أميركا وزمن «الإرهاب الأبيض»

أصولية يمينية تنتقل من كرايستشيرش إلى تكساس وأوهايو

شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)
شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

أميركا وزمن «الإرهاب الأبيض»

شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)
شرطي نيوزيلندي مسلح يقف أمام مسجد «النور» في كرايستشيرش 16 مارس الماضي (أ.ف.ب)

عبر أقل من أسبوع واحد شهدت الولايات المتحدة الأميركي 3 حوادث إطلاق نار، غالباً ما ستسفر التحقيقات عن أنها نتاج لخطاب الكراهية والعنصرية، وارتفاع المد اليميني المتطرف، في ثلاثة أماكن مختلفة: غيلوري في كاليفورنيا، وإل باسو بتكساس، ودايتون بأوهايو.
تضيق الأسئلة التي يستدعيها المشهد الأميركي الآنيّ عن المسطح المتاح للكتابة، غير أننا باختصار مفيد نبدأ من عند إشكالية توافر الأسلحة في أيدي الأميركيين، ونمضي مع تطورات القوميات ونهوضها الضار حتى في الداخل الأميركي الواسع والفسيح، والذي هو في الأصل جماعة مهاجرة تجمعها بوتقة انصهار، وصولاً إلى كارثية وسائل التواصل الاجتماعي تلك التي جعلت بعض مرتكبي عمليات أميركا واقعين تحت التأثيرات الكارثية لمشاهد المذبحة التي جرت في كرايستشيرش قبل بضعة أشهر في نيوزيلندا، ومن دون أن نغفل الآثار الكارثية للأفكار الفاشية التي عادت لتضرب من جديد.
مَن المسؤول عما جرى حديثاً من العناصر الثلاثة المتقدمة، أم أنها، ومن سوء الطالع، باتت تمثل مختلطةً تركيبة مسمومة تنزع الحياة من الآمنين في الحل والترحال؟
بشيء من التفصيل، لطالما تشكّى الأميركيون من العنف المسلح، ذاك الذي سهّل من حدوثه الإجرامي توافر الأسلحة في يد الشعب الأميركي، ونظرة إلى الماضي منذ عام 2012 حتى الساعة نجد أننا أمام تصاعد خطير وغير مسبوق في تاريخ أميركا، ففي يوليو (تموز) 2012 وقع في سينما بمدينة أورورا بولاية كاليفورنيا 12 قتيلاً، وفي العام نفسه سقط 26 قتيلاً في مدرسة ساندي هوك في شمال شرق ولاية كونيتيكت، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2015 قتل متطرفان من باكستان 14 شخصاً، أما جريمة نادي المثليين التي حدثت في أورلاندو في يونيو (حزيران) 2016 فقد أسقطت بـ49 قتيلاً، وفي 2017 راح 17 شخصاً ضحية أميركي أفغاني، وبالوصول إلى لاس فيغاس نجد 58 قتيلاً لا يزال سر قاتلهم ستيفن بادوك مجهولاً، أما هجوم كنيسة ساذرلاند في تكساس في العام نفسه فقد ذهب بـ25 قتيلاً غير الجرحى، والقائمة طويلة ومتسعة وصولاً إلى الأحداث الأخيرة.
محور النقاش هذا موصول بمدى حرية الوصول إلى السلاح في الفكر الشعبوي الأميركي، لكن يبقى التساؤل المقلق: «ألم تكن القوانين هي عينها من قبل، وإذا كان ذلك كذلك فأي سبب جعل هذه الأحداث تتصاعد على هذا النحو المخيف مقارنةً بالعقود الماضية؟».
الشاهد أن علماء الاجتماع الأميركيين في حيرة قوية من أمرهم، ولأن التفسيرات السيكولوجية بعيدة حتى الساعة عن منظورهم التحليلي، لهذا يبقى النقاش محشوراً ومحصوراً في دائرة شرعية امتلاك الأسلحة من عدمها، والكل يعرف أن التعديل الثاني الصادر عن الكونغرس الأميركي في سبتمبر (أيلول) 1789 جاء فيه أن «وجود قوات شعبية (ميليشيا) جيدة التنظيم ضروري لأمن أي ولاية حرة، حق الأفراد في اقتناء أسلحة وحملها لا يجوز انتهاكه».
غير أن البعض يحاجج بأن الظروف البيئية والحياتية قد تغيرت وعلى هذا الأساس لا بد من إعادة النظر في هذا البند، فهل يوافق الأميركيون على مثل هذا التوجه أم يرفضونه؟
حسب استطلاع رأي لمركز «بيو» للأبحاث جرى في الفترة بين سبتمبر وأكتوبر (تشرين الأول) 2018، فإن 57% من الأميركيين يرون أن القوانين الخاصة بالسلاح ينبغي أن تكون أكثر صرامة، في حين يذهب 31% إلى أن القوانين الحالية كافية.
الانقسام الأميركي يتعزز حسب الانتماءات الحزبية، تجاه مسألة حيازة الأسلحة، وهي ركن أساسي في تسهيل عمليات القتل داخل المجتمع الأميركي.
يقول 80% من الديمقراطيين والمستقلين الذين يصوّتون لصالح الحزب الديمقراطي إن القوانين ينبغي تشديدها، في حين لا يوافقهم على ذلك سوى 28% من الجمهوريين والمستقلين الذين يصوّتون لصالح الحزب الجمهوري.
بل إن 76% من الجمهوريين يرون أن حماية حق الأميركيين في امتلاك أسلحة أهم من فرض قوانين حول حيازتها، في حين لا يشاطر ذلك الرأي سوى 19% من الديمقراطيين.

- انقسام عميق حول حيازة السلاح
خلاصة المحور الأول الذي نحن بصدده أن الانقسام عميق بين الأميركيين أنفسهم، وسوف يظل إلى أجل أطول، وعليه سيكون الوصول إلى السلاح أمر متاح ومباح، وسقوط القتلى أيضاً وارد وبقوة، كما أن احتمالات فرض الكونغرس قيوداً على شركات السلاح المحلية أمر ضئيل من جراء النفوذ الذي تتمتع به، والسطوة التي تمثلها تبرعاتها لنواب وشيوخ الكونغرس الأميركي، في مقابل غض الطرف عن الإشكالية القاتلة المتقدمة.
والشاهد أنه كما يقول الروائي الروسي الكبير ليو تولوستوي: «إذا أشرت في الفصل الأول من روايتك إلى أن هناك بندقية معلقة على الحائط، فإنه على أبعد تقدير سوف تنطلق رصاصاتها في الفصل الثالث...». ماذا نعني بهذا الحديث؟
يضحى من الطبيعي أن حرية الوصول إلى السلاح تغري أصحاب النفوس الضعيفة بارتكاب ما يحلو لهم من جرائم، بعضها عرقيّ وغيرها دوغمائي ديني، لم يعد يقتصر على الأميركيين فقط، بل بتنا نرى جنسيات مهاجرة تُستغل كـ«كعب أخيل» الأميركي في تحقيق أهدافها الأصولية، وثالثها متصل بالجندر، أي النوع ذكر أو أنثى. ولعل الناظر إلى عمليتي إطلاق النار الأخيرتين يرى شابين تجمعهما الكراهية العمياء، الأول ضد المهاجرين خصوصاً المتحدرين من دول أميركا اللاتينية، والآخر ضد الجميع مع كراهية خاصة للنساء. بدأت أميركا كحلم للمهاجرين من دول العالم كافة، لا سيما الأوروبيين المضطهدين والهاربين من نيران الصراعات المذهبية والطائفية في أوروبا القرون الوسطى، وتالياً هاجرت جنسيات من مختلف دول العالم إلى الأرض الأميركية البكر، وبالتالي فإنه لا يوجد عِرق أميركي خالص، بل خليط من كل الأمم وكل الشعوب وكل القبائل، بلغة اليمين الأميركي المسيحي، وعليه فقد انصهر الجميع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أصحاب الأرض الأصليين من الهنود الحمر قد تعرضوا للإبادة من قِبل الرجل الأبيض، وعليه فإن قيام باتريك كروسيوس (21 عاماً)، مطلق النار في مدينة إل باسو، بنشر بيان له على شبكة الإنترنت يُظهر فيه عداءه للمهاجرين، أمر يؤكد وجود خلل نفسي ومجتمعي داخل دولة عمادها الرئيس المهاجرين.
في هذا السياق يمكننا أن نتساءل: «هل هناك مَن نجح في إصابة البنية الهيكلية الأميركية بخلل جسيم إذ بات المهاجر يعد خصماً من رصيد القوة الأميركية متعددة الصفات حول العالم؟».
في البيان الذي صدر عن مكتب المباحث الاتحادية بعد حادثة إل باسو، نجد التعبير التالي: «إن الهجوم يؤثر على التهديد المستمر الذي يشكله المتطرفون المحليون ومرتكبو جرائم الكراهية. يحتاج الحديث عن الأسباب التي دفعت وستدفع هذا الفصيل الأميركي المتنامي إلى دراسات مطولة بعينها يقوم عليها علماء النفس والاجتماع، ورجالات الدين والسياسة، عطفاً على خبراء المال والأعمال، وفي غالب الأمر فإن هناك تخوفات شديدة من انقلاب معدلات الموازين الديموغرافية في الداخل الأميركي، بمعنى أن الإحصاءات السكانية الأخيرة أضحت مقلقة للرجل الأبيض الأنغلوساكسوني، الذي كان ولا يزال يعرى نفسه السيد من دون منازع، أي أنها مخاوف «الواسب»، من البيض أصحاب الخلفيات الأوروبية البروتستانتية، من أن يصحوا ذات نهار ليجدوا أنفسهم أقلية وسط طوفان بشري من جنسيات أخرى لا سيما القادمين من أميركا اللاتينية.

- تطرف يميني عابر للقارات
هناك جزئية خطيرة باتت تفتّ في عضد المجتمع الأميركي، وهي أن الصراع الآن قومي عرقي أكثر منه إيمانياً أو دينياً، فالمعروف أن قارة أميركا الجنوبية عن بَكْرة أبيها هي قارة كاثوليكية، والمهاجرين منها إلى الولايات المتحدة الأميركية هم كاثوليك بالمولد والنشأة، لكنّ رجال «الواسب» يرون في هؤلاء أيضاً تهديداً مقلقاً بنفس القدر الذي باتوا يعاملون به المسلمين سواء من أصحاب الأصول الأفريقية، أو الوافدين من العالم العربي والشرق الأوسط، أو المسلمين الآسيويين.
يتبقى المحور الثالث في هذه السطور وهو الخاص بوسائل التواصل الاجتماعي، وكيف أنها كانت سبباً رئيساً، وستكون كذلك من أسف في قادم الأيام، إن لم تتم معالجة الأمر على عجل، وإن كان المرء يظن أنه قد فات الأوان، فقد انطلق الجنّي من القمقم، وبات من العسير إرجاعه ثانية.
في بيان مكتب التحقيقات الاتحادية الأخير بعد هجوم إل باسو نقرأ تحذيراً من أن المتطرفين الذين يمارسون العنف المحلي في الولايات المتحدة قد يستلهمون هذه الهجمات، والهجمات البارزة السابقة، للقيام بأعمال عنف مماثلة.
في بيان الكراهية الذي نشره كروسيوس على الإنترنت قبل إقدامه على ارتكاب فعلته الشنعاء هذه، أشار إلى دعمه للمشتبه به في إطلاق النار في مسجد كرايستشيرش في نيوزيلندا، والذي قتل 51 شخصاً في هجومين متتاليين في شهر مارس (آذار)، مؤكداً أنه كان محقاً فيما فعله.
هل بات العالم على موعد مع كوارث قدرية أسوأ من هذا الذي حدث من جراء التواصل المعلوماتي غير المسبوق في التاريخ الإنساني؟ وإذا كان ذلك كذلك فأي قيمة إنسانية وأخلاقية لتواصل وابتكار يوقع آلاف الجرحى والقتلى ضحايا لخطابات الكراهية، التي تروَّج صباح مساء كل يوم بسرعة أسرع من البرق؟

