بريمر لـ {الشرق الأوسط}: لم يكن هناك جيش بالعراق لكي نحله.. فكلهم ذهبوا لمنازلهم

الحاكم الأميركي السابق للعراق قال في حوار مع {الشرق الأوسط} إن الغارات على المتشددين في سوريا قريبة جداً

بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
TT

بريمر لـ {الشرق الأوسط}: لم يكن هناك جيش بالعراق لكي نحله.. فكلهم ذهبوا لمنازلهم

بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!

عندما سألت بول بريمر عما دفعه لحل الجيش العراقي أجاب «لم يكن هناك من جيش في الثكنات، والجنرال جون أبو زيد أبلغ الرئيس جورج دبليو بوش بذلك حتى قبل وصولي. وفكرة استعادة الجيش رفضها الأكراد الذين هددوا بالاستقلال، والشيعة الذين رأوا أن المؤسسة العسكرية ستكون صدامية من دون صدام».
بول بريمر، المبعوث الرئاسي الشخصي إلى العراق، كلفه الرئيس جورج دبليو بوش بـ«إدارة العراق»، وكانت سلطته مطلقة. أثار الكثير من الجدل، وعندما غادر العراق قال في كلمة تلفزيونية «قطعة من قلبي ستظل باقية هنا في الأرض الجميلة الممتدة ما بين النهرين، بأوديتها الخصبة وجبالها المهيبة وشعبها الرائع». تلك الأرض التي وصفها بأنها مهددة اليوم من الداخل بعاصفة «داعش» وسرطان المذهبية وأيضا من الخارج. الحرب تلوح في الأفق مجددا، وبسببها استعدت إيران ووضع النظام السوري حسابات مستعجلة.
في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أكد بريمر أن الولايات المتحدة لن تتعاون أو تنسق مع نظام بشار الأسد، وأن الغارات الأميركية على «داعش» في سوريا قريبة جدا «لأنه لا يمكن إلحاق الهزيمة بـ(داعش) في العراق من دون هزيمته في سوريا»، مشيرا إلى أنه على كل «كان علينا تدمير السلاح الجوي السوري قبل ثلاث سنوات». وأكد بريمر عدم وجود أي تعاون سري بين واشنطن وطهران «هناك فقط التقاء مصالح لإلحاق الهزيمة بـ(داعش)»، مستطردا أنه «ليس من مصلحة أميركا أو مصلحة دول المنطقة أن تحصل إيران على القدرة النووية».
وقال بريمر إن نوري المالكي أبعد الضباط المدربين أميركيا فانهار الجيش العراقي في الموصل. هو لا يريحه الآن حديث حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي عن إنشاء حرس وطني، كما تقلقه «عصائب أهل الحق» الميليشيا العراقية المدعومة من إيران.
وهنا نص الحوار:
* لو كنت مستشارا لـ«داعش».. بماذا تنصحهم الآن؟
- أنصحهم بأن يعمدوا إلى إطالة حربهم ضد الولايات المتحدة. أفعل ذلك لأنه حسب اعتقادي ليس واضحا أن الحكومة الأميركية ستبقى في هذه الحرب الوقت الكافي لكسبها.
* لفعل هذا، ماذا على «داعش» أن تفعل؟
- هناك أمران واضحان، الأول أن ينتشروا بين الناس في المدن حيث سيصعب قتالهم. الثاني أن ينسحبوا عبر الحدود إلى سوريا، حيث رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما قرر كما يبدو أن الغارات الجوية هناك ستكون محدودة.
* لكن الرئيس نفسه تعهد بالرد على الرئيس السوري بشار الأسد إذا ما أطلق جيشه النار على طائرة أميركية.. هل هذا يعني غارات محدودة أم أن قصف سوريا مشمول في الخطة؟
- أعتقد أنه ينوي شن غارات جوية داخل سوريا. هذا واضح، وبنظري أنه إذا هاجم السوريون طائرات أميركية تحلق في الأجواء السورية، فإننا سنرد حتما. ووجهة نظري بشكل عام أن الوضع الذي نواجهه الآن في العراق وسوريا كأنه نص من كتاب حول أحد الدروس الأساسية في السياسة الخارجية، وهو أن التأخير في اتخاذ قرار صعب عادة ما يؤدي إلى وضع أكثر صعوبة لاحقا. كان علينا أن ندمر السلاح الجوي السوري قبل ثلاث سنوات، عندما دعت الإدارة إلى الإطاحة بالأسد. لو فعلنا ذلك لكانت القوات المعارضة للأسد على الأرض استطاعت أن تحقق بعض النجاح. لم نفعل ذلك، فازداد الوضع سوءا، وهذا كان متوقعا. لهذا نحن في موقف صعب جدا الآن أكثر مما كنا عليه قبل ثلاث سنوات.
* في العراق وسوريا أم في سوريا فقط؟
- في البلدين. بالنسبة إلى العراق أعتقد أن خطأ الرئيس كان بسحب القوات الأميركية في نهاية عام 2011، لأن هذا ترك رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حرا في الشروع في فلسفة سياسية طائفية، وأخطرها كان عندما «طهر» الجيش العراقي المدرب أميركيا من الضباط الذين دربناهم، وهذا يفسر لماذا انهار ذلك الجيش في الموصل. لم يثق المالكي في الضباط.
* وحده المالكي لم يثق بالضباط أم أن إيران هي الأخرى لم تكن تثق بهم؟
- من الصعب القول إلى أي مدى أثرت إيران بقرار المالكي في ما يتعلق بالجيش. أنا لا أعرف. لكن السؤال مهم، لأن إيران هي العامل الكبير غير المعروف في الوضع كله، هي الجانب الذي يطرح أكبر الأسئلة الاستراتيجية في أميركا: ما هي النتيجة النهائية التي نريد رؤيتها وتتعلق بإيران في المنطقة؟.. أي دور تراه أميركا لإيران في المنطقة؟!.. هذا سؤال استراتيجي.
* ولا تستطيع أنت الإجابة عنه؟
- جوابي فيه الكثير من السلبيات. ليس من مصلحة أميركا أو مصلحة أغلب دول المنطقة أن تحصل إيران على القدرة النووية، لأن ذلك يغير كل موازين القوى في المنطقة، وهذا أثار قلقا محقا لدى قوى أخرى في المنطقة. إن فكرة أن تملك إيران قدرة إنتاج أسلحة نووية تدفع إلى تغيير جذري في المنطقة، وتزعزع نظام عدم الانتشار النووي العالمي. هذه مشكلة كبرى. إيران غير نووية، وإيران لا تسوق وتنشر الثورة في المنطقة، يمكن أن تلعب دورا مهما في المنطقة. هذا يتطلب تغييرا حقيقيا في تفكير إيران بدورها في المنطقة، ولا أرى أي إشارة حول هذا.
