النبوءة البابلية والكتابة على الجدران

فتاة تفتش جندي
فتاة تفتش جندي
TT

النبوءة البابلية والكتابة على الجدران

فتاة تفتش جندي
فتاة تفتش جندي

في رواية السفاح الأعمى، وهي رواية طويلة فازت بجائزة «المان بوكر» عام 2000، للروائية الكندية مارغريت أتوود، التي ترجمتها إيمان أسعد، وصدرت عن دار نشر «كلمات» عام 2018، جاءت هذه العبارة: «كم يؤمنون بالملائكة في تلك الأرجاء، بيد أنه في واقع الأمر الملائكة لا تكتب كثيراً. هي تدوّن الخطايا وأسماء الطالحين والصالحين، أو تتجلى على هيئة أياد مبتورة تخربش التحذيرات على الجدران». تقول مترجمة الرواية إيمان إنها شعرتْ أن الأيادي المبتورة استعارة أدبية لها مرجعية دينية أو فلكلورية، لكنها لم تستدل عليها إلا لاحقاً بالصدفة، حينما كانت تقرأ «حكايات كنتربري»، وهي أربع وعشرون حكاية شعرية من القرون الوسطى للكاتب الإنجليزي جيفري تشوسر، نشرت غير مكتملة عام 1400 نتيجة وفاة الكاتب. وفي الصفحة 195 وما تلاها، استدلتْ المترجمة على قصة الأيادي المبتورة المستوحاة من وليمة بلشصر في سفر دانيال من العهد القديم.
لكن الثيمة معروفة فنياً، وتحديداً من لوحة «وليمة بلشصر»، للفنان الهولندي رامبرنت المولود في مدينة لايدن عام 1606، والمتوفى في أمستردام عام 1669، والذي عاش حياة مضطربة بين غنى وفقر ونجاح وفشل وفقدان، لكنه ظل مؤمناً بتفرده الفني واختلافه عما هو مألوف في زمانه.
أعود إلى اللوحة التي رسمها رامبرنت بين الأعوام (1635 - 1638)، والتي وقفت أمامها مرات لا حصر لها، وهي من مقتنيات «الناشيونال غاليري» في لندن: في «وليمة بلشصر»، يحاول رامبرنت ترسيخ نفسه كرسام للمشاهد التاريخية المستلهمة من العهد القديم، وفيها يمثل الملك بلشصر آخر الملوك البابليين، وهو ابن الملك نبونئيد وحفيد نبوخذنصر الملك البابلي الذي غزا أورشليم، وقضى على سلالة داود، واستولى على خزائنها في المعابد، وجلب سكانها أسرى إلى بابل. الحفيد بلشصر في اللوحة يقيم مأدبة للنبلاء ولزوجاته وجواريه، يشربون النبيذ في الكأس المقدسة التي غنمها نبوخذنصر من «بيت إيل»، لكنهم بدل شكر الله وتمجيده، يمجدون آلهة الخمر والذهب والفضة. وفي غمرة احتفالهم، تظهر لهم يد مبتورة تخربش نبوءات بلغة غير مفهومة على الحائط. يستدعي الملك حكماء بابل لتفسير الكلمات، لكنهم يفشلون (لا أدري لماذا لم يتمكن حكماء بابل من قرأتها!)، ثم يُستدعى دانيال، وهو أحد أنبياء بني إسرائيل في الأسر، وكان قد استعين به من قبل الملك نبوخذنصر ليفسر له الكلمات، وهي (مينه، مينه، تكيل، أوفراسين). والتفسير كما يأتي: (مينه وتعني عدَّ)، ومعناها عدَّ الله أيام ملكك ووصلت إلى نهايتها. (تكيل وتعني كَيّل)، ومعناها كُيّلتْ أعمالك وكان ميزانك منقوصاً. (أوفراسين وتعني قُسمتْ)، ومعناها ستُقسم مملكتك بين الفرس والمديين. أمر الملك بلشصر بمكافأة سخية لدانيال، وتسميته الرجل الثالث في المملكة. وفي تلك الليلة، مات بلشصر، وقسمت الإمبراطورية البابلية بين الفرس والمديين. هناك تناقضات في القصة التوراتية، لعلّ أبرزها هو لماذا فشل حكماء بابل في قراءة النبوءة مثلاً وهم العارفون باللغات والحكمة القديمة؟!
نعود إلى لوحة رامبرنت الذي عاش في حارة اليهود في أمستردام، وقد كتب الكلمات التحذيرية على الحائط (خلفية اللوحة) بالعبرية، مستعيناً بكتاب أعاره له صديقه الفنان والراباي ميناسي بن إسرائيل. لكن رامبرنت، ورغم براعة ودقة التفاصيل في اللوحة، قد ارتكب خطأين في رسم الكلمات العبرية، الأول خطأ في أحد الحروف، والثاني أنه رتب الكلمات بأعمدة، وفاته أن العبرية تكتب بصفوف من اليمين إلى اليسار، وليس عمودياً.
