جنوب سوريا بعد عام على المصالحة: اغتيالات واحتقان... وتنافس روسي ـ إيراني

تحقيق لـ«الشرق الأوسط» عن ريف درعا بعد عودة الحكومة

تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)
تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)
TT

جنوب سوريا بعد عام على المصالحة: اغتيالات واحتقان... وتنافس روسي ـ إيراني

تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)
تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)

مرّ عام على اتفاق التسوية القاضي بفرض الاستقرار الأمني والعسكري جنوب سوريا برعاية روسية، أواخر شهر يوليو (تموز) من العام الماضي، لتتحول بموجبه المعارضة إلى «فصائل مصالحة»، وبالتالي تنخرط ضمن تشكيلات الجيش والقوى الأمنية.
وخلال الفترة الماضية، تجلى التنافس الروسي - الإيراني على كسب ولاء أبناء المنطقة، ما أفضى إلى تدهور الأوضاع مجدداً، حيث عاد مشهد الاغتيالات ليخيم على مجرى الأحداث، ويخلط الأوراق من جديد، إذ اعتقد البعض أن سيطرة النظام والقضاء على «داعش» في المنطقة ستنهي تلك الحالة، لكن زادت تلك الحوادث بشكل مريب، وتطورت لتشمل قيادات في فصائل التسوية، وقيادات عسكرية وأمنية في صفوف النظام، إضافة لشخصيات مدنية مقربة من النظام، ومساهمة في الاتفاق، من ضمنها رؤساء بلديات ومخاتير وقيادات حزبية وعشائرية.
بحسب «أبو محمود الحوراني»، المسؤول الإعلامي في «تجمع أحرار حوران»، فإن الأسبوع الماضي شهد أعنف سلسلة من العمليات العسكرية التي شكّلت تطوراً لافتاً، إذ خلال 72 ساعة نفذت نحو 15 عملية اغتيال طالت قادة معارضين سابقين، وآخرين مقرّبين من النظام، تزامناً مع إطلاق النظام سراح عشرات القادة الأمنيين في تنظيم «داعش» سابقاً.
وتابع «الحوراني»: «أبرز تلك العمليات كانت يوم السبت 27 يوليو، عندما دارت اشتباكات بالأسلحة الرشاشة، تلاها انفجار عنيف تبين أن سببه قيام عنصر مرتبط بتنظيم (داعش)، بالتحصن في مزرعة صغيرة ببلدة مليحة شرق درعا، وتفجير نفسه عند محاولة اعتقاله من قبل عناصر تابعين للنظام، رفقة عناصر تابعين للفيلق الخامس التابع لروسيا».
وفي أعقاب تلك العملية نشر تنظيم داعش بياناً تبنى فيه مسؤوليته عن العملية، وذكر البيان أن أحد عناصره «المدعو أبو مالك الأنصاري» اشتبك مع عناصر النظام، قبل أن يقوم بتفجير حزامه الناسف وقتل 8 عناصر، وإصابة 10 آخرين. بعد ساعات من العملية شنت قوات النظام حملة دهم واعتقالات في بلدة مليحة العطش، أسفرت عن اعتقال شخصين، واقتيادهما إلى فرع الأمن العسكري بمدينة إزرع.
وفي إطار الحديث عن أبرز الشخصيات المستهدفة حديثاً، أفاد الناشط حسان عبد الله، بأسماء أبرز الشخصيات، وقال: «تم إطلاق النار على القياديين في فصائل المصالحة يوسف البكار وأبو عدنان الصبيحي ببلدة تل شهاب بريف درعا الغربي، ما أدى إلى مقتل الصبيحي، وإصابة البكار بجروح خطيرة، أُسعف على أثرها إلى المشفى الوطني مدينة درعا، تلاه اغتيال إياد النمر وهو أحد رجال المصالحات المقرّبين من فرع المخابرات الجوية السورية، على يد مجهولين في مدينة الحراك شرق درعا، ثم اغتيال مجهولين للشاب محمد جهاد الحلقي المقرّب من قياديين في (حزب الله)، خلال الأسبوع الماضي، بينما اغتيل رؤساء بلديتي اليادودة وجلين، وعلي سعدون الحسن المقرب من حزب الله مساء الجمعة 2 أغسطس (آب) الحالي».
