بريمر لـ {الشرق الأوسط}: لم يكن هناك جيش بالعراق لكي نحله.. فكلهم ذهبوا لمنازلهم

الحاكم الأميركي السابق للعراق قال في حوار مع {الشرق الأوسط} إن الغارات على المتشددين في سوريا قريبة جداً

بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
TT

بريمر لـ {الشرق الأوسط}: لم يكن هناك جيش بالعراق لكي نحله.. فكلهم ذهبوا لمنازلهم

بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!

عندما سألت بول بريمر عما دفعه لحل الجيش العراقي أجاب «لم يكن هناك من جيش في الثكنات، والجنرال جون أبو زيد أبلغ الرئيس جورج دبليو بوش بذلك حتى قبل وصولي. وفكرة استعادة الجيش رفضها الأكراد الذين هددوا بالاستقلال، والشيعة الذين رأوا أن المؤسسة العسكرية ستكون صدامية من دون صدام».
بول بريمر، المبعوث الرئاسي الشخصي إلى العراق، كلفه الرئيس جورج دبليو بوش بـ«إدارة العراق»، وكانت سلطته مطلقة. أثار الكثير من الجدل، وعندما غادر العراق قال في كلمة تلفزيونية «قطعة من قلبي ستظل باقية هنا في الأرض الجميلة الممتدة ما بين النهرين، بأوديتها الخصبة وجبالها المهيبة وشعبها الرائع». تلك الأرض التي وصفها بأنها مهددة اليوم من الداخل بعاصفة «داعش» وسرطان المذهبية وأيضا من الخارج. الحرب تلوح في الأفق مجددا، وبسببها استعدت إيران ووضع النظام السوري حسابات مستعجلة.
في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أكد بريمر أن الولايات المتحدة لن تتعاون أو تنسق مع نظام بشار الأسد، وأن الغارات الأميركية على «داعش» في سوريا قريبة جدا «لأنه لا يمكن إلحاق الهزيمة بـ(داعش) في العراق من دون هزيمته في سوريا»، مشيرا إلى أنه على كل «كان علينا تدمير السلاح الجوي السوري قبل ثلاث سنوات». وأكد بريمر عدم وجود أي تعاون سري بين واشنطن وطهران «هناك فقط التقاء مصالح لإلحاق الهزيمة بـ(داعش)»، مستطردا أنه «ليس من مصلحة أميركا أو مصلحة دول المنطقة أن تحصل إيران على القدرة النووية».
وقال بريمر إن نوري المالكي أبعد الضباط المدربين أميركيا فانهار الجيش العراقي في الموصل. هو لا يريحه الآن حديث حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي عن إنشاء حرس وطني، كما تقلقه «عصائب أهل الحق» الميليشيا العراقية المدعومة من إيران.
وهنا نص الحوار:
* لو كنت مستشارا لـ«داعش».. بماذا تنصحهم الآن؟
- أنصحهم بأن يعمدوا إلى إطالة حربهم ضد الولايات المتحدة. أفعل ذلك لأنه حسب اعتقادي ليس واضحا أن الحكومة الأميركية ستبقى في هذه الحرب الوقت الكافي لكسبها.
* لفعل هذا، ماذا على «داعش» أن تفعل؟
- هناك أمران واضحان، الأول أن ينتشروا بين الناس في المدن حيث سيصعب قتالهم. الثاني أن ينسحبوا عبر الحدود إلى سوريا، حيث رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما قرر كما يبدو أن الغارات الجوية هناك ستكون محدودة.
* لكن الرئيس نفسه تعهد بالرد على الرئيس السوري بشار الأسد إذا ما أطلق جيشه النار على طائرة أميركية.. هل هذا يعني غارات محدودة أم أن قصف سوريا مشمول في الخطة؟
- أعتقد أنه ينوي شن غارات جوية داخل سوريا. هذا واضح، وبنظري أنه إذا هاجم السوريون طائرات أميركية تحلق في الأجواء السورية، فإننا سنرد حتما. ووجهة نظري بشكل عام أن الوضع الذي نواجهه الآن في العراق وسوريا كأنه نص من كتاب حول أحد الدروس الأساسية في السياسة الخارجية، وهو أن التأخير في اتخاذ قرار صعب عادة ما يؤدي إلى وضع أكثر صعوبة لاحقا. كان علينا أن ندمر السلاح الجوي السوري قبل ثلاث سنوات، عندما دعت الإدارة إلى الإطاحة بالأسد. لو فعلنا ذلك لكانت القوات المعارضة للأسد على الأرض استطاعت أن تحقق بعض النجاح. لم نفعل ذلك، فازداد الوضع سوءا، وهذا كان متوقعا. لهذا نحن في موقف صعب جدا الآن أكثر مما كنا عليه قبل ثلاث سنوات.
* في العراق وسوريا أم في سوريا فقط؟
- في البلدين. بالنسبة إلى العراق أعتقد أن خطأ الرئيس كان بسحب القوات الأميركية في نهاية عام 2011، لأن هذا ترك رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حرا في الشروع في فلسفة سياسية طائفية، وأخطرها كان عندما «طهر» الجيش العراقي المدرب أميركيا من الضباط الذين دربناهم، وهذا يفسر لماذا انهار ذلك الجيش في الموصل. لم يثق المالكي في الضباط.
* وحده المالكي لم يثق بالضباط أم أن إيران هي الأخرى لم تكن تثق بهم؟
- من الصعب القول إلى أي مدى أثرت إيران بقرار المالكي في ما يتعلق بالجيش. أنا لا أعرف. لكن السؤال مهم، لأن إيران هي العامل الكبير غير المعروف في الوضع كله، هي الجانب الذي يطرح أكبر الأسئلة الاستراتيجية في أميركا: ما هي النتيجة النهائية التي نريد رؤيتها وتتعلق بإيران في المنطقة؟.. أي دور تراه أميركا لإيران في المنطقة؟!.. هذا سؤال استراتيجي.
* ولا تستطيع أنت الإجابة عنه؟
- جوابي فيه الكثير من السلبيات. ليس من مصلحة أميركا أو مصلحة أغلب دول المنطقة أن تحصل إيران على القدرة النووية، لأن ذلك يغير كل موازين القوى في المنطقة، وهذا أثار قلقا محقا لدى قوى أخرى في المنطقة. إن فكرة أن تملك إيران قدرة إنتاج أسلحة نووية تدفع إلى تغيير جذري في المنطقة، وتزعزع نظام عدم الانتشار النووي العالمي. هذه مشكلة كبرى. إيران غير نووية، وإيران لا تسوق وتنشر الثورة في المنطقة، يمكن أن تلعب دورا مهما في المنطقة. هذا يتطلب تغييرا حقيقيا في تفكير إيران بدورها في المنطقة، ولا أرى أي إشارة حول هذا.
* يقول البعض إن إيران لن تقف بوجه أميركا إذا ما لاحقت هذه «داعش»، والعكس ينطبق أيضا على أميركا. هل تعتقد بوجود تعاون سري بين الدولتين؟
- كلا، لا أعتقد بوجود تعاون، إنما هناك التقاء مصالح بين الدولتين. من مصلحتهما معا دفع وإلحاق الهزيمة بـ«داعش». لا أعتقد بوجود تنسيق رسمي بين الطرفين، والإدارة استبعدت ذلك. وأعتقد أنه سياسيا ومن أجل السياسة الخارجية هذا قرار صائب. لا أشك بوجود التقاء مصالح الآن. لكن لا تنسيق.
* لكن هناك المئات من ضباط الحرس الثوري الإيراني مع الميليشيات الشيعية في العراق كقادة ومستشارين من دون أي اعتراض من واشنطن؟
- لا أعتقد ما إذا كان من دون اعتراض أو بسبب عدم قدرتنا على فعل أي شيء. من المؤكد أن الإيرانيين قووا مواقفهم في العراق في السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة في فترة حكم المالكي الثانية. هذا أمر لا شك فيه إطلاقا. وبسحبنا قواتنا فقدنا كل نفوذ كان لنا على الأرض داخل العراق. لكن هناك فرقا بين أن الإيرانيين يفعلون ما يفعلون لأن ذلك باستطاعتهم، وبين أن يكون بسبب أننا نرى ما يفعلون فكرة جيدة. لا أعتقد أن الشق الأخير هو السبب. أعتقد أن الإيرانيين استغلوا مسألة أننا لمحنا أننا سنغادر المنطقة وليس فقط العراق أو أفغانستان.
* هل تعتقد أنكم إذا غادرتم أفغانستان قبل إيجاد حل لمشكلة «داعش»، فإن المنطقة ستواجه مشكلة إرهابية أكبر؟
- نعم، وأعتقد أننا ما دمنا سنحتاج إلى وقت طويل لحل مشكلة «داعش» - كما وصفتها - فإن هذا سيأخذ سنوات وليس مجرد أشهر، وما دامت الإدارة مستمرة على طريق سحب قواتنا من أفغانستان، فأعتقد أن الخطر الحقيقي أننا سننتهي بانبعاث «طالبان» في أفغانستان، وأن الوضع في أفغانستان سيزداد سوءا في السنتين المقبلتين خلال حربنا مع «داعش»، حتى لو كنا نحقق تقدما ضد «داعش» فإنه من المؤكد أن الوضع في أفغانستان سيزداد سوءا.
* نعود إلى «داعش» وإيران.. ذكرت أن ضعف الجيش العراقي سببه المالكي، لكن هناك من يقول أيضا إن بروز «داعش» جاء نتيجة لحكم المالكي أيضا، ولتدخل إيران في العراق وسوريا. ماذا تعتقد الآن خصوصا أن كثيرين يتخوفون من أن إيران ستحاول أن تكون المستفيد الوحيد من هزيمة «داعش»؟
- هذا أحد الأسباب التي تدفع الإدارة الأميركية ل‘شراك دول أخرى في المنطقة مثل السعودية، والأردن، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، وبالطبع تركيا. تحاول أن تشكل تحالفا واسعا، لأن كل هذه الدول تشترك في القلق نفسه، أنه ليس من مصلحتها أو من مصلحة أميركا أن تسيطر إيران على المنطقة كلها الممتدة من حدود العراق حتى المتوسط. وبالطبع لمدة 20 سنة كانت سوريا الشريك الوحيد لإيران في المنطقة، هي و«حزب الله» في لبنان، الذي يقاتل الآن في سوريا. إن المصالح الأميركية قريبة جدا من مصالح دول المنطقة بمنع إيران من أن تصبح القوة المسيطرة، وهنا تأتي مشكلة إيران النووية، لأنه حتى لو جرى تقييد إيران ضمن أراضيها فإنها إذا حصلت على السلاح النووي فإن هذا سيغير كل موازين القوى في المنطقة بطريقة سلبية.
* يقترح البعض أن التحالف الجديد لا خيار أمامه سوى التعاون مع نظام بشار الأسد لمحاربة «داعش»، ويقولون إن أجهزة الاستخبارات في الدول بدأت التعاون بالفعل. هل تعتقد بصحة هذا أو يمكن تجنب مثل هذا التعاون؟
- أتكلم عن وجهة النظر الأميركية، هي لن تتعاون أو تنسق مع نظام الأسد. أوضحنا ذلك. الإدارة أوضحت ذلك وقالت أيضا إنه إذا هاجم الدفاع الجوي السوري طائراتنا عندما تبدأ العمل في سوريا، فستتم مواجهته وهزيمته هو الآخر. لذلك لن يحدث أي تنسيق على الأقل من الناحية الأميركية.
* متى ستبدأ الطائرات الأميركية عملها فوق سوريا؟
- كنت أعتقد قريبا جدا. لكن في الصحافة الأميركية اليوم (أول من أمس الخميس) فإن الرئيس أصر أمس مع مستشاريه على أنه يريد أن يوافق شخصيا على كل هجوم على سوريا. هذا قد يؤخر العمل قليلا. وأعتقد أنه قبل أن تبدأ الغارات على سوريا يجب أن تكون هناك معلومات أمنية أكثر حول الأهداف. أظن أن إصرار الرئيس على الموافقة المسبقة على العمليات سيجعلها عملية مرهقة.
* إذا تخلصنا من «داعش»، من سيتخلص من «عصائب أهل الحق»، الميليشيا العراقية الشيعية المدعومة من إيران؟
- تقلقني الميليشيات العراقية المدعومة من إيران. الحل، ولا أقول إنه سيكون سهلا، يكون بإعادة بناء الوحدات النظامية في الجيش العراقي. أنا غير مرتاح أن حيدر العبادي رئيس الوزراء وحكومته بدأوا يتحدثون عن إنشاء الحرس الوطني. هذا يكون مقبولا إذا كان وسيلة لضم عشائر سنّية خصوصا من الأنبار وصلاح الدين ونينوى في القتال ضد «داعش». لكن في النهاية، وهذه فكرة طرحتها عندما كنت في العراق، فإن الحكومة يجب أن تحتكر استخدام القوة الشرعية. يجب ألا تكون هناك ميليشيات وأشخاص لا يخضعون للحكومة، بل للرئيس أو لرئيس الوزراء.
أعتقد جوابا عن سؤالك، أنه على أميركا أن تركز على مساعدة رئيس الوزراء الجديد كي يعيد تشكيل الجيش العراقي. الأميركيون ينسون أن الجيش العراقي المدرب والمسلح أميركيا هزم «القاعدة» في العراق في نهاية عام 2009.
* بمساعدة العشائر؟
- بكل تأكيد، أثناء «الصحوات». وهناك إشارات الآن بأن بعض عناصر الجيش الذي يعاد إنشاؤه تعمل مع عشائر سنّية كبرى، وبالذات حول «حديثة». هذا هو طراز الصحوات الذي نجح خلال السنوات 2007 حتى 2009، لكنه سيأخذ وقتا. إنما هذه على المدى البعيد الطريقة الوحيدة لمحاولة وضع الجيش العراقي والقوات المسلحة تحت سيطرة الحكومة، فلا يبقى وجود للميليشيات. وتصبح العشائر جزءا من القوات العسكرية. وما قام به المالكي أنه أوقف عملية ضم مقاتلي العشائر إلى الجيش، رغم أن الخطة أقرت ذلك.
* أريد أن أسألك سؤالا: لماذا شعرت عندما كنت في العراق بأن عليك حل الجيش العراقي؟
- حسنا، هناك الكثير من سوء الفهم حول هذا الأمر. أولا: لم يكن هناك من جيش لحله. كان الأفراد كلهم ذهبوا إلى بيوتهم حتى قبل وصولي إلى العراق. الجنرال جون أبو زيد أبلغ الرئيس جورج دبليو بوش في بداية أبريل (نيسان) 2003، بأنه لا وجود لأي وحدة عراقية واقفة للدفاع عن أي مكان في البلاد. السؤال الذي واجهناه حتى قبل دخولي الحكومة هو: هل نبني الجيش العراقي أو نستدعي الجيش العراقي؟ فكرة استدعاء الجيش العراقي لم أرفضها وحدي بل أيضا الرئيس بوش، لأن الأكراد كانوا سيعلنون استقلالهم. قال لي قادتهم «لا تنس أن جيش صدام (حسين) شن ولعقود عمليات إبادة ضد الشعب الكردي وإحداها بالكيماوي 1982 (حلبجة)». أيضا، القادة الشيعة الذين كنت أتكلم معهم، قالوا لي «إذا استدعيت جيش صدام ستكون مؤسسة صدامية من دون صدام».
وكان قرار الحكومة الأميركية الذي أوصيت به ودعمته ووافق عليه الرئيس أن نبني جيشا جديدا. وكان القرار الصائب. هذا الجيش الجديد هزم «القاعدة»، لكنه احتاج لوقت أطول مما كنا نأمل.
* وهل تظن أن على الأميركيين الآن أن يعيدوا بناء الجيش العراقي، وهل تثق في أن عبادي لن يُقدم على ما أقدم عليه المالكي؟
- حيدر العبادي كان وزيرا للاتصالات عندما كنت في الحكومة هناك. لفتني أنه حاسم، تكنوقراطي، مثقف، يعرف كيفية اتخاذ القرارات وتنفيذ الأشياء. صحيح أنه من حزب «الدعوة»، لكن ما قاله وفعله منذ اختياره كرئيس للوزراء أظهر أنه يحاول التواصل فعلا مع الأكراد والسنّة. من دون شك يريد الأميركيون مساعدته في إعادة بناء الجيش. أعتقد أنه على الطريق الصحيح، وعليه أن يعين وزيري الداخلية والدفاع. نأمل أن يستمر في السياسة الصحيحة، وأن يتمتع بحكومة موسعة تضم كل الأطراف. وهذه نواياه.
* يكرر الرئيس أوباما أنه لن يرسل قوات برية إلى العراق، لكن الخبراء العسكريين يقولون إن الغارات الجوية قد تمنع «داعش» من التمدد لكنها لا تستطيع تحرير المدن. هل الولايات المتحدة في دوامة؟ وكيف يمكن للجنرال مارتن ديمبسي أن يحقق خططه العسكرية من دون الأدوات الكافية؟
- لا يستطيع. وسنضطر لنشر قوات قتالية على الأرض في العراق. لأوضح أكثر: هناك نقاط ضعف كبيرة عند «داعش»، وهذا مدعاة أمل. أولا لـ«داعش» نقطتا ضعف عسكريتان أساسيتان: خطوط الإمدادات طويلة جدا وعرضة للغارات الجوية، لأنها تمتد من العراق حتى سوريا. ونقطة الضعف الثانية أن لديهم قواعد ضعيفة حيث يجددون ويتزودون وهذه قواعد منتشرة في الصحراء المكشوفة وهي عرضة.
الآن قوتهم يستمدونها من سيطرتهم على بعض المدن مثل الموصل، تكريت، تلعفر، والقائم، وغيرها. لا نستطيع استعادة المدن من الجو، هذا ما يحاول فعله الأسد، أنه يقصف مدنا مثل حلب ويقتل الآلاف والآلاف. حتى الآن سقط 200 ألف سوري. نحن لا يمكننا فعل ذلك. في النهاية القوات البرية تسترجع المدن. علينا أن نضاعف دعمنا العسكري للأكراد، ونساعد في إعادة بناء الجيش العراقي. لكن الدخول إلى المدن سيتطلب قوات أميركية، ليس بالضرورة للقيام بالقتال الفعلي، إنما يجب أن تكون قوات قتالية للمساعدة في تحديد أهداف الغارات الجوية وبدقة.. بالتأكيد سنحتاج لقوات برية على الأرض، ثم لا ننسى أن هذه القوات إذا تم إطلاق النار عليها فإنها سترد بالمثل للدفاع عن نفسها. لا يمكن استثناءها من المعارك. إن هذا النقاش حول القوات القتالية، على الأقل في الصحافة الأميركية، له جانب نظري، إنما لا بد أننا سننشر قوات على الأرض. وكان الجنرال ديمبسي واضحا عندما قال ذلك، وأعتقد أن الرئيس أخطأ عندما استبعد مثل هذا الاحتمال, إنه يقيد يديه بنفسه، ويكشف للعدو عن تردده.
* ومع ذلك، قال أيضا إن هذا العصر هو العصر الأميركي، كيف نصدق ذلك إذا كان كثير التردد؟
- هذه مشكلة. أريد أن أضيف شيئا عن «داعش»: إن نقطة الضعف الأساسية التي يعاني منها «داعش» هي آيديولوجيته. التصرف الذي يقدم عليه «داعش» في العراق لا يجذب حتى 2 في المائة من الشعب العراقي. الشعب العراقي مثقف، هو ابن حضارة عظيمة موجودة هناك منذ 5 آلاف سنة.
العراق مسقط رأس حمورابي، أبي الشرائع والقوانين. قطع الرؤوس، صلب الأطفال، اغتصاب النساء، كلها كلفت «القاعدة» وقف دعم الشعب العراقي عامي 2006 و2007.. هذه هي نقطة ضعف «داعش» الأساسية.
* تتكلم عن العراق وعن المدن العراقية وكأنك عراقي وترى هذه المدن كأنها أمام عينيك!
- أراها. كنت في كل هذه الأمكنة.
* لكنك تصر أيضا على الحديث عن «داعش» في العراق، متناسيا أن «داعش» موجود أيضا في سوريا، وقد يهاجم الأردن وأيضا لبنان؟
- يجب أن نهزم «داعش» في سوريا. لا تفهميني بطريقة خاطئة. لا يمكن إلحاق الهزيمة بهم في العراق من دون هزيمتهم في سوريا. ويجب أن نعترف بأن الرئيس أوباما يدرك ذلك، لكن هل سيقيد أيدي العسكريين؟ كان الرئيس واضحا في كلمته قبل أسبوعين. هو يدرك أننا لا يمكن أن نهزم «داعش» في العراق فقط، هذا لن يكون انتصارا. سيعبرون الحدود إلى سوريا.
* بالطبع، ومن سوريا إلى الأردن وإلى لبنان؟
- من هنا يأتي التقاء المصالح بيننا وبين إيران. لأن هذه هي المناطق التي تريد إيران السيطرة عليها. إنها تريد السيطرة على كل ما هو ممتد من الجانب الشرقي - الغربي لإيران حتى المتوسط. لكن هذا ليس من مصلحة أميركا أو من مصلحة استقرار المنطقة.
* يبدو أن الأميركيين لم يلاحظوا هذا الشيء، حتى تدخل «داعش» وحطم الهلال الشيعي؟
- هذا صحيح. «داعش» هو نسخة جديدة مختلفة من «القاعدة».
* أريد أن أسألك عن مصير الأقليات في المنطقة، وكلها قلقة. المسيحيون يشعرون بأن الغرب يساعد «داعش» بتشجيعهم على ترك أوطانهم. هل يستطيع الغرب إعادة إصلاح ما فعله «داعش» بحق هذه الأقليات؟
- دعيني أعبر عن الأسى الذي أشعر به شخصيا خصوصا في ما يتعلق بأقدم فروع المسيحيين في المنطقة الذين هم في العراق، الذين طردوا أولا إلى الشمال ومن ثم إلى خارج البلاد.
هذا لا يتعرض له المسيحيون فقط في العراق بل يشعر به مسيحيو لبنان أيضا. كنت على غداء مع البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي في واشنطن، وتحدث عن قلقه على المسيحيين في الشرق وفي لبنان. كذلك هناك قلق على الإيزيديين والتركمان والكثير من الأقليات. لم يكن أبدا من أهداف إدارة بوش وإدارة أوباما إبعاد المسيحيين والأقليات كما يوحي سؤالك.
* لكنهم يشجعون الأقليات على الرحيل وكأنهم يساعدون «داعش». الدول الأخرى ترحب بهم بدل تشجيعهم على البقاء؟
- لكن من ناحية أخرى، يجب أن نتعاطف مع قلق العائلات المسيحية في العراق وسوريا. من الجميل تشجيعهم على البقاء، لكن «إذا تم الاعتداء عليكم وقتلكم وصلبكم فعليكم البحث عن بدائل». الحل الوحيد هو باستعادة بعض الاستقرار إلى المنطقة كي يتاح لمن تبقى من الأقليات العيش هناك. إنها مأساة تاريخية.
* أليس مستغربا أن تركيا الدولة العضو في الحلف الأطلسي رفضت عام 2003 السماح للقوات الأميركية باستعمال أراضيها وتتخذ اليوم الموقف نفسه.. هل لديك أي تفسير خصوصا في ظل ما تردده التقارير الصحافية عن أن تركيا أصبحت اليوم مركزا لتجنيد مقاتلين لـ«داعش»؟ احك لنا عن تركيا العضو في الأطلسي..
- لست خبيرا بتركيا، لكن كوني أمضيت سنوات طويلة من حياتي المهنية في الأطلسي فإنني مصاب بخيبة كبيرة، أن دولة عضوا في الأطلسي ولأكثر من عقد من الزمن وضعت لمرتين عراقيل في وجهنا، أمام اتخاذنا قرارات نرى أنها من مصلحة تركيا وتجلب الاستقرار للمنطقة. إنها مسألة محبطة، لا أستطيع تفسيرها سوى أنها السياسة التي يعتمدها الرئيس رجب طيب إردوغان. أنا متأكد أن الحكومة الأميركية تجري محادثات صريحة وهادئة مع الأتراك. إنه أمر يثير اهتمامنا خصوصا أن تركيا، وهي قوة كبيرة، لديها دور تاريخي في المنطقة، ثم إنها عضو في الأطلسي. لا أستطيع أن أفسر دورها وبالطبع لا أبرره. إنه أمر محبط للغاية تماما كما فعلوا عام 2003 عندما رفضوا انطلاق فرقة المشاة الرابعة الأميركية من تركيا.
على كل، مسألة أن فرقة المشاة الرابعة لم تأت كانت لها تبعات على الحالة الأمنية في العراق بعد الحرب. لأن فرقة المشاة الرابعة كانت ستقاتل انطلاقا من الحدود التركية نزولا حتى الموصل وتكريت، وكانت ستواجه فرقتين كبيرتين من فرق الحرس الثوري، واللتين أصبحتا لاحقا جزءا من العصيان.
* ماذا يجب عمله بعد إلحاق الهزيمة بـ«داعش»، هل يجري الإعداد لخطة سياسية استراتيجية لإعادة إحياء العراق؟
- لا يوجد. إنما أخبرك ما أعتقد بوجوب أن يحدث. ستكون هناك مشكلة أكبر. ما نراه الآن هو انهيار الهيكل السياسي للمنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وليس فقط انهيار اتفاقية «سايكس - بيكو» التي تنعكس على لبنان وسوريا والعراق. إنه انهيار لهيكلية سياسية عمرها مائة عام.
في نهاية المطاف، عندما يتحقق بعض الاستقرار في العراق وسوريا، يجب أن يعقد مؤتمر إقليمي يقرر مصالح الأطراف كلها، وكيفية تنظيم تلك المنطقة لقرن آخر: ما هو الدور المناسب للإيرانيين؟.. كيف سيحدث توازن القوى بين العلويين في سوريا والسنّة، وكذلك الآخرين: الدروز، المسيحيين، إلخ؟.. يجب إعادة النظر بكل شيء، وهذا سيحتاج إلى سنوات، ويحتاج أيضا إلى تحرك نحو الاستقرار وإلى رؤية. أنا لا أملك الرؤية، لكني أستطيع أن أقول ما يجب أن يحدث. بعض الدول يجب أن تنظر إلى كل المنطقة وتضع تصورا للأخذ في الاعتبار بكل مصالح الدول المعنية: دول الخليج العربية، الأردن، العراق، سوريا، ولبنان. هذا ما يجب أن يحدث، لكن ستمر سنوات قبل أن يحدث.
هدفنا الآن وقف الاتجاه القائم ومنع «داعش» من أن يكبر أكثر، وأن نقلب الوضع وفي النهاية نهزمه.



قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)

اتسعت رقعة المواجهات العسكرية في اليمن، الثلاثاء، مع تجدد المعارك في جبهة باب المندب للضغط على بقايا الجيوب الحوثية، بالتزامن مع استمرار القتال على محاور مدينة تعز، وسط ضربات جوية مكثفة تستهدف مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم وخطوط إمدادهم، في وقت تقول فيه القوات الحكومية اليمنية إنها حققت تقدماً في مواقع استراتيجية.

وشهدت جبهة باب المندب، الثلاثاء، مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«قوات درع الوطن» و«الألوية التهامية»، من جهة، والحوثيين من جهة أخرى، في معارك تستهدف السيطرة على التلال والمواقع المطلة على المضيق الاستراتيجي، بالتزامن مع غارات جوية طالت مواقع للجماعة في محيط مدينة المخا وعلى امتداد الساحل الغربي اليمني.

وأعلنت مصادر عسكرية حكومية السيطرة على تباب استراتيجية في باب المندب، عقب هجوم على مواقع الحوثيين، قالت إنه أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم وفرار آخرين عبر القوارب البحرية. كما تحدثت معلومات أولية عن استهداف زوارق وإمدادات بحرية يُعتقد أن الجماعة تستخدمها لنقل التعزيزات والمعدات إلى مواقعها في محيط المضيق.

معارك مستمرة تخوضها القوات الحكومية اليمنية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ حكومية لاستكمال السيطرة على المواقع المحيطة بباب المندب، فيما نفت مصادر عسكرية في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن سيطرة الحوثيين على جبال كهبوب، مؤكدةً استمرار انتشار قواتها في مطار ذوباب والسلسلة الجبلية المحيطة به.

تقدم ميداني في تعز

في محافظة تعز، تواصلت المواجهات على جبهات المدينة وريفها، وسط غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وتعزيزات حوثية، بالتزامن مع محاولات للقوات الحكومية والمقاومة الشعبية تحسين مواقعها القتالية ومنع الجماعة من تحقيق اختراقات ميدانية.