مبعث الضوء وبؤرة تكثفه في اللوحة هو النبوءة التي خطتها اليد، والتي سببت فزع الملك ونظرته الذاهلة، وذهول كل من حوله. ورغم الحركة الطاغية للضوء المنعكس على رداء الملك في تفاصيل اللوحة المتمثلة بنصف استدارة للملك الذي تمكن رامبرنت من تقمص ذعره تماماً، وألبسه عمامة مستوحاة من لبس الهنود الذين شاهدهم في مرفأ أمستردام، وأرجحَ قلادته نتيجة الاستدارة والذهول الذي سبب انسكاب الماء من الكأس المقدسة وفزع كل الشخوص، فإن اللوحة، ربما هنا يكمن سرّها، عبارة عن تناقض بين اليد المبتورة لكنها المطمئنة الواثقة التي تكتب النبوءة وبين الأيادي المكتملة المذعورة المتضرعة لباقي الشخوص.
هناك لوحة أخرى بالعنوان والمعنى ذاته (مأدبة بلشصر)، عُرضت لأول مرة عام 1821، للرسام الإنجليزي جون مارتن (1789 - 1854) الذي اشتهر بلوحاته الضخمة ومواضيعه التاريخية والإنجيلية، وحازت هذه اللوحة على الجائزة الأولى في المعهد الفني البريطاني، وهي لوحة بانورامية، لا يخطئ الناظر إليها أنها تمثل بابل التي يظهر برجها وحدائقها المعلقة وزقوراتها في خلفية اللوحة. تصور اللوحة باحة ملكية محاطة بأعمدة ضخمة، مليئة بالجمهور البابلي في حالة احتفال. وهي على خلاف لوحة رامبرنت، فالشخصية المحورية فيها هو النبي دانيال، وليس الملك بلشصر الذي ينزوي مذعوراً في الزاوية اليمنى، وهذه اللوحة هي الثانية بين ثلاث لوحات رسمها جون مارتن وتتناول التراث الرافديني: اللوحة الأولى سقوط بابل 1817، والثالثة سقوط نينوى 1828. وقد استلهم لوحاته من مناقشة مستفيضة مع الفنان الشاعر الأميركي واشنطن أليسون، حينما كان الأخير يدرس في الأكاديمية الملكية للفن في لندن.
«وليمة بلشصر» استُلهمتْ في الموسيقى، منها: «أوراتوريو بلشصر - 1744» (وهي سمفونية ذات طابع ديني) لجورج هاندل، وأوبرا بعنوان «سقوط بلشصر - 1812» للموسيقار الإيطالي روسيني، وكانت عنواناً لأغنية وضع موسيقاها روبرت شومان عام 1840، من كلمات الشاعر الألماني هاينرش هاينه، ومقطوعة موسيقية من تأليف الموسيقار الفنلندي سبيليوس عام 1908، وأوراتوريو للموسيقار البريطاني ويليم والتن عام 1931.
واستلهم الشعراء «وليمة بلشصر»، كما في قصيدة اللورد بيرون «رؤيا بلشصر»، وقصيدة لإميلي ديكنسون «رسالة إلى بلشصر»، وقصيدة روبرت فورست «رسول الشر».
وفي الرواية: رواية «بلشصر» للكاتب الرحالة الإنجليزي رايدر هاغرت عام 1930. كما ظهرت الثيمة في أحد فصول رواية الكاتب القوقازي فيصل إسكندر «ساندور من تشيجيم».
الكتابة على الجدران هي أيضا ثيمة أدبية مألوفة، ومصدرها «وليمة بلشصر» من سفر دانيال من العهد القديم، وكانت عنواناً لعدد من الروايات الأدبية، منها كتاب وزير الخارجية الهنغاري السابق ميكلوس بانفي «الكتابة على الجدران... حكايات من ترانسلفانيا - 1930»، ورواية «الكتابة على الجدران - 2005» للروائية الأميركية المعاصرة لين شارون شوارتز. كما كانت موضوعاً لعدد كبير من الأغاني.
لكن مصطلح الكتابة على الجدران يحيلنا أيضاً إلى فن الغرافيتي الذي انتشر في ستينات القرن الماضي في مدينة نيويورك، متأثراً بفن الهيب هوب، ونشط - وما زال - مع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغالباً يبقى فنان الغرافيتي مجهول الهوية. وقد تطورت الكتابة على الجدران إلى فن شعبي يمثل نصوصاً سردية وصورية تكون معبأة غالباً بدلالة نقدية، أو رفض لظواهر وأزمات تمس الإنسان. ولا تكاد تخلو زاوية من زوايا المدن وجدرانها منه، فقد أصبح جزءاً من الحياة اليومية للمدينة، وله فنانوه المشهورون، مثل الفنان الناشط السياسي المخرج بانكسي البريطاني، وهو لا يزال مجهول الهوية، لكن رسوماته شوهدت على جدران مدن كثيرة، مثل بريستول ولندن والضفة الغربية، وعلى الجدار العازل، ولوحاته تلاقي رواجاً كبيراً، والفنان الإيراني المسمى «اليد السوداء»، وهو لا يزال مجهول الهوية والجنس، والفنان المصري مجهول الهوية جيكو الذي كان له دور بارز في أثناء وبعد الثورة المصرية عام 2011.



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.