تحرك كردي سوري في أوروبا بعد سيطرة «داعش» على 21 قرية بريف كوباني

أعنف هجوم حشد له التنظيم المتطرف ضد قرى عربية وكردية.. وتحذيرات من مجازر في عين عرب

سوري يبحث بين الركام عن ناجين بعد قصف كثيف لقوات النظام السوري على شرق إدلب أمس (رويترز)
سوري يبحث بين الركام عن ناجين بعد قصف كثيف لقوات النظام السوري على شرق إدلب أمس (رويترز)
TT

تحرك كردي سوري في أوروبا بعد سيطرة «داعش» على 21 قرية بريف كوباني

سوري يبحث بين الركام عن ناجين بعد قصف كثيف لقوات النظام السوري على شرق إدلب أمس (رويترز)
سوري يبحث بين الركام عن ناجين بعد قصف كثيف لقوات النظام السوري على شرق إدلب أمس (رويترز)

بدأ أكراد سوريا، أمس، نشاطا دبلوماسيا وسياسيا على أعلى المستويات في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، لوضع المسؤولين الغربيين في صورة «الخطر الذي ينتظر الأكراد» بعد سيطرة «داعش» على 21 قرية في ريف عين عرب (كوباني) بريف حلب الشمالي، وحشد الدعم «لدرء المخاطر وتجنيب الأكراد مجزرة كبيرة» في ثالث أكبر المدن الكردية في سوريا، كما قالت مصادر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (بي واي دي) لـ«الشرق الأوسط».
وسيطر مقاتلو «داعش» أمس على 21 قرية في هجوم مفاجئ، وصفه الأكراد بـ«الأعنف» في منطقة ريف كوباني (شمال حلب) المحاذية لمعقل «داعش» في الرقة، وبدأه «داعش» في هجمات متزامنة شملت الريفين الغربي والشرقي لمدينة عين العرب، استخدم فيه الدبابات والمدفعية، في حين يواصل