات الصادرة عنها، وكان لوزير المال علي حسن خليل زيارة لواشنطن، أيضاً، ناقلاً وجهة نظر الحكومة اللبنانية للإدارة الأميركية.
وفي إطار التحضير لـ«هيفبا 2» سربت مسوّدات عدة له، أبرزها إدراج أفراد منتمين إلى «حركة أمل» على لائحة العقوبات. ومن جديد، توجّه وفد نيابي إلى واشنطن ليشرح لمسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية حساسية الوضع، وأن لبنان لا يستطيع تحمل أن تفرض عقوبات على مناطق بلون سياسي وديني موحّد (الطائفة الشيعية). ومع أن الإدارة الأميركية تفهمت ما قاله الوفد، مضت قدماً في «هيفبا 2» الصادر عام 2017، والذي دخل حيز التنفيذ عام 2018، مقرّة إجراءات أكثر صرامة، كفرض عقوبات جديدة على أي كيانات يثبت دعمها للحزب، وإلزام الرئيس الأميركي إعداد تقارير سنوية في شأن ثروات قياديّي الحزب أو السياسيين المرتبطين به والمتحالفين معه، وفرض عقوبات على إيران و«حزب الله» لاستخدامهما المدنيين دروعاً بشرية، ودعوة الاتحاد الأوروبي إلى تصنيف «حزب الله» تنظيماً إرهابياً، وهو الإجراء اللافت. ومعروف أن دول أوروبا عمدت إلى التمييز بين الجناح العسكري لـ«حزب الله» والجناح السياسي. لكن هذا التمييز خرجت منه بريطانيا، وسارت لاحقاً بالقرار الأميركي، بينما ظلت ألمانيا وفرنسا حذرتين في هذا الأمر، بحجة وجود عدد كبير من مواطنيهما في قوات حفظ السلام في لبنان، وخوفاً من أي تهديد أمني لهم.

مصرف لبنان وتعاميمه

وعلى صعيد متصل، أدرك حاكم مصرف لبنان، بإجراءات استباقية جدية، القرارات المفروضة من الإدارة الأميركية، وسعى جاهداً لحماية موقع لبنان على الخريطة المالية العالمية، إذ أقر تعميمين...
- التعميم 136 - 2015، الذي طلب فيه من جميع المؤسسات الخاضعة لرقابته وترخيصه المراجعة المستمرة لأي تحديث على الموقع الإلكتروني لمجلس الأمن، فيما يتعلق بالأسماء المحددة والمدرجة على اللوائح الصادرة، بموجب قرارات مجلس الأمن 1267 (1999) و1988 (2011) و1989 (2011)، والقرارات اللاحقة، المتعلقة بهذا الخصوص واللوائح الصادرة عن لجان العقوبات الخاصة. والمبادرة تلقائياً وفوراً إلى تجميد الأموال أو الحسابات أو العمليات، أو الأصول الأخرى العائدة لأصحاب هذه الأسماء فور إدراجها، على أن تزوّد هيئة التحقيق الخاصة، خلال مهلة أقصاها 48 ساعة، بالإجراء الذي اتخذه المصرف.
- التعميم 137 – 2016، انطلاقاً من قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب 44 - 2015، والمادة 70 من قانون النقد والتسليف. ويرتكز هذا التعميم على نقطتين، هما تنفيذ القانون الأميركي، وتبرير إقفال أو عدم فتح حساب على أساس هذا القانون، لهيئة التحقيق الخاصة، لدى مصرف لبنان التي تتمتع باستقلالية وبصفة قضائية.
وبالفعل، أصدرت هيئة التحقيق الخاصة إعلاماً رقم 20 - 2016، جاء فيه «تداركاً لحصول أي إجراء أو تدبير تعسفي، من شأنه الإضرار بمصالح المودِعين والعملاء، ولا سيما عند إقفال حساب أي منهم، أو الامتناع عن فتح حسابات لهم، أو عدم التعامل معهم، يُطلب من المصارف والمؤسسات المالية ومؤسسات الوساطة المالية وسائر المؤسسات الملزمة بالإبلاغ، عدم اتخاذ أي تدابير لجهة إقفال أي حساب عائد لأحد عملائها أو الامتناع عن التعامل معه أو عن فتح أي حساب له قبل مرور 30 يوماً على إبلاغ (هيئة التحقيق الخاصة)، على أن يتضمن هذا التبليغ توضيحاً للأسباب الموجبة التي تبرّر اتخاذ هذه الإجراءات والتدابير. وفي حال لم يردْ أي جواب من (هيئة التحقيق الخاصة) خلال المهلة المذكورة أعلاه، يعود للمصارف وللمؤسسات المعنية اتخاذ الإجراءات المناسبة بهذا الخصوص».

أبرز الشخصيات على لائحة العقوبات

> عام 2015 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إدراج 3 رجال أعمال لبنانيين وشركتين مرتبطتين بهم على «اللائحة السوداء»، بذريعة أنهم يشكلون جزءاً من شبكة دعم لـ«حزب الله»، وواجهة لنشاطاته في لبنان والعراق. وهؤلاء هم؛ أدهم طباجة، ومجموعة «الإنماء» التي يمتلكها، وعلي حسين علي فاعور، وشركته «كار كير سنتر» CAR CARE CENTER التي يملكها مع قاسم حجيج.
وعام 2018 شهد للمرة الأولى في تاريخ «حزب الله»، وضع أسماء كامل قيادته السياسية على لوائح العقوبات التي أصدرتها المملكة العربية السعودية وشركاؤها، في مركز استهداف تمويل الإرهاب. وشملت العقوبات تجميد أرصدة قادة الحزب. وفي مقدمهم الأمين العام حسن نصر الله، ونائبه نعيم قاسم، ومحمد يزبك، وحسين خليل، وإبراهيم أمين السيد، وطلال حمية. وأيضاً عام 2018 شهد إدراج اسم محمد جواد نصر الله، نجل حسن نصر الله على لائحة العقوبات.
وعام 2019 أُدخل قطاع الصيرفة على خط العقوبات، عندما أدرجت واشنطن اسم قاسم محمد شمس على لائحة العقوبات، بتهمة نقل أموال نيابة عن منظمات تهريب المخدرات و«حزب الله».
وفي العام نفسه، أدرجت الإدارة الأميركية كلاً من النائبين أمين شري، ومحمد رعد، والقيادي وفيق صفا، على لائحة العقوبات. وخلال فترة وجيزة أدرج اسم قيادي آخر في «حزب الله»، هو سلمان رؤوف سلمان، المتهم «بتنسيق الهجوم المدمّر في بيونس آيرس عاصمة الأرجنتين على أكبر مركز يهودي في أميركا الجنوبية قبل 25 سنة»، بحسب ما جاء في بيان وزارة الخزانة الأميركية.
وأخيراً، حكم على قاسم تاج الدين، بالسجن 5 سنوات، وبدفع غرامة 50 مليون دولار، وهو الذي اتهم سابقاً بغسل الأموال لصالح «حزب الله»، مع حاتم بركات، وكان اسم تاج الدين قد أدرج على لائحة الإرهاب عام 2009، وأوقف عام 2018 في المغرب.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.