الروائي أحمد عبد اللطيف: المعري ودانتي وبورخيس وطه حسين يعيشون بداخلي كأفراد من عائلتي

العمى كان موجوداً في محيط عائلته منذ أن أدرك الحياة

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف
TT

الروائي أحمد عبد اللطيف: المعري ودانتي وبورخيس وطه حسين يعيشون بداخلي كأفراد من عائلتي

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف

يهدي الكاتب المترجم المصري أحمد عبد اللطيف روايته الأخيرة «سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج»، الصادرة حديثاً عن دار «العين»، لوالدته لأنها «تُبصر ما لا يُرى»، مستحضراً في فضائها الأسطوري أبا العلاء المعري وطه حسين ودانتي وبورخيس.
لماذا هؤلاء بالذات؟
هنا حوار معه حول روايته الجديدة، ومعالجته للعلاقة بين العمى والبصيرة، ومبرره الفني في استحضار كل هذه الشخوص.
> في الرواية معالجة فنية لفكرتي «البصر والبصيرة، والرؤية والمحجوب»... حدثنا عن هذه الثنائية، وتأثيرها عليك.
- العمى كان موجوداً في محيط العائلة منذ أدركت الحياة. في البداية، كان لي خال أعمى، يزورنا باستمرار مع ابنه الذي يماثلني في العمر. أتذكر أني كنت في الخامسة أو السادسة عندما لاحظت عماه، وعينيه الشاردتين اللتين لا تنظران لي بينما يحدثني. كانت عيناه واسعتين سوداوين لدرجة لا يمكن معها تخيل عماه، وأنا لم أكن أفهم ما معنى أن تكون عيناه كذلك من دون أن يبصر. في أوقات كثيرة، كنت أعطيه كتاباً ليقرأ؛ كنت أود أن أثبت لي وله ولهم أنه يرى كما أتصور، فكان يرد الكتاب إليّ ويطلب مني أن أتهجى له الكلمات، فكنت أفعل وكان ينطقها. خالي أصابه العمى في حرب 67، ونجا بحياته بمعجزة. خرج من بيته مبصراً، وعاد كفيفاً يجره رجل لا نعرفه. وفي عام 78، ولدت أنا وكان العمى قد استقر، وتكيف هو معه. هذا الرجل حيرني كثيراً بعينيه الخاليتين من البصر، مع قدرته الفائقة على البصيرة، على التوقع والتنبؤ، على الحكمة. ثم مع مرور السنوات، لم يتبقَ لديّ إلا أثر الذكرى، ذكرى تجددت في السنوات الأخيرة حين صارت أمي شبه عمياء، ترى العالم بقلبها من وراء حاجز أحاول اختراقه. وبين خالي وأمي، ملأت هذه السنوات شخصيات حملت لها كثيراً من الود والتقدير. ففي مراهقتي، اهتممت بـطه حسين، بمشروعه الفكري وسيرته الذاتية، حتى غدا بالنسبة لي فرداً من العائلة، ثم انضم للعائلة نفسها بورخيس وأبو العلاء المعري. لذلك، فالرواية انطلقت من سؤال شخصي مؤرق ظل يتراكم عبر سنوات طويلة، وأخيراً وجد نافذة له في رواية «سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج».
> تتكئ على عالم من الرمزية والميثولوجيا كما تستلهم رحلات ثرية من الموروث الأدبي... كيف صنعت هذا التوازن بين الواقعي والخيالي في إطار مشروعك الأدبي؟
