ولادة أكبر مكتبة إلكترونية عربية تضم 100 ألف عنوان بالمجان

مشروع شبيه بـ«غوغل بوكس» بالشراكة مع «الجامعة الأميركية» في بيروت

أحد أعضاء الفريق التقني بالجامعة الأميركية في بيروت
أحد أعضاء الفريق التقني بالجامعة الأميركية في بيروت
TT

ولادة أكبر مكتبة إلكترونية عربية تضم 100 ألف عنوان بالمجان

أحد أعضاء الفريق التقني بالجامعة الأميركية في بيروت
أحد أعضاء الفريق التقني بالجامعة الأميركية في بيروت

بفضل تمويل من «جامعة نيويورك» في أبوظبي، سيصبح في متناول القراء العرب، وبالمجان، خلال أقل من خمس سنوات، أكبر مكتبة رقمية بلغة الضاد، موجودة على الشبكة العنكبوتية. وسيتمكن القارئ من الوصول إلى 100 ألف كتاب عربي، والإفادة منها وقراءتها، على طريقه الـ«إي - بوك». وقد بدأ تجهيز الكتب إلكترونياً منذ ما يقارب السنتين، وسيعمل على وضعها تدريجياً على الشبكة بدءاً من العام المقبل.
ويتم تنفيذ المشروع من قبل مجموعة «عربية أون لاين» وهي الهيئة التي مولتها «جامعة نيويورك» أبوظبي وتعمل بالتعاون مع «جامعة نيويورك» في الولايات المتحدة الأميركية، لإنجاز مشروع شبيه بـ«غوغل بوكس» مخصص للغة العربية. وقد شمل المشروع رقمنة الكتب العربية الورقية الموجودة في مكتبات جامعات كبرى في الولايات المتحدة الأميركية مثل كولومبيا، وكورنل، وبنسلفانيا وبرنستون، لكن تبين أن ما في حوزة هذه المكتبات الجامعية مجتمعة، لا يصل إلى أكثر من 30 ألف مجلد. وامتد التعاون ليشمل الجامعة الأميركية في بيروت التي في حوزتها أكثر من 10 آلاف مجلد، غير خاضعة لحقوق النشر، أي أنها منشورة قبل عام 1956، ويمكنها أن تصبح مشاعاً إلكترونياً دون أي قيود.
وأعلنت «الجامعة الأميركية» في بيروت أخيراً انضمامها للمشروع، وتحدث رئيس مكتباتها لقمان محو لـ«الشرق الأوسط» مؤكداً أن «كل الكتب التي لا تخضع لحقوق النشر في حوزتنا ستصبح رقمية خلال ثلاث سنوات، حددناها لأنفسنا، دون أن يشمل ذلك المخطوطات والدوريات التي سيتم نشرها إلكترونياً وفق برنامج آخر، تقوم به الجامعة بنفسها، وقد بدأ بالفعل مع مجلة (الآداب) وسيتم استكماله تدريجياً». وبحسب محو، فإن الجامعة الأميركية في بيروت، أنفقت ما يقارب نصف مليون دولار، بهدف تجهيز نفسها تقنياً بكومبيوترات، ومعدات تصوير ونسخ وميكروفيلم، وجرى إنشاء مختبر مجهز بكامل المعدات اللازمة، لنقل كتبها الورقية إلى إلكترونية، كما أن الجامعة، أعدت فريقاً تقنياً من 12 شخصاً خضعوا لتدريبات متواصلة ليكتسبوا الخبرات اللازمة. وجرى تدريب الفريق في «مكتبة الإسكندرية» في مصر التي يصفها محو بأنها أصبحت لها خبرة عالمية المستوى، وهي الأولى في المهارات الإلكترونية للعمل على الكتاب العربي، بعد أن تدرب فريقها في مكتبة الكونغرس واستطاع أن يطور مهاراته ليطوعها وتتلاءم مع الكتاب العربي. كما تدرب الفريق اللبناني في هولندا مع شركة «براي ببلشنج غروب»، وسيجري انتخاب أفراد من الفريق للذهاب إلى «جامعة نيويورك»، للاطلاع على كيفية العمل هناك، واستكمال تطوير المهارات، وتوحيد طريقة العمل.
وينفي الدكتور محّو، أن يكون العمل على نقل الكتب العربية إلكترونياً لا يزال يعاني من صعوبات تقنية، ويقول: «إن العقبات ذللت، ولم يعد أمامنا من صعوبات تذكر. ثمة صعوبة وحيدة هي في نظام (أو سي آر) أي أن يتمكن البرنامج من البحث عن عبارة ويعين الصفحة الموجودة فيها، والمكان المحدد من الكتاب، أما ما عدا ذلك، فلا صعوبات تذكر».