- فكر «الاستبدال العظيم»
في خطابه الممجوج أكد كروسيوس أيضاً قناعاته واعتقاده الكبير بفكر «الاستبدال العظيم»، وهي النظرية التي تدّعي تفوق الرجل الأبيض، وترى أن الناس المتحدرين من أصل أوروبي حققوا القوة والانتشار في العالم، وأن هناك جنسيات أخرى حول العالم تسعى إلى طردهم من المراكز الحضرية والأساسية للحضارة، إلى التخوم والأطراف واحتلال أماكنهم بالتسرب السكاني أولاً، ثم بامتلاك ناصية القوة ثانية.
«الاستبدال الكبير» عنوان كتاب صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 لصاحبه الكاتب الفرنسي صاحب النزعات اليمينية المدعو رينو كامو، وقد أحدث خللاً فكرياً كبيراً في القارة الأوروبية، من جراء الترويج لفكر «أسلمة أوروبا»، وتعرُّض الحضارة الغربية والرجل الأبيض لحصار من أقوام وأجناس صفراء وسمراء، جلبتها موجات الهجرة الجماعية في العقدين الأخيرين، وقد تسببت في الكثير من العداءات، وصحوة خطابات الكراهية في نفوس الأوروبيين. هل قُدِّر للخطاب عينه أن يقفز إلى الجانب الآخر من الأطلسي؟
الكارثة أن الأفكار لها أجنحة، والغضب له ضحايا، وبينهما يبقى العالم قلقاً حائراً ومضطرباً، إلى حين إشعار آخر، أو كارثة أصولية يمينية أوروبية أو أميركية أخرى، وساعتها يتجدد الحديث الذي لا يشفع أو ينفع، إن لم يتم التنادي من أجل حلول جامعة مانعة، شافية وافية لاستئصال شأفة الإرهاب الأبيض.


مقالات ذات صلة

النمسا تحكم على «داعشي» بالسجن مدى الحياة لارتكابه هجوم طعن

أوروبا شموع وزهور موضوعة في موقع الحادث الذي أودى بحياة فتى يبلغ من العمر 14 عاماً وأسفر عن إصابة آخرين بجروح في هجوم طعن في مدينة فيلاخ النمساوية يوم 16 فبراير 2025 (رويترز)

النمسا تحكم على «داعشي» بالسجن مدى الحياة لارتكابه هجوم طعن

قضت محكمة نمساوية، الأربعاء، على لاجئ سوري كردي عمره 24 عاماً بالسجن مدى الحياة لارتكابه هجوماً بسكين ​أسفر عن مقتل شخص في مدينة جنوبية العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أوروبا الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» برونو لافون يصل إلى محكمة باريس في 13 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

إطلاق سراح مسؤولَين سابقَين في شركة «لافارج» الفرنسية مُدانين بتمويل الإرهاب

وافقت محكمة فرنسية على إطلاق سراح الرئيس التنفيذي السابق لشركة لافارج ونائبه، بعد سجنهما منذ منتصف الشهر الفائت على أثر إدانتهما بتهمة تمويل الإرهاب في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم امرأة وطفل مرتبطين بتنظيم «داعش» لدى وصولهما إلى مطار ملبورن الدولي (أ.ب)

أستراليا تستعد لعودة 19 امرأة وطفلاً من سوريا مرتبطين بتنظيم «داعش»

أعلن وزير الداخلية الأسترالي، الثلاثاء، أن مجموعة من سبع نساء و12 طفلاً على صلة بمقاتلي تنظيم «داعش»، غادرن سوريا حيث قضين سنوات في طريقهن إلى أستراليا.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شؤون إقليمية صورة موزعة من المخابرات التركية للإرهابي عمر دينيز دوندار عقب القبض عليه في سوريا وإحضاره إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا تضبط 10 من عناصر «داعش» وتعيدهم من سوريا

ألقت المخابرات التركية القبض على 10 مطلوبين أتراك من أعضاء تنظيم «داعش» الإرهابي بالتنسيق مع نظيرتها السورية وأعادتهم إلى البلاد للبدء في محاكمتهم.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا جنود خلال دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو 27 أبريل 2026 (رويترز)

المسلّحون يحاصرون باماكو... ولا عودة إلى الديار هذا العيد

في ظلّ الحصار الذي يفرضه المسلّحون على العاصمة المالية باماكو، يبدو المسلمون مضطرين إلى قضاء عيد الأضحى، المعروف محليّاً باسم تاباسكي، بعيداً من عائلاتهم، هذا…

«الشرق الأوسط» (باماكو)

الأمم المتحدة: نداء البابا ليو لضبط الذكاء الاصطناعي «جاء في توقيت مناسب»

البابا ليو الرابع عشر يلقي كلمة في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان 27 مايو 2027 (د.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر يلقي كلمة في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان 27 مايو 2027 (د.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة: نداء البابا ليو لضبط الذكاء الاصطناعي «جاء في توقيت مناسب»

البابا ليو الرابع عشر يلقي كلمة في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان 27 مايو 2027 (د.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر يلقي كلمة في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان 27 مايو 2027 (د.ب.أ)

أشاد مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الأربعاء، بنداء «جاء في توقيت مناسب» وجّهه البابا ليو الرابع عشر للتحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان البابا ليو الرابع عشر أطلق الاثنين في أوّل رسالة عامة له، نداءً قويّاً لوضع ضوابط للذكاء الاصطناعي وتأثيراته على البشرية.

وحذّر من «سباق نحو خوارزميات تزداد قوة، وقواعد بيانات تزداد اتّساعاً، مدفوعاً بالرغبة في ضمان هيمنة جيوسياسية أو تجارية».

واعتبر تورك في منشور على منصة «إكس»، أن نداء البابا «جاء في توقيت مناسب لصون الكرامة والعدالة في عصر الذكاء الاصطناعي».

وشدّد على «وجوب أن تظل إنسانيتنا الجامعة هي بوصلتنا».

ويمكن أن تصل قيمة الذكاء الاصطناعي إلى 4.8 تريليونات دولار بحلول عام 2033، أي بزيادة قدرها 25 ضعفاً خلال عقد واحد، مع احتكار الأرباح بيد عدد محدود من الجهات الفاعلة، بحسب الأمم المتحدة.

وفي رسالته البابوية، حذّر ليو الرابع عشر من مخاطر الأسلحة الموجّهة بالذكاء الاصطناعي، مشدداً على «عدم جواز تفويض قرار القتل» للتكنولوجيا.

ودعا إلى «تجريد الذكاء الاصطناعي من السلاح»، موضحاً أن ذلك «لانتشاله من منطق التنافس العسكري والاقتصادي والمعرفي».

وشدّد على أهمية منع خضوع الذكاء الاصطناعي «للاحتكارات وهيمنته على الكائن البشري».

وشدّد تورك على أن «التكنولوجيا يجب أن تكون في خدمة الأشخاص وليس أن تحل محلهم أو تتحكم فيهم».


إدارة ترمب لحجر المصابين الأميركيين بـ«إيبولا» في كينيا

عامل صحي يقيس درجة حرارة مواطنة في شمال كيفو بالكونغو الديمقراطية يوم 27 مايو 2026 (إ.ب.أ)
عامل صحي يقيس درجة حرارة مواطنة في شمال كيفو بالكونغو الديمقراطية يوم 27 مايو 2026 (إ.ب.أ)
TT

إدارة ترمب لحجر المصابين الأميركيين بـ«إيبولا» في كينيا

عامل صحي يقيس درجة حرارة مواطنة في شمال كيفو بالكونغو الديمقراطية يوم 27 مايو 2026 (إ.ب.أ)
عامل صحي يقيس درجة حرارة مواطنة في شمال كيفو بالكونغو الديمقراطية يوم 27 مايو 2026 (إ.ب.أ)

كشف مسؤولون أميركيون عن أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تعتزم فتح منشأة للحجر الصحي في كينيا ونقل مواطنين أميركيين مُصابين بفيروس «إيبولا» القاتل إليها، بدلاً من إعادتهم إلى الولايات المتحدة للمراقبة والعلاج.

وسجلت «منظمة الصحة العالمية» تفشي «إيبولا» ‌بجمهورية الكونغو الديمقراطية بشكل رئيسي، مع 10 وفيات مؤكدة، و220 حالة وفاة مشتبهاً فيها، و900 إصابة، منذ منتصف مايو (أيار) الحالي. وقالت «المنظمة» إن الانتشار الفعلي للفيروس ربما يكون أكبر بكثير، بينما رجّح الخبراء أن الفيروس ينتشر منذ فترة. ولا يوجد لقاح أو علاج لسلالة «بونديبوغيو» من فيروس «إيبولا»، المسؤولة عن التفشي الـ17 للمرض المسجل في هذه الدولة من وسط أفريقيا.

حجر في كينيا

توقعت ‌صحيفة «وول ستريت جورنال» أن ترسل الإدارة مسؤولين عن الصحة العامة إلى كينيا لتشغيل المنشأة. ونقلت عن مسؤول أن المركز سيخصَّص للأميركيين «الذين يحتاجون إلى مغادرة جمهورية الكونغو الديمقراطية بسرعة والخضوع للحجر الصحي»، موضحة أن مركز الحجر الصحي ينتظر موافقة السلطات الكينية، حيث لم تُسجل أي حالات إصابة مؤكدة بالمرض.

عاملون صحيون يجرون فحوصاً عشوائية في شمال كيفو بالكونغو الديمقراطية يوم 27 مايو 2026 (إ.ب.أ)

ويخالف هذا النهج تماماً ما كانت تفعله الإدارات السابقة في التعامل مع تفشي الأوبئة؛ إذ كانت تُعيد العاملين في مجال الرعاية الصحية وغيرهم من المواطنين الأميركيين المُصابين إلى بلادهم لتلقي العلاج في وحدات طبية مختصة. وأرسلت الإدارة هذا الشهر طبيباً أميركياً ظهرت عليه أعراض المرض من الكونغو الديمقراطية إلى مستشفى في ألمانيا، كما نقلت 6 أميركيين آخرين للمراقبة في ألمانيا وجمهورية التشيك.

وأدّت تخفيضات المساعدات، التي فرضتها إدارة ترمب، إلى إغلاق «شبكات مراقبة الأمراض الحيوية» و«سلاسل الإمداد الطبي» اللتين كانتا يمكن أن تكشف عن الوباء وتسيطر عليه في وقت أبكر.

وخلال الأسبوع الماضي، استندت إدارة ترمب إلى «قانون الصحة العامة» المعروف باسم «الباب42» لمنع المهاجرين والمقيمين الدائمين الشرعيين الذين وُجدوا في الكونغو أو أوغندا أو جنوب السودان خلال الأيام الـ21 الماضية، من دخول الولايات المتحدة.

ونسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصدرين مطلعين على الخطط أن الخطة الجديدة للإدارة ستمنع أيضاً دخول المواطنين الأميركيين الذين يُحتمل تعرضهم لـ«إيبولا».

عاملون صحيون بألبسة واقية يعملون عند نقطة فحص طبي في إجراء احترازي بجمهورية الكونغو الديمقراطية يوم 27 مايو 2026 (إ.ب.أ)

ويجري حالياً تدريب عشرات من ضباط «دائرة الصحة العامة» للانتشار في كينيا لتقديم الرعاية الطبية للأميركيين المعرضين لخطر الإصابة. وكانت الخطة الأولية تقضي بمراقبة هؤلاء في كينيا، ونقل أي شخص تظهر عليه الأعراض لتلقي العلاج في أوروبا.

وستُقيم الإدارة منشأة في كينيا بجهد منسق مع وزارات الخارجية والحرب والصحة والخدمات الإنسانية. وستقيَّم كل حالة على حدة لتحديد ما إذا كانت هناك حاجة إلى رعاية متقدمة، وفق مسؤول في إدارة ترمب.

فرص النجاة

يبلغ معدل الوفيات الناجمة عن «إيبولا» نحو 50 في المائة، ولكن الحصول المبكر على رعاية وعلاجات عالية الجودة يُمكن أن يُحسّن بشكل كبير فرص النجاة.

وقال مدير مركز «جونز هوبكنز» للأمن الصحي، الدكتور توم إنغلسباي: «نعلم أن فرص شفاء المصابين بـ(إيبولا) ستكون أعلى في وحدات مختصة مُصممة خصيصاً لرعايتهم».

عاملون من «منظمة الصحة العالمية» ينقلون إمدادات طوارئ إلى طائرة تابعة للأمم المتحدة في نيروبي بكينيا يوم 20 مايو 2026 (أ.ب)

وتمتلك الولايات المتحدة كثيراً من المنشآت المُجهّزة بأحدث التقنيات لمراقبة وعلاج المصابين بأمراض خطيرة، بما فيها «إيبولا». وتشمل هذه الحالات وحدة في أوماها، حيث يخضع 18 أميركياً للمراقبة بسبب إصابتهم بفيروس «هانتا»، الذي تفشى على متن سفينة سياحية هولندية هذا الشهر.

وعبّر إنغلسباي عن دهشته البالغة إزاء خطة عدم إعادة موظفي الخدمة الصحية العامة إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج. وقال: «لدينا التزام أخلاقي راسخ بتقديم أفضل رعاية ممكنة لهم في الولايات المتحدة».

وقال خبير الصحة العامة في جامعة «براون»، الدكتور كريغ سبنسر: «رغم أن المنشأة في كينيا قد تكون أفضل من تلك الموجودة في الكونغو، فإنه من غير المرجح أن تضاهي في تطورها المنشآت الأميركية المخصصة لـ(إيبولا) وغيره من مسببات الأمراض الخطيرة». وأضاف: «أجد صعوبة في تصديق قدرتهم على إنشاء نظام مماثل تم تطويره على مدى العقد الماضي، في غضون أيام أو حتى أشهر قليلة، للقيام بهذا العمل تحديداً». ووصف ترك الأميركيين في أفريقيا بدلاً من إعادتهم إلى ديارهم بأنه «تخلِّ صارخ عن واجبنا تجاه أبنائنا».

تحديات الحرب

حذّر المدير العام لـ«منظمة الصحة العالمية»، الأربعاء، بأن الحرب الدائرة في شرق الكونغو الديمقراطية تعقّد بشكلٍ كبير جهود احتواء تفشي وباء «إيبولا» القاتل، داعياً إلى وقف فوري لإطلاق النار. وقال تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، عبر «إكس»، إن «شرق الكونغو الديمقراطية يواجه الآن كارثة تتمثل في تصادم بين المرض والنزاع، في وقت يطغى فيه تفشي (إيبولا) بمقاطعة إيتوري على قدرة الاستجابة».

وكرر غيبرييسوس أن سلالة «بونديبوغيو» من «إيبولا» المنتشرة في الكونغو الديمقراطية «لا يوجد لها لقاح أو علاج معتمد». وقال إن «وقف انتقال عدوى (إيبولا) يعتمد كلياً على وصول المساعدات الإنسانية». لكن انعدام الأمن يُمثل عقبة هائلة في شرق الكونغو الديمقراطية الذي يُعاني منذ 3 عقود من نزاع ينخرط فيه كثير من الجماعات المسلحة. وتغيب الخدمات الحكومية إلى حدّ كبير عن المناطق الريفية في مقاطعة إيتوري منذ عقود.

وأسف تيدروس لأن الاشتباكات «تؤدي إلى نزوح جماعي، وتدفع المخالطين إلى مخيمات مكتظة، وتقطع ممرات الاحتواء الحيوية». ونبّه إلى أن «العاملين في الخطوط الأمامية يخاطرون بكل شيء، فيما تجعل الهجمات على المرافق الصحية تتبّع الحالات ومخالطيها أمراً شبه مستحيل». وأضاف: «لا يُمكننا بناء ثقة المجتمع أو عزل المرضى بينما تتساقط القنابل». وحثّ «جميع الأطراف المتحاربين على الاتفاق على وقف فوري لإطلاق النار؛ من أجل احتواء هذا التفشي، ولتمكيننا من الوصول الآمن والمستدام إلى الفرق الطبية». ودعا إلى «جعل أولوية بقاء الإنسان فوق أي حساب آخر».


كندا تحظر مؤقتاً دخول المقيمين من 3 دول بسبب «إيبولا»

عُمال من جمعية «الصليب الأحمر» الأوغندية ينقلون جثمان شخص يشتبه بإصابته بفيروس «إيبولا» في كمبالا (أ.ف.ب)
عُمال من جمعية «الصليب الأحمر» الأوغندية ينقلون جثمان شخص يشتبه بإصابته بفيروس «إيبولا» في كمبالا (أ.ف.ب)
TT

كندا تحظر مؤقتاً دخول المقيمين من 3 دول بسبب «إيبولا»

عُمال من جمعية «الصليب الأحمر» الأوغندية ينقلون جثمان شخص يشتبه بإصابته بفيروس «إيبولا» في كمبالا (أ.ف.ب)
عُمال من جمعية «الصليب الأحمر» الأوغندية ينقلون جثمان شخص يشتبه بإصابته بفيروس «إيبولا» في كمبالا (أ.ف.ب)

قالت كندا إنها ستفرض حظراً ​مؤقتاً على دخول المقيمين من 3 دول أفريقية وسط تفشي فيروس «إيبولا».

وذكرت الحكومة الكندية أنها ستمنع المقيمين في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا وجنوب السودان من دخول كندا لمدة 90 يوماً، بدءاً من اليوم (الأربعاء).

وأوضحت أن ‌هذا الإجراء المؤقت ​يهدف ‌إلى ⁠تقليل ​مخاطر دخول ⁠فيروس «إيبولا» وانتشاره داخل كندا.

ملصق إرشادي حول فيروس «إيبولا» في مركز طبي بأوغندا (رويترز)

وكانت واشنطن قد حظرت على غير المواطنين الذين سافروا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية أو أوغندا أو جنوب السودان، في الأسابيع القليلة الماضية، دخول الولايات المتحدة.

وجاء ⁠في بيان صادر عن وكالة ‌الصحة العامة ‌الكندية، أنه سيتعين على المواطنين ​الكنديين والمقيمين ‌الدائمين والرعايا الأجانب الذين زاروا المناطق المتضررة ‌خلال الأسابيع القليلة الماضية ولا تظهر عليهم أعراض، الخضوع للحجر الصحي لمدة 21 يوماً، بدءاً من 30 مايو (أيار).

من جهة ‌أخرى، صرح مصدر مطلع لـ«رويترز» بأنه من المتوقع أيضاً ⁠أن تعلن ⁠جزر الباهاما حظراً على دخول الأشخاص الذين سافروا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا وجنوب السودان، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.

لكن حكومة تلك الدولة الكاريبية اكتفت، الثلاثاء، بالإعلان عن تشديد إجراءات الفحص الصحي، وفرض حجر صحي محتمل على الأجانب الذين تواجدوا في جمهورية الكونغو الديمقراطية أو ​أوغندا أو ​جنوب السودان خلال الثلاثين يوماً التي سبقت وصولهم إلى الدولة الكاريبية.

من جهتها، قالت وزارة الصحة الهندية اليوم (الأربعاء) إن الفحوصات أثبتت خلو امرأة أوغندية من فيروس «إيبولا» بعد ​أن خضعت للحجر الصحي في مركز التكنولوجيا في مدينة بنغالور للاشتباه في إصابتها، من دون أن توضح ما إذا كان سيُسمح لها بمغادرة الحجر الصحي.

وجاء هذا الخبر بعد يوم من اجتماع عقده وزير الصحة جاغات براكاش نادا، لمراجعة ‌الاستعدادات لمواجهة المرض ‌الذي صنفته منظمة الصحة ​العالمية ‌حالة ⁠طوارئ ​صحية عامة، ⁠تثير قلقاً دولياً.

وقالت الوزارة في بيان بشأن حالة بنغالور: «جاءت نتيجة الفحص سلبية لمرض فيروس (إيبولا)»، وهي حالة كانت ستعد الأولى في الهند منذ 2014 إذا تأكدت إصابتها.

وقال الدكتور أنيل كومار باناغار، المدير ⁠الطبي للمستشفى الذي عُزلت فيه المرأة، إنه ‌لم تظهر ‌أي أعراض على الزائرة القادمة ​من أوغندا، والبالغة 28 ‌عاماً، وإن السلطات وضعتها في الحجر ‌الصحي احترازياً. ولكن الوزارة ذكرت أنها عانت من آلام خفيفة في الجسم.

ووصلت المرأة إلى المدينة الجنوبية قادمة من مدينة أحمد آباد الصناعية، ‌في غرب الهند، ضمن رحلتها من أوغندا.

عاملان من «الصليب الأحمر» بلباس عازل يحملان نعش طفل تُوفي جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديمقراطية يوم 24 مايو الحالي (رويترز)

وأطلقت الهند إجراءات فحص ومراقبة ⁠في ⁠المطارات ومنافذ الدخول الأخرى، وأصدرت إرشادات وقائية، ودعت مواطنيها أيضاً إلى تجنب السفر غير الضروري إلى الكونغو وأوغندا وجنوب السودان.

وأرجأت السلطات قمة منتدى الهند- أفريقيا المقررة هذا الأسبوع في العاصمة نيودلهي، بسبب المخاوف الصحية العامة في أفريقيا.

وأكدت منظمة الصحة العالمية 101 حالة من بين أكثر من 900 حالة مشتبه بها عالمياً، من سلالة «​بونديبوغيو» من ​الفيروس، التي لا يتوفر لها لقاح ولا علاج معتمد.