بريمر لـ {الشرق الأوسط}: لم يكن هناك جيش بالعراق لكي نحله.. فكلهم ذهبوا لمنازلهم

الحاكم الأميركي السابق للعراق قال في حوار مع {الشرق الأوسط} إن الغارات على المتشددين في سوريا قريبة جداً

بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
TT

بريمر لـ {الشرق الأوسط}: لم يكن هناك جيش بالعراق لكي نحله.. فكلهم ذهبوا لمنازلهم

بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!

عندما سألت بول بريمر عما دفعه لحل الجيش العراقي أجاب «لم يكن هناك من جيش في الثكنات، والجنرال جون أبو زيد أبلغ الرئيس جورج دبليو بوش بذلك حتى قبل وصولي. وفكرة استعادة الجيش رفضها الأكراد الذين هددوا بالاستقلال، والشيعة الذين رأوا أن المؤسسة العسكرية ستكون صدامية من دون صدام».
بول بريمر، المبعوث الرئاسي الشخصي إلى العراق، كلفه الرئيس جورج دبليو بوش بـ«إدارة العراق»، وكانت سلطته مطلقة. أثار الكثير من الجدل، وعندما غادر العراق قال في كلمة تلفزيونية «قطعة من قلبي ستظل باقية هنا في الأرض الجميلة الممتدة ما بين النهرين، بأوديتها الخصبة وجبالها المهيبة وشعبها الرائع». تلك الأرض التي وصفها بأنها مهددة اليوم من الداخل بعاصفة «داعش» وسرطان المذهبية وأيضا من الخارج. الحرب تلوح في الأفق مجددا، وبسببها استعدت إيران ووضع النظام السوري حسابات مستعجلة.
في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أكد بريمر أن الولايات المتحدة لن تتعاون أو تنسق مع نظام بشار الأسد، وأن الغارات الأميركية على «داعش» في سوريا قريبة جدا «لأنه لا يمكن إلحاق الهزيمة بـ(داعش) في العراق من دون هزيمته في سوريا»، مشيرا إلى أنه على كل «كان علينا تدمير السلاح الجوي السوري قبل ثلاث سنوات». وأكد بريمر عدم وجود أي تعاون سري بين واشنطن وطهران «هناك فقط التقاء مصالح لإلحاق الهزيمة بـ(داعش)»، مستطردا أنه «ليس من مصلحة أميركا أو مصلحة دول المنطقة أن تحصل إيران على القدرة النووية».
وقال بريمر إن نوري المالكي أبعد الضباط المدربين أميركيا فانهار الجيش العراقي في الموصل. هو لا يريحه الآن حديث حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي عن إنشاء حرس وطني، كما تقلقه «عصائب أهل الحق» الميليشيا العراقية المدعومة من إيران.
وهنا نص الحوار:
* لو كنت مستشارا لـ«داعش».. بماذا تنصحهم الآن؟
- أنصحهم بأن يعمدوا إلى إطالة حربهم ضد الولايات المتحدة. أفعل ذلك لأنه حسب اعتقادي ليس واضحا أن الحكومة الأميركية ستبقى في هذه الحرب الوقت الكافي لكسبها.
* لفعل هذا، ماذا على «داعش» أن تفعل؟
- هناك أمران واضحان، الأول أن ينتشروا بين الناس في المدن حيث سيصعب قتالهم. الثاني أن ينسحبوا عبر الحدود إلى سوريا، حيث رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما قرر كما يبدو أن الغارات الجوية هناك ستكون محدودة.