وحين نستوضح عن أهمية المشروع طالما أن هناك الكثير من المواقع العربية التي باتت توفر لقرائها آلاف الكتب العربية بالمجان، كما أن الكتب الحديثة تتم قرصنتها، يجيب الدكتور محّو مؤكداً أن «أكبر موقع إلكتروني عربي للكتب لا يوفر لقرائه أكثر من ثلاثة آلاف كتاب، فيما مشروعنا سيضع القارئ أمام ثروة لا مثيل لها، ولم يسبق له أن رأى ما يشبهها إلكترونياً باللغة العربية».
ويعد الدكتور لقمان محّو، أن هذه التجربة التي يكتسبها فريق الجامعة الأميركية، ستصبح في خدمة المكتبات اللبنانية التي ترغب في جعل كتبها إلكترونية و«سنصبح على استعداد للتدريب ونقل الخبرات بالمجان، وهو ما سيعمم الفائدة على الجميع».
أما عن التمويل الذي ستحظى به الجامعة الأميركية في بيروت، لتنفذ الجانب الخاص بها من المشروع فيقول: «نحن جئنا بالمعدات والموظفين التقنيين، واستثمرت الجامعة نحو نصف مليون دولار، وسيدفع لنا نحو نصف مليون دولار؛ 100 ألف للمعدات والباقي لتحويل الكتب إلى إلكترونية». شارحاً أن «المبلغ كاف جداً، فالمعدات التي دفعت الجامعة ثمنها، كنا سنشتريها في كل الأحوال لأن الحاجة ملحة إليها».
يبدو أن هدف الوصول إلى 100 ألف كتاب عربي رقمي، رغم دخول الجامعة الأميركية في صلب المشروع، لا يزال بعيد المنال، والبحث متواصل مع مكتبات لجامعات معروفة، بحوزتها كتب لها أهميتها، مثل «المكتبة الشرقية» العريقة التابعة لـ«الجامعة اليسوعية» في بيروت.
الدكتور محّو الذي قام هو نفسه بهذه الاتصالات التي لم ترتق بعد إلى مستوى الاتفاق، يتحدث عن صعوبات كثيرة، منها الحاجة إلى إحصاء الكتب التي لا تخضع لشروط النشر، وعددها ونوعيتها، ومنها أيضا أن التصنيف في هذه الجامعة يختلف عن الطريقة الأميركية، وكذلك عدم توفر الإمكانيات التقنية للجامعة اليسوعية، وهو ما يمكن أن تساعد به الجامعة الأميركية في بيروت، بتقنياتها الخاصة.
العمل التجريبي لرقمنة الكتب، بدأ فعلياً في الجامعة الأميركية في بيروت، والفريق التقني لا يضيع وقتا، حيث يتمكن من العمل على عشرة كتب ورقية يومياً، ويضعها بالصيغة الإلكترونية. وهي وتيرة جيدة، تسمح بالانتهاء من العمل في غضون ثلاث سنوات. وهناك تفكير في تسيير العمل وفق دوامين في اليوم الواحد يتناوب عليهما فريق العمل، لإنجاز المهمة بالسرعة الممكنة.
والهدف الأول والأهم بالنسبة للدكتور محّو، هو توفير الكتب للقارئ العربي، لا سيما تلك القديمة منها التي يعتبرها قيمة جداً، وعلى الأرجح أهم من الكتب الجديدة، المتوفرة في الأسواق.
أما كيف يمكن للقارئ الدخول لقراءة هذه الكتب، فمن خلال موقع «الجامعة الأميركية» في بيروت في الفترة الأولى التي ستوفر روابط تحيل إلى بقية المكتبات المشاركة في المشروع.
يذكر أن «الجامعة الأميركية» التي تأسست عام 1866، لها مكتبات هي من بين أفضل المكتبات الأكاديمية في المنطقة العربية، تحوي ما يقارب مليون ومائتي ألف كتاب ورقي ورقمي منها عشرة آلاف كتاب نادر وفريد وعشرة آلاف دورية، منها 3500 بالعربية، و140 ألف مجلة ومُجريات إلكترونية، و300 قاعدة بيانات، ومليون ومائتي ألف منشورة سمعية بصرية، ومعظمها ميكروفيلم جرائد ومجلات محلية وإقليمية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
ويضم قسم الأرشيف والمجموعات الخاصة 700 قدم من المواد الوثائقية، من بينها أوراق مفكرين لبنانيين وعرب مشهورين. كذلك يضم 1400 مخطوطة وتسعة آلاف مجلد أبحاث، وأطروحات يعود بعضها إلى عام 1907. كما يضم خمسة آلاف بوستر و1900 خريطة وخمسين ألف صورة.



خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية
TT

خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية

في روايتها الأولى «قطة السيدة نفيسة»، تشتبك الكاتبة الصحافية سها السمان مع القاهرة التاريخية، بوصفها فضاءً مشبعاً بالروحانية والذاكرة الشعبية والقصص الإنسانية، من خلال سيرة الشخصية الرئيسية «فرح» التي يتقاطع مصيرها مع خمس حكايات نسائية لخمس شخصيات تتعرف عليهن في رحاب مسجد السيدة نفيسة.

تمر البطلة بتجربة خاصة مربكة، ورواية متعثرة تحاول أن تجد لها فكرة، وورطة ترتبط باتفاق غريب مع صديقة والدتها، ولكنها سرعان ما تكتشف أن المكان يفتح أمامها أبواباً إلى وجوه وحكايات لم تكن في الحسبان؛ إذ تتبدى لها مشكلات الآخرين بوصفها مرايا تكشف هشاشتها وأسئلتها المؤجلة.

يحمل عنوان الرواية دلالة مركزية، فالقطة ليست مجرد تفصيلة عابرة في فضاء المكان، وإنما هي رمز لكائن صامت يراقب ويتحرك بين الناس ويلتقط ما يخفونه. ومن هذه الزاوية تبدو البطلة شبيهة بالقطة: تقترب من الشخصيات، تنصت إلى اعترافاتهم، وتتعرف على ما وراء الأقنعة اليومية، كما تبدو في بحثها عن روايتها، كأنها تبحث في الوقت نفسه عن لغة جديدة لفهم حياتها ومواجهة مخاوفها.

وعبر رصد تنوع الطبقات الاجتماعية والهموم الصغيرة والأسئلة الوجودية، تقترب الرواية من معاناة النساء وضغوطهن الخفية، عبر الحاجة الإنسانية الدائمة إلى من يسمع ويمنح الأمل، وهي بذلك تقدم حكاية عن الخلاص الممكن، بعيداً عن المعجزات الجاهزة، ومن خلال الإنصات بصدق لصوت الذات والتماس المباشر والحميم مع أرواح الآخرين.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سامح كان الحياة بالنسبة لي، كنت لا أتوقف لحظة عن تمجيده والاستماع إلى كل ما يطلبه مني وأنفذه، فهو لا يخطئ أبداً. حبيبي وصديقي وسيكون قريباً زوجي. كانت مشاكله كلها مع أسرته. كان والده نموذجاً للشخصية الشريرة التي يمكن أن نراها في السينما. شخص لا يتوقف لحظة عن إهانة والدتهم وضربها كلما أتيحت له الفرصة ولأتفه الأسباب، مع السخرية والتقليل من أولادهم.

لا يتذكر سامح -وهو الابن الأصغر- أن والده قد احتضن أبناءه الثلاثة يوماً، أو فرح بنجاحهم، كانت أمهم السيدة التي تتعرض للإهانة والخوف ليلاً ونهاراً نموذجاً للشخص المغلوب على أمره. تتحمل مسؤوليتهم بكل طاقتها، ولا تسمع كلمة شكر واحدة أو تقدير لمجهودها، في حين يذكِّرها والدهم في كل مناسبة بأنه يجعلهم يعيشون أفضل حياة في فيلا ضخمة وكل طلباتها مجابة، يأكلون جيداً وفي وضع اجتماعي يحسدهم عليه الجميع.

ولكن سامح كان يجد أن هؤلاء الخدم لم يكونوا يسمعون سوى إهانات والدهم له ولإخوته وأمه، وكيف يمن عليهم طوال الوقت بأنه يجعلهم يعيشون أفضل حياة بأمواله، ولكن الخبر الجيد -تبعاً لوصف سامح- أن والدهم أصيب منذ عدة سنوات بجلطة تسببت في النهاية بجعله يعاني من شلل نصفي، وبالتالي صارت الأمور أكثر هدوءاً؛ خاصة أنهم الثلاثة أصبحوا يتولون إدارة الشركة بأنفسهم.

لم تكن مرحلة الإعلان عن كل ما يتعلق بوضع أسرتي مسألة سهلة بالنسبة لسامح أو أسرته، فإخوانه الذين كانوا يعرفونني من خلال التدريب في شركتهم، وكانوا على علم بارتباطي بأخيهم، وكانوا شديدي اللطف معي، تحولوا لكائنات سخيفة عديمة الذوق في كل ما يتعلق بي وبأمي وأختي».


رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس
TT

رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس

رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» - التي ألفها بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- والتي فازت بجائزة «بوليتزر»، وألهمت تأليف مجلدين ضخمين آخرين عن المدينة.

وأكدت زوجته، الشاعرة والكاتبة المسرحية كارمن بولوسا، خبر وفاته في المستشفى، مشيرة إلى أنه كان يعاني من «خرف أجسام ليوي» (Lewy body dementia) (وهو اضطراب عصبي تدريجي يحدث بسبب تراكم بروتينات غير طبيعية تسمى«أجسام ليوي» في خلايا الدماغ).

واشتهر مايك والاس، مؤلف التاريخ المرموق لمدينة نيويورك، بكتابه الصادر عام 1998 بعنوان «غوثام» (Gotham) - والذي سرد قصة المدينة حتى عام 1898 - على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية. وقد حصل الكتاب على جائزة «بوليتزر» 2017، وألهم تأليف جزأين تاليين له.

والاس (يساراً) وبوروز (في صورة غير مؤرخة) (المصدر: أسوشييتد برس)

وذكرت لجنة جائزة «بوليتزر» حينها أن كتاب «غوثام» -الذي ألفه والاس بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- قد جمع خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث». وذكرت أيضاً في معرض وصفها للكتاب: «ينسج المؤلفان تواريخ متنوعة - تتراوح بين الجنس وأنظمة الصرف الصحي، والتمويل والعمارة، والهجرة والسياسة، والشعر والجريمة. إن أبطال الكتاب هم مئات الأفراد - سواء كانوا مشاهير أو مغمورين - الذين أدى امتزاجهم وتصادمهم إلى توليد طاقة حركية هائلة، وابتكار ثقافي، ورؤية تقوم على الوحدة في ظل التنوع؛ وهي رؤية أصبحت تشكل مساهمة مميزة في الحضارة العالمية».

في أوائل الستينيات، كان والاس - وهو من مواليد بروكلين - يسعى لتحقيق حلم والدته بأن يصبح طبيباً، حيث درس المواد التمهيدية للطب في جامعة كولومبيا، لكن بعد أن كاد يرسب في مادة الكيمياء العضوية، تبنى أفكاراً راديكالية في السنوات التي سبقت أحداث عام 1968، حين سيطر الطلاب على مباني الحرم الجامعي احتجاجاً على حرب فيتنام، (وقد كان والاس من بين مئات الطلاب الذين اعتُقلوا خلال تلك المظاهرات).