- الواقع بالطبع هو الأرض التي أنطلق منها، ويمكن أن يعود إليها النص، لأن الكتابة مهما كان شكلها أو تيارها تطرح أسئلة الواقع، غير أن الواقع ليس فحسب الأحداث اليومية الملموسة التي نراها جميعاً، فالأحلام واقع، وأحلام اليقظة واقع، والمخاوف التي تسكننا واقع، والذكريات التي انتهت من الواقع وباتت تشغل ذاكرتنا واقع. أريد أن أقول إن الواقع متسع لا حدود له، يدخل فيه قراءاتنا نفسها التي تشكل وجداننا. أفكر أحياناً أنني أكتب وأنا أحاكي حركة العقل نفسها، أحاول رصد ما يمر بهذا العقل في وقت واحد. بينما أنا أتحدث معكِ الآن، يمر بخاطري صديق طفولتي الذي مات منذ عشر سنوات وأنا لا أصدق بعد، ويمر بخاطري لقاء عابر مع شخص ترك فيّ أثراً طيباً، وأتذكر عبارة قالتها لي أمي في مكالمتنا الأخيرة، وتطل عليّ ذكرى حب فائت، وأفكر في كتاب أود قراءته هذا الأسبوع، وأشرد في إيميلات تلقيتها ولم أرد عليها بعد. كل هذا يحدث في الوقت نفسه أو بالتتابع وأنا أتكلم معكِ عن روايتي الجديدة؛ وكل هذا أسميه حركة العقل. هذه الصيغة التي يعمل بها عقلي هي التي أكتب بها وأشيد عالمي السردي. ربما يكون ذلك جواباً عن سؤالك عن تداخل كل هذه العناصر في كتابتي.
> الرواية مُوزعة على مساحات زمنية شاسعة وأبطال لم يلتقوا وحدث يعبر بين بطلين من زمنين... هل ثمة تخطيط سردي مسبق لهذه القماشة؟
- أخطط ولا أخطط في الوقت نفسه. تفصيلاً، لا أبدأ في الكتابة أبداً قبل أن يتكوّن العالم السردي في ذهني، وتتكوّن الشخصيات، وتتحرك بملامح أراها أمام عيني، حينها تتوالى المشاهد على ذهني واحداً تلو الآخر، وفي لحظة أشعر أن كل شيء قد نضج وحان وقت الكتابة. هذه العملية قد تستغرق شهوراً أو سنين، أما الكتابة نفسها فلا أجد فيها أي صعوبة، فأنا أكتب كما أتمشى، وكما أشاهد فيلماً، بهذا القدر من الاستمتاع والتأمل. والحقيقة أني لا أتعامل مع الكتابة كموظف يجلس إلى مكتبه في انتظارها، الكتابة مهنة تحب من يعرض عنها، وكلما أعرضت جاءتك بلهفة. أتذكر مقولة لخوليو كورتاثر يشير فيها إلى أنه يعامل حبيبته كما القطط، يتركها تلهو وتلعب وتغيب وتفعل كل ما يحلو لها، وحين تعود يعانقها ويلعب معها ويضعها في حجره ويربت عليها. هذا ما أفعله مع الكتابة، وأنا على يقين أنها مهما غابت ستعود لأنها تعرف مقدار حبي لها ورعايتي.
> أبو العلاء المعري ودانتي وبورخيس وطه حسين جمعت شتاتهم في مواقف روائية ومشهدية وتسرب حضورهم بين السرد و«كتاب الأحلام»... حدثنا عن هذه التوليفة.
- في بداية تكوين العالم السردي في ذهني، انتبهت إلى أن العمل سيكون له صلة برسالة الغفران؛ ثمة مشتركات في سؤال العمى والرحلة والكشف. حينها قرأت عمل أبو العلاء، وتبعته بقراءة «الكوميديا الإلهية» لـدانتي. الفكرة كانت الاستغراق في رحلة ينتهي بها المطاف في مكان كاشف، يعري الحقائق، وشخصيات قد خاضت هذه الرحلة من قبل. وأبو العلاء وطه وبورخيس لكونهم عمياناً فقد خاضوها، ودانتي لكونه كتب عملاً متأثراً برسالة الغفران، فقد خاضها مثلهم. هذه الشخصيات قد تبدو متباعدة في النظرة الأولى، لكنهم جميعاً متقاربون، إنهم حلقات في سلسلة واحدة، إنهم يعيشون بداخلي منذ سنوات كأفراد من عائلتي، ولم أشعر أبداً بأي تنافر بينهم. الفروق الزمنية لا معنى لها، لأننا حين نموت ونجتمع في مكان واحد، سنجتمع جميعاً من كل الأزمنة. الذاكرة أيضاً لا تؤمن بالحدود الزمنية.
>عبرت إلى الأسطورة والتاريخ المنسي وشيدت مدينة تحت الأرض... هل كانت هذه أدواتك للتحدث عن الحاضر؟
