أميركا وزمن «الإرهاب الأبيض»

أصولية يمينية تنتقل من كرايستشيرش إلى تكساس وأوهايو

شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)
شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

أميركا وزمن «الإرهاب الأبيض»

شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)
شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)

عبر أقل من أسبوع واحد شهدت الولايات المتحدة الأميركي 3 حوادث إطلاق نار، غالباً ما ستسفر التحقيقات عن أنها نتاج لخطاب الكراهية والعنصرية، وارتفاع المد اليميني المتطرف، في ثلاثة أماكن مختلفة: غيلوري في كاليفورنيا، وإل باسو بتكساس، ودايتون بأوهايو.
تضيق الأسئلة التي يستدعيها المشهد الأميركي الآنيّ عن المسطح المتاح للكتابة، غير أننا باختصار مفيد نبدأ من عند إشكالية توافر الأسلحة في أيدي الأميركيين، ونمضي مع تطورات القوميات ونهوضها الضار حتى في الداخل الأميركي الواسع والفسيح، والذي هو في الأصل جماعة مهاجرة تجمعها بوتقة انصهار، وصولاً إلى كارثية وسائل التواصل الاجتماعي تلك التي جعلت بعض مرتكبي عمليات أميركا واقعين تحت التأثيرات الكارثية لمشاهد المذبحة التي جرت في كرايستشيرش قبل بضعة أشهر في نيوزيلندا، ومن دون أن نغفل الآثار الكارثية للأفكار الفاشية التي عادت لتضرب من جديد.
مَن المسؤول عما جرى حديثاً من العناصر الثلاثة المتقدمة، أم أنها، ومن سوء الطالع، باتت تمثل مختلطةً تركيبة مسمومة تنزع الحياة من الآمنين في الحل والترحال؟
بشيء من التفصيل، لطالما تشكّى الأميركيون من العنف المسلح، ذاك الذي سهّل من حدوثه الإجرامي توافر الأسلحة في يد الشعب الأميركي، ونظرة إلى الماضي منذ عام 2012 حتى الساعة نجد أننا أمام تصاعد خطير وغير مسبوق في تاريخ أميركا، ففي يوليو (تموز) 2012 وقع في سينما بمدينة أورورا بولاية كاليفورنيا 12 قتيلاً، وفي العام نفسه سقط 26 قتيلاً في مدرسة ساندي هوك في شمال شرق ولاية كونيتيكت، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2015 قتل متطرفان من باكستان 14 شخصاً، أما جريمة نادي المثليين التي حدثت في أورلاندو في يونيو (حزيران) 2016 فقد أسقطت بـ49 قتيلاً، وفي 2017 راح 17 شخصاً ضحية أميركي أفغاني، وبالوصول إلى لاس فيغاس نجد 58 قتيلاً لا يزال سر قاتلهم ستيفن بادوك مجهولاً، أما هجوم كنيسة ساذرلاند في تكساس في العام نفسه فقد ذهب بـ25 قتيلاً غير الجرحى، والقائمة طويلة ومتسعة وصولاً إلى الأحداث الأخيرة.
محور النقاش هذا موصول بمدى حرية الوصول إلى السلاح في الفكر الشعبوي الأميركي، لكن يبقى التساؤل المقلق: «ألم تكن القوانين هي عينها من قبل، وإذا كان ذلك كذلك فأي سبب جعل هذه الأحداث تتصاعد على هذا النحو المخيف مقارنةً بالعقود الماضية؟».
الشاهد أن علماء الاجتماع الأميركيين في حيرة قوية من أمرهم، ولأن التفسيرات السيكولوجية بعيدة حتى الساعة عن منظورهم التحليلي، لهذا يبقى النقاش محشوراً ومحصوراً في دائرة شرعية امتلاك الأسلحة من عدمها، والكل يعرف أن التعديل الثاني الصادر عن الكونغرس الأميركي في سبتمبر (أيلول) 1789 جاء فيه أن «وجود قوات شعبية (ميليشيا) جيدة التنظيم ضروري لأمن أي ولاية حرة، حق الأفراد في اقتناء أسلحة وحملها لا يجوز انتهاكه».
غير أن البعض يحاجج بأن الظروف البيئية والحياتية قد تغيرت وعلى هذا الأساس لا بد من إعادة النظر في هذا البند، فهل يوافق الأميركيون على مثل هذا التوجه أم يرفضونه؟
حسب استطلاع رأي لمركز «بيو» للأبحاث جرى في الفترة بين سبتمبر وأكتوبر (تشرين الأول) 2018، فإن 57% من الأميركيين يرون أن القوانين الخاصة بالسلاح ينبغي أن تكون أكثر صرامة، في حين يذهب 31% إلى أن القوانين الحالية كافية.
الانقسام الأميركي يتعزز حسب الانتماءات الحزبية، تجاه مسألة حيازة الأسلحة، وهي ركن أساسي في تسهيل عمليات القتل داخل المجتمع الأميركي.
يقول 80% من الديمقراطيين والمستقلين الذين يصوّتون لصالح الحزب الديمقراطي إن القوانين ينبغي تشديدها، في حين لا يوافقهم على ذلك سوى 28% من الجمهوريين والمستقلين الذين يصوّتون لصالح الحزب الجمهوري.
بل إن 76% من الجمهوريين يرون أن حماية حق الأميركيين في امتلاك أسلحة أهم من فرض قوانين حول حيازتها، في حين لا يشاطر ذلك الرأي سوى 19% من الديمقراطيين.