* لكن الرئيس نفسه تعهد بالرد على الرئيس السوري بشار الأسد إذا ما أطلق جيشه النار على طائرة أميركية.. هل هذا يعني غارات محدودة أم أن قصف سوريا مشمول في الخطة؟
- أعتقد أنه ينوي شن غارات جوية داخل سوريا. هذا واضح، وبنظري أنه إذا هاجم السوريون طائرات أميركية تحلق في الأجواء السورية، فإننا سنرد حتما. ووجهة نظري بشكل عام أن الوضع الذي نواجهه الآن في العراق وسوريا كأنه نص من كتاب حول أحد الدروس الأساسية في السياسة الخارجية، وهو أن التأخير في اتخاذ قرار صعب عادة ما يؤدي إلى وضع أكثر صعوبة لاحقا. كان علينا أن ندمر السلاح الجوي السوري قبل ثلاث سنوات، عندما دعت الإدارة إلى الإطاحة بالأسد. لو فعلنا ذلك لكانت القوات المعارضة للأسد على الأرض استطاعت أن تحقق بعض النجاح. لم نفعل ذلك، فازداد الوضع سوءا، وهذا كان متوقعا. لهذا نحن في موقف صعب جدا الآن أكثر مما كنا عليه قبل ثلاث سنوات.
* في العراق وسوريا أم في سوريا فقط؟
- في البلدين. بالنسبة إلى العراق أعتقد أن خطأ الرئيس كان بسحب القوات الأميركية في نهاية عام 2011، لأن هذا ترك رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حرا في الشروع في فلسفة سياسية طائفية، وأخطرها كان عندما «طهر» الجيش العراقي المدرب أميركيا من الضباط الذين دربناهم، وهذا يفسر لماذا انهار ذلك الجيش في الموصل. لم يثق المالكي في الضباط.
* وحده المالكي لم يثق بالضباط أم أن إيران هي الأخرى لم تكن تثق بهم؟
- من الصعب القول إلى أي مدى أثرت إيران بقرار المالكي في ما يتعلق بالجيش. أنا لا أعرف. لكن السؤال مهم، لأن إيران هي العامل الكبير غير المعروف في الوضع كله، هي الجانب الذي يطرح أكبر الأسئلة الاستراتيجية في أميركا: ما هي النتيجة النهائية التي نريد رؤيتها وتتعلق بإيران في المنطقة؟.. أي دور تراه أميركا لإيران في المنطقة؟!.. هذا سؤال استراتيجي.
* ولا تستطيع أنت الإجابة عنه؟
- جوابي فيه الكثير من السلبيات. ليس من مصلحة أميركا أو مصلحة أغلب دول المنطقة أن تحصل إيران على القدرة النووية، لأن ذلك يغير كل موازين القوى في المنطقة، وهذا أثار قلقا محقا لدى قوى أخرى في المنطقة. إن فكرة أن تملك إيران قدرة إنتاج أسلحة نووية تدفع إلى تغيير جذري في المنطقة، وتزعزع نظام عدم الانتشار النووي العالمي. هذه مشكلة كبرى. إيران غير نووية، وإيران لا تسوق وتنشر الثورة في المنطقة، يمكن أن تلعب دورا مهما في المنطقة. هذا يتطلب تغييرا حقيقيا في تفكير إيران بدورها في المنطقة، ولا أرى أي إشارة حول هذا.
* يقول البعض إن إيران لن تقف بوجه أميركا إذا ما لاحقت هذه «داعش»، والعكس ينطبق أيضا على أميركا. هل تعتقد بوجود تعاون سري بين الدولتين؟
- كلا، لا أعتقد بوجود تعاون، إنما هناك التقاء مصالح بين الدولتين. من مصلحتهما معا دفع وإلحاق الهزيمة بـ«داعش». لا أعتقد بوجود تنسيق رسمي بين الطرفين، والإدارة استبعدت ذلك. وأعتقد أنه سياسيا ومن أجل السياسة الخارجية هذا قرار صائب. لا أشك بوجود التقاء مصالح الآن. لكن لا تنسيق.
* لكن هناك المئات من ضباط الحرس الثوري الإيراني مع الميليشيات الشيعية في العراق كقادة ومستشارين من دون أي اعتراض من واشنطن؟
- لا أعتقد ما إذا كان من دون اعتراض أو بسبب عدم قدرتنا على فعل أي شيء. من المؤكد أن الإيرانيين قووا مواقفهم في العراق في السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة في فترة حكم المالكي الثانية. هذا أمر لا شك فيه إطلاقا. وبسحبنا قواتنا فقدنا كل نفوذ كان لنا على الأرض داخل العراق. لكن هناك فرقا بين أن الإيرانيين يفعلون ما يفعلون لأن ذلك باستطاعتهم، وبين أن يكون بسبب أننا نرى ما يفعلون فكرة جيدة. لا أعتقد أن الشق الأخير هو السبب. أعتقد أن الإيرانيين استغلوا مسألة أننا لمحنا أننا سنغادر المنطقة وليس فقط العراق أو أفغانستان.
* هل تعتقد أنكم إذا غادرتم أفغانستان قبل إيجاد حل لمشكلة «داعش»، فإن المنطقة ستواجه مشكلة إرهابية أكبر؟
- نعم، وأعتقد أننا ما دمنا سنحتاج إلى وقت طويل لحل مشكلة «داعش» - كما وصفتها - فإن هذا سيأخذ سنوات وليس مجرد أشهر، وما دامت الإدارة مستمرة على طريق سحب قواتنا من أفغانستان، فأعتقد أن الخطر الحقيقي أننا سننتهي بانبعاث «طالبان» في أفغانستان، وأن الوضع في أفغانستان سيزداد سوءا في السنتين المقبلتين خلال حربنا مع «داعش»، حتى لو كنا نحقق تقدما ضد «داعش» فإنه من المؤكد أن الوضع في أفغانستان سيزداد سوءا.
* نعود إلى «داعش» وإيران.. ذكرت أن ضعف الجيش العراقي سببه المالكي، لكن هناك من يقول أيضا إن بروز «داعش» جاء نتيجة لحكم المالكي أيضا، ولتدخل إيران في العراق وسوريا. ماذا تعتقد الآن خصوصا أن كثيرين يتخوفون من أن إيران ستحاول أن تكون المستفيد الوحيد من هزيمة «داعش»؟
- هذا أحد الأسباب التي تدفع الإدارة الأميركية ل‘شراك دول أخرى في المنطقة مثل السعودية، والأردن، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، وبالطبع تركيا. تحاول أن تشكل تحالفا واسعا، لأن كل هذه الدول تشترك في القلق نفسه، أنه ليس من مصلحتها أو من مصلحة أميركا أن تسيطر إيران على المنطقة كلها الممتدة من حدود العراق حتى المتوسط. وبالطبع لمدة 20 سنة كانت سوريا الشريك الوحيد لإيران في المنطقة، هي و«حزب الله» في لبنان، الذي يقاتل الآن في سوريا. إن المصالح الأميركية قريبة جدا من مصالح دول المنطقة بمنع إيران من أن تصبح القوة المسيطرة، وهنا تأتي مشكلة إيران النووية، لأنه حتى لو جرى تقييد إيران ضمن أراضيها فإنها إذا حصلت على السلاح النووي فإن هذا سيغير كل موازين القوى في المنطقة بطريقة سلبية.
* يقترح البعض أن التحالف الجديد لا خيار أمامه سوى التعاون مع نظام بشار الأسد لمحاربة «داعش»، ويقولون إن أجهزة الاستخبارات في الدول بدأت التعاون بالفعل. هل تعتقد بصحة هذا أو يمكن تجنب مثل هذا التعاون؟
- أتكلم عن وجهة النظر الأميركية، هي لن تتعاون أو تنسق مع نظام الأسد. أوضحنا ذلك. الإدارة أوضحت ذلك وقالت أيضا إنه إذا هاجم الدفاع الجوي السوري طائراتنا عندما تبدأ العمل في سوريا، فستتم مواجهته وهزيمته هو الآخر. لذلك لن يحدث أي تنسيق على الأقل من الناحية الأميركية.
* متى ستبدأ الطائرات الأميركية عملها فوق سوريا؟
- كنت أعتقد قريبا جدا. لكن في الصحافة الأميركية اليوم (أول من أمس الخميس) فإن الرئيس أصر أمس مع مستشاريه على أنه يريد أن يوافق شخصيا على كل هجوم على سوريا. هذا قد يؤخر العمل قليلا. وأعتقد أنه قبل أن تبدأ الغارات على سوريا يجب أن تكون هناك معلومات أمنية أكثر حول الأهداف. أظن أن إصرار الرئيس على الموافقة المسبقة على العمليات سيجعلها عملية مرهقة.
* إذا تخلصنا من «داعش»، من سيتخلص من «عصائب أهل الحق»، الميليشيا العراقية الشيعية المدعومة من إيران؟
- تقلقني الميليشيات العراقية المدعومة من إيران. الحل، ولا أقول إنه سيكون سهلا، يكون بإعادة بناء الوحدات النظامية في الجيش العراقي. أنا غير مرتاح أن حيدر العبادي رئيس الوزراء وحكومته بدأوا يتحدثون عن إنشاء الحرس الوطني. هذا يكون مقبولا إذا كان وسيلة لضم عشائر سنّية خصوصا من الأنبار وصلاح الدين ونينوى في القتال ضد «داعش». لكن في النهاية، وهذه فكرة طرحتها عندما كنت في العراق، فإن الحكومة يجب أن تحتكر استخدام القوة الشرعية. يجب ألا تكون هناك ميليشيات وأشخاص لا يخضعون للحكومة، بل للرئيس أو لرئيس الوزراء.
أعتقد جوابا عن سؤالك، أنه على أميركا أن تركز على مساعدة رئيس الوزراء الجديد كي يعيد تشكيل الجيش العراقي. الأميركيون ينسون أن الجيش العراقي المدرب والمسلح أميركيا هزم «القاعدة» في العراق في نهاية عام 2009.
* بمساعدة العشائر؟
- بكل تأكيد، أثناء «الصحوات». وهناك إشارات الآن بأن بعض عناصر الجيش الذي يعاد إنشاؤه تعمل مع عشائر سنّية كبرى، وبالذات حول «حديثة». هذا هو طراز الصحوات الذي نجح خلال السنوات 2007 حتى 2009، لكنه سيأخذ وقتا. إنما هذه على المدى البعيد الطريقة الوحيدة لمحاولة وضع الجيش العراقي والقوات المسلحة تحت سيطرة الحكومة، فلا يبقى وجود للميليشيات. وتصبح العشائر جزءا من القوات العسكرية. وما قام به المالكي أنه أوقف عملية ضم مقاتلي العشائر إلى الجيش، رغم أن الخطة أقرت ذلك.
* أريد أن أسألك سؤالا: لماذا شعرت عندما كنت في العراق بأن عليك حل الجيش العراقي؟
- حسنا، هناك الكثير من سوء الفهم حول هذا الأمر. أولا: لم يكن هناك من جيش لحله. كان الأفراد كلهم ذهبوا إلى بيوتهم حتى قبل وصولي إلى العراق. الجنرال جون أبو زيد أبلغ الرئيس جورج دبليو بوش في بداية أبريل (نيسان) 2003، بأنه لا وجود لأي وحدة عراقية واقفة للدفاع عن أي مكان في البلاد. السؤال الذي واجهناه حتى قبل دخولي الحكومة هو: هل نبني الجيش العراقي أو نستدعي الجيش العراقي؟ فكرة استدعاء الجيش العراقي لم أرفضها وحدي بل أيضا الرئيس بوش، لأن الأكراد كانوا سيعلنون استقلالهم. قال لي قادتهم «لا تنس أن جيش صدام (حسين) شن ولعقود عمليات إبادة ضد الشعب الكردي وإحداها بالكيماوي 1982 (حلبجة)». أيضا، القادة الشيعة الذين كنت أتكلم معهم، قالوا لي «إذا استدعيت جيش صدام ستكون مؤسسة صدامية من دون صدام».
وكان قرار الحكومة الأميركية الذي أوصيت به ودعمته ووافق عليه الرئيس أن نبني جيشا جديدا. وكان القرار الصائب. هذا الجيش الجديد هزم «القاعدة»، لكنه احتاج لوقت أطول مما كنا نأمل.
* وهل تظن أن على الأميركيين الآن أن يعيدوا بناء الجيش العراقي، وهل تثق في أن عبادي لن يُقدم على ما أقدم عليه المالكي؟
- حيدر العبادي كان وزيرا للاتصالات عندما كنت في الحكومة هناك. لفتني أنه حاسم، تكنوقراطي، مثقف، يعرف كيفية اتخاذ القرارات وتنفيذ الأشياء. صحيح أنه من حزب «الدعوة»، لكن ما قاله وفعله منذ اختياره كرئيس للوزراء أظهر أنه يحاول التواصل فعلا مع الأكراد والسنّة. من دون شك يريد الأميركيون مساعدته في إعادة بناء الجيش. أعتقد أنه على الطريق الصحيح، وعليه أن يعين وزيري الداخلية والدفاع. نأمل أن يستمر في السياسة الصحيحة، وأن يتمتع بحكومة موسعة تضم كل الأطراف. وهذه نواياه.
* يكرر الرئيس أوباما أنه لن يرسل قوات برية إلى العراق، لكن الخبراء العسكريين يقولون إن الغارات الجوية قد تمنع «داعش» من التمدد لكنها لا تستطيع تحرير المدن. هل الولايات المتحدة في دوامة؟ وكيف يمكن للجنرال مارتن ديمبسي أن يحقق خططه العسكرية من دون الأدوات الكافية؟
- لا يستطيع. وسنضطر لنشر قوات قتالية على الأرض في العراق. لأوضح أكثر: هناك نقاط ضعف كبيرة عند «داعش»، وهذا مدعاة أمل. أولا لـ«داعش» نقطتا ضعف عسكريتان أساسيتان: خطوط الإمدادات طويلة جدا وعرضة للغارات الجوية، لأنها تمتد من العراق حتى سوريا. ونقطة الضعف الثانية أن لديهم قواعد ضعيفة حيث يجددون ويتزودون وهذه قواعد منتشرة في الصحراء المكشوفة وهي عرضة.
الآن قوتهم يستمدونها من سيطرتهم على بعض المدن مثل الموصل، تكريت، تلعفر، والقائم، وغيرها. لا نستطيع استعادة المدن من الجو، هذا ما يحاول فعله الأسد، أنه يقصف مدنا مثل حلب ويقتل الآلاف والآلاف. حتى الآن سقط 200 ألف سوري. نحن لا يمكننا فعل ذلك. في النهاية القوات البرية تسترجع المدن. علينا أن نضاعف دعمنا العسكري للأكراد، ونساعد في إعادة بناء الجيش العراقي. لكن الدخول إلى المدن سيتطلب قوات أميركية، ليس بالضرورة للقيام بالقتال الفعلي، إنما يجب أن تكون قوات قتالية للمساعدة في تحديد أهداف الغارات الجوية وبدقة.. بالتأكيد سنحتاج لقوات برية على الأرض، ثم لا ننسى أن هذه القوات إذا تم إطلاق النار عليها فإنها سترد بالمثل للدفاع عن نفسها. لا يمكن استثناءها من المعارك. إن هذا النقاش حول القوات القتالية، على الأقل في الصحافة الأميركية، له جانب نظري، إنما لا بد أننا سننشر قوات على الأرض. وكان الجنرال ديمبسي واضحا عندما قال ذلك، وأعتقد أن الرئيس أخطأ عندما استبعد مثل هذا الاحتمال, إنه يقيد يديه بنفسه، ويكشف للعدو عن تردده.
* ومع ذلك، قال أيضا إن هذا العصر هو العصر الأميركي، كيف نصدق ذلك إذا كان كثير التردد؟
- هذه مشكلة. أريد أن أضيف شيئا عن «داعش»: إن نقطة الضعف الأساسية التي يعاني منها «داعش» هي آيديولوجيته. التصرف الذي يقدم عليه «داعش» في العراق لا يجذب حتى 2 في المائة من الشعب العراقي. الشعب العراقي مثقف، هو ابن حضارة عظيمة موجودة هناك منذ 5 آلاف سنة.
العراق مسقط رأس حمورابي، أبي الشرائع والقوانين. قطع الرؤوس، صلب الأطفال، اغتصاب النساء، كلها كلفت «القاعدة» وقف دعم الشعب العراقي عامي 2006 و2007.. هذه هي نقطة ضعف «داعش» الأساسية.
* تتكلم عن العراق وعن المدن العراقية وكأنك عراقي وترى هذه المدن كأنها أمام عينيك!
- أراها. كنت في كل هذه الأمكنة.
* لكنك تصر أيضا على الحديث عن «داعش» في العراق، متناسيا أن «داعش» موجود أيضا في سوريا، وقد يهاجم الأردن وأيضا لبنان؟
- يجب أن نهزم «داعش» في سوريا. لا تفهميني بطريقة خاطئة. لا يمكن إلحاق الهزيمة بهم في العراق من دون هزيمتهم في سوريا. ويجب أن نعترف بأن الرئيس أوباما يدرك ذلك، لكن هل سيقيد أيدي العسكريين؟ كان الرئيس واضحا في كلمته قبل أسبوعين. هو يدرك أننا لا يمكن أن نهزم «داعش» في العراق فقط، هذا لن يكون انتصارا. سيعبرون الحدود إلى سوريا.
* بالطبع، ومن سوريا إلى الأردن وإلى لبنان؟
- من هنا يأتي التقاء المصالح بيننا وبين إيران. لأن هذه هي المناطق التي تريد إيران السيطرة عليها. إنها تريد السيطرة على كل ما هو ممتد من الجانب الشرقي - الغربي لإيران حتى المتوسط. لكن هذا ليس من مصلحة أميركا أو من مصلحة استقرار المنطقة.
* يبدو أن الأميركيين لم يلاحظوا هذا الشيء، حتى تدخل «داعش» وحطم الهلال الشيعي؟
- هذا صحيح. «داعش» هو نسخة جديدة مختلفة من «القاعدة».
* أريد أن أسألك عن مصير الأقليات في المنطقة، وكلها قلقة. المسيحيون يشعرون بأن الغرب يساعد «داعش» بتشجيعهم على ترك أوطانهم. هل يستطيع الغرب إعادة إصلاح ما فعله «داعش» بحق هذه الأقليات؟
- دعيني أعبر عن الأسى الذي أشعر به شخصيا خصوصا في ما يتعلق بأقدم فروع المسيحيين في المنطقة الذين هم في العراق، الذين طردوا أولا إلى الشمال ومن ثم إلى خارج البلاد.
هذا لا يتعرض له المسيحيون فقط في العراق بل يشعر به مسيحيو لبنان أيضا. كنت على غداء مع البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي في واشنطن، وتحدث عن قلقه على المسيحيين في الشرق وفي لبنان. كذلك هناك قلق على الإيزيديين والتركمان والكثير من الأقليات. لم يكن أبدا من أهداف إدارة بوش وإدارة أوباما إبعاد المسيحيين والأقليات كما يوحي سؤالك.
* لكنهم يشجعون الأقليات على الرحيل وكأنهم يساعدون «داعش». الدول الأخرى ترحب بهم بدل تشجيعهم على البقاء؟
- لكن من ناحية أخرى، يجب أن نتعاطف مع قلق العائلات المسيحية في العراق وسوريا. من الجميل تشجيعهم على البقاء، لكن «إذا تم الاعتداء عليكم وقتلكم وصلبكم فعليكم البحث عن بدائل». الحل الوحيد هو باستعادة بعض الاستقرار إلى المنطقة كي يتاح لمن تبقى من الأقليات العيش هناك. إنها مأساة تاريخية.
* أليس مستغربا أن تركيا الدولة العضو في الحلف الأطلسي رفضت عام 2003 السماح للقوات الأميركية باستعمال أراضيها وتتخذ اليوم الموقف نفسه.. هل لديك أي تفسير خصوصا في ظل ما تردده التقارير الصحافية عن أن تركيا أصبحت اليوم مركزا لتجنيد مقاتلين لـ«داعش»؟ احك لنا عن تركيا العضو في الأطلسي..
- لست خبيرا بتركيا، لكن كوني أمضيت سنوات طويلة من حياتي المهنية في الأطلسي فإنني مصاب بخيبة كبيرة، أن دولة عضوا في الأطلسي ولأكثر من عقد من الزمن وضعت لمرتين عراقيل في وجهنا، أمام اتخاذنا قرارات نرى أنها من مصلحة تركيا وتجلب الاستقرار للمنطقة. إنها مسألة محبطة، لا أستطيع تفسيرها سوى أنها السياسة التي يعتمدها الرئيس رجب طيب إردوغان. أنا متأكد أن الحكومة الأميركية تجري محادثات صريحة وهادئة مع الأتراك. إنه أمر يثير اهتمامنا خصوصا أن تركيا، وهي قوة كبيرة، لديها دور تاريخي في المنطقة، ثم إنها عضو في الأطلسي. لا أستطيع أن أفسر دورها وبالطبع لا أبرره. إنه أمر محبط للغاية تماما كما فعلوا عام 2003 عندما رفضوا انطلاق فرقة المشاة الرابعة الأميركية من تركيا.
على كل، مسألة أن فرقة المشاة الرابعة لم تأت كانت لها تبعات على الحالة الأمنية في العراق بعد الحرب. لأن فرقة المشاة الرابعة كانت ستقاتل انطلاقا من الحدود التركية نزولا حتى الموصل وتكريت، وكانت ستواجه فرقتين كبيرتين من فرق الحرس الثوري، واللتين أصبحتا لاحقا جزءا من العصيان.
* ماذا يجب عمله بعد إلحاق الهزيمة بـ«داعش»، هل يجري الإعداد لخطة سياسية استراتيجية لإعادة إحياء العراق؟
- لا يوجد. إنما أخبرك ما أعتقد بوجوب أن يحدث. ستكون هناك مشكلة أكبر. ما نراه الآن هو انهيار الهيكل السياسي للمنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وليس فقط انهيار اتفاقية «سايكس - بيكو» التي تنعكس على لبنان وسوريا والعراق. إنه انهيار لهيكلية سياسية عمرها مائة عام.
في نهاية المطاف، عندما يتحقق بعض الاستقرار في العراق وسوريا، يجب أن يعقد مؤتمر إقليمي يقرر مصالح الأطراف كلها، وكيفية تنظيم تلك المنطقة لقرن آخر: ما هو الدور المناسب للإيرانيين؟.. كيف سيحدث توازن القوى بين العلويين في سوريا والسنّة، وكذلك الآخرين: الدروز، المسيحيين، إلخ؟.. يجب إعادة النظر بكل شيء، وهذا سيحتاج إلى سنوات، ويحتاج أيضا إلى تحرك نحو الاستقرار وإلى رؤية. أنا لا أملك الرؤية، لكني أستطيع أن أقول ما يجب أن يحدث. بعض الدول يجب أن تنظر إلى كل المنطقة وتضع تصورا للأخذ في الاعتبار بكل مصالح الدول المعنية: دول الخليج العربية، الأردن، العراق، سوريا، ولبنان. هذا ما يجب أن يحدث، لكن ستمر سنوات قبل أن يحدث.
هدفنا الآن وقف الاتجاه القائم ومنع «داعش» من أن يكبر أكثر، وأن نقلب الوضع وفي النهاية نهزمه.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.