بعد ذلك، حوّل والاس مسار دراسته إلى التاريخ، وما أطلق عليه مصطلح «راديكالي»، الذي عرفه بأنه التاريخ الاجتماعي الذي ينطلق من القاعدة (من عامة الناس) إلى القمة، وشرح فيه التأثير العميق للرأسمالية؛ ما أدى إلى تفاقم الفوارق والصراعات الطبقية والاقتصادية والاجتماعية. وقد ذهب للقول بأن معظم الروايات التقليدية للتاريخ شهدت قيام «الطبقات المهيمنة في الولايات المتحدة - سواء عن وعي أو دون وعي - بالاستحواذ على الماضي»؛ ولذا حرص في عمله على إدراج أصوات النساء والسود والطبقة العاملة وغيرهم ممن تم تهميشهم أو استبعادهم غالباً.

بدأ المشروع البحثي - الذي استغرق إنجازه نصف قرن - عام 1976، حين حصل والاس وبوروز على منحة قدرها 7000 دولار لتأليف كتاب شامل يتناول التحول العالمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، لكنهما قررا لاحقاً أن سرد القصة من منظور مدينة نيويورك، وعبر فترة تمتد 500 عام، يُعد في حد ذاته تحدياً هائلاً وكافياً.

في كتاب «غوثام: تاريخ مدينة نيويورك حتى عام 1898» -الذي نُشر تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس «نيويورك الكبرى» طرح والاس وجهة نظر مفادها أن توحيد المناطق التي أصبحت تُعرف بـ «الأحياء الخمسة» (boroughs) كان بمنزلة خطوة طبيعية اتخذتها الحكومة المحلية، تماثل ما حققته الشركات الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر من مساعٍ للقضاء على المنافسة عبر تشكيل «التروستات» (اتحادات الشركات) والاحتكارات.

وفي حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2017، قال والاس: «رغم ما يُفترض أن كبار المصرفيين ومديري الشركات يكنّون حباً للأسواق الحرة، فإن الرأسماليين الحقيقيين في تلك الحقبة كانوا يرون أن المنافسة ضرب من الجنون؛ فهم يضطرون لخفض الأجور؛ ما يؤدي لظهور النقابات العمالية التي تستوجب القمع من وجهة نظرهم، وهو ما يقود بدوره إلى الاشتراكية».

أعقب كتاب «غوثام» (Gotham) جزآن تاليان وصلا بقصة مدينة نيويورك إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.

مايك والاس

وعالج والاس - الذي انفرد بتأليف العملين اللاحقين - موضوعات مماثلة في كتاب «غوثام الكبرى: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1898 إلى 1919» (Greater Gotham: A History of New York City From 1898 to 1919) الصادر عام 2017، حيث تتبع كيف أزاحت المدينةُ أوروبا عن مكانتها كعاصمة مالية عالمية مع بروز الولايات المتحدة كدولة دائنة عقب الحرب العالمية الأولى؛ وكذلك في كتاب «غوثام في زمن الحرب: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1933 إلى 1945» (Gotham at War: A History of New York City From 1933 to 1945)، والذي يتناول كيف تبوأت المدينة مكانة العاصمة العالمية حين نجحت في مسعاها - الذي لم تكن التوقعات تصب في صالحه - لتصبح مقراً للأمم المتحدة.

بلغ مجموع صفحات المجلدات الثلاثة نحو 3500 صفحة. ومع ذلك، أشار النقاد إلى أن حيوية والاس وبراعته في السرد، إلى جانب تناوله الصريح وغير المتحيز لشخصيات أسهمت في بناء المدينة، جعلت من قراءة هذه الكتب تجربة سلسة وممتعة. فعلى سبيل المثال، كتب والاس أنه في عام 1908 - أي قبل انتشار السيارات - كان هناك أكثر من 120 ألف حصان تخلّف وراءها 60 ألف غالون من البول و2.5 مليون رطل من الروث في الشوارع كل يوم!