- انقسام عميق حول حيازة السلاح
خلاصة المحور الأول الذي نحن بصدده أن الانقسام عميق بين الأميركيين أنفسهم، وسوف يظل إلى أجل أطول، وعليه سيكون الوصول إلى السلاح أمر متاح ومباح، وسقوط القتلى أيضاً وارد وبقوة، كما أن احتمالات فرض الكونغرس قيوداً على شركات السلاح المحلية أمر ضئيل من جراء النفوذ الذي تتمتع به، والسطوة التي تمثلها تبرعاتها لنواب وشيوخ الكونغرس الأميركي، في مقابل غض الطرف عن الإشكالية القاتلة المتقدمة.
والشاهد أنه كما يقول الروائي الروسي الكبير ليو تولوستوي: «إذا أشرت في الفصل الأول من روايتك إلى أن هناك بندقية معلقة على الحائط، فإنه على أبعد تقدير سوف تنطلق رصاصاتها في الفصل الثالث...». ماذا نعني بهذا الحديث؟
يضحى من الطبيعي أن حرية الوصول إلى السلاح تغري أصحاب النفوس الضعيفة بارتكاب ما يحلو لهم من جرائم، بعضها عرقيّ وغيرها دوغمائي ديني، لم يعد يقتصر على الأميركيين فقط، بل بتنا نرى جنسيات مهاجرة تُستغل كـ«كعب أخيل» الأميركي في تحقيق أهدافها الأصولية، وثالثها متصل بالجندر، أي النوع ذكر أو أنثى. ولعل الناظر إلى عمليتي إطلاق النار الأخيرتين يرى شابين تجمعهما الكراهية العمياء، الأول ضد المهاجرين خصوصاً المتحدرين من دول أميركا اللاتينية، والآخر ضد الجميع مع كراهية خاصة للنساء. بدأت أميركا كحلم للمهاجرين من دول العالم كافة، لا سيما الأوروبيين المضطهدين والهاربين من نيران الصراعات المذهبية والطائفية في أوروبا القرون الوسطى، وتالياً هاجرت جنسيات من مختلف دول العالم إلى الأرض الأميركية البكر، وبالتالي فإنه لا يوجد عِرق أميركي خالص، بل خليط من كل الأمم وكل الشعوب وكل القبائل، بلغة اليمين الأميركي المسيحي، وعليه فقد انصهر الجميع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أصحاب الأرض الأصليين من الهنود الحمر قد تعرضوا للإبادة من قِبل الرجل الأبيض، وعليه فإن قيام باتريك كروسيوس (21 عاماً)، مطلق النار في مدينة إل باسو، بنشر بيان له على شبكة الإنترنت يُظهر فيه عداءه للمهاجرين، أمر يؤكد وجود خلل نفسي ومجتمعي داخل دولة عمادها الرئيس المهاجرين.
في هذا السياق يمكننا أن نتساءل: «هل هناك مَن نجح في إصابة البنية الهيكلية الأميركية بخلل جسيم إذ بات المهاجر يعد خصماً من رصيد القوة الأميركية متعددة الصفات حول العالم؟».
في البيان الذي صدر عن مكتب المباحث الاتحادية بعد حادثة إل باسو، نجد التعبير التالي: «إن الهجوم يؤثر على التهديد المستمر الذي يشكله المتطرفون المحليون ومرتكبو جرائم الكراهية. يحتاج الحديث عن الأسباب التي دفعت وستدفع هذا الفصيل الأميركي المتنامي إلى دراسات مطولة بعينها يقوم عليها علماء النفس والاجتماع، ورجالات الدين والسياسة، عطفاً على خبراء المال والأعمال، وفي غالب الأمر فإن هناك تخوفات شديدة من انقلاب معدلات الموازين الديموغرافية في الداخل الأميركي، بمعنى أن الإحصاءات السكانية الأخيرة أضحت مقلقة للرجل الأبيض الأنغلوساكسوني، الذي كان ولا يزال يعرى نفسه السيد من دون منازع، أي أنها مخاوف «الواسب»، من البيض أصحاب الخلفيات الأوروبية البروتستانتية، من أن يصحوا ذات نهار ليجدوا أنفسهم أقلية وسط طوفان بشري من جنسيات أخرى لا سيما القادمين من أميركا اللاتينية.