- أظن أن كل كاتب ابن لعصره ولواقعه ولسياقه الثقافي والتاريخي، وأننا حين نكتب، نكتب من داخل هذه الأطر، ومن أجلها. الفروقات ربما بين كاتب وآخر تكمن في تصورات كل منهم عن الفن، عما ينبغي أن تكون عليه الرواية. وفي تصوري، الرواية فن في المقام الأول، فلا يجب أن تكون بحثاً اجتماعياً ولا تحليلاً سياسياً ولا لافتة لآيديولوجيات. وداخل الإطار العام لكلمة «فن»، يصح للرواية أن تقدم طروحاتها، وأن تغامر. وبمناسبة المغامرة، لا أمل للرواية العربية إلا في التجريب. التجريب، المضاد للتقليدية والنماذج الجاهزة، هو الأفق الذي ينبغي أن نثقبه بأيدينا لنكتب نصوصاً جديرة بالقراءة والبقاء. أما فخ المباشرة فهو يتنافى مع فكرة الفن بالأساس، فالفن هو المجاز، هو الإيحاء، هو القدرة على فتح أفق من التأويلات للقارئ. والحاضر، حتى لو بدا تجنبي له، هو سؤالي الملّح، وأسعى لتكوين تصور عنه عبر التاريخ والتراث والتخيل.
> في الرواية بشر يتحولون إلى تماثيل شمعية في مشهد رمزي جديد يذكرنا بثنائية البشر والحجر في أعمالك «حصن التراب» و«كتاب النحات»... هل هذا ولع شخصي بفكرة النحت؟
- ذات مرة، اصطحبني صديق وجار، كان صديقي منذ مولدي حتى رحل عن العالم منذ عشر سنوات، إلى بيته. كان بيته يتكون من ثلاثة أدوار، والدور الثالث كان تحت الإنشاء، ليس به إلا لمبة واحدة موصلة بسلك، وتحت اللمبة وجدت كنزاً ما زلت إلى الآن مسحوراً به: تماثيل كثيرة جداً، بأحجام صغيرة، مصنوعة من الطين والصلصال، وبعضها من الحجارة. كانت التماثيل من صنع أخيه الذي كان يكبرنا بعدة سنوات قليلة. كنت أنا في الثامنة أو التاسعة، وصديقي من عمري نفسه، وأخوه في بداية المراهقة. الأثر الأول لهذه الزيارة لا يزال مطبوعاً في قلبي، إذ من دون استئذان أو سؤال، من دون أن أنطق بكلمة، مددت يدي إلى التماثيل، وكان بعضها لا يزال رطباً، وشعرت برغبة ملحة في صنع تماثيل شبيهة. كانت المواد الخام البسيطة موجودة، فبدأت في اللعب، ولم تكن النتيجة سيئة. لسنوات كانت لعبتي صناعة تماثيل صغيرة، ربما لذلك لا تغيب فكرة النحت عن كتابتي، بداية من «صانع المفاتيح» حتى «سيقان تعرف»، لكنها مع الوقت تتطور في اتجاه ما.
> في أعمالك ثمة رغبة في الانتصار لأصحاب الحقوق المسلوبة أو الحكايات التي لم تكتمل... كيف ترى ذلك؟
- أظن أن المنتصرين في الحياة لا يكتبون، ولا يصح أن نكتب عنهم إلا جانبهم المظلم والمهزوم. كيف يمكن مثلاً أن نكتب عن السعداء؟ التعاسة والبؤس والهزيمة مواد الكتابة الخام، والحزن هو أرق المشاعر الإنسانية، وما يستحق أن نسجله. هذه المشاعر، هذا الضعف، هذا السلب والوجع الذي نعيشه، هو ما يساعدنا على فهم الحياة، وبالتالي إنتاج إبداع يقارب هذا الفهم ويجسّده. أعترف لكِ أن شرف الكتابة يكمن في الانحياز للمهزوم، في تصوير الهشاشة البشرية.
> ما الذي يشغلك وأنت تكتب روايتك الجديدة؟
- كل رواية جديدة هي رواية أولى لكاتبها، وبالتالي أدخل إليها بمشاعر الحماس والخوف والتأمل نفسها، ولا يشغلني إلا كتابتها بالطريقة التي تروق لي، مستجيباً للإلهام. لا أتوقع كيف سيتلقاها القارئ، ولا أعرف إن كانت ستلقى حفاوة نقدية، ولا أتطلع أن تكون رواية العام. أصدق أن الكتابة لا تحب من يبتغي من ورائها شيئاً، وأنها تغدق على محبيها المخلصين. هذا ما يشغلني دائماً فيما يخص الكتابة.