جمع في سفره الضخم خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث


فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
TT

فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته

تحوي البادية الفلسطينية صروحاً أموية عدة، أهمها صرح يعود إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، كشفت عنه بعثة بريطانية في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، نواحي شمال مدينة أريحا. أُطلق على هذا الصرح اسم «الخربة» التي خرج منها، ثم اشتهر باسم «قصر هشام»، وأهم معالمه سجادة فسيفسائية ضخمة تزيِّن أرض حمّامه الكبير، توصف بـ«أكبر فسيفساء في العالم». تمتد على مساحة 835 متراً مربعاً، وتتألف من مجموعة خانات فسيفسائية مترابطة، تشكِّل كلها، بعضها مع بعض، أرضيّة جامعة.

حافظت هذه الفسيفساء على مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التوثيقية التي التُقطت عند اكتشافها في الثلاثينات.

كيف نجت هذه السجادة من الخراب؟ وكيف خرجت مكوّناتها من بين الردم بشكلها الأصلي؟

في الواقع، أظهرت الدراسات العلمية المتأنية أنَّ الموقع شُيّد في عهد هشام بن عبد الملك، واستمرَّت حركة البناء فيه بعد رحيل الخليفة، إلى أن تعرَّضت المنطقة لزلزال كبير خلال عام 746، فتهاوى القصر إثر هذا الزلزال، إلا أن الأتربة والأنقاض المتراكمة حفظت أرضياته الفسيفسائية، وشكّلت لها ستاراً واقياً.

في عام 1959، نشرت جامعة أكسفورد دراسة شاملة تناولت هذا الموقع الأثري الأموي، وحملت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء».

في هذا الكتاب المرجعي، قدَّم العالم البريطاني روبرت هاملتون دراسةً تحليليةً شاملةً تناولت أرضيات القصر الفسيفسائية، وحوت رسوماً توثيقية خاصة بهذه السجادات شكّلت أساساً لدراسة هذا الأثر الفريد.

عُرف «قصر هشام» في الميادين الخاصة بعلم الآثار، واقتصرت شهرته على هذه الميادين. في عام 1994، عاد اسم هذا القصر إلى الواجهة الإعلامية بعد نقل صلاحيات إدارته إلى السلطة الفلسطينية، وسارعت دائرة الآثار الفلسطينية الوليدة إلى العمل على تأهيله وإحيائه بالتعاون مع «اليونيسكو»، و«معهد الآثار الفرنسيسكاني»، وأجرت مسحاً طوبوغرافياً جديداً للموقع، وأنشأت معهداً لترميم الفسيفساء بدعم من الحكومة الإيطالية في عام 1999. بعدها، نظفت دائرة الآثار هذه الفسيفساء ونقّتها وثبّتتها خلال عام 2010، ثم قيّمت حالة حفظها وصيانتها. في تلك الحقبة، قام الباحث الفلسطيني حمدان طه بحملة لتصوير هذا الأثر الكبير بالتعاون مع فريق محلّي ضمّ 4 علماء من فلسطين، وفي عام 2015، نشر مجلداً خاصاً بهذه الفسيفساء، حوى عرضاً توثيقياً شاملاً لمكوّناتها.

كشفت وزارة السياحة الفلسطينية عن فسيفساء قصر هشام لفترة وجيزة عام 2010، ثم أعادت طمرها بغية الحفاظ عليها، وأعادت الكشف عنها استثنائياً في عام 2016، بحيث أصبحت متاحةً للسياح والزوار لمدة شهر واحد فقط. بعدها، عقدت الوزارة اتفاقاً مع «الوكالة اليابانية للتعاون الدولي» لترميم الموقع وتحديثه وتجهيزه، وأثمر هذا الاتفاق عن إعادة الكشف عن الفسيفساء في خريف 2021، بعد تأمين كل السبل لحمايتها، وبلغت تكلفة هذا المشروع 12 مليون دولار. أُقيم فوق هذه الأرضية سقف واقٍ، جاء على شكل قبة معدنية تغطّي أرضية الفسيفساء، وشُيّد هذا السقف فوق 4 قواعد رئيسية مثبتة في الزوايا. وجرى تأمين ممرات داخلية للدخول إلى الموقع، مع مسارات علوية للزوار والسياح، استناداً إلى المعايير الدولية المتبعة في تنظيم مسألة الحفاظ على الآثار. هكذا تحوَّل قصر هشام إلى موقع سياحي مفتوح، بعدما كان على مدى عقود من الزمن موقعاً أثرياً يعرفه أهل الاختصاص فحسب.

تتكوَّن هذه الفسيفساء الضخمة من 38 خانة مترابطة، ووفقاً للدراسة التي أنجزها روبرت هاملتون، تتبنّى هذه الخانات 7 أنماط تصميمية، شكّلت أساساً لتأليف فسيفساء الحمّام الملكي. تتوسّط هذه الفسيفساء الضخمة سجادة دائرية بديعة تحت القبة المركزية، وتتكوّن من مجموعة أقواس متداخلة تشع من الوسط في اتجاه الخارج. يحوي تأليف الفسيفساء الجامع 4 سجادات دائرية أصغر حجماً، تقع كل منها بين 4 أعمدة. تشكّل هذه السجادات الدائرية الـ4إطاراً مربّعاً يحيط بالسجادة الكبيرة التي تحتل مركز الوسط، وتحوي كل منها شبكة من التصاميم الدائرية تبدو كأنَّها خيوط منسوجة. كذلك يحوي هذا التأليف الجامع سجادتين مستطيلتين، تقع إحداهما عند مدخل القاعة الشرقية، والأخرى في الجانب الجنوبي. ثمة سجادات مستطيلة أخرى تزينها زخارف مجدولة.

من جهة أخرى، يحوي هذا التأليف 3 سجادات طويلة تشكِّل إطاراً له، وتحدّ هذا الإطار سلسلة من الحنيات تماثل المحاريب، زيّنت كل منها بتأليف خاص، ومنها ما زُيِّن بزخارف نباتية مجرّدة، ومنها ما زُيِّن بزخارف تحاكي ما تُسمّى بـ«أشكال قوس قزح». تجاور إحدى هذه الحنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتفرّد بصورة ثنائية في وسط عتبتها تمثّل سكيناً وفاكهة على شكل عنقود من العنب.

وصف روبرت هاملتون خصائص كل لوحة من ألواح هذه الأرضية، وقارنها بالأمثلة التي سبقتها زمنياً في الشرق الأوسط، وأظهرت هذه المقارنة متانة تأليف فسيفساء «قصر هشام»، ودقة أسلوبها الهندسي الذي تميّزت به بشكل خاص. لا يشكّل هذا الأسلوب التجريدي الهندسي خصوصيّة أمويّة، إذ نقع على كنائس محلية من العهد البيزنطي تعتمد هذا الأسلوب، منها على سبيل المثل كنيسة تُعرف بـ«الكنيسة الشمالية»، في موقع «اليصيلة» الأثري شمال الأردن، على بعد نحو 9 كيلومترات إلى الشرق من مدينة إربد. تعود هذه الكنيسة إلى القرن الخامس الميلادي، وتزيِّنها أرضية فسيفسائية تخلو من أي عناصر تصويرية آدمية وحيوانية، وتعتمد التقاسيم الهندسية البحتة. تتبنّى فسيفساء قصر هشام هذا الطراز، وتتميّز بضخامتها وبتأليفها المسبوك.

توقَّف روبرت هاملتون أمام الصورة الثنائية التي تحضر استثنائياً في إحدى حنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتمثّل بسكين وفاكهة على شكل عنقود من العنب، فرأى هذا العالِم البريطاني أنِّ هذه الصورة الثنائية ترمز إلى ثنائية الذكر والأنثى، وتشير إلى الولادة، وهي تختزل رمزيّاً اسم الخليفة الوليد. في المقابل، دحض غازي بيشة هذه القراءة التأويلية في كتابه «القصور الأموية في الأردن» الصادر سنة 1974، وأشار إلى حضور هذه الصورة الثنائية في كثير من الأرضيات الكنسية الأردنية، ورأى أنَّها تشكِّل في العالم البيزنطي رمزاً للخصوبة والعطاء والازدهار.