- تطرف يميني عابر للقارات
هناك جزئية خطيرة باتت تفتّ في عضد المجتمع الأميركي، وهي أن الصراع الآن قومي عرقي أكثر منه إيمانياً أو دينياً، فالمعروف أن قارة أميركا الجنوبية عن بَكْرة أبيها هي قارة كاثوليكية، والمهاجرين منها إلى الولايات المتحدة الأميركية هم كاثوليك بالمولد والنشأة، لكنّ رجال «الواسب» يرون في هؤلاء أيضاً تهديداً مقلقاً بنفس القدر الذي باتوا يعاملون به المسلمين سواء من أصحاب الأصول الأفريقية، أو الوافدين من العالم العربي والشرق الأوسط، أو المسلمين الآسيويين.
يتبقى المحور الثالث في هذه السطور وهو الخاص بوسائل التواصل الاجتماعي، وكيف أنها كانت سبباً رئيساً، وستكون كذلك من أسف في قادم الأيام، إن لم تتم معالجة الأمر على عجل، وإن كان المرء يظن أنه قد فات الأوان، فقد انطلق الجنّي من القمقم، وبات من العسير إرجاعه ثانية.
في بيان مكتب التحقيقات الاتحادية الأخير بعد هجوم إل باسو نقرأ تحذيراً من أن المتطرفين الذين يمارسون العنف المحلي في الولايات المتحدة قد يستلهمون هذه الهجمات، والهجمات البارزة السابقة، للقيام بأعمال عنف مماثلة.
في بيان الكراهية الذي نشره كروسيوس على الإنترنت قبل إقدامه على ارتكاب فعلته الشنعاء هذه، أشار إلى دعمه للمشتبه به في إطلاق النار في مسجد كرايستشيرش في نيوزيلندا، والذي قتل 51 شخصاً في هجومين متتاليين في شهر مارس (آذار)، مؤكداً أنه كان محقاً فيما فعله.
هل بات العالم على موعد مع كوارث قدرية أسوأ من هذا الذي حدث من جراء التواصل المعلوماتي غير المسبوق في التاريخ الإنساني؟ وإذا كان ذلك كذلك فأي قيمة إنسانية وأخلاقية لتواصل وابتكار يوقع آلاف الجرحى والقتلى ضحايا لخطابات الكراهية، التي تروَّج صباح مساء كل يوم بسرعة أسرع من البرق؟

- فكر «الاستبدال العظيم»
في خطابه الممجوج أكد كروسيوس أيضاً قناعاته واعتقاده الكبير بفكر «الاستبدال العظيم»، وهي النظرية التي تدّعي تفوق الرجل الأبيض، وترى أن الناس المتحدرين من أصل أوروبي حققوا القوة والانتشار في العالم، وأن هناك جنسيات أخرى حول العالم تسعى إلى طردهم من المراكز الحضرية والأساسية للحضارة، إلى التخوم والأطراف واحتلال أماكنهم بالتسرب السكاني أولاً، ثم بامتلاك ناصية القوة ثانية.
«الاستبدال الكبير» عنوان كتاب صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 لصاحبه الكاتب الفرنسي صاحب النزعات اليمينية المدعو رينو كامو، وقد أحدث خللاً فكرياً كبيراً في القارة الأوروبية، من جراء الترويج لفكر «أسلمة أوروبا»، وتعرُّض الحضارة الغربية والرجل الأبيض لحصار من أقوام وأجناس صفراء وسمراء، جلبتها موجات الهجرة الجماعية في العقدين الأخيرين، وقد تسببت في الكثير من العداءات، وصحوة خطابات الكراهية في نفوس الأوروبيين. هل قُدِّر للخطاب عينه أن يقفز إلى الجانب الآخر من الأطلسي؟
الكارثة أن الأفكار لها أجنحة، والغضب له ضحايا، وبينهما يبقى العالم قلقاً حائراً ومضطرباً، إلى حين إشعار آخر، أو كارثة أصولية يمينية أوروبية أو أميركية أخرى، وساعتها يتجدد الحديث الذي لا يشفع أو ينفع، إن لم يتم التنادي من أجل حلول جامعة مانعة، شافية وافية لاستئصال شأفة الإرهاب الأبيض.


مقالات ذات صلة

«الكردستاني» يهدد بوقف «السلام» مع تركيا ويؤكد عدم ثقته بها

شؤون إقليمية يسمح قانون أقره البرلمان التركي بعودة عناصر حزب «العمال الكردستاني» ووقف ملاحقتهم قضائياً بشكل مشروط بعد التحقق من حل الحزب وانتهاء نزع أسلحته (أ.ف.ب)

«الكردستاني» يهدد بوقف «السلام» مع تركيا ويؤكد عدم ثقته بها

هددت قيادات في حزب «العمال الكردستاني» بعدم إلقاء الأسلحة ووقف «عملية السلام» ما لم يتم منح الحرية لزعيمه عبد الله أوجلان والسماح بعودة قيادات إلى تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا أشخاص يقفون بالقرب من سيارة إسعاف وجزء متضرر من مركز للشرطة عقب هجوم انتحاري في كوهات بباكستان يوم 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

ارتفاع حصيلة تفجير وهجوم مسلّح في باكستان إلى 31 قتيلاً

ارتفعت حصيلة عملية التفجير والهجوم المسلح على المقر العام للشرطة الباكستانية في كوهات بشمال البلاد إلى ما لا يقل عن 31 قتيلا بينهم 16 شرطياً.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شمال افريقيا لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

أثارت إعدامات نُفذت بحق أكثر من 30 شخصاً في بنغازي انتقادات للبعثة الأممية لدى ليبيا بعد دعوتها سلطات شرق البلاد إلى وقف تنفيذ أحكام إعدام جديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي استقبل رئيس مجلس الشعب الدكتور عبد الحميد العواك وفداً من مجلس الشيوخ الفرنسي بحضور مكتب المجلس

مجلس الشعب السوري يقر إلغاء «محكمة الإرهاب» وإبطال قراراتها

أقر مجلس الشعب السوري، الأربعاء، إلغاء «قانون محكمة قضايا الإرهاب» رقم «22» لعام 2012، مع إبطال كل المفاعيل والآثار القانونية المترتبة عليه.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

أوسيتيا الجنوبية المدعومة من روسيا تنتخب زعيماً مقرباً من موسكو

مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
TT

أوسيتيا الجنوبية المدعومة من روسيا تنتخب زعيماً مقرباً من موسكو

مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)

فاز مارات كامبولوف، وهو مسؤول اتحادي روسي سابق، برئاسة أوسيتيا الجنوبية، الإقليم المنفصل عن جورجيا والمدعوم من روسيا، في انتخابات رحبت بها موسكو، اليوم (السبت)، باعتبارها دليلاً على رغبة الإقليم في توثيق علاقاته معها.

ويأتي الرئيس الجديد كامبولوف من أوسيتيا الشمالية، وهي جمهورية روسية تقع على الجانب الآخر من جبال القوقاز. وليس لكامبولوف أي صلات سابقة بأوسيتيا الجنوبية، التي انفصلت عن جورجيا خلال انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينيات، وحصلت لاحقاً على استقلال فعلي بدعم روسي. وأدت حرب قصيرة بين روسيا وجورجيا في عام 2008 إلى طرد القوات الجورجية من أجزاء من الإقليم كانت تسيطر عليها سابقاً.

تعميق التعاون

ورحبت موسكو بفوز كامبولوف. وقالت وزارة الخارجية: «تظهر النتائج الرغبة الواسعة النطاق لدى مجتمع أوسيتيا الجنوبية في الاستقرار السياسي الداخلي، والتقدم، والتطوير الشامل للعلاقات مع الاتحاد الروسي».