امرأة تضع مولودها خلال رحلة جوية إلى نيويورك… هل يصبح أميركياً؟

طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)
طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)
TT

امرأة تضع مولودها خلال رحلة جوية إلى نيويورك… هل يصبح أميركياً؟

طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)
طائرات تسير على المدرج بمطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك (رويترز)

في واقعة نادرة ولافتة، شهدت رحلة جوية متجهة إلى الولايات المتحدة حدثاً استثنائياً تمثّل في ولادة طفل على متن الطائرة قبل لحظات من هبوطها. هذا الحدث لم يثر الاهتمام فقط لندرته، بل فتح أيضاً باب التساؤلات حول الوضع القانوني للمولود، وما إذا كان سيحصل على الجنسية الأميركية تلقائياً أم لا، وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وقعت الحادثة في الرابع من أبريل (نيسان) على متن رحلة الخطوط الجوية الكاريبية رقم BW005، التي كانت في طريقها من كينغستون، عاصمة جامايكا، إلى مطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك. وبحسب تسجيل صوتي بثته شبكة «سي بي إس نيوز»، أبلغ الطيار مراقبة الحركة الجوية بحدوث الولادة أثناء اقتراب الطائرة من المدرج.

وفي لحظة لافتة، سأل مراقب الحركة الجوية الطيار: «هل خرج؟»، ليأتي الرد سريعاً: «نعم، سيدي». بل إن المراقب اقترح، على سبيل الدعابة، تسمية المولود «كينيدي» تيمّناً باسم المطار الذي كانت الطائرة تستعد للهبوط فيه.

هل يحصل المولود على الجنسية الأميركية؟

تنص القوانين الأميركية على منح الجنسية تلقائياً لأي طفل يُولد داخل أراضي الولايات المتحدة، ويشمل ذلك المجال الجوي التابع لها. غير أن العامل الحاسم في هذه الحالة هو تحديد الموقع الدقيق للطائرة لحظة الولادة، وهو أمر لم يُحسم بعد بشكل رسمي.

وعقب هبوط الطائرة، كان الطاقم الطبي بانتظار الأم وطفلها عند بوابة الوصول، حيث تلقّيا الرعاية اللازمة. ولم تُكشف هوية الأم أو المولود، اللذين انضما إلى فئة نادرة للغاية، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد الولادات على متن الطائرات التجارية لا يتجاوز 100 حالة حول العالم.

وفي بيان رسمي، أكدت الخطوط الجوية الكاريبية وقوع حالة طبية طارئة على متن الرحلة، موضحة أن إحدى الراكبات وضعت مولودها خلال الرحلة من جامايكا إلى نيويورك، وأن الأم وطفلها حصلا على الرعاية الطبية فور الوصول. كما أشادت الشركة بكفاءة طاقمها في التعامل مع الموقف وفق الإجراءات المعتمدة، بما يضمن سلامة جميع الركاب.

