هل تشمل العقوبات الأميركية الجديدة الصف الأول من «حلفاء حزب الله»؟

لبنان يترقب... والحريري زار واشنطن بسببها

هل تشمل العقوبات الأميركية الجديدة الصف الأول من «حلفاء حزب الله»؟
TT

هل تشمل العقوبات الأميركية الجديدة الصف الأول من «حلفاء حزب الله»؟

هل تشمل العقوبات الأميركية الجديدة الصف الأول من «حلفاء حزب الله»؟

«لست أنا من يحدد العقوبات الأميركية على (حزب الله). الحكومة الأميركية واضحة في كيفية مقاربة الموضوع، ولا يمكن تغييرها»...
بهذه العبارة ردّ رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، على كل التغريدات والانتقادات التي رافقت زيارته للولايات المتحدة الأميركية، والتي جاءت من نواب منتمين إلى «التيار الوطني الحر»، ومن حلفاء آخرين لهم، بسبب لقائه عدداً من الشخصيات البارزة الموصوفة «رأس حربة» في ملف العقوبات الأميركية على «حزب الله». ولعل على رأس هؤلاء وزير الخارجية مارك بومبيو، ولا ينتهون عند مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، مارشال بيلينغسلي، الذي أكد الحريري على العلاقة الجيدة به.

رأى سفير لبنان السابق في واشنطن، أنطوان شديد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الأخيرة إلى الولايات المتحدة «تعد من الزيارات المهمة، نظراً للاجتماعات واللقاءات التي عقدها الرئيس الحريري، ولا سيما مع وزير الخارجية مارك بومبيو، ومع مسؤولين كبار في وزارة الخزانة الأميركية، في طليعتهم مارشال بيلينغسلي مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، ودايفيد مالباس مدير البنك الدولي».
وما يؤكد على نجاح هذه الزيارة، بحسب شديد، هو الكلام الذي صدر عن الوزير بومبيو، الذي أكد فيه على ضرورة الحفاظ على استقرار المؤسسات الأمنية والسياسية والاقتصادية في لبنان، رغم سياسته الواضحة القاضية بفرض عقوبات على «حزب الله» وإدراجه على لائحة الإرهاب. واعتبر شديد أن هذا يعني أن الحريري «تمكّن من فصل الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية والسياسية والقطاع المصرفي عن (حزب الله)، وهذه ليست بالمسألة السهلة». وتابع لافتاً إلى أن «الحديث عن ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، واستكمال تطبيق القرار الدولي 1701، من الأمور الفائقة الأهمية أيضاً». ورأى السفير السابق أن «العقوبات الأميركية على إيران و(حزب الله) هي الآن قيد المتابعة يومياً من قبل الإدارة الأميركية، وهي لا تأخذ برأي أحد، أو تتأثر بإملاءات أي جهة، وصدورها مرتقب بين يوم وآخر».

مقرّبون مستهدَفون

من ناحية أخرى، غير خافٍ ما يدور في أروقة لبنان السياسية اليوم أن العقوبات الجديدة قد تطال مقربين من «حزب الله»، يُعدّون في خانة الحلفاء. وذكر مرجع مصرفي كبير، على علاقة ومتابعة لملف العقوبات الأميركية على «حزب الله»، لـ«الشرق الأوسط» أن «خيارات الخزانة الأميركية مفتوحة على أسماء تنتمي إلى التيار الوطني الحر، وإن لم يكن هناك شيء مؤكد حتى الساعة، بالنظر إلى سياسة المباغتة التي تتبعها الإدارة الأميركية في الإعلان عن الأسماء تدريجياً».
المصدر عينه، نقل عن بيلينغسلي، مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، اتهامه وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، وقوله إنه «يسعى من خلال المارونية السياسية إلى حماية منظومة (حزب الله)». ثم إن بيلينغسلي أبدى خشيته من عدم التزام فروع المصارف، ولا سيما تلك الموجودة في مناطق نفوذ «حزب الله»، بطريقة أو بأخرى، بقانون العقوبات، وإن أعرب عن ثقته بالإدارة المركزية للمصارف، والإجراءات التي نفذها مصرف لبنان في هذه الإطار.