ووقّعت أوسيتيا الجنوبية وروسيا معاهدة في مايو (أيار) عمّقت التعاون في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والأمنية، ووضعت خططاً لدمج شبكات الطاقة وشبكات النقل، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ونددت جورجيا بالمعاهدة باعتبارها محاولة من روسيا لترسيخ «ضمها الفعلي» لأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وهي منطقة جورجية منشقة أخرى مدعومة من روسيا.

وانتقدت تفليس أيضاً قرار روسيا فتح مراكز اقتراع في المنطقتين لانتخابات مجلس النواب (مجلس الدوما) الروسي التي تجري من 18 إلى 20 سبتمبر (أيلول) الحالي.

تهنئة من بوتين

شغل كامبولوف (61 عاماً) في السابق مناصب رفيعة في هيئات حكومية اتحادية روسية، من بينها وزارة التعليم. وعُين رئيساً لوزراء أوسيتيا الجنوبية في يونيو (حزيران) بعد تنحي آلان جاجلويف عن الرئاسة ليصبح مستشاراً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وهنّأ بوتين كامبولوف، اليوم (السبت)، في برقية نُشرت على الموقع الإلكتروني للكرملين. وتعهد كامبولوف، في خطاب الفوز الذي ألقاه في تسخينفالي عاصمة أوسيتيا الجنوبية، بتحسين مستويات المعيشة في الإقليم. وقال: «أمامنا قدر كبير من العمل. وبالتكاتف وحده يمكننا تغيير جمهوريتنا، تسخينفالي مدينتنا!».

وتعتمد أوسيتيا الجنوبية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 50 ألف نسمة، بدرجة كبيرة على روسيا في واردات الغذاء والمعدات والطاقة، ولديها قطاع صناعي محدود خاص بها.

وتمول موسكو أجور العاملين في القطاع العام والمعاشات ومشروعات البنية التحتية الرئيسية، وتدير قاعدة عسكرية في الإقليم.

وقالت وسائل إعلام روسية رسمية إن كامبولوف حصل على 85 في المائة من الأصوات في الانتخابات التي جرت أمس (الجمعة)، في حين نال منافسوه نسباً في خانة الآحاد. وبلغت نسبة الإقبال 73 في المائة.


نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
TT

نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)

يزور نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ، الولايات المتحدة، قبل القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام صينية رسمية اليوم (السبت).

ويجري رئيسا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم محادثات بالبيت الأبيض في 24 سبتمبر (أيلول)، في لقاء يهدف إلى الحد من التوترات حول التجارة والتكنولوجيا ومسائل استراتيجية بصورة عامة.

وفي حين لا تزال الهدنة التجارية التي توصل إليها الطرفان قبل نحو عام صامدة، فإنهما لم ينجحا بعد في التوصل إلى اتفاق دائم.

ويترأس هي وفداً صينياً سيزور الولايات المتحدة من 19 إلى 23 سبتمبر، لإجراء محادثات حول «القضايا الاقتصادية والتجارية محلّ الاهتمام المشترك»، بحسب ما نقلته وكالة «شينخوا» الصينية للأنباء عن وزارة التجارة.

وأوضحت الوزارة أن المحادثات ستستند إلى «التوافق المهم» الذي توصل إليه شي وترمب في وقت سابق.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن هذا الأسبوع، أنه سيلتقي هي خلال عطلة نهاية الأسبوع. وأشار إلى أن المناقشات قد تتطرق أيضاً إلى ملف إيران، فيما تثير العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين بكين وطهران استياء واشنطن، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتسري منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، هدنة هشة في حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض.


لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

نادراً ما تدخل دولة حرباً وهي تتوقع الهزيمة، أو تتخيل أن الصراع الذي بدأته سيتحول إلى كابوس طويل ونفق لا نهاية له. ومع ذلك، يبدو أن أحداً لا يستخلص العبر بل يكرر التاريخ - أو بالأحرى الإنسان - نفسه: قرارات تبدو في لحظتها محسوبة ومدروسة قد تقود إلى حروب استنزاف، وأهداف تتغير مع الوقت، وقادة يجدون أنفسهم عاجزين عن التراجع من دون دفع أثمان سياسية واستراتيجية باهظة.

يقول أستاذ العلاقات الدولية الأميركي ستيفن إم. والت، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، إن الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل. فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية، تبدأ بسوء فهم الخصم وقدراته، ثم تتفاقم بسبب نصائح مُغرضة، وأهداف خفيّة، وضغوط سياسية تجعل التراجع أكثر صعوبة من الاستمرار.

حفرة أحدثها صاروخ روسي سقط في كييف عاصمة أوكرانيا (أ.ب)

* علامات الخطر

أولى علامات الخطر هي الجهل؛ فالقوة العسكرية لا تعني بالضرورة فهماً للمجتمع الذي تتدخل فيه. وقد تملك دولة متفوقة عسكرياً معلومات دقيقة عن جيش خصمها، لكنها تجهل تاريخ هذا الخصم، وتركيبته السياسية والاجتماعية، وقدرته على المقاومة، أو طبيعة ردود فعل القوى المحيطة به جغرافياً. ومن هنا تبدأ المفارقة: الانتصار في المعركة قد يكون متاحاً، لكن توقع نتائجها والسيطرة عليها قد يكونان مستحيلَين...

في الطريق إلى الحرب، لا تتحدث كل الجهات التي تقدم المشورة إلى صانع القرار من الموقع نفسه. هناك من تكون له مصالح آيديولوجية أو اقتصادية أو جيوسياسية تدفعه إلى تضخيم فرص النجاح وخفض حجم الأخطار. وفي أحيان كثيرة، يميل القادة إلى تصديق التقييمات المتفائلة التي تؤكد ما يودّون سماعه، بدلاً من الإصغاء إلى التحذيرات الأكثر عقلانية.

طائرات على متن حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» (أ.ف.ب)

ثم تأتي مشكلة الأهداف الهشة والمتغيرة؛ فقد تبدأ الحرب بهدف محدود، أو باعتقاد أن تحقيقه سيكون سريعاً وقليل التكلفة. لكن عندما يتعثر المسار، تتغير المهمة. الهدف الذي كان إسقاط نظام يصبح بناء نظام جديد، وما كان عملية عسكرية قصيرة يتحول إلى مشروع سياسي طويل. وهكذا تستمر الحرب حتى بعد أن يفقد الهدف الأصلي وضوحه.

* دوّامة التصعيد

الأخطر يحدث عندما تدخل الحرب دوامة التصعيد؛ فمع تزايد الخسائر، يصبح الاعتراف بالفشل مكلفاً سياسياً. ويبدأ القادة رفع الرهان بدلاً من تقليصه، أملاً في أن تحقق الجولة التالية ما لم تحققه الجولة السابقة. ويتداخل الضغط الداخلي مع التوتر الخارجي، إلى أن يصبح التراجع نفسه أسوأ من مواصلة القتال.

لكن هذه الديناميكية لا تفسر وحدها لماذا يندفع العالم نحو مزيد من الصراعات؛ فهناك عوامل أعمق: الخوف وعدم اليقين، وسوء تقدير نوايا الخصم وقدرته على الرد؛ وصراعات القوة التي ترافق انتقال النظام الدولي من قوة مهيمنة إلى أخرى صاعدة، وهو ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»؛ فضلاً عن القادة الذين لا يواجهون قيوداً سياسية كافية، فيصبح المجد الشخصي أو الآيديولوجيا أو الرغبة في الانتقام، جزءاً من حسابات الحرب.

ويزداد الخطر عندما تبدأ قواعد النظام الدولي نفسها في التآكل؛ فالقواعد والمؤسسات التي يفترض أن تساعد القوى الكبرى في إدارة خلافاتها تصبح أقل فاعلية عندما تتجاهلها الدول القوية، أو تستخدمها بصورة انتقائية. وعندما تتراجع الثقة بالقواعد والمؤسسات، يصبح سوء التقدير أكثر احتمالاً، والانتقال من أزمة إلى أخرى أسرع.

* نهايات الحروب

تكشف نهاية الحروب الكبرى أن الانتصار ليس دائماً الطريق الذي تنتهي به الصراعات؛ فقد تنتهي الحرب بهزيمة عسكرية كاملة وانهيار أحد أطرافها، كما حدث في الحرب العالمية الثانية. وقد تنتهي بالاستنزاف والانهيار العسكري والسياسي، كما حدث في الحرب العالمية الأولى. وقد تتوقف عبر تسوية تفاوضية لا تحل جذور النزاع، كما حدث في شبه الجزيرة الكورية عام 1953. أما الصراعات الطويلة بين القوى الكبرى، فيُحتمل أن تنتهي بانهيار أحد أطرافها من الداخل، كما حدث مع الاتحاد السوفياتي عام 1991.

