خطط الهند لبناء معسكرات احتجاز كبيرة تخيف مسلميها

سيدات مسلمات شاركن في مظاهرة بكشمير (نيويورك تايمز)
سيدات مسلمات شاركن في مظاهرة بكشمير (نيويورك تايمز)
TT

خطط الهند لبناء معسكرات احتجاز كبيرة تخيف مسلميها

سيدات مسلمات شاركن في مظاهرة بكشمير (نيويورك تايمز)
سيدات مسلمات شاركن في مظاهرة بكشمير (نيويورك تايمز)

يتعرض أكثر من أربعة ملايين شخص في الهند، معظمهم من المسلمين، لخطر اعتبارهم مهاجرين أجانب، في الوقت الذي تدفع فيه الحكومة بأجندة قومية هندوسية تتحدّى تقاليد التعددية في البلاد وتهدف إلى إعادة تعريف معنى أن تكون هندياً.
انطلقت عملية البحث عن المهاجرين في ولاية «آسام»، وهي ولاية فقيرة جبلية بالقرب من الحدود مع ميانمار وبنغلاديش. فقد ولد الكثيرون ممن تشكك الحكومة الهندية في جنسيتهم في الهند، ويتمتعون بجميع حقوق المواطنة، منها التصويت في الانتخابات.
وتعمل سلطات الدولة على التوسع وبسرعة كبيرة في إنشاء محاكم الأجانب وتخطط لبناء معسكرات اعتقال ضخمة جديدة، واعتلقت مئات الأشخاص للاشتباه في كونهم مهاجرين أجانب، بمن فيهم قدامى المحاربين المسلمين في الجيش الهندي. ويقول ناشطون ومحامون محليون إن الرعب من الوجود في قائمة أولية من هذا النوع واحتمال الزج في السجون قد دفع العشرات إلى الانتحار.
لكن الحزب الحاكم الذي يترأسه رئيس الوزراء ناريندرا مودي لم يتراجع، وبدلاً من ذلك، تعهد بتنفيذ هذه الحملة لإجبار الناس على إثبات أنهم مواطنون في مناطق أخرى من الهند في إطار برنامج قومي هندوسي بعيد المدى يغذيه انتصار مودي الكاسح في إعادة انتخابه في شهر مايو (أيار) الماضي وشعبيته الكاسحة.
تتزايد مخاوف الأقلية المسلمة في الهند يوما بعد يوم، حيث شهد إقليم آسام عن كثب عمليات توثيق المواطنة التي بدأت منذ سنوات، ومن المقرر أن تختتم في 31 أغسطس (آب) لتشهد على انتكاسة جديدة للمسلمين هناك.
قبل أقل من أسبوعين، قضى مودي على الطبيعة الديموغرافية للولاية الوحيدة في الهند ذات الغالبية المسلمة «جامو وكشمير» بعدما ألغى الحكم الذاتي، وحولها إلى منطقة فيدرالية دون تشاور مع قادتها المحليين الذي تعرض العديد منهم للاعتقال لاحقاً.
وتعرّض مودي إلى انتقادات على خلفية الأحداث التي شهدتها كل من آسام وكشمير، التي أوضحت أن رئيس الوزراء - بحسب ما يرى البعض - قد استغل الأشهر الأولى من فترة ولايته الثانية في دفع الأجندة الهندوسية القومية الأكثر تشدداً وتقسيماً على الإطلاق في الهند لإعادة مفهوم الهوية الهندية ليكون مرادفاً للهندوسية. يرى الكثير من الهنود، على طرفي الانقسام السياسي، أن آسام وكشمير مؤشران على الاتجاه الذي سيأخذه مودي في دولة سيبلغ تعداد سكانها 1.3 مليار نسمة في السنوات المقبلة.
الغرض المعلن من لائحة المواطنة في إقليم آسام هو العثور على مهاجرين غير شرعيين من بنغلاديش، وهي دولة جارة ذات غالبية مسلمة في الجنوب. وقد أشار أميت شاه، وزير الداخلية الهندي القوي، مراراً وتكراراً إلى هؤلاء المهاجرين بوصفهم «حشرات».
تحتم على العديد من سكان آسام، البالغ عددهم 33 مليون نسمة، الإثبات بأدلة وثائقية أنهم وأسلافهم كانوا مواطنين هنود بداية عام 1971 عندما تأسست بنغلاديش بعد الانفصال عن باكستان، وهو ليس بالأمر الهين. ولذلك، تتسابق العديد من العائلات للحصول على سندات ملكية تمتد لعقود من الزمن أو شهادات ميلاد مزيفة تحمل اسم أسلافهم.
علاوة على ذلك، حاولت حكومة مودي إقرار مشروع قانون في البرلمان ينص على إعفاء الهندوس والبوذيين والمسيحيين وأتباع الديانات الأخرى من الإجراءات السارية، لكنه يستبعد المسلمين.
ويقول منتقدو مودي إنه يلعب لعبة خطرة ويفكك النسيج الاجتماعي المتنوع والحساس الذي كان قائماً في الهند منذ قرون.
تمتد الجذور السياسية لرئيس الوزراء إلى حركة قومية هندوسية تؤكد على سيادة الدين، وتتمتع هذه النظرية بتاريخ طويل من الانقسام بين الأغلبية الهندوسية في البلاد والأقلية المسلمة، والتي تنفجر في بعض الأحيان على هيئة أعمال عنف. وتعرضت ولاية آسام لمشكلات خاصة وسفك دماء عرقي.
أصيبت نور بيغوم، التي كانت تعيش في قرية صغيرة في منطقة غارقة في الفيضانات، بالاكتئاب بعد أن اكتشفت أنها ووالدتها قد استبعدتا من قوائم الجنسية، وهو ما لم يحدث مع والدها وإخوانها السبعة. لم يكن لما حدث أي معنى، إذ ماذا يعني أنهم جميعاً ولدوا وعاشوا في نفس المكان، ثم يكتشفون أن بعضهم هندي والبعض الآخر أجانب يقيمون بصورة غير قانونية؟
يقول والدها عبد الكلام، وهو عامل متقاعد: «بالطبع كانت هندية». وتابع: «كانت تغني الأغاني الوطنية الهندية في المدرسة. هي هندية حتى النخاع». وفي صباح أحد الأيام المشرقة في شهر يونيو (حزيران)، قامت نور بشنق نفسها في سن الرابعة عشرة.
الكثير من المسلمين في كشمير يائسون كذلك، فبعد أن أنهت حكومة مودي الحكم الذاتي لكشمير، خرج الآلاف من الكشميريين الغاضبين إلى الشوارع لكنهم ظلوا محبوسين بسبب الانتشار الكثيف لقوات الأمن وتعتيم الاتصالات.
لطالما كانت كشمير نقطة ساخنة، فالهند وباكستان تسيطران على أجزاء مختلفة منه وحدث مرات عديدة أن دفعت التوترات الخصمين المسلحين نووياً إلى الحرب أو الاقتراب منها بشكل خطير. رغم أن الحكومة الهندية خففت بعض القيود المفروضة على الاتصالات في الأيام القليلة الماضية، فإن مئات المثقفين الكشميريين ما زالوا قيد الاعتقال وباكستان تعاني من حالة غضب شديدة.
يميل التوتر مع باكستان إلى زيادة الحظوظ السياسية لمودي، إذ إن موقفه القوي ضد العدو رقم واحد للهند يعزز صورته كوطني لا يتزعزع، وكأحد أهم وأقوى رؤساء الوزراء الذين شهدتهم الهند منذ عقود.
لا يعترض الكثيرون في الغالبية الهندوسية في الهند على السياسات القومية الهندوسية التي يتبناها مودي ولا يفكرون فيها كثيراً، لكنهم يشيدون بما يرونه خطوات واسعة قام بها في محاربة الفقر وعرض صورة أكثر قوة عن الهند على المسرح العالمي.
لكن المنتقدين يقولون إن معتقداته القومية الهندوسية أمر أساسي بالنسبة له، وإنه تعمد خلق الانقسام للفوز بأصوات الأغلبية الهندوسية. تبلغ نسبة الهندوس في البلاد نحو 80 في المائة، فيما لا تتخطى نسبة المسلمين 14 في المائة. ويشكل المسيحيون والسيخ والجاين والبوذيون باقي السكان.
وحاولت أقلية صغيرة لكنها عالية الصوت تضم المثقفين اليساريين والقادة المسلمين والسياسيين المعارضين تحويل الرأي العام ضد سياسات مودي، لكن دون نجاح كبير.

* خدمة «نيويورك تايمز»



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».