«سيناريوهات» العقوبات وتداعياتها

يتوقع الباحث الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة «أن تبقى الأسماء المتداولة حالياً في إطار التكهنات، لكن المؤكد أنها ستطال سياسيين لبنانيين من الصف الأول، محسوبين على (حزب الله) وحلفائه، بالإضافة إلى رجال أعمال، تعتبرهم الولايات المتحدة الأميركية مفاتيح مالية في هذه الأحزاب». وبالتالي، وفق عجاقة «هناك سيناريوهان مطروحان لهذه الأسماء. السيناريو الأوّل هو إدراج الشخصيات السياسية من الصف الأول، عملاً بمقولة أحد المستشارين في الإدارة الأميركية أن سياسيّي لبنان يمتلكون قسماً كبيراً من ثروة لبنان، لذا ولتغيير القرارات السياسية يكفي فرض عقوبات عليهم». وحقاً، خطت واشنطن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، عبر إدراج أسماء نائبين في البرلمان على لائحة العقوبات، مع طلب واضح إلى الحكومة اللبنانية، بوقف التعاطي مع الأشخاص المُدرجة أسماؤهم على لائحة العقوبات. لكن الصعوبة الكبيرة تكمنّ في خطورة إدراج اسم أحد الوزراء على لائحة العقوبات، لأنه سيستحيل إذ ذاك العمل مع الحكومة، مع مخاطر إدراج أسماء وزراء آخرين، في حال تواصلوا مع الوزراء المُدرجة أسماؤهم على لائحة العقوبات. وباعتقاد عجاقة، أن هذا السيناريو، على الرغم من وجود عناصر ومعلومات تذهب في اتجاهه، ينطوي على معضلة تواجه الإدارة الأميركية، لأن معاقبة أشخاص من الصفّ الأول سترّفع مستوى المواجهة بين واشنطن وبيروت، ما يناقض وضع لبنان في استراتيجية واشنطن الشرق أوسطية. وثمة احتمال (بحسب الأميركيين)، أن تعمد شخصيات الصفّ الأول إلى السير بخطوات قدّ تدفع بلبنان، إلى المحور المناهض لواشنطن. ولذا يستبعد عجاقة هذا السيناريو حالياً.
أما السيناريو الثاني - حسب عجاقة - فهو فرض عقوبات على شخصيات من الصف الثاني، أو شخصيات تعمل في الظل، وتابعة لـ«حزب الله» أو الأحزاب الموالية. هذه الشخصيات بمعظمها من رجال الأعمال، والمسؤولين الحزبيّين، يمسكون بزمام الأمور المالية في أحزابهم. ووفق الاستراتيجية الأميركية، يستهدف هذا السيناريو حلفاء «حزب الله» أكثر من الحزب بحد ذاته. والهدف إحداث شرخ بين «حزب الله» وحلفائه، عبر «جدوَلة» إدراج الأسماء (على مراحل)، عملاً بمبدأ العقوبات «الذكية» لضمان «خنق» هذه الأحزاب مالياً والحدّ من تحرّكها.
ويعتبر عجاقة، أن التداعيات المالية والاقتصادية ستكون هي نفسها في السيناريوهين، مع اختلاف قوّة هذه العقوبات، إذ إن السيناريو الأوّل أقوى بكثير. ومن هذه التداعيات، يُمكن ذكر تمويل بعض مشروعات «سيدر»، التي قد لا تجد مموّلين لها إذا رأت الولايات المُتحدة أن ثمة استفادة لهذه الأحزاب منها، بشكل أو بآخر. ثم هناك إمكانية الضغط الأميركي على سوق السندات الدولارية، ما يزيد الضغطّ الشعبي على هذه الأحزاب، وقد يعدّل نتائج الانتخابات النيابية المُقبلة. وهكذا، فالصورة التي تظهر من خلال الأحداث - أو يُسوّق لها – توحي بأن لبنان سيواجه كارثة مالية واقتصادية إذا ما قرّر مواجهة واشنطن، وسيصبح بمصاف الدول الخاضعة للعقوبات كإيران وسوريا وفنزويلا.
ويختتم عجاقة كلامه بالقول إن «زيارة الحريري لواشنطن جاءت على خلفية معلومات تشير إلى أن أسماء عشرات الشخصيات اللبنانية ستُدرج على لائحة العقوبات». ويتخوّف الحريري من أن يكون بينها وزراء في حكومته، ما قد يؤدي إلى إسقاط الحكومة. ولكن - على ما يبدو - أعطى الأميركيون تطمينات «مؤقتة» للحريري، الذي يعتبر، مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وقائد الجيش جوزيف عون، من أكثر الشخصيات موثوقية في واشنطن على الساحة السياسية اللبنانية.

قانون العقوبات و«حزب الله»

في الواقع عاشت الدولة اللبنانية طويلاً على وقع لوائح عقوبات أميركية صادرة عن «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» التابع لوزارة الخزانة الأميركية «أوفاك» OFAC تستهدف «حزب الله» قيادة وأفراداً. وأُقر في هذا السياق قانونان، هما «هيفبا 1» و«هيفبا 2»، ولوائح سبقتهما، وأخرى أتت عبر مراسيم تطبيقية لـ«هيفبا 1». لكن في 9 يوليو (تموز) من العام الحالي، شهد مسار العقوبات تحولاً، إذ الأول أدرج اسمي نائبين عن الحزب، هما أمين شري ومحمد رعد، على لوائح العقوبات، بتهمة «استغلال النظام السياسي والمالي اللبناني» لصالح حزبهما، وإيران الداعمة له.
واتهمت الإدارة الأميركية النائب شري «باستغلال منصبه الرسمي، لدفع أهداف (حزب الله) التي تتعارض في غالب الأحيان، مع مصالح الشعب والحكومة اللبنانيين»، إضافة إلى قيامه بتهديد أحد المصارف وعائلاتهم، بعدما جمّدوا أرصدة لعناصر «حزب الله»، مدرجة أسماؤهم على اللائحة السوداء، الصادرة عن «أوفاك». أما النائب رعد - رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، أي كتلة «حزب الله» النيابية - فاتُهم بإعطاء الأولوية لأنشطة «حزب الله»، وارتهان ازدهار لبنان. وشملت اللائحة أيضاً اسم وفيق صفا «الرجل الظل» لأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، وهو مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب.
إدراج الأسماء هذه يحظر على المواطنين الأميركيين التعامل مع أصحابها، ويجمّد أي أصول عائدة لهم في الولايات المتحدة، ويحد أيضاً من قدرتهم على الاستفادة من النظام المالي الأميركي. ولم تكتف وزارة الخزانة الأميركية بذلك، بل طالبت الحكومة اللبنانية أيضاً بوقف التعامل معهم. وسبقت الخطوة أعلاه، سلة من قوانين وتدابير لجأت إليها واشنطن، بالطرق الدبلوماسية والعسكرية والتشريعية والتنفيذية، عبر عقوبات اقتصادية ضد إيران وبرنامجها النووي ومنظومة صواريخها الباليستية، وكذلك تمدّدها عبر «حركات إرهابية» تابعة لها - حسب تصنيف الإدارة الأميركية - في دول عدة، منها لبنان والعراق وسوريا وصولاً إلى اليمن. ومن هذه الإجراءات الإضبارة W8E عام 1999، ثم الـ«باتريوت آكت»، إثر أحداث سبتمبر (أيلول) 2001. وإبان عهد الرئيس باراك أوباما، صِيغ مشروع قانون باسم «كاسندرا» تضمن ملاحقة «حزب الله»، لاتجاره بالمخدرات وتبييض الأموال، لكن مشروع القانون سُحب يومذاك حرصاً من أوباما على الاتفاق النووي مع إيران.