مروحية ودبابات في تدريب للجيش البولندي (أ.ف.ب)

والواقع أن الطريقة التي تنتهي بها الحرب تكون أحياناً أهم من نهايتها نفسها؛ فالتسويات القاسية أو غير المتوازنة سوف تزرع بذور الصراع التالي. ومن هنا فإن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة إنهاء أسبابها.

* السؤال الملحّ

السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل يتجه العالم نحو حرب عالمية ثالثة؟

لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤشرات التي تجعل السؤال مشروعاً أصبحت أكثر وضوحاً؛ فالحدود بين الصراعات أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى. لذا نرى أن الحرب في أوكرانيا، والتنافس الأميركي - الصيني، والتوتر في الشرق الأوسط، والصراع على النفوذ والطاقة والتكنولوجيا، كلها تتحرك داخل بيئة دولية واحدة، وتتزايد نقاط التماس بينها.

ومع ذلك، هناك مفارقة تستحق التوقف عندها؛ ففي العقود الأخيرة، بدت الصين، مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، أكثر حذراً في الانخراط المباشر في حروب برية واسعة النطاق. وهذا لا يعني أنها بعيدة عن الصراع أو ترفض استخدام القوة، بل يشير إلى اعتمادها بدرجة أكبر على أدوات أخرى: الاقتصاد، والتجارة، والتكنولوجيا، والنفوذ السياسي، والضغط الاستراتيجي على المدى الطويل.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح، قد لا يكون الخطر الأكبر أن يقرر زعيم ما إشعال حرب عالمية عمداً، بل أن تبدأ سلسلة من القرارات الصغيرة، المبنية على معلومات ناقصة وتقديرات خاطئة وضغوط سياسية، ثم يصبح التراجع في كل مرحلة أصعب من المرحلة التي سبقتها.

فالحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار كبير. أحياناً تبدأ بخطأ صغير (أو بحادث مدبّر بحيث يبدو كأن خطأ وقع) لا يعرف أحد، لحظة وقوعه، إلى أين سيقود.

مقاتلتان صينيتان (أرشيفية - رويترز)

* قالوا في الحرب

- عرّف كارل فون كلاوزفيتس - من بروسيا «سلف» ألمانيا الموحّدة - (1780 - 1831) الحرب من منظور فلسفي بوصفها أداةً عقلانية لسياسة الدولة، مشيراً إلى أنها ببساطة «استمرار للسياسة بوسائل أخرى».

- قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804): «يمكن تحقيق السلام الدائم من خلال تنمية التجارة الدولية، والجمهوريات الدستورية، واتحادات الدول الحرة التي تجعل القادة حذرين حيال تكاليف خوض الحروب». وفي كتابه «السلام الدائم»، أكد أن الحرب هي دورة عبثية لا طائل منها لأنها تعتمد على القوة بدلاً من الحق.

- قال الفيلسوف الهولندي إيراسموس (1466 - 1536): «السلام المجحف خيرٌ من أعدل الحروب».

- في الفلسفة الطاوية، يذكر كتاب «تاو تي جينغ» أن الانتصارات العسكرية هي مآسٍ وليست منجزات، مشيراً إلى أن «من يبتهج بالنصر، يبتهج بمذبحة للبشر». وتنظر الطاوية إلى الحرب على أنها اختلال في النظام الطبيعي لا ينتج عنه إلا مزيد من العنف.

- سخر الفرنسيّ المتنوّر فولتير في كتابه «المعجم الفلسفي» من الحرب، واصفاً إياها بأنها «مجزرة بطولية» لا تجلب سوى البؤس. كذلك، سخر من فكرة أن قتل الآلاف من الجيران الأبرياء بناءً على أوامر السلطة يمكن أن يُعدّ يوماً ما أمراً مفيداً أو مجيداً.

- أكد رائد الفلسفة الوجودية، الفرنسي جان بول سارتر، عبثية الحرب، وكتب مقولته الشهيرة: «عندما يحارب الأثرياء، يموت الفقراء». فقد كان يرى الحرب ممارسةً عديمة الفائدة، يجري فيها التلاعب بالمواطنين العاديين ليركضوا نحو حتفهم ويضحوا بأرواحهم من أجل مفاهيم مجردة لا تخدم في النهاية سوى السلطة.