وأفادت مصادر عسكرية حكومية بسيطرة القوات على تبة الميدان، الواقعة عند نهاية سلسلة الجبل الأسود، عقب مواجهات عنيفة وإسناد جوي. كما تحدثت مصادر ميدانية عن فرض القوات الحكومية والمقاتلين المحليين سيطرة نارية على منطقتي حدائق الصالح والهنجر، ضمن نطاق خط الضباب.

رغم الزحف الحوثي المتواصل تمكنت قوات الجيش اليمني في مدينة تعز من التصدي للهجمات (أ.ف.ب)

وقال العقيد في الجيش اليمني عبد الباسط البحر إن القوات الحكومية والمقاومة حققت تقدماً في محيط نقطة الهنجر والجبل الأسود، ووصلت إلى مواقع حاكمة مطلة على خط الضباب، حيث بدأت عمليات تمشيط وتثبيت وتأمين المواقع التي جرى التقدم إليها.

في المقابل، واجهت القوات المهاجمة مقاومة شديدة في محيط معسكر المطار القديم ومنطقة مدرات، حيث حالت كثافة النيران والأسلحة الثقيلة دون تحقيق التقدم المطلوب، وفق البحر، الذي أشار إلى سقوط قتلى وجرحى وأسرى في صفوف الحوثيين، وتدمير وإحراق آليات عسكرية.

وعلى جبهتي الشقب والأقروض، دارت مواجهات عنيفة تخللها قصف بالأسلحة المختلفة، فيما قالت مصادر حكومية إن القوات تصدت لهجوم حوثي في الأقروض. وأفاد مكتب شؤون الحصار في تعز بمقتل خمسة مدنيين وإصابة خمسة آخرين، بينهم أطفال، برصاص قناصة الحوثيين في قريتي حمة والدمنة والقرى المجاورة.

عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

وامتد القصف إلى الأحياء السكنية في محيط المدينة، خصوصاً الجبهتين الشمالية والشمالية الغربية، مع استمرار الاشتباكات المتقطعة. كما أفادت مصادر محلية بوقوع غارات استهدفت محيط مطار تعز ومواقع في مناطق متفرقة من المحافظة، بينها التبة الحمراء وتباب الصالح والخزان والهياج، إلى جانب مواقع وتعزيزات في القريشة جنوبي مدينة التربة.

1276 عملية خلال يوم

في بيان يعكس اتساع نطاق العمليات، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، تنفيذ 1276 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ضمن عملية «فجر اليمن»، طالت قدرات عسكرية للحوثيين على مختلف الجبهات والمحاور.

وأوضح النزيلي أن العمليات استهدفت مراكز القيادة والسيطرة، والمواقع الدفاعية ومرابض النيران، والتعزيزات ووسائل النقل والإمداد، ومخازن الأسلحة والذخائر، إضافةً إلى أهداف في العمق قال إنها تهدف إلى الحد من قدرة الجماعة على إدارة عملياتها وإعادة تجميع قواتها.

هجمات الحوثيين على مدينة تعز اصطدمت بمقاومة ضارية في عموم الجبهات المحيطة (أ.ف.ب)

وأضاف أن العمليات أسفرت، وفق الحصيلة العسكرية المعلنة، عن تحييد نحو 382 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 140 آلية وعربة وقطعة سلاح ثقيل، إلى جانب تدمير مخازن للأسلحة والذخائر.

وأشار إلى استمرار العمليات المتزامنة في جبهات الجوف ومأرب والبيضاء والجبهات الجنوبية والجنوبية الغربية، بهدف استهداف تحركات الحوثيين ومواضعهم الدفاعية وخطوط إمدادهم، والحد من قدرتهم على نقل الاحتياطيات وتركيز قواتهم في محور واحد.

وتزامنت هذه العمليات مع غارات مكثفة في الوازعية والمضاربة وكهبوب ورأس العارة، وفق مصادر عسكرية، فيما نفت مصادر في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن استعادة الحوثيين مواقع في كهبوب، مؤكدةً استمرار السيطرة الحكومية على مطار ذوباب والمواقع الجبلية المحيطة به.

معاناة المدنيين

بينما تتواصل المواجهات، تتصاعد التحذيرات الحكومية والحقوقية من تداعيات القصف والحصار على المدنيين في تعز. وأدانت وزارة حقوق الإنسان استهداف الأحياء المكتظة بالسكان بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا والصواريخ الباليستية، مشيرةً إلى سقوط قذيفة داخل منزل أسرة الناشطة مروة النظاري، في واقعة قالت إنها أثارت حالة من الرعب بين النساء والأطفال.

ودعت الوزارة المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف الاعتداءات ورفع الحصار، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين والأعيان المدنية.

في سياق متصل، وثَّقت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية»، في تقرير بعنوان «وجع الأمهات»، مقتل 107 من النساء والأطفال، بينهم 23 امرأة و84 طفلاً وطفلة، جراء انتهاكات قالت إن الحوثيين ارتكبوها في محافظة تعز خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

القوات الحكومية اليمنية تهاجم زحف الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وذكر التقرير تسجيل 1321 حالة اقتحام للمنازل، وتهجير 4860 شخصاً، بينهم 1650 امرأة و3210 أطفال، إلى جانب وجود 221630 نازحاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، و32 طفلاً تعرضوا للتجنيد الإجباري، فضلاً عن 1056 حالة من الجرائم والانتهاكات المتعلقة بالخدمات الصحية، و246110 أطفال خارج المؤسسات التعليمية.

وفي تحرك سياسي موازٍ، بحث رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه تطورات التصعيد العسكري وتداعياته الإنسانية، بما في ذلك استمرار حصار تعز واستهداف المنشآت المدنية.

ودعا الزنداني المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل إنهاء الحصار الحوثي وفتح الطرق أمام حركة المواطنين والإمدادات الإنسانية، مشيراً إلى تخصيص المفوضية الأوروبية 22.5 مليون يورو إضافية للمساعدات الإنسانية في اليمن.


اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
TT

اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)

بين مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة ورحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، يجد مئات الآلاف من اليمنيين أنفسهم أمام رحلة نزوح جديدة مع اتساع رقعة التصعيد العسكري الحوثي منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، في أزمة تجاوزت آثارها مناطق المواجهات لتضغط على المحافظات المستقبلة للنازحين، وتمتد إلى خارج البلاد، وسط نقص التمويل الإنساني، وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتكشف بيانات حديثة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 270 ألف شخص نزحوا داخل اليمن، معظمهم منذ بداية التصعيد في سبتمبر، فيما امتدت حركة النزوح إلى 62 مديرية في عشر محافظات. وفي موازاة ذلك، وصل 3836 يمنياً إلى جيبوتي حتى منتصف الشهر الحالي، نصفهم تقريباً من الأطفال، بينهم 282 طفلاً دون الخامسة من العمر.

وتعكس هذه الأرقام اتساع حركة الفرار من مناطق المواجهات، خصوصاً في غرب تعز، ولحج، وجنوب الحديدة، حيث اضطرت أسر إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان، في وقت لم تعد فيه مناطق الاستقبال قادرة بسهولة على استيعاب الأعداد المتزايدة، وتوفير احتياجاتها الأساسية.

يمنيون نزحوا بسبب هجمات الحوثيين في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات غذائية بضواحي عدن (أ.ب)

وفي عدن ارتفع عدد الوافدين من النازحين إلى أكثر من 42 ألف شخص، بما يزيد على ضعف العدد المسجل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، بينما تستضيف محافظة لحج نحو 67 ألف نازح. وتمتد حركة النزوح إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى المهرة شرقي البلاد.

ولم تقتصر رحلة الفرار على الطرق البرية؛ إذ لجأت أسر يمنية إلى البحر في محاولة للابتعاد عن مناطق التصعيد. ووصلت بعض القوارب إلى الشاطئ قبل بلوغ وجهتها النهائية بعدما نفد الوقود، في رحلة كشفت عن المخاطر التي تواجه المدنيين وهم يحاولون الوصول إلى مناطق أكثر أمناً.

ومع تزايد الوافدين تواجه الأسر التي تركت منازلها على عجل صعوبات في تأمين المأوى، ومياه الشرب، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. كما تتضاعف الضغوط على المجتمعات المستضيفة التي تعاني أصلاً محدودية الموارد، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بوتيرة تفوق إمكانات الاستجابة المتاحة.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

ولا تنتهي معاناة النازحين بمجرد مغادرة مناطق المواجهات؛ إذ تضطر أسر إلى الإقامة في مبانٍ عامة مكتظة، بينما ينام آخرون في العراء، في ظل نقص مرافق الصرف الصحي، ومحدودية الخدمات الأساسية. وتزيد هذه الظروف من المخاطر التي تواجه الأطفال، والنساء، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة.

نقص التمويل

ويقول عبد الستار عيسويف، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في اليمن، إن الحجم الكبير لموجة النزوح وسرعتها وضعا الأسر أمام احتياجات ملحّة، في وقت تواجه فيه الفرق الإنسانية صعوبات في مواكبة الطلب المتزايد على المساعدة.

وأوضح أن الفرق تواصل توزيع المساعدات يومياً، لكن نقص التمويل يحد من قدرتها على الوصول إلى جميع المحتاجين، محذراً من أن غياب التمويل العاجل قد يحرم مزيداً من الأسر من مساعدات أساسية قد تكون حاسمة لبقائها.

تدفق مستمر للنازحين من أطراف محافظة لحج (إعلام محلي)

وفقدت 44 ألفاً و736 أسرة استقرارها نتيجة النزوح، ليجد كثير منها صعوبة في الحصول على مياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. ويزيد النقص الحاد في الوقود والارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والأدوية من أعباء الحياة اليومية، في وقت لم تعد فيه الموارد المتاحة كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتتفاقم هذه الصعوبات بفعل القيود المفروضة على دخول المنظمات الإنسانية إلى تعز، وهذه القيود تؤدي إلى إبطاء إيصال المساعدات إلى السكان المحتاجين إليها.

وفي مواجهة هذه الاحتياجات، حددت المنظمة الدولية للهجرة فجوة تمويلية تبلغ 30 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة. ويهدد هذا النقص قدرتها على توفير المأوى، والمساعدات النقدية الطارئة، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، والمياه النظيفة، والصرف الصحي، فضلاً عن متابعة حركة النزوح، وتحديد احتياجات المتضررين.

مساعدات لا تواكب الاحتياجات

حذّر عيسويف من أن كثيراً من الأسر اضطرت إلى النزوح أكثر من مرة، لتجد نفسها في كل مرة أمام رحلة جديدة للبحث عن مكان آمن، ومساعدة تتيح لها مواصلة الحياة. وشدد على ضرورة وصول الدعم إلى النازحين والمجتمعات المستضيفة معاً، قبل أن تتفاقم الظروف الإنسانية، ويتعرض مزيد من الأرواح للخطر.

ومنذ الأول من أغسطس (آب) عملت المنظمة الدولية للهجرة -بالتعاون مع السلطات المحلية، وشركاء من الأمم المتحدة، والمنظمات المحلية- على الوصول إلى 11 ألفاً و178 أسرة متضررة من الصراع.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

وشملت المساعدات حقائب المأوى الطارئ، والمواد المنزلية، ومستلزمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية، إلى جانب المساعدات النقدية متعددة الأغراض. كما قدمت المنظمة خدمات الحماية إلى 6757 مهاجراً ونازحاً، وأجرت 56 ألفاً و863 استشارة في مجال الرعاية الصحية الأولية.

ورغم هذه الجهود، لا تزال الاحتياجات أكبر من الموارد المتاحة، مع استمرار النزوح، وتزايد الأعباء على الأسر والمجتمعات المضيفة. وتدعو المنظمة الدولية للهجرة الجهات المانحة إلى زيادة التمويل بصورة عاجلة، لضمان استمرار الاستجابة الإنسانية، وعدم ترك الأسر المتضررة من دون الحد الأدنى من الدعم.


تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
TT

تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)

​حذَّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من التداعيات الإنسانية الخطيرة لتفجير الجماعة الحوثية أجزاءً من طريق «هيجة العبد»، الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، معتبرة أن استهداف البنية التحتية الضرورية لبقاء المدنيين قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، في وقت تقترب فيه مخزونات دقيق القمح في مدينة تعز من النفاد.

ويفاقم تعطيل الطريق، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لنقل السلع والإمدادات الأساسية إلى المدينة المحاصرة منذ عام 2015، المخاوف من تدهور الأوضاع المعيشية لنحو 600 ألف مدني، يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية، وسط تحذيرات أممية من تعذُّر وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.

الحوثيون أغلقوا آخر طريق رئيسي يربط تعز بمدينة عدن (إعلام محلي)

وذكرت المنظمة، في بيان، أن جماعة الحوثي استخدمت متفجرات في 18 أكتوبر (تشرين الأول)، ما ألحق أضراراً جسيمة بطريق هيجة العبد، محذرة من أن تدميره المتعمد أو تعطيله لفترة طويلة قد يحرم السكان من الإمدادات الضرورية لاستمرار الحياة، ويهدد سلامتهم، فضلاً عن احتمال إلحاق أضرار غير متناسبة بالمدنيين.

وقالت نيكو جعفرنيا، الباحثة المعنية باليمن في المنظمة، إن الهجوم على آخر طريق تجاري لإمداد تعز يزيد المخاطر التي يواجهها السكان الذين يعانون أصلاً نقصاً حاداً في الغذاء والماء والدواء والوقود، محذرة من أن استمرار إغلاقه قد يفاقم الأخطار المحدقة بحياة المدنيين وظروفهم المعيشية.

ولفتت «هيومن رايتس ووتش» إلى وقوع هجوم مماثل على الطريق نفسه مطلع الشهر الحالي، على بُعد نحو 45 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة تعز. ونقلت عن مصادر أن قوات حوثية تسللت إلى طريق هيجة العبد، وزرعت متفجرات في عبَّارة مائية أسفل الطريق، بعد سوق الوهط مباشرة، قبل تفجيرها والانسحاب من الموقع.

طريق بديل لعبور السكان وناقلات البضائع إلى ريف تعز (إعلام محلي)

وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار تعطيل طرق الإمداد إلى تعقيد وصول الاحتياجات الأساسية إلى مئات الآلاف من السكان، وزيادة الأعباء على الأسر التي تعيش منذ سنوات تحت وطأة الحصار. كما يهدد تراجع تدفق السلع بتفاقم نقص الوقود ومياه الشرب والغذاء والدواء، في وقت تعتمد فيه المدينة على الطرق المتاحة لتأمين احتياجاتها.

وأكدت المنظمة أن استهداف المنشآت والبنية التحتية التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين قد يشكل انتهاكاً لقوانين الحرب، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبتت عناصر الجريمة وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

نفاد مخزونات القمح

وفي مؤشر على اتساع الأزمة، أفاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، بأنه لم يتمكن من الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن هذا التطور يثير قلقاً بالغاً؛ خصوصاً أن معظم مديريات المحافظة تقع ضمن مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً لما أورده البيان.

السكان في تعز يعانون نقصاً شديداً في المياه والغذاء (رويترز)

وحذَّر برنامج الأغذية العالمي من اقتراب مخزونات دقيق القمح في المدينة من النفاد؛ مشيراً إلى أن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي سوى فترة قصيرة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

وتعكس هذه التحذيرات خطورة استمرار تعطل طرق الإمداد، في وقت يحتاج فيه مئات الآلاف من المدنيين إلى وصول منتظم وآمن للغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية. ويزيد تعطل الطرق من صعوبة إيصال المساعدات والسلع الأساسية إلى السكان، في ظل استمرار الحصار وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.

استجابة أممية

في سياق متصل بتداعيات التصعيد الحوثي في تعز وغرب لحج، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استجابة سريعة تستهدف دعم التعافي المبكر في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح، وضمان استمرارية المؤسسات وتعزيز قدرتها على الصمود في المناطق التي تواجه ضغوطاً متزايدة على الخدمات وسبل العيش.

وأوضح البرنامج أن اختيار مسارات التدخل في المواقع المستهدفة قد يتغير مع تطور الظروف، استناداً إلى مؤشرات تشمل التعرض للنزاع، وحجم النزوح، وتعطل الخدمات، وكفاءة عمل المؤسسات المحلية.

الحوثيون يمنعون دخول الوقود إلى مدينة تعز المحاصرة (رويترز)

وخصص البرنامج مليون دولار من موارده الأساسية لدعم فرص العمل الطارئة والتعافي المجتمعي، بالتنسيق مع السلطات المحلية، على أن تشمل التدخلات إعادة تأهيل أصول مجتمعية ذات أولوية في محافظتي عدن ولحج.

ومن المتوقع أن توفر الاستجابة نحو 18 ألف يوم عمل، وتسهم في تحسين 14 كيلومتراً من الطرق، وحماية وإعادة تأهيل 35 هكتاراً من الأراضي الزراعية. وتشمل الأعمال المخطط لها رصف الطرق، وتحسين شبكات التصريف، وإزالة النفايات، والتشجير، وإعادة تأهيل قنوات الري، وحماية الأراضي الزراعية.

وبالتوازي مع هذه المبادرة، قال البرنامج إنه سيعمل على توسيع نطاق تدخلاته، في حدود التفويضات الممنوحة، وإمكانية الوصول والاتفاقيات المبرمة مع الجهات المانحة، لتقديم مزيد من الدعم؛ مشيراً إلى أن الجهود مجتمعة تستهدف الوصول إلى أكثر من مليون يمني.