ولبنانياً، وضِع البنك اللبناني – الكندي عام 2011 على لائحة المؤسسات المصرفية المشبوهة. وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 أقرّ الكونغرس الأميركي القانون الرقم 2297 الذي يمنع «حزب الله» والكيانات المرتبطة به من النفاذ إلى مؤسسات مالية دولية ومؤسسات أخرى لأهداف مختلفة. ويتعهد القانون أشد العقوبات الأميركية على الحزب، وأي منظمة أو فرد تابع له، وأي مؤسسة مالية في أي مكان في العالم، تسهل أعماله عن دراية. وعند صدور هذا القانون، حصل إرباك على الساحة اللبنانية؛ حيث وقعت جمعية المصارف في مأزق، خوفاً على علاقتها مع المصارف المراسلة. وتحرّك السياسيون لإطفاء فتيل اشتعال أزمة حتمية بين المصارف و«حزب الله»، ولا سيما عند صدور اللوائح بأسماء الواجب تجميد وإقفال حسابتهم المصرفية.
وعلى الفور، شكلت لجنة نيابية لمعالجة الأمر ونقل حساسية المشهد اللبناني إلى الإدارة الأميركية، علّ وعسى يكون وقع القانون ليناً. وتوجهت جمعية المصارف لحماية قطاعها في جولة على المصارف المراسلة والإدارة الأميركية، وتأكيدها الالتزام بالقوانين والتشريعات الصادرة عنها، وكان لوزير المال علي حسن خليل زيارة لواشنطن، أيضاً، ناقلاً وجهة نظر الحكومة اللبنانية للإدارة الأميركية.
وفي إطار التحضير لـ«هيفبا 2» سربت مسوّدات عدة له، أبرزها إدراج أفراد منتمين إلى «حركة أمل» على لائحة العقوبات. ومن جديد، توجّه وفد نيابي إلى واشنطن ليشرح لمسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية حساسية الوضع، وأن لبنان لا يستطيع تحمل أن تفرض عقوبات على مناطق بلون سياسي وديني موحّد (الطائفة الشيعية). ومع أن الإدارة الأميركية تفهمت ما قاله الوفد، مضت قدماً في «هيفبا 2» الصادر عام 2017، والذي دخل حيز التنفيذ عام 2018، مقرّة إجراءات أكثر صرامة، كفرض عقوبات جديدة على أي كيانات يثبت دعمها للحزب، وإلزام الرئيس الأميركي إعداد تقارير سنوية في شأن ثروات قياديّي الحزب أو السياسيين المرتبطين به والمتحالفين معه، وفرض عقوبات على إيران و«حزب الله» لاستخدامهما المدنيين دروعاً بشرية، ودعوة الاتحاد الأوروبي إلى تصنيف «حزب الله» تنظيماً إرهابياً، وهو الإجراء اللافت. ومعروف أن دول أوروبا عمدت إلى التمييز بين الجناح العسكري لـ«حزب الله» والجناح السياسي. لكن هذا التمييز خرجت منه بريطانيا، وسارت لاحقاً بالقرار الأميركي، بينما ظلت ألمانيا وفرنسا حذرتين في هذا الأمر، بحجة وجود عدد كبير من مواطنيهما في قوات حفظ السلام في لبنان، وخوفاً من أي تهديد أمني لهم.

مصرف لبنان وتعاميمه

وعلى صعيد متصل، أدرك حاكم مصرف لبنان، بإجراءات استباقية جدية، القرارات المفروضة من الإدارة الأميركية، وسعى جاهداً لحماية موقع لبنان على الخريطة المالية العالمية، إذ أقر تعميمين...
- التعميم 136 - 2015، الذي طلب فيه من جميع المؤسسات الخاضعة لرقابته وترخيصه المراجعة المستمرة لأي تحديث على الموقع الإلكتروني لمجلس الأمن، فيما يتعلق بالأسماء المحددة والمدرجة على اللوائح الصادرة، بموجب قرارات مجلس الأمن 1267 (1999) و1988 (2011) و1989 (2011)، والقرارات اللاحقة، المتعلقة بهذا الخصوص واللوائح الصادرة عن لجان العقوبات الخاصة. والمبادرة تلقائياً وفوراً إلى تجميد الأموال أو الحسابات أو العمليات، أو الأصول الأخرى العائدة لأصحاب هذه الأسماء فور إدراجها، على أن تزوّد هيئة التحقيق الخاصة، خلال مهلة أقصاها 48 ساعة، بالإجراء الذي اتخذه المصرف.
- التعميم 137 – 2016، انطلاقاً من قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب 44 - 2015، والمادة 70 من قانون النقد والتسليف. ويرتكز هذا التعميم على نقطتين، هما تنفيذ القانون الأميركي، وتبرير إقفال أو عدم فتح حساب على أساس هذا القانون، لهيئة التحقيق الخاصة، لدى مصرف لبنان التي تتمتع باستقلالية وبصفة قضائية.
وبالفعل، أصدرت هيئة التحقيق الخاصة إعلاماً رقم 20 - 2016، جاء فيه «تداركاً لحصول أي إجراء أو تدبير تعسفي، من شأنه الإضرار بمصالح المودِعين والعملاء، ولا سيما عند إقفال حساب أي منهم، أو الامتناع عن فتح حسابات لهم، أو عدم التعامل معهم، يُطلب من المصارف والمؤسسات المالية ومؤسسات الوساطة المالية وسائر المؤسسات الملزمة بالإبلاغ، عدم اتخاذ أي تدابير لجهة إقفال أي حساب عائد لأحد عملائها أو الامتناع عن التعامل معه أو عن فتح أي حساب له قبل مرور 30 يوماً على إبلاغ (هيئة التحقيق الخاصة)، على أن يتضمن هذا التبليغ توضيحاً للأسباب الموجبة التي تبرّر اتخاذ هذه الإجراءات والتدابير. وفي حال لم يردْ أي جواب من (هيئة التحقيق الخاصة) خلال المهلة المذكورة أعلاه، يعود للمصارف وللمؤسسات المعنية اتخاذ الإجراءات المناسبة بهذا الخصوص».

أبرز الشخصيات على لائحة العقوبات

> عام 2015 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إدراج 3 رجال أعمال لبنانيين وشركتين مرتبطتين بهم على «اللائحة السوداء»، بذريعة أنهم يشكلون جزءاً من شبكة دعم لـ«حزب الله»، وواجهة لنشاطاته في لبنان والعراق. وهؤلاء هم؛ أدهم طباجة، ومجموعة «الإنماء» التي يمتلكها، وعلي حسين علي فاعور، وشركته «كار كير سنتر» CAR CARE CENTER التي يملكها مع قاسم حجيج.
وعام 2018 شهد للمرة الأولى في تاريخ «حزب الله»، وضع أسماء كامل قيادته السياسية على لوائح العقوبات التي أصدرتها المملكة العربية السعودية وشركاؤها، في مركز استهداف تمويل الإرهاب. وشملت العقوبات تجميد أرصدة قادة الحزب. وفي مقدمهم الأمين العام حسن نصر الله، ونائبه نعيم قاسم، ومحمد يزبك، وحسين خليل، وإبراهيم أمين السيد، وطلال حمية. وأيضاً عام 2018 شهد إدراج اسم محمد جواد نصر الله، نجل حسن نصر الله على لائحة العقوبات.
وعام 2019 أُدخل قطاع الصيرفة على خط العقوبات، عندما أدرجت واشنطن اسم قاسم محمد شمس على لائحة العقوبات، بتهمة نقل أموال نيابة عن منظمات تهريب المخدرات و«حزب الله».
وفي العام نفسه، أدرجت الإدارة الأميركية كلاً من النائبين أمين شري، ومحمد رعد، والقيادي وفيق صفا، على لائحة العقوبات. وخلال فترة وجيزة أدرج اسم قيادي آخر في «حزب الله»، هو سلمان رؤوف سلمان، المتهم «بتنسيق الهجوم المدمّر في بيونس آيرس عاصمة الأرجنتين على أكبر مركز يهودي في أميركا الجنوبية قبل 25 سنة»، بحسب ما جاء في بيان وزارة الخزانة الأميركية.
وأخيراً، حكم على قاسم تاج الدين، بالسجن 5 سنوات، وبدفع غرامة 50 مليون دولار، وهو الذي اتهم سابقاً بغسل الأموال لصالح «حزب الله»، مع حاتم بركات، وكان اسم تاج الدين قد أدرج على لائحة الإرهاب عام 2009، وأوقف عام 2018 في المغرب.



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.