التفاصيل القانونية للحالة

أوضح خوان كارلوس ريفيرا، وهو محامي هجرة مقيم في ميامي، أن الأساس القانوني في هذه القضية يقوم على مبدأ «حق الأرض»، المنصوص عليه في التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي.

وبيّن أن المجال الجوي الأميركي يُعد جزءاً من أراضي الولايات المتحدة، وبالتالي، إذا وُلد الطفل أثناء وجود الطائرة ضمن نطاق 12 ميلاً بحرياً من الساحل الأميركي، فإنه يُمنح الجنسية الأميركية تلقائياً بحكم الميلاد، دون الحاجة إلى تقديم طلب رسمي.

لكن إثبات هذا الحق يتطلب توثيق موقع الطائرة بدقة وقت الولادة، وهو ما يستدعي الرجوع إلى بيانات الرحلة، مثل إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) المسجلة على متن الطائرة، لتحديد ما إذا كانت الولادة قد حدثت داخل المجال الجوي الأميركي أم خارجه.

وفي حال تأكدت الولادة داخل هذا النطاق، يمكن للعائلة التقدّم بطلب للحصول على جواز سفر أميركي أو شهادة ميلاد من الولاية المعنية —وغالباً ما تكون نيويورك في هذه الحالة— مع تقديم الوثائق اللازمة، مثل سجلات الرحلة، والتقارير الطبية الخاصة بالولادة، وأي مستندات صادرة عن شركة الطيران تؤكد موقع الطائرة.

وأشار ريفيرا إلى أن مختصي جوازات السفر في وزارة الخارجية الأميركية هم الجهة المسؤولة عن البت في مثل هذه الحالات. كما شدد على نقطة مهمة، وهي أن حصول الطفل على الجنسية الأميركية لا يمنح والديه تلقائياً أي امتيازات تتعلق بالهجرة.


دانية الصبّان... عندما تغلب رقّة الصوت قسوة المرض وأحكام الناس

لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)
لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)
TT

دانية الصبّان... عندما تغلب رقّة الصوت قسوة المرض وأحكام الناس

لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)
لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)

«بعدو أليف... بعدك ظريف... بعدو بيعنيلك متلي الخريف»... كثيرون ردّدوا الجملة بعد السيدة فيروز وزياد الرحباني، لكنّ قلّةً استطاعت أن تضفي عليها الرقّة والإحساس كما فعلت دانية الصبّان.

«لا شكّ في أن فيديو أغنية (بيذكّر بالخريف) هو نقطة تحوّل في مسيرتي»، تقول الفنانة السعودية الشابة في حوار مع «الشرق الأوسط». على منصة «إنستغرام» وحدها، حقّق الفيديو البسيط شكلاً والمؤثّر مضموناً وصوتاً، والذي نُشر منتصف فبراير (شباط) الماضي، أكثر من 1.5 مليون مشاهدة كما اجتذب تعليقات عددٍ كبير من المشاهير العرب وتفاعُلَهم.

تجلس دانية خلف مقود السيارة، غالباً بعد أن يهبط الليل، تُوجّه كاميرا الهاتف صوب وجهها وتغنّي. هكذا تتوجّه إلى متابعيها مؤخّراً.

«لولا أبي وأمّي لما رآني أحد ولا سمع الناس صوتي، لكنتُ على الأرجح جالسة وحدي خلف باب غرفتي»، تبوح الصبّان (22 سنة). فالفتاة تحمل فوق وجهها قصة غير اعتيادية. هي قصة طفلةٍ كبرت لتكتشف إصابتها بداءٍ مزمن وعصيٍّ على العلاج. السمَكيّة تصيب البشرة بجفافٍ حادّ وتَقشُّر، ما يتسبّب بظهور طبقات إضافية من الجِلد.

لولا دعم والدَيها لبقيَت دانية أسيرة المرض وأحكام الناس (صور الصبّان)

لم يكن التعايش مع المرض صعباً على دانية، بِقَدر ما كان التعايُش مع نظرات الناس وأحكامِهم شبه مستحيل. «بعدما تأكّد والداي من أنني شخص يهاب المجتمع ويتجنب الاختلاط بالناس لئلّا يروا مرضي، وجدا في السوشيال ميديا الحل المثالي الذي قد يجعلني أتشجّع وأواجه الأمر الواقع». وقد أثبت ذلك فائدته فعلاً، ليس في إبراز موهبة الشابة الاستثنائية ومَنحِها دعماً معنوياً فحسب، بل في تسليحها كذلك ضد قسوة الآخرين. وهل من بيئةٍ أخصَب من وسائل التواصل الاجتماعي لتفجير الأحقاد وجَلد الآخرين من دون مبرّر؟

إلا أنّ دانية الصبّان كانت أقوى من التجريح الذي تعرّضت له وما زالت. وكما كان لصوتِها العذب فعلُ البلسَم على مسامع وقلوب عشرات آلاف المتابعين، كان لإطلالتها الرقميّة أثرٌ ساحر بأن جعلَتها تعبر باب الغرفة الموصَد إلى العالم الشاسع.

وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت دانية في الشفاء من خجلها ورهاب المجتمع (إنستغرام)

تغنّي دانية الصبّان منذ الرابعة من عمرها. اقتصرت الموهبة في البداية على جدران البيت وقاعات المدرسة، إلى أن أدركَ الوالدان أنّ ما في حنجرةِ ابنتهما يستحقّ أكثر. بدأت بإعادة أغانٍ معروفة على طريقتها، ثم فاجأها الاستوديو الذي تتعاون معه بأغنيةٍ مُعَدّةٍ لها. سجّلتها وأصدرتها لتنطلق منذ ذلك الحين رحلة الأعمال الخاصة المتعددة اللهجات، من الخليجية مروراً بالمصرية وليس انتهاءً بالعراقية.

لا تُنكر الفنانة الصاعدة أنّ الفيديوهات التي تؤدّي فيها أغاني معروفة لفنانين سواها، تحقّق أرقاماً أعلى من الأغاني الخاصة. «طبعاً هذا يضايقني قليلاً لأني أضع مجهوداً كبيراً في أعمالي الخاصة»، تقول الصبّان. لكنها سرعان ما توضح بصراحةٍ جريئة: «لولا تلك الأغاني الـcovers لما كنت وصلت إلى الناس وإلى حيث أنا اليوم».

يلعب والد دانية دوراً أساسياً في اختيار الأغاني الخاصة، وهو أيضاً يملك موهبة الغناء لكنه لم يحترفه. أمّا النصيحة التي يكرّرها لها فهي أنّ الأغاني يجب أن تضع ذوق الناس أوّلاً قبل أن تروقَ لها شخصياً. وهي تصغي باقتناعٍ إلى والدها الذي يشكّل بالنسبة لها السنَد والقدوة.

أما من بين الفنانين، فالصبّان متأثّرة بكلٍ من شيرين وحسين الجسمي، كما تحلم بأن يجمعها المسرح يوماً ما بأحدهما أو بأيٍ من كبار مطربي العالم العربي. فإطلالاتها المباشرة أمام الناس لا تزال معدودة على أصابع اليد الواحدة، كانت أبرزها مشاركة في مسابقة للأغنية الوطنية فازت فيها بالمرتبة الأولى. وهي تضع تلك اللحظة في صدارة أجمل لحظات حياتها.

تحلم الشابة السعودية بأن يجمعها المسرح بكبار الفنانين العرب (إنستغرام)

لم تدرس دانية الموسيقى غير أنّ المشروع على قائمة أحلامها كذلك، وهي تتفرّغ حالياً لتخصّصها الجامعي في الإعلان والتسويق. بين الدراسة والواجبات العائلية والاجتماعية، تمضي معظم وقتها. أما ما تبقّى من ساعات فتتواصل خلالها مع متابعيها عبر الأغاني والنغمات.

