مهرجان لوكارنو... أفلام تجمع بين الفن والبحث عن الهوية

يحتفي بدورته الثانية والسبعين

 فتاة تدافع عن نفسها في «الفتاة ذات الأساور»
فتاة تدافع عن نفسها في «الفتاة ذات الأساور»
TT

مهرجان لوكارنو... أفلام تجمع بين الفن والبحث عن الهوية

 فتاة تدافع عن نفسها في «الفتاة ذات الأساور»
فتاة تدافع عن نفسها في «الفتاة ذات الأساور»

يمكن النظر إلى الدورة الثانية والسبعين من مهرجان لوكارنو، تلك التي بدأت في السابع وتنتهي في السابع عشر من هذا الشهر على أنها دورة ينتمي معظمها إلى تقليد الدورات السابقة وإلى المفهوم العام لهوية هذا المهرجان السويسري، وبعضها إلى محاولة المدير الفني الجديد، السيدة ليلي هنستين، توفير التجدد المنشود الذي عادة ما يأتي مع كل مدير فني جديد يحتل مقعده خلفاً لآخر سابق.
هي المدير الثالث عشر في سلسلة من تولوا إدارة هذا المهرجان الذي طرح نفسه قبل سبعة عقود كصلة وصل أولى بين السينما الجديدة والجمهور وآل على نفسه، اكتشاف المواهب التي لم تتح لها سابقاً فرصة الظهور دولياً في المحافل والمناسبات المشابهة. تم اختيار الأفلام من تلك التي تنتمي إلى مخرجين لم يمارسوا عملهم هذا أكثر من مرّة أو مرّتين وبذلك شق طريقه المختلف عن باقي المهرجانات الرئيسة حول العالم على هذا النطاق وبرهن عن جدارته.
لكن ماذا تفعل لو قرر مهرجان صندانس الأميركي توسيع دائرة أعماله التي كانت لحين ليس بالبعيد محلية الاهتمام لكي تجذب إليها الأفلام الشابة الآتية من كل أنحاء العالم؟ لوكارنو في السنوات الأخيرة خسر بعض حضوره نسبة للمنافسة التي تعرض لها من جانب صندانس.
تبعاً لذلك أقدم بدوره على تعزيز حضور الأفلام غير المنتمية إلى شرطه الأساسي على أساس عرضها في أقسام خارج المسابقة.
لهذا السبب نجد أن برنامجه هذه السنة يتكل على أفلام من خارج الهوية الخاصة به تماماً كما حال الدورات القليلة الماضية التي قام فيها كارلو شاتريان بإدارة هذا المحفل منذ سنة 2013 وهو اختار قبول عرض لا يمكن رفضه من مهرجان برلين الأكبر حجماً وعالمية مغادراً صرح لوكارنو الذي تم تأسيسه سنة 1946.