ولدى السؤال عن المدبر لتلك العمليات أجاب عبد الله إن «عدة أطراف تتسابق لكسب ولاء أبناء المنطقة لصفها، وتعمد إلى أتباع أساليب الخطف والاغتيال المتبادل، عوضاً عن المواجهة المباشرة، فبينما تجند روسيا الشباب ضمن الفيلق الخامس ذراعها في المنطقة، وتدبر اغتيال قادة داعمين لوجود إيران، تقدم الميليشيات الموالية لإيران البطاقات الأمنية والإغراءات المالية، وتكثف نشاطاتها الاجتماعية من خلال نشر الجمعيات الخيرية، وتكليف عملاء محليين بإنشاء مراكز دراسات وأبحاث مهمتها معرفة الشخصيات الرافضة لمشروعها، ثم اعتقالها أو قتلها، وبين هذا وذاك، تتبنى حركة تسمي نفسها المقاومة الشعبية بعض تلك العمليات».
وفي هذا الشأن وثق «مكتب توثيق الشهداء في درعا» 125 عملية ومحاولة اغتيال وإعدام ميداني، خلال العام الأول من اتفاقية التسوية، أدت إلى مقتل 73 شخصاً وإصابة 38 آخرين، بينما نجا 14 شخص من محاولة الاغتيال، ووفقاً لتقرير المكتب شكلت عمليات الاعتقال التي طالت المدنيين والمقاتلين السابقين أحد أبرز الانتهاكات التي مارستها قوات النظام خلال هذا العام، حيث اعتقلت قوات النظام 634 شخصاً تحت تصنيفات مختلفة، تم إطلاق سراح 166 منهم في وقت لاحق، بينما قُتِل 9 منهم تحت التعذيب في سجون قوات النظام (يضم المكتب ناشطين عملوا على توثيق الجرائم والاغتيال وضحايا الحرب منذ أعوام، ويصدر تقارير دورية توثق ما يجري بدرعا)
هذه الاضطرابات لاقت اهتماماً خاصاً من معهد الشرق الأوسط للأبحاث في واشنطن، لذلك نشر تقريراً مفصلاً ذكر فيه أن خطر فقدان السيطرة على درعا مجددا وارد جداً، في ظل زيادة وتيرة العمليات خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وبحسب التقرير فإن الهجمات المتكررة على الحواجز، والحرائق المفتعلة، والاشتباكات المتقطعة، تسببت بإحداث فوضى تنذر بعودة الصراع من جديد إلى المنطقة.
أما عن ردة فعل أهالي الجنوب تجاه ما يجري، دعا القيادي السابق في المعارضة أدهم الأكراد الشباب إلى «العصيان»، وعمل على جمع تواقيع مئات الفعاليات المدنية والوجاهية بمدينة درعا احتجاجاً على ممارسات النظام، في ظل انشغال القيادة الروسية بمعارك الشمال، وإخلالها بوعود الاتفاق، وتغلغل الميليشيات الإيرانية جنوب سوريا، وتجنيدها للشباب، فضلاً عن تروجيها المخدرات، وذلك ما لا يقبله السكان المحليون بحسب الأكراد، لا سيما بعد وقف العمل ببطاقات التسوية، ثم تهديد الشباب بالاعتقال أو الالتحاق بالخدمة العسكرية مباشرة، والإخلال بوعود تأجيل آلاف للطلاب الجامعين العائدين لدراستهم بموجب مرسوم رئاسي.
أدهم أكراد أحد أطراف الاتفاق مع الروس، لكنه رفض الانخراط ضمن فصائل المصالحة، شجع على العصيان والتظاهر، احتجاجاً على ممارسات النظام السوري.