* يقول البعض إن إيران لن تقف بوجه أميركا إذا ما لاحقت هذه «داعش»، والعكس ينطبق أيضا على أميركا. هل تعتقد بوجود تعاون سري بين الدولتين؟
- كلا، لا أعتقد بوجود تعاون، إنما هناك التقاء مصالح بين الدولتين. من مصلحتهما معا دفع وإلحاق الهزيمة بـ«داعش». لا أعتقد بوجود تنسيق رسمي بين الطرفين، والإدارة استبعدت ذلك. وأعتقد أنه سياسيا ومن أجل السياسة الخارجية هذا قرار صائب. لا أشك بوجود التقاء مصالح الآن. لكن لا تنسيق.
* لكن هناك المئات من ضباط الحرس الثوري الإيراني مع الميليشيات الشيعية في العراق كقادة ومستشارين من دون أي اعتراض من واشنطن؟
- لا أعتقد ما إذا كان من دون اعتراض أو بسبب عدم قدرتنا على فعل أي شيء. من المؤكد أن الإيرانيين قووا مواقفهم في العراق في السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة في فترة حكم المالكي الثانية. هذا أمر لا شك فيه إطلاقا. وبسحبنا قواتنا فقدنا كل نفوذ كان لنا على الأرض داخل العراق. لكن هناك فرقا بين أن الإيرانيين يفعلون ما يفعلون لأن ذلك باستطاعتهم، وبين أن يكون بسبب أننا نرى ما يفعلون فكرة جيدة. لا أعتقد أن الشق الأخير هو السبب. أعتقد أن الإيرانيين استغلوا مسألة أننا لمحنا أننا سنغادر المنطقة وليس فقط العراق أو أفغانستان.
* هل تعتقد أنكم إذا غادرتم أفغانستان قبل إيجاد حل لمشكلة «داعش»، فإن المنطقة ستواجه مشكلة إرهابية أكبر؟
- نعم، وأعتقد أننا ما دمنا سنحتاج إلى وقت طويل لحل مشكلة «داعش» - كما وصفتها - فإن هذا سيأخذ سنوات وليس مجرد أشهر، وما دامت الإدارة مستمرة على طريق سحب قواتنا من أفغانستان، فأعتقد أن الخطر الحقيقي أننا سننتهي بانبعاث «طالبان» في أفغانستان، وأن الوضع في أفغانستان سيزداد سوءا في السنتين المقبلتين خلال حربنا مع «داعش»، حتى لو كنا نحقق تقدما ضد «داعش» فإنه من المؤكد أن الوضع في أفغانستان سيزداد سوءا.
* نعود إلى «داعش» وإيران.. ذكرت أن ضعف الجيش العراقي سببه المالكي، لكن هناك من يقول أيضا إن بروز «داعش» جاء نتيجة لحكم المالكي أيضا، ولتدخل إيران في العراق وسوريا. ماذا تعتقد الآن خصوصا أن كثيرين يتخوفون من أن إيران ستحاول أن تكون المستفيد الوحيد من هزيمة «داعش»؟
- هذا أحد الأسباب التي تدفع الإدارة الأميركية ل‘شراك دول أخرى في المنطقة مثل السعودية، والأردن، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، وبالطبع تركيا. تحاول أن تشكل تحالفا واسعا، لأن كل هذه الدول تشترك في القلق نفسه، أنه ليس من مصلحتها أو من مصلحة أميركا أن تسيطر إيران على المنطقة كلها الممتدة من حدود العراق حتى المتوسط. وبالطبع لمدة 20 سنة كانت سوريا الشريك الوحيد لإيران في المنطقة، هي و«حزب الله» في لبنان، الذي يقاتل الآن في سوريا. إن المصالح الأميركية قريبة جدا من مصالح دول المنطقة بمنع إيران من أن تصبح القوة المسيطرة، وهنا تأتي مشكلة إيران النووية، لأنه حتى لو جرى تقييد إيران ضمن أراضيها فإنها إذا حصلت على السلاح النووي فإن هذا سيغير كل موازين القوى في المنطقة بطريقة سلبية.
* يقترح البعض أن التحالف الجديد لا خيار أمامه سوى التعاون مع نظام بشار الأسد لمحاربة «داعش»، ويقولون إن أجهزة الاستخبارات في الدول بدأت التعاون بالفعل. هل تعتقد بصحة هذا أو يمكن تجنب مثل هذا التعاون؟
- أتكلم عن وجهة النظر الأميركية، هي لن تتعاون أو تنسق مع نظام الأسد. أوضحنا ذلك. الإدارة أوضحت ذلك وقالت أيضا إنه إذا هاجم الدفاع الجوي السوري طائراتنا عندما تبدأ العمل في سوريا، فستتم مواجهته وهزيمته هو الآخر. لذلك لن يحدث أي تنسيق على الأقل من الناحية الأميركية.
* متى ستبدأ الطائرات الأميركية عملها فوق سوريا؟
- كنت أعتقد قريبا جدا. لكن في الصحافة الأميركية اليوم (أول من أمس الخميس) فإن الرئيس أصر أمس مع مستشاريه على أنه يريد أن يوافق شخصيا على كل هجوم على سوريا. هذا قد يؤخر العمل قليلا. وأعتقد أنه قبل أن تبدأ الغارات على سوريا يجب أن تكون هناك معلومات أمنية أكثر حول الأهداف. أظن أن إصرار الرئيس على الموافقة المسبقة على العمليات سيجعلها عملية مرهقة.
* إذا تخلصنا من «داعش»، من سيتخلص من «عصائب أهل الحق»، الميليشيا العراقية الشيعية المدعومة من إيران؟
- تقلقني الميليشيات العراقية المدعومة من إيران. الحل، ولا أقول إنه سيكون سهلا، يكون بإعادة بناء الوحدات النظامية في الجيش العراقي. أنا غير مرتاح أن حيدر العبادي رئيس الوزراء وحكومته بدأوا يتحدثون عن إنشاء الحرس الوطني. هذا يكون مقبولا إذا كان وسيلة لضم عشائر سنّية خصوصا من الأنبار وصلاح الدين ونينوى في القتال ضد «داعش». لكن في النهاية، وهذه فكرة طرحتها عندما كنت في العراق، فإن الحكومة يجب أن تحتكر استخدام القوة الشرعية. يجب ألا تكون هناك ميليشيات وأشخاص لا يخضعون للحكومة، بل للرئيس أو لرئيس الوزراء.