ما زالت حتى اليوم، وبعد أكثر من 6 سنوات على اتّخاذها قرار الخروج إلى الضوء، تواجه التنمّر والتعليقات السلبية والهدّامة على غرار: «كيف تغنّي وأنتِ شكلك هيك». «أواجه بالصمت وعدم الاكتراث»، تعلّق الشابة التي منحتها تجربة المرض حكمة مَن يكبرونها سناً. وغالباً ما تكرّر الصبّان أنّ صوتها هو أثمن ما لديها: «صوتي هو الهِبة التي عوّضني بها الله عن مرضي».

في زمنٍ تتحوّل فيه وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصاتٍ لإطلاق السموم والأحقاد، استطاعت دانية الصبّان أن تجعل من السوشيال ميديا منصةً لانطلاقتها الفنية المدوية. وهي جعلت منها كذلك حليفةً لها في كَسر الخجل والحواجز بينها وبين الناس.

ما تقوم به الفنانة السعودية الصاعدة أكثر من مجرّد رحلة موسيقية، وأبعد من فيديوهاتٍ غنائية تنال الإعجابات والتعليقات. تختصر رسالتها الإنسانية بعبارةٍ بسيطة: «لو أحد عنده حلم ممنوع يوقفه أي شيء عن تحقيقه». ودانية الصبّان هي في الواقع الوجه الجميل والنغم الرقيق، بمواجهة عالمٍ افتراضيّ غالباً ما تتحكّم به أصوات الكراهية والتوحّش.


العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
TT

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)
يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)

أُدرجت محافظة العلا (شمال غربي السعودية) ضمن القائمة النهائية للمرشحين لجوائز الإنتاج العالمية 2026 في فئة «مدينة الأفلام 2026»، التي تنظمها مجلة «سكرين إنترناشونال» المتخصصة في صناعة السينما، بالتزامن مع مهرجان كان السينمائي، في خطوة تعكس تصاعد حضور العلا على خريطة الإنتاج السينمائي العالمية.

وتُعنى هذه الجوائز المهنية البارزة دولياً بتكريم التميز في مواقع التصوير والبنية التحتية للإنتاج والمدن السينمائية، بمشاركة نخبة من خبراء صناعة الأفلام حول العالم، ما يمنحها مكانة معتبرة داخل القطاع السينمائي عالمياً.

ويُعزِّز وصول العلا إلى القائمة النهائية مكانتها بوصفها وجهةً جاذبةً لصنّاع الأفلام، في ظل ما تمتلكه من مقومات طبيعية فريدة وتنوّع جغرافي، أسهم في تحويلها إلى موقع تصوير مفتوح يستقطب شركات الإنتاج من مختلف أنحاء العالم.

مقومات طبيعية فريدة وتنوّع جغرافي أسهما في تحويل العلا إلى موقع تصوير مفتوح (واس)

وشهدت العلا خلال الأعوام الماضية نشاطاً متصاعداً في قطاع الإنتاج السينمائي، حيث استضافت تصوير عدة أعمال سعودية ودولية في مجالات الأفلام والبرامج والإنتاجات المرئية، مستفيدةً من بيئتها المتنوعة وتضاريسها الاستثنائية.

وتضم مبادرة «فيلم العلا»، التابعة للهيئة الملكية لمحافظة العلا، مجمّع استوديوهات متكامل، يُعد مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، ويقدم خدمات متقدمة تدعم مختلف مراحل الإنتاج.

العلا عزَّزت مكانتها وجهةً جاذبةً لصنّاع الأفلام من مختلف أنحاء العالم (واس)

ويأتي ذلك ضمن استراتيجية الهيئة الهادفة إلى تعزيز حضور العلا على خريطة الإنتاجات العالمية، وإتاحة الفرصة لصُنَّاع الأفلام لاكتشاف مواقع تصوير فريدة تجمع بين الطبيعة الخلابة والإرث التاريخي العريق.