من جهته، أوضح الباحث السياسي نصر فروان، حقيقة مرسوم الجيش، بالقول: «إن هذه الوعود تأتي ضمن خطة منظمة لفرض حالة الاستقرار في مناطق المصالحة، لحين الانتهاء من العمليات العسكرية في الشمال السوري، ثم وضع شريحة الشباب ضمن دائرة الارتياح ومحاولة استئناسهم، تمهيداً لجذبهم طوعياً للمؤسسة العسكرية، وإعادة بنائها برعاية روسية، بعدما تحول الجيش إلى الحالة الميليشياوية التي تحبذها إيران».
ونبه فروان إلى أن النظام يعمل على إعادة التأهيل السياسي للشباب الذين كانوا في مناطق المعارضة من خلال التوجيه الإعلامي، وعقد الندوات ودورات الانتساب لـ«حزب البعث»، كي «لا يفكروا بالهروب، أو الانضمام للحركات المضادة له كالمقاومة الشعبية، فقيادته السياسية متفطنة للآثار النفسية التي تركتها عقليتهم الأمنية ضد المناطق التي انتفضت بوجهها، وحريصة على محاربة أي خطاب إعلامي معادٍ لنهجها، من شأنه تأجيج الشباب ضدها من جديد».
إلا أن تلك الوعود والتطمينات لم تثنِ آلاف الشباب من أبناء المناطق الموقّعة على اتفاق التسوية في محافظات ريف دمشق ودرعا والقنيطرة عن الانشقاق، وترك تشكيلات الجيش، مع انطلاق معارك الشمال السوري، في حين آثر المئات الهروب إلى لبنان أو تركيا بطرق غير شرعية، وبتكلفة قد تصل إلى 5 آلاف دولار خوفاً من إقحامهم بتلك المعارك.
وفي هذا السياق، قال أحد العناصر المصابين حديثاً بجروح بالغة خلال الاشتباكات الدائرة شمال حماة إن أحد ضباط النظام برتبة عقيد قام بإطلاق النار على 15 عنصراً من عناصر التسويات، وقتلهم شمال حماة، بعد رفضهم التقدم على محوري تل ملح والجبين قبل أسابيع، مشيراً إلى أن قوات النظام تتعمد الزج بمقاتلين سابقين في «الجيش الحر» من الموقّعين على التسوية في الواجهة خلال المعارك، وتركهم فريسة سهلة للكمائن التي تنصبها فصائل المعارضة، دون مؤازرتهم.
وأكد أنه يفضل البقاء في بيته بدلاً من زجه بتلك المعارك، بعدما ظهرت موجة انشقاق جديد، تصدرها مئات العناصر من المنضمين حديثاً إلى صفوف الجيش السوري، بموجب التسويات بدرعا، حينما عادوا إلى منازلهم رافضين الالتحاق بقطعهم العسكرية مرة أخرى.
في غضون ذلك، حذر باحث من مغبة استفزاز الأهالي، وأطلعنا على أبرز التحديات التي أعاقت الحركة الاقتصادية عقب مرور عام على سيطرة النظام على الجنوب، قائلاً: «أدى اختفاء منظمات المجتمع المدني إلى انتشار البطالة في صفوف الشباب، بعدما كانت توفر أكثر 20 ألف فرصة عمل، ناهيك بانقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تزيد على مائة ألف طرد غذائي يوزع على العائلات مجاناً بشكل شهري، إضافة لتردي قطاع الزراعة الذي يزاوله معظم أبناء المنطقة، بسبب عدم توفر الوقود اللازم للري، وعدم توفر المال الكافي لشراء البذور، وضعف سوق تصريف المحاصيل، وانخفاض أسعار الليرة السورية المستمر أمام العملات الأجنبية».
وختم: «يبدو أن زيادة وتيرة العمليات العسكرية، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وعزوف الشباب عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، سيضع المنطقة وسط حالة تأهب واستعداد للعودة إلى المناوشات والعمليات القتالية بين أهالي الجنوب والنظام، بسبب انعدام الثقة بين الطرفين، وانتكاس اتفاق المصالحة المزعوم».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.