أعتقد جوابا عن سؤالك، أنه على أميركا أن تركز على مساعدة رئيس الوزراء الجديد كي يعيد تشكيل الجيش العراقي. الأميركيون ينسون أن الجيش العراقي المدرب والمسلح أميركيا هزم «القاعدة» في العراق في نهاية عام 2009.
* بمساعدة العشائر؟
- بكل تأكيد، أثناء «الصحوات». وهناك إشارات الآن بأن بعض عناصر الجيش الذي يعاد إنشاؤه تعمل مع عشائر سنّية كبرى، وبالذات حول «حديثة». هذا هو طراز الصحوات الذي نجح خلال السنوات 2007 حتى 2009، لكنه سيأخذ وقتا. إنما هذه على المدى البعيد الطريقة الوحيدة لمحاولة وضع الجيش العراقي والقوات المسلحة تحت سيطرة الحكومة، فلا يبقى وجود للميليشيات. وتصبح العشائر جزءا من القوات العسكرية. وما قام به المالكي أنه أوقف عملية ضم مقاتلي العشائر إلى الجيش، رغم أن الخطة أقرت ذلك.
* أريد أن أسألك سؤالا: لماذا شعرت عندما كنت في العراق بأن عليك حل الجيش العراقي؟
- حسنا، هناك الكثير من سوء الفهم حول هذا الأمر. أولا: لم يكن هناك من جيش لحله. كان الأفراد كلهم ذهبوا إلى بيوتهم حتى قبل وصولي إلى العراق. الجنرال جون أبو زيد أبلغ الرئيس جورج دبليو بوش في بداية أبريل (نيسان) 2003، بأنه لا وجود لأي وحدة عراقية واقفة للدفاع عن أي مكان في البلاد. السؤال الذي واجهناه حتى قبل دخولي الحكومة هو: هل نبني الجيش العراقي أو نستدعي الجيش العراقي؟ فكرة استدعاء الجيش العراقي لم أرفضها وحدي بل أيضا الرئيس بوش، لأن الأكراد كانوا سيعلنون استقلالهم. قال لي قادتهم «لا تنس أن جيش صدام (حسين) شن ولعقود عمليات إبادة ضد الشعب الكردي وإحداها بالكيماوي 1982 (حلبجة)». أيضا، القادة الشيعة الذين كنت أتكلم معهم، قالوا لي «إذا استدعيت جيش صدام ستكون مؤسسة صدامية من دون صدام».
وكان قرار الحكومة الأميركية الذي أوصيت به ودعمته ووافق عليه الرئيس أن نبني جيشا جديدا. وكان القرار الصائب. هذا الجيش الجديد هزم «القاعدة»، لكنه احتاج لوقت أطول مما كنا نأمل.
* وهل تظن أن على الأميركيين الآن أن يعيدوا بناء الجيش العراقي، وهل تثق في أن عبادي لن يُقدم على ما أقدم عليه المالكي؟
- حيدر العبادي كان وزيرا للاتصالات عندما كنت في الحكومة هناك. لفتني أنه حاسم، تكنوقراطي، مثقف، يعرف كيفية اتخاذ القرارات وتنفيذ الأشياء. صحيح أنه من حزب «الدعوة»، لكن ما قاله وفعله منذ اختياره كرئيس للوزراء أظهر أنه يحاول التواصل فعلا مع الأكراد والسنّة. من دون شك يريد الأميركيون مساعدته في إعادة بناء الجيش. أعتقد أنه على الطريق الصحيح، وعليه أن يعين وزيري الداخلية والدفاع. نأمل أن يستمر في السياسة الصحيحة، وأن يتمتع بحكومة موسعة تضم كل الأطراف. وهذه نواياه.
* يكرر الرئيس أوباما أنه لن يرسل قوات برية إلى العراق، لكن الخبراء العسكريين يقولون إن الغارات الجوية قد تمنع «داعش» من التمدد لكنها لا تستطيع تحرير المدن. هل الولايات المتحدة في دوامة؟ وكيف يمكن للجنرال مارتن ديمبسي أن يحقق خططه العسكرية من دون الأدوات الكافية؟
- لا يستطيع. وسنضطر لنشر قوات قتالية على الأرض في العراق. لأوضح أكثر: هناك نقاط ضعف كبيرة عند «داعش»، وهذا مدعاة أمل. أولا لـ«داعش» نقطتا ضعف عسكريتان أساسيتان: خطوط الإمدادات طويلة جدا وعرضة للغارات الجوية، لأنها تمتد من العراق حتى سوريا. ونقطة الضعف الثانية أن لديهم قواعد ضعيفة حيث يجددون ويتزودون وهذه قواعد منتشرة في الصحراء المكشوفة وهي عرضة.
الآن قوتهم يستمدونها من سيطرتهم على بعض المدن مثل الموصل، تكريت، تلعفر، والقائم، وغيرها. لا نستطيع استعادة المدن من الجو، هذا ما يحاول فعله الأسد، أنه يقصف مدنا مثل حلب ويقتل الآلاف والآلاف. حتى الآن سقط 200 ألف سوري. نحن لا يمكننا فعل ذلك. في النهاية القوات البرية تسترجع المدن. علينا أن نضاعف دعمنا العسكري للأكراد، ونساعد في إعادة بناء الجيش العراقي. لكن الدخول إلى المدن سيتطلب قوات أميركية، ليس بالضرورة للقيام بالقتال الفعلي، إنما يجب أن تكون قوات قتالية للمساعدة في تحديد أهداف الغارات الجوية وبدقة.. بالتأكيد سنحتاج لقوات برية على الأرض، ثم لا ننسى أن هذه القوات إذا تم إطلاق النار عليها فإنها سترد بالمثل للدفاع عن نفسها. لا يمكن استثناءها من المعارك. إن هذا النقاش حول القوات القتالية، على الأقل في الصحافة الأميركية، له جانب نظري، إنما لا بد أننا سننشر قوات على الأرض. وكان الجنرال ديمبسي واضحا عندما قال ذلك، وأعتقد أن الرئيس أخطأ عندما استبعد مثل هذا الاحتمال, إنه يقيد يديه بنفسه، ويكشف للعدو عن تردده.
* ومع ذلك، قال أيضا إن هذا العصر هو العصر الأميركي، كيف نصدق ذلك إذا كان كثير التردد؟
- هذه مشكلة. أريد أن أضيف شيئا عن «داعش»: إن نقطة الضعف الأساسية التي يعاني منها «داعش» هي آيديولوجيته. التصرف الذي يقدم عليه «داعش» في العراق لا يجذب حتى 2 في المائة من الشعب العراقي. الشعب العراقي مثقف، هو ابن حضارة عظيمة موجودة هناك منذ 5 آلاف سنة.
العراق مسقط رأس حمورابي، أبي الشرائع والقوانين. قطع الرؤوس، صلب الأطفال، اغتصاب النساء، كلها كلفت «القاعدة» وقف دعم الشعب العراقي عامي 2006 و2007.. هذه هي نقطة ضعف «داعش» الأساسية.
* تتكلم عن العراق وعن المدن العراقية وكأنك عراقي وترى هذه المدن كأنها أمام عينيك!