مزيج من الاهتمامات
على هذا الأساس سنجد، وإلى جانب أفلام مجموعة كبيرة من المخرجين الجدد، مجموعة كبيرة أخرى من الأفلام التي حققها سينمائيون معروفون وبعضها سبق وأن عُرض في مهرجانات سابقة هذا العام. سنجد مثلاً فيلم «ذات مرة في هوليوود» لكونتِن تارنتينو الذي كان جوهرة مهرجان «كان» السينمائي و«عشب أكثر اخضراراً» الذي سبق وأن عرضه مهرجان صندانس نفسه. بالإضافة إلى فيلم «7500» لباتريك فولراث الذي سبق وأن أنجز بعض الأفلام سابقاً وإن لم يتمتع بعد بحيز اهتمام كالذي يوليه له مهرجان لوكارنو.
ويوظف المهرجان الاحتفاء الذي يقيمه للممثلة هيلاري سوانك لتقديم عدد من أفلامها المعروفة ومن بينها «مليون دولار بايبي» لكلينت إيستوود و«الأولاد لا يبكون» للكمبرلي بيرس.
على أن الاهتمام بالمواهب الجديدة ما زال هو النطاق الأهم في حياة هذا المهرجان السويسري الذي يقع في منتصف الروزنامة بين مهرجان كارلوفي فاري التشيكي ومهرجان فينيسيا الإيطالي. في هذا الصدد سنجد 17 فيلماً في المسابقة الدولية قادمة من اليابان والبرتغال وإسبانيا وواحدا مقدما باسم سوريا عنوانه «في الثوثرة» لمايا خوري وآخر من بلغاريا (مع مساهمة بريطانية وفرنسية) بعنوان «قطة على الجدار» لمينا ميليفا وفاسيلا كازاكوفا.
وكما الحال في كل مهرجان آخر فإن هناك فجوة بين الأفلام المنتقاة وبين نجاحها في عرض ما ترغب في عرضه أو في تأمين المستوى المتوقع. صحيح أن اختيار اللجان المسؤولة يسعى جاهداً لتوفير مجموعة ناجحة فنياً من الأفلام المتوفرة لكن ما يحدث كذلك أن هذا السعي لا يكتمل أحيانا على نحو كامل.
يوفر فيلم «الفتاة ذات الأساور» قدراً كبيراً من الترقب في وضع فتاة متهمة بارتكاب جريمة هي بريئة منها. الفيلم هو اقتباس فرنسي لستيفاني ديموستييه عن فيلم أرجنتيني بعنوان «المتهمة» قام غونزال توبال بتحقيقه وتم عرضه في مهرجان فينيسيا في دورة العام الماضي. المعضلة هنا هي معرفة ما إذا كانت المخرجة الفرنسية أعجبت بالموضوع الذي وفّره ذلك الفيلم بحيث سارعت لتقديمه بنسخة فرنسية أم لا. على ذلك، فيلمها ليس استنساخاً لفيلم توبال بل تم تحييد الكثير مما ورد هناك من أحداث وصب اهتمامها على القضية ذاتها سعياً لا لاتهام الفتاة بل للتأكيد على أن الدلائل المساقة لا تكفي للإدانة.
في المسابقة الدولية تم عرض الفيلم الياباني «فتاة مختفية» لكوجي فوكادا (الذي سيعرضه مهرجان نيويورك لاحقاً). يشتغل المخرج فوكادا على الأجواء الغامضة مفضلاً تغييب الحقائق التي تفصل بين امرأة تعيش زمانين مختلفين (الممثلة ماريكو تسوتسوي). هناك الكثير مما يرد في نصف الساعة الأولى ما يؤسس لحكاية غامضة الدوافع بشخصيات تقدم على التصرف أولاً ثم التبرير ثانياً. هو فيلم جيد إذا ما تيسر ربط خيوط الحكاية ذات العلاقات الاجتماعية المتعددة بعضها ببعض وأقل من ذلك بعض الشيء إذا لم يتسن ذلك الربط.
في المسابقة الدولية شاهدت «ليل بلا نهاية» للمخرج إيلوي إنثيسو. تسعون دقيقة لدراما ذات منحى لافت للاهتمام وجدير بالتقدير. ليس هناك من حكاية بقدر ما هناك من مواقف. عودة رجل اسمه أنكسو إلى قريته الريفية تفتح باب التساؤلات حوله وحول التاريخ. هذه الحكاية تصلح لأن تكون مادة تقع أحداثها في أي بلد حول العالم، لكن المميز هنا هو أن الفيلم ينتمي إلى منطقة تقع على الحدود بين بولندا وأوكرانيا اسمها غاليسيا كانت، حتى سنة 1921 ملكاً لمن يستولي عليها مع العلم أنها كانت مملكة خلال قرون بعيدة (الثاني عشر وما بعد).
ما يتبادله الممثلون هنا يفيد في إلقاء نظرة على التاريخ والحاضر معاً. الشخصيات تبدو دائماً غير راضية. الفقر منتشر والحروب المتتابعة ما زالت تترك علاماتها على وجه شعب لا يشعر بأنه يريد الانتماء إلا لنفسه. المشكلة هي أن «نفسه» تلك لم تعد حاضرة ككيان.
مثله في تقديم حكاية شخصيات تبحث عن انتماءاتها نجد «الظرافة» التي تقع غالبية أحداثه في جزيرة لولاند الهولندية وتتحدث عن امرأة ألمانية تزور الجزيرة الصغيرة لكي تجري تحقيقاً حول مصير أبناء الجزيرة إذا ما تم بناء جسر مزمع يربطها بألمانيا. كيف سيشعرون؟ ما هي التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي ستقع في إطار حياة هؤلاء وما إذا كان المشروع سيؤدي إلى زعزعة استقرار بعض الذين تقع المنطقة التي يعيشون فيها عند الجسر أو قريباً منه.
هو ليس بالموضوع الذي يثير الاهتمام بحد ذاته، لكن المخرجة آنا صوفيا هارتمان تنجح في جعله كذلك. لديها الرغبة في الكشف عن كيف تؤدي قرارات تبدو لمتخذيها مهمة ومفيدة إلى ضياع هوية المواطنين الذين سيتعرضون لنتائج تطبيق تلك القرارات.

تيارات
> ما زالت مسألة سيادة ستديو ديزني على الإيرادات الأميركية والعالمية تشغل بال هوليوود على أساس أن المسألة باتت احتكاراً أكثر منها منافسة. هذا في ضوء تقرير جديد وجد أن لا فيلم من بين ما أنتجته الشركات الأخرى (مثل وورنر أو يونيفرسال) تجاوز سقف الـ300 مليون دولار محلياً.
> سيتم منح المخرج الفرنسي كوستا - غافراس جائزة شرف في مهرجان فينيسيا المقبل. مخرج «زد» و«علبة الموسيقا» و(الفيلم المنسي) «هانا ك.» سيعرض كذلك فيلمه الجديد «راشدون في الغرفة» (Adults in the Room).
> كشف الممثلان جوش غاد وجيمس كوردن عن عدد من الأفلام التي كادا أن يقوما بالاشتراك في تمثيلها لولا أنهما طردا منها. من بين هذه الأفلام «هوبس وشو» و«ذات مرة في هوليوود». هناك مقطع متداول لهما في مشهد تجربة قاما به لحساب كونتن تارنتينو حيث فشل أحدهما في إشعال سيجارة. حسب قولهما إن المخرج سارع بعد ذلك باستبدالهما من خلال براد بت وليوناردو ديكابريو!
> 14 فيلماً جديداً سيتم عرضها بدءاً من يوم غد في الولايات المتحدة بينها سبعة ستتمتع بتوزيع شامل من بينها فيلم تقوم ابنة المخرج كلينت إيستوود (واسمها فرنشيسكا) ببطولته بعنوان Awake



السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
TT

السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)

ليس هناك فرق يُذكر بين أن يخترع العالِم فرانكنستين وحشاً بأدوات بدائية (مثل إيصال الجسد الميت بالكهرباء التي توفِّرها الصواعق)، وبين أي روبوت أو أندرويد أو آلة ذكاء اصطناعي من تلك التي تحوّلت إلى واحدة من حقائق العصر.

في كل الحالات، لا تعدو المسألة أكثر من صنع كيان بشري أو حاسوبي أو رقمي، يكون أقوى، بدنياً أو ككيان معلوماتي، ثم إطلاقه في مواجهة قدرات الإنسان العادية. الرغبة في التفوّق، ولو عبر ابتكار هذا «الآخر»، تدفع العلماء إلى إنجاز ذي وجهة واحدة: شيء يمارس الحياة من دون أن يكون حياً بالفعل، ويتفوَّق على الإنسان قوةً أو ذكاءً.

الروبوت في السينما ليس وليد تطوُّر علمي فحسب، بل هو نبوءة أيضاً. فقد قدَّمت الأربعينات عدداً كبيراً من أفلام الخيال العلمي حول مصنوعات آلية لديها القدرة على الحركة. ثم تطوَّر مفهومها نحو قبولها شريكاً مؤيِّداً للإنسان، كما في سلسلة «ستار وورز»، بفضل شخصية الروبوت الذكي والظريف «C-3PO».

هالي جويل أوزمنت في «ذكاء إصطناعي» (وورنر برذرز)

فكرة قديمة

عندما أخرج ستيڤن سبيلبرغ فيلمه الجدير بالاحتفاء «ذكاء اصطناعي» (A.I.: Artificial Intelligence) 2001، بدا كما لو كان أول فيلم يتحدَّث عن روبوت مُحمَّل بالذكاء والمشاعر. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً، إلا من حيث كونه من أوائل الأفلام التي تتناول شخصية روبوت على امتداد الأحداث.

وضع هذا الفيلم في سياقه التاريخي الصحيح يكشف أنه واحد من أفلام عدِّة ظهر فيها روبوت أو مخلوقات مصنوعة. والحقيقة أن الفارق بين رواية ماري شيلي «فرانكنستين» (1818)، وبين الصبي ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» (كما أدّاه هايلي جويل أوزمنت) يقوم على الفكرة نفسها؛ الاختلاف قصصي، لكن المنبع واحد، وكذلك الدلالات.

كان المخرج ستانلي كوبريك قد قرأ رواية برايان ألديس القصيرة «Supertoys Last All Summer Long» المنشورة سنة 1969، وضمَّها إلى مشروعاته التي كان ينوي تحقيقها، قبل أن يهبها لسبيلبرغ. وباعتراف الأخير، في مقابلة أجريتها معه عام 2001، (واحدة من 5 مقابلات بدأت عام 2000)، ذكر أن نحو نصف الساعة الأولى من الفيلم (الذي تبلغ مدته 146 دقيقة) مأخوذ من السيناريو الذي أوصى كوبريك بكتابته، وكذلك آخر عشرين دقيقة. وهذه الأجزاء، في الواقع، هي من أفضل ما في الفيلم.

الروبوت «C‪-‬3 PO» شريك في أحداث «ستار وورز» (لوكاس فيلم)

استعارة

بعد بدايته، يواجه الفيلم مشكلة عميقة، إذ يتحوَّل، بشكل غير مُعلن، إلى سرد لحكاية الإيطالي كارلو كولودي «بينوكيو» (1881). كلا العملين يدور حول دمية، وكلاهما يبحث عن وسيلة للتحوُّل إلى إنسان.

لا يروي الفيلم أحداث «بينوكيو» حرفياً، لكنه يحتوي على خلاصتها وفحواها. فسعي بينوكيو وديڤيد إلى التحوُّل إلى بشر (الأول من دمية، والثاني من روبوت) واحد، وكذلك مشاعرهما العاطفية خلال تلك الرحلة، واكتشاف كلٍّ منهما أنه لا أحد مستعد لمبادلته الحب في عالم يعجز عن توفيره.

لقد طردت العائلة ديڤيد، الذي تبنَّته، وتركته في العراء. لكنه ليس مجرد روبوت عادي، بل مُزوَّد بالمشاعر الإنسانية ليؤدي دوره بإقناع. أراد أن يثبت جدارته للأم التي لم تلده؛ أحبها وتمنَّى أن تبادله الحب. لكن العائلة لم تستطع قبوله بعد عودة ابنها الحقيقي، فقرَّرت التخلِّي عنه.

رحلة ديڤيد للتحوُّل إلى إنسان تمتد مئات السنين، قضاها في أعماق البحر، إلى أن تعثر عليه مخلوقات فضائية تهبط إلى الأرض بعد دمارها، فتُعيد بناءه وتمنحه فرصة اللقاء بأمِّه بعد إحيائها.

الرغبة في التفوُّق تدفع الإنسان لابتكار كيان يحاكي الحياة ويتفوّق عليه

شبيه آخر

لسبيلبرغ اهتمام خاص بموضوعي الطفولة والعائلة، وهو اهتمام نابع من تجربة شخصية عميقة. فقد كان في الـ15 عندما انفصل والداه، وترك ذلك أثراً كبيراً انعكس في عدد من أفلامه اللاحقة، مع لوم غير مباشر لوالدته، كما في «مبارزة» (Duel)، و«لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) 1977.

في أفلام أخرى، مثل «شوغرلاند إكسبرس» (1974)، تبدو العائلة ككتلة متماسكة، بينما تقترب من التفكك الكامل في «اللون الأرجواني» (The Color Purple) 1985.

«ذكاء اصطناعي» في جوهره أكثر من كونه قراءة مستقبلية شبيهة بما قدَّمه كوبريك في «2001: أوديسة الفضاء» (1968). إنه فيلم عن طفولة تحتاج إلى أم لتستحق الحياة.

ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» لا يختلف كثيراً عن «جيم» في «إمبراطورية الشمس» (Empire of the Sun)، الذي أخرجه سبيلبرغ في 1987، حيث أدَّى كريستيان بيل دور الصبي الذي استيقظ يوماً ليجد نفسه منفصلاً عن والديه، اللذين اضطُرَّا إلى الهرب من الصين بسبب الغزو الياباني.

ما يعنيه ذلك أن ديڤيد لم يكن بحاجة إلى أن يكون روبوتاً ليقود بطولة الفيلم؛ فالحكاية يمكن أن تحدث لأي طفل يجد نفسه وحيداً في هذا العالم، باحثاً عن الحنان الذي يفتقده.


شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)

THE LONELIEST MAN IN TOWN

★★★1‪/‬2

* إخراج:‫ تيزا كوڤي، راينر فريمل| ألمانيا (2026)‬

البلوز زارته يوماً... وبقي فيه

لمن لا يزال غير ملمّ بـ«البلوز» كنوع موسيقي، فهو ذلك الغناء الحزين الذي انطلق في مطلع القرن الماضي، ولا يزال حاضراً حتى اليوم. لم يتفق المؤرخون على نشأته بدقة، لكن المؤكد أنه ارتبط بمشاق الحياة لدى السود الأميركيين، وتناول موضوعات تتراوح بين الوقوع في براثن العنصرية والفقر، وسوء الطالع (كما يغني ألبرت كينغ: «لولا سوء الحظ، لما كان لديّ حظ على الإطلاق»)، أو الاستيقاظ يوماً وحيداً بعد هجران الحبيبة.

بطل هذا الفيلم الألماني مغنّي بلوز (أبيض) تأثر بهذا الفن، وغنَّى له، وعاش حياته مخلصاً له بالكامل. لديه جمهور صغير في نادٍ ليلي، ويعيش وحيداً بلا عائلة أو أهل أو أصدقاء. ليس مجرد رجل حزين ومنطوٍ، بل إن البلوز، كما تقول إحدى الأغنيات، زاره يوماً واستقر فيه.

الممثل الذي يؤدي الدور، إلويس كوخ، ليس شخصية خيالية بل حقيقية، وهذا يمنح الفيلم مسحة تسجيلية واضحة، رغم أن العمل يمزج بمهارة بين تلك البصمة والمنحى الروائي. يتابع الفيلم حياته في عمارة آيلة للهدم، وهو آخر من بقي فيها، فيضطر إلى بيع أثاثه وتسجيلاته وأدواته الموسيقية، وكلها أجزاء من تاريخه وهويته. يتابعه الفيلم عبر سلسلة من المواقف التي لا تؤلِّف حبكة تقليدية، بل تنقل وحدة حياة أسلوب المخرجين هادئ الإيقاع، متماسك البناء، كلاسيكي التنفيذ.

بعد أن يبيع ما استطاع من ممتلكاته، لا يبقى لديه سوى غيتاره ورغبته في السفر إلى أميركا والانضمام، كما يقول، إلى أصدقائه هناك. غير أن هذه الصداقات رمزية، إذ لا يعرف شخصياً أياً من ملوك البلوز وفنانيه... لكنه، في النهاية، رجل وحيد يسعى إلى تحقيق حلمه.

28 YEARS LATER‪:‬ THE BONE TEMPLE

★★★

* إخراج: نيا داكوستا | الولايات المتحدة (2026)

«زومبيز» المستقبل يقودهم شيطان

بدايةً، كان هناك «بعد 28 يوماً» (2003)، أخرجه البريطاني داني بويل وكتبه أليكس غارلاند. تبعه عام 2007 «بعد 28 أسبوعاً»، من إخراج الإسباني خوان كارلوس فريسناديلو، ثم، وبعد غياب، جاء الجزء الثالث «بعد 28 عاماً» في العام الماضي، مع عودة داني بويل إلى الإخراج.

«بعد 28 سنة: معبد العظام» (سوني)

الفيلم الجديد هو الرابع في السلسلة، والثاني ضمن ثلاثية جديدة تستخدم الشطر الأول من العنوان «بعد 28 عاماً»، على أن يستكمل الفيلم المقبل، المقرر عرضه العام القادم، هذه الثلاثية.

إنها نهاية العالم كما نعرفه؛ عالم لم يعد آمناً بعد سقوط ما كان سائداً من نظم وقوانين. هكذا، ومع كل جزء، يزداد «الزومبيز» قوةً وخطراً، وإن كانت الأحداث، منذ الجزء الثالث وهذا الفيلم، قد انتقلت إلى الغابات البريطانية الشمالية، بعدما أغلقت لندن على نفسها وأصبحت قلعةً لا يدخلها أحد، ومن يغادرها لا يعود.

يتناول الفيلم الجديد تشكَّل نظام بديل يقوم على الإلحاد وعبادة الشيطان. بطله الدكتور كلسون (راف فاينس)، الذي يسعى إلى فهم أسباب الوباء، في وقت يعجز فيه عن شفاء نفسه. الحكاية هنا تركِّز على الحرب ضد الزومبيز بالصورة التقليدية التي عرفناها في هذه السلسلة وغيرها، بقدر ما تتجه نحو طرح مسائل تمزج بين المعتقدات والممارسات العنيفة لأتباعها.

في خضم ذلك، يتبنى الفيلم تصوراً يتنبأ بأن العالم ماضٍ إلى ما نخشى أن يصير إليه، ولا مفرّ من ذلك. ويترافق هذا التصور مع جرعة عالية من العنف والمشاهد الدموية، التي تبدو، في الجزأين الأخيرين، عنصراً أساسياً في البناء.

النقلة الأبرز هنا هي التوسع في تناول شؤون موازية، من الطبيعي أن تنشأ في مجتمعات كهذه. في مجمله، يقف الفيلم بين التحذير والإلهاء، غير أن إخراج داكوستا متماسك، مدعوم بأفكار لا تتوقف عن التطور.

THE BRIDE

★★

* إخراج:‫ ماجي جيلنهال | الولايات المتحدة (2026)‬

عودة إلى عالم فرانكنستين مع الروك أند رول

ثاني فيلم يصل إلينا خلال 6 أشهر عن شخصية فرانكنستين: الأول لغِييرمو دل تورو «فرانكنستين»، والثاني «العروس» لماجي جيلنهال. الأول ليس أكبر حجماً فحسب، بل يتفوق فنياً ودرامياً في مختلف جوانبه، في حين يبدو الفيلم الجديد، بالمقارنة، أشبه بشبح باهت. صحيح أن الممثلة جيلنهال، في ثاني تجاربها الإخراجية بعد «The Lost Daughter» قبل 4 أعوام، تقدِّم عملاً يحمل بعض الخصائص الفنية والمضامين، غير أنه يشبه العلكة التي لا يعرف المرء لماذا اعتاد عليها.

من «العروس» (وورنر برذرز)

جيسيكا باكلي (فازت بالأوسكار قبل نحو شهر) تؤدي دور المؤلفة الروائية ماري شيلي، وكذلك دور العروس التي يرغب مخلوق فرانكنستين في أن تكون له. تدور الأحداث في ثلاثينات القرن الماضي، مع كمٍّ كبير من الحوار يكفي لمسلسل تلفزيوني، وبعض الإشارات إلى قضايا حقوق المرأة. لكن لا شيء يلتئم تماماً، ولا يقدّم الفيلم تفسيراً مقنعاً لفواصل مهمة من الأحداث.

يتكئ الفيلم على استعادة رائعة جيمس وايل «عروس فرانكنستين»، مما يدفع من شاهد ذلك العمل الرائع إلى التساؤل عن اقتباس لا يرتقي إلى مستوى الأصل. وهذا واحد من تساؤلات عدة يمرّ عليها الفيلم من دون إجابات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).