- أراها. كنت في كل هذه الأمكنة.
* لكنك تصر أيضا على الحديث عن «داعش» في العراق، متناسيا أن «داعش» موجود أيضا في سوريا، وقد يهاجم الأردن وأيضا لبنان؟
- يجب أن نهزم «داعش» في سوريا. لا تفهميني بطريقة خاطئة. لا يمكن إلحاق الهزيمة بهم في العراق من دون هزيمتهم في سوريا. ويجب أن نعترف بأن الرئيس أوباما يدرك ذلك، لكن هل سيقيد أيدي العسكريين؟ كان الرئيس واضحا في كلمته قبل أسبوعين. هو يدرك أننا لا يمكن أن نهزم «داعش» في العراق فقط، هذا لن يكون انتصارا. سيعبرون الحدود إلى سوريا.
* بالطبع، ومن سوريا إلى الأردن وإلى لبنان؟
- من هنا يأتي التقاء المصالح بيننا وبين إيران. لأن هذه هي المناطق التي تريد إيران السيطرة عليها. إنها تريد السيطرة على كل ما هو ممتد من الجانب الشرقي - الغربي لإيران حتى المتوسط. لكن هذا ليس من مصلحة أميركا أو من مصلحة استقرار المنطقة.
* يبدو أن الأميركيين لم يلاحظوا هذا الشيء، حتى تدخل «داعش» وحطم الهلال الشيعي؟
- هذا صحيح. «داعش» هو نسخة جديدة مختلفة من «القاعدة».
* أريد أن أسألك عن مصير الأقليات في المنطقة، وكلها قلقة. المسيحيون يشعرون بأن الغرب يساعد «داعش» بتشجيعهم على ترك أوطانهم. هل يستطيع الغرب إعادة إصلاح ما فعله «داعش» بحق هذه الأقليات؟
- دعيني أعبر عن الأسى الذي أشعر به شخصيا خصوصا في ما يتعلق بأقدم فروع المسيحيين في المنطقة الذين هم في العراق، الذين طردوا أولا إلى الشمال ومن ثم إلى خارج البلاد.
هذا لا يتعرض له المسيحيون فقط في العراق بل يشعر به مسيحيو لبنان أيضا. كنت على غداء مع البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي في واشنطن، وتحدث عن قلقه على المسيحيين في الشرق وفي لبنان. كذلك هناك قلق على الإيزيديين والتركمان والكثير من الأقليات. لم يكن أبدا من أهداف إدارة بوش وإدارة أوباما إبعاد المسيحيين والأقليات كما يوحي سؤالك.
* لكنهم يشجعون الأقليات على الرحيل وكأنهم يساعدون «داعش». الدول الأخرى ترحب بهم بدل تشجيعهم على البقاء؟
- لكن من ناحية أخرى، يجب أن نتعاطف مع قلق العائلات المسيحية في العراق وسوريا. من الجميل تشجيعهم على البقاء، لكن «إذا تم الاعتداء عليكم وقتلكم وصلبكم فعليكم البحث عن بدائل». الحل الوحيد هو باستعادة بعض الاستقرار إلى المنطقة كي يتاح لمن تبقى من الأقليات العيش هناك. إنها مأساة تاريخية.
* أليس مستغربا أن تركيا الدولة العضو في الحلف الأطلسي رفضت عام 2003 السماح للقوات الأميركية باستعمال أراضيها وتتخذ اليوم الموقف نفسه.. هل لديك أي تفسير خصوصا في ظل ما تردده التقارير الصحافية عن أن تركيا أصبحت اليوم مركزا لتجنيد مقاتلين لـ«داعش»؟ احك لنا عن تركيا العضو في الأطلسي..
- لست خبيرا بتركيا، لكن كوني أمضيت سنوات طويلة من حياتي المهنية في الأطلسي فإنني مصاب بخيبة كبيرة، أن دولة عضوا في الأطلسي ولأكثر من عقد من الزمن وضعت لمرتين عراقيل في وجهنا، أمام اتخاذنا قرارات نرى أنها من مصلحة تركيا وتجلب الاستقرار للمنطقة. إنها مسألة محبطة، لا أستطيع تفسيرها سوى أنها السياسة التي يعتمدها الرئيس رجب طيب إردوغان. أنا متأكد أن الحكومة الأميركية تجري محادثات صريحة وهادئة مع الأتراك. إنه أمر يثير اهتمامنا خصوصا أن تركيا، وهي قوة كبيرة، لديها دور تاريخي في المنطقة، ثم إنها عضو في الأطلسي. لا أستطيع أن أفسر دورها وبالطبع لا أبرره. إنه أمر محبط للغاية تماما كما فعلوا عام 2003 عندما رفضوا انطلاق فرقة المشاة الرابعة الأميركية من تركيا.
على كل، مسألة أن فرقة المشاة الرابعة لم تأت كانت لها تبعات على الحالة الأمنية في العراق بعد الحرب. لأن فرقة المشاة الرابعة كانت ستقاتل انطلاقا من الحدود التركية نزولا حتى الموصل وتكريت، وكانت ستواجه فرقتين كبيرتين من فرق الحرس الثوري، واللتين أصبحتا لاحقا جزءا من العصيان.
* ماذا يجب عمله بعد إلحاق الهزيمة بـ«داعش»، هل يجري الإعداد لخطة سياسية استراتيجية لإعادة إحياء العراق؟
- لا يوجد. إنما أخبرك ما أعتقد بوجوب أن يحدث. ستكون هناك مشكلة أكبر. ما نراه الآن هو انهيار الهيكل السياسي للمنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وليس فقط انهيار اتفاقية «سايكس - بيكو» التي تنعكس على لبنان وسوريا والعراق. إنه انهيار لهيكلية سياسية عمرها مائة عام.
في نهاية المطاف، عندما يتحقق بعض الاستقرار في العراق وسوريا، يجب أن يعقد مؤتمر إقليمي يقرر مصالح الأطراف كلها، وكيفية تنظيم تلك المنطقة لقرن آخر: ما هو الدور المناسب للإيرانيين؟.. كيف سيحدث توازن القوى بين العلويين في سوريا والسنّة، وكذلك الآخرين: الدروز، المسيحيين، إلخ؟.. يجب إعادة النظر بكل شيء، وهذا سيحتاج إلى سنوات، ويحتاج أيضا إلى تحرك نحو الاستقرار وإلى رؤية. أنا لا أملك الرؤية، لكني أستطيع أن أقول ما يجب أن يحدث. بعض الدول يجب أن تنظر إلى كل المنطقة وتضع تصورا للأخذ في الاعتبار بكل مصالح الدول المعنية: دول الخليج العربية، الأردن، العراق، سوريا، ولبنان. هذا ما يجب أن يحدث، لكن ستمر سنوات قبل أن يحدث.
هدفنا الآن وقف الاتجاه القائم ومنع «داعش» من أن يكبر أكثر، وأن نقلب الوضع وفي النهاية نهزمه.



القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
TT

القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)

عززت القوات اليمنية، الثلاثاء، عملياتها العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن» على امتداد عدد من الجبهات، في وقت بدأت فيه القوات المهاجمة تثبيت المكاسب التي حققتها في اليوم الأول، بالتزامن مع تسجيل تقدم جديد في محافظة تعز، واستمرار العمليات في مأرب والساحل الغربي، وضربات جوية استهدفت قدرات عسكرية حوثية في صنعاء وصعدة والحديدة.

يأتي ذلك غداة إعلان القوات الحكومية بدء عملية واسعة لاستعادة الأراضي التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، بدعم من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في تحول نقل العمليات من محاولة احتواء التقدم الحوثي الأخير إلى هجمات متعددة المحاور. وأكدت القيادة العسكرية أن العملية مستمرة حتى تحقيق أهدافها المعلنة.

وفي محافظة تعز، أعلن المركز الإعلامي لمحور تعز أن القوات المسلحة، مسنودة بالمقاومة الشعبية، حققت، الثلاثاء، تقدماً جديداً في مديرية حيفان جنوب المحافظة، بعد تمكنها من تحرير جبال المنظرة والأشاريف وذيبان، في تطور يوسّع نطاق الضغط على القوات الحوثية في الريف الجنوبي.

وقال المركز إن المعارك اشتدت كذلك في عزلة قدس بمديرية المواسط، حيث تخوض القوات الحكومية والمقاومة الشعبية مواجهات مع الحوثيين، في وقت تواصل فيه قوات المحور عملياتها الهجومية ضمن «فجر اليمن».

كانت قوات محور تعز قد نفّذت، الاثنين، خمس عمليات هجومية في جبهات الأربعين شمال المدينة، والأقروض جنوباً، والعنين وجبل حبشي غرباً، والبيرين في أطراف جبهة الكدحة. وقال المركز إن تلك العمليات أسفرت، وفق حصيلته، عن مقتل نحو 100 من عناصر الحوثيين وإصابة 150 آخرين، إلى جانب إسقاط خمس طائرات مسيّرة وتدمير وإعطاب ستة أطقم ودبابة.

وتواصلت العمليات في جبهات جبل حبشي والأقروض والعنين والكدحة، في وقت تحدثت فيه القوات الحكومية عن انتقالها من وضع الدفاع إلى الهجوم، مستفيدةً من نتائج عمليات اليوم الأول.

وفي الأقروض، كانت القوات قد دحرت الحوثيين من مواقع عدة ودمرت دبابة وعربة واستولت على طاقم، بينما نفذت في العنين هجوماً خاطفاً على مواقع الجماعة، وفي البيرين نفذت هجوماً استهدف تجمعات ومعدات عسكرية، وأسفر عن إحراق طقم ومقتل عدد من العناصر وأسر آخرين، وفق المركز الإعلامي لمحور تعز.

جندي من قوات ألوية العمالقة خلال التقدم في جبهة باب المندب (رويترز)

وتكتسب جبهة تعز أهمية خاصة في العملية الجديدة، بعدما كان الحوثيون قد ضغطوا خلال الأيام السابقة على طرق المدينة ومنافذها الجنوبية، في محاولة لتوسيع نطاق سيطرتهم وعزل تعز عن المناطق الحكومية في اتجاه لحج وعدن. وتقول مصادر عسكرية إن العمليات الحالية تستهدف استعادة زمام المبادرة ومنع تثبيت تلك المكاسب الحوثية.

الساحل تحت الضغط

في الساحل الغربي، واصلت القوات الحكومية تثبيت نتائج الهجوم الذي بدأ الاثنين، بعد العمليات التي قادتها «قوات العمالقة» و«قوات درع الوطن» بدعم جوي من «التحالف».

كانت القوات قد أعلنت السيطرة على مطار ذوباب وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين المخا وباب المندب، مع فرض ضغط على القوات الحوثية الموجودة في المنطقة، بالتزامن مع استمرار التحرك شمالاً باتجاه المخا والحديدة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى استعادة السيطرة على الساحل الغربي (رويترز)

وأفادت تقارير ميدانية بأن القوات الحكومية أحكمت سيطرتها على مواقع استراتيجية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، فيما تواصلت التحركات باتجاه المخا، وسط تراجع عناصر حوثية من بعض المواقع.

وتقول مصادر ميدانية إن القوات تتمهل في دخول المخا، إذ تسعى لتأمين خطوط دفاعها شرقاً باتجاه مديرية الوازعية ومنطقة مفرق البرح؛ تجنباً لأي عملية التفاف تتعرض لها.

وتندرج هذه التحركات ضمن محور الساحل الغربي الذي يمثل أحد المسارات الرئيسية للعملية، إلى جانب تعز ومأرب والجوف وميدي، مع اختلاف مستوى العمليات من جبهة إلى أخرى، حسب الخطط العسكرية.

مأرب تتقدم

في مأرب، واصلت القوات المسلحة اليمنية عملياتها الهجومية في قطاعات عدة، بعدما تمكنت، وفق مصادر عسكرية، من دحر الحوثيين من مواقع في قطاع البور جنوب المحافظة، عقب مواجهات عنيفة وإسناد مدفعي.

وقالت المصادر إن القوات اخترقت تحصينات حوثية وفككت حقول ألغام، بينما شهد القطاع الشمالي إغارة على مواقع للجماعة تزامنت مع قصف مدفعي استهدف تجمعاتها ومرابض المدفعية والعيارات، مما أدى، حسب الرواية العسكرية، إلى سقوط قتلى وجرحى وإعطاب معدات وآليات.

وفي القطاع الشمالي الغربي، استهدفت القوات مصادر نيران حوثية وعدداً من العيارات والمعدات، فيما واصل الطيران الحربي والمسيّر غاراته على مخازن أسلحة وتحشيدات ومراكز قيادة في قطاعات مختلفة من المحافظة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في اليوم الأول من العملية إطلاق هجمات من محاور متعددة في مأرب، بينها الجبهتان الجنوبية والشمالية الغربية، وتحقيق تقدم في مواقع قالت إنها مهمة، بالتزامن مع غارات على مخازن أسلحة ووسائل محملة بالذخائر.

ضرب القدرات الصاروخية

في تطور موازٍ، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء، ومخزن للصواريخ داخل موقع جبلي في صعدة، قال إن المخزن كان يضم 20 صاروخاً باليستياً.

وقال المتحدث باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، إن الضربات استهدفت قدرات مرتبطة بالقدرات الصاروخية الحوثية، في إطار العمليات الجارية بالتزامن مع «فجر اليمن».

قوات الحكومة اليمنية تتقدم بحذر نحو المخا حيث تسعى لتأمين دفاعاتها شرقاً (رويترز)

كما أعلن التحالف تنفيذ عملية بحرية في محافظة الحديدة استهدفت، وفق روايته، مخازن أسلحة ومستودعات زوارق مفخخة وألغام بحرية، وقال إن العملية أحبطت مخططاً لهجمات وشيكة على الممرات المائية جنوب البحر الأحمر، في إطار مساعي حماية الملاحة في منطقة باب المندب.

من جهته قال رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة في الجيش اليمني، الفريق الركن صغير بن عزيز، إن عملية «فجر اليمن» مستمرة ولن تتوقف حتى تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة والعودة إلى صنعاء، مؤكداً جاهزية القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية لتنفيذ المهام الموكلة إليها.


«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
TT

«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)

منذ ليلتين تنام مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قبل مغيب الشمس، ويسود أحياءها صمتٌ مطبق حتى الفجر، ما حدا بأحد سكانها إلى تخيلها كمقبرة لا تتحرك فيها سوى عناصر الجماعة الحوثية الذين شبَّههم بأشباح توزع الخوف وتعيشه بالقدر ذاته، بينما تعود الحركة خلال ساعات النهار بشكل محدود.

لم يكن الخوف وليد لحظة اقتحام الحوثيين للمدينة، إلا أنه تضاعف حال وصولهم إليها، وحسب مصادر محلية في مديرية الشمايتين؛ فإن عناصر الجماعة أصرت على تثبيته في قلوب السكان عندما قتلت مدنياً بشكل أشبه بالإعدام الميداني، ساعة اقتحامها مركز المديرية (مدينة التربة) بعد إعلانه رفض وجودهم فيها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القتيل خرج من محله التجاري ليقف أمام العربات العسكرية الحوثية التي تتقدم إلى المدينة مطالباً بمغادرتها، فوجَّه عناصر الجماعة أسلحتهم نحوه وطلبوا منه إعلان الولاء بأداء الصرخة الخمينية، إلا أنه رد عليهم بالضحك، فأطلقوا عليه النار وأردوه في الحال.

وتسببت سيطرة الجماعة الحوثية على المدينة بدفع السكان إلى العودة إلى منازلهم، في حين أُغلقت المحال التجارية وخفَّت حركة التسوق، بينما سارع المتسوقون القادمون من مختلف مناطق المديرية والمديريات المجاورة إلى المغادرة، قبل أن يتمكنوا من شراء احتياجاتهم.

قافلة غذائية وجَّهها سكان مدينة التربة إلى جبهات غرب تعز قبل استيلاء الحوثيين عليها (فيسبوك)

وقبل أن تصل المعارك إلى أبواب المدينة، كانت أصوات القصف والصواريخ قد أصبحت جزءاً من يوميات الأهالي، وأدى التصعيد إلى نزوح عائلات من مناطق قريبة من خطوط المواجهة، فيما اتجه آخرون إلى مناطق أكثر أمناً داخل تعز أو نحو محافظة لحج.

محاولات لتطبيع النفوذ

قضى غالبية السكان ليلتهم الأولى في ظلام دامس، إذ أطفأوا أضواء المنازل وقضوا أوقاتهم في ترقب أي تطورات للأحداث، بينما كانت أصوات الاشتباكات تأتي من محيط المدينة، حيث استمرت الاشتباكات بين الجماعة وقوات من الجيش الحكومي إلى ساعات متأخرة من الليل.

تكشف إحدى ربات المنازل لـ«الشرق الأوسط» عن أن اضطرار السكان لإطفاء أضواء المنازل كان تخوفاً من إقدام عناصر الجماعة على اقتحامها أو تفتيشها أو اشتباههم بمن يضيء الأنوار، إلى جانب القلق من اقتحامها للمبيت أو طلب أي مساعدة.

مقاتل في الجيش اليمني يقف على مرتفع صخري بإحدى الجبهات الجبلية في تعز (فيسبوك)

كما لجأ عناصر الجماعة الحوثية إلى استخدام مكبرات الصوت ظهيرة الاثنين، لدعوة التجار والباعة إلى فتح متاجرهم ومحالهم، إلا أن تلك الدعوات لم تلقَ استجابة في البداية.

وحسب شهادات سكان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» فإن المطالبة تحولت بعد نحو ساعة إلى تهديد بكسر أبواب المحال التجارية بالقوة، وهو ما دفع عدداً من الباعة إلى العودة لممارسة أنشطتهم خوفاً على سلعهم من النهب أو من أي عقوبات تطولهم جراء استمرار تعطيل التسوق، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لعودة الحركة في المدينة إلى وضعها الطبيعي.

وطلب عناصر الجماعة من السكان مساعدتهم في الحصول على المواد الغذائية، خصوصاً مع إغلاق المطاعم والمحال التجارية، واضطروا إلى تناول الأغذية المعلبة التي حصلوا عليها من المحال التجارية التي فتحت أبوابها تحت التهديد، بينما توسل عدد منهم إلى السكان لشراء أغذية مطبوخة من منازلهم.

يذكر أحد السكان، وهو ينتمي إلى مديرية المقاطرة المجاورة، والتابعة لمحافظة لحج، أن عدداً من أقاربهم حزموا بعض أمتعتهم الخفيفة ومقتنياتهم الثمينة وغادروا إلى قراهم التي قدِموا منها للسكن في التربة، أو لجأوا إلى أقارب لهم في مناطق أخرى.

مشهد من المعارك التي شهدتها مديرية الشمايتين خلال الأيام الماضية (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الخوف من ممارسات الحوثيين كان هو الدافع الأبرز للنزوح المستمر منذ بدء سيطرة الجماعة على المدينة، إلى جانب مخاوف العديد من الأسر الفقيرة على مدخراتها ومقتنياتها من النهب، وهو ما ظهر من خلال ازدياد حركة شاحنات النقل المحملة بالأثاث والممتلكات على عديد من الطرق.

توجس من السكان

تكشف مثل هذه الشهادات جانباً لا يظهر في البيانات العسكرية، فالمعركة التي توصف في نشرات الأخبار بأنها تقدم أو تراجع على محور قتالي، تعني بالنسبة إلى العائلات قراراً عاجلاً بشأن مغادرة المنزل، وإلى أين تذهب، وما الذي يمكن حمله معها، وما إذا كان الطريق الذي تسلكه سيظل مفتوحاً.

يروي ناشط اجتماعي في المدينة مشاهدته لتصرفات أظهرت توجس عناصر الجماعة من السكان، ومخاوفهم من ردة فعل شعبية على وصول النفوذ الحوثي إلى مساكنهم، وظهر ذلك من خلال تجنبهم الدخول إلى الأزقة الضيقة ونصب نقاط تفتيش في كل الشوارع المحيطة العامة وعلى أطرافها ومداخلها، وعقد اجتماعات مع أئمة المساجد.

محافظة تعز تستعد لحصار حوثي يفاقم سوء الأوضاع الإنسانية بعد استيلاء الجماعة على مدينة التربة (أ.ف.ب)

ويؤكد الناشط، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على إظهار هويته، أن الجماعة لم تطلب، حتى الآن، ترديد الصرخة الخمينية في المساجد، إلا أن عناصرها حذروا الأئمة من أي دعوات لمقاومتهم تنطلق منها، وطالبوا بالإبلاغ عن أي تجمعات فيها مهما كان الهدف منها.

واستخدم المقاتلون الحوثيون المساجد للاستراحة والمبيت والاغتسال وغسل ملابسهم في مرافقها، بعد أن جلبوا إليها مواد التنظيف وأواني بلاستيكية.

وتبسط الجماعة الحوثية نفوذها على مدينة التربة ومنطقة الصافية القريبة منها، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر أمنية، وبذلك يكون الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن خارج إدارة الحكومة اليمنية، مما سيؤدى إلى تطويق الحوثيين لمدينة تعز من جهات عدة.

بالنسبة إلى سكان المنطقة، لا يمثل الطريق مجرد خط على خريطة عسكرية، بل هو المسار الذي تمر عبره المواد الغذائية، والمرضى، والمسافرون، والعمال، وتتحرك من خلاله البضائع بين تعز وعدن. ومع إغلاق الطرق الرئيسية في المحافظة، تصبح المسارات البديلة أطول وأكثر تكلفة وأشد خطورة، في وقت تعاني فيه غالبية العائلات من تراجع قدرتها على تحمل تبعات الحرب.


صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
TT

صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)

يترقب سكان العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ما ستؤول إليه العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة اليمنية تحت اسم «فجر اليمن»، وسط آمال بأن تفتح الطريق أمام إنهاء سنوات الانقلاب والحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وعودة الحياة العامة إلى مسار أرسخ استقراراً.

وبعد نحو 12 عاماً منذ سيطرة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية، يقول سكان إن الحديث عن العملية أعاد إلى كثير منهم مشاعر الأمل التي غابت طويلاً، وإن ما ينتظرونه «لا يقتصر على تحول عسكري، وإنما يتصل بعودة الدولة والقانون والحريات وتحسن الخدمات»، وإنهاء ما يصفونها بـ«سنوات من الخوف والجبايات والتضييق الأمني».

ويقول سكان تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن العاصمة «تبدو مثقلة بإرث طويل من الحرب والانقسام وتدهور الأوضاع المعيشية»، وإن كثيراً من المواطنين باتوا «ينظرون إلى أي تغيير محتمل بوصفه فرصة للخروج من واقع فرضته الجماعة على المدينة منذ سيطرتها عليها».

قوات من «ألوية العمالقة» تبدأ عملية «فجر اليمن» نحو الساحل الغربي (أ.ف.ب)

ويؤكد «عبد الله»، وهو موظف حكومي من صنعاء، أن الحديث عن عملية «فجر اليمن» أعاد إلى كثير من المواطنين شيئاً من الأمل، موضحاً أن ما يريده السكان هو «دولة تحميهم وتوفر لهم الأمن والخدمات، وليس مزيداً من القمع ومصادرة الحريات».

ويضيف أن الخوف من تبعات المواقف السياسية دفع كثيراً من المواطنين إلى تجنب النقاش في الشأن العام، حتى داخل منازلهم. ويقول: «هناك أشياء كثيرة يتحدث عنها الناس همساً فقط. المواطن يريد أن يتكلم بحرية، لكنه يخاف من أن يدفع ثمن كلامه».

بحث عن عودة الدولة

في السياق نفسه، تقول ناشطة من ضواحي صنعاء، إن السنوات الماضية «أكلت أعمار اليمنيين»، مشيرة إلى أن الأسر أصبحت منشغلة بتأمين الغذاء والدواء والإيجار، في ظل استمرار الأزمات.

وتضيف: «نحن لا نبحث عن الحرب؛ نبحث عن نهاية الحرب والانقلاب. نريد أن تعود الدولة ونعيش مثل بقية الناس».

وترى أن «النساء تحملن جانباً كبيراً من الأعباء التي خلفتها الأزمة، خصوصاً في الأسر التي فقدت معيلها أو مصدر دخلها»، مشيرة إلى أن استمرار الحرب «انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للأسر وعلى قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية».

سعيُ الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

أما «صلاح»، وهو من محافظة إب ويعمل بائع خضراوات في صنعاء، فيقول إن المواطنين لم يعودوا يحتملون مزيداً من سنوات الخوف، مؤكداً أن مطلبهم الأساسي يتمثل في وجود مؤسسات وقانون يحمي الجميع.

ويضيف: «نريد أن نستيقظ يوماً ولا نخاف من حملات الجباية، أو الابتزاز في نقاط التفتيش، أو من اعتقال أحد أفراد الأسرة بسبب رأيه».

ويشير إلى أن تداعيات الحرب «انعكست على أوضاع الأسر، بعدما فقدت عائلات كثيرة مصادر دخلها، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد بحثاً عن العمل والأمان».

مدينة تحت الضغط

على مدى السنوات الماضية، واجه سكان صنعاء أعباء اقتصادية وأمنية متصاعدة، مع انتشار نقاط التفتيش وتوسع الإجراءات القمعية والجبايات التي أثرت على التجار وأصحاب الأعمال والأسر.

ويرى ناشطون أن هذه الظروف عمقت حالة السخط داخل المجتمع، خصوصاً مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع تضييق المساحة المتاحة أمام التعبير عن المواقف المخالفة للجماعة.

ويقول «بشير» إن «الناس صمتوا طويلاً لأنهم خائفون، وليس لأنهم راضون»، عادّاً أن أي تحول يعيد للمؤسسات دورها سيحظى باهتمام واسع بين المواطنين.

عناصر أمن حوثيون يجوبون شوارع صنعاء (رويترز)

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أعلن، الاثنين، انطلاق العملية العسكرية «فجر اليمن»، قائلاً إنها تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وقال العليمي في منشور على منصة «إكس»: «على بركة الله... انطلقت عملية (فجر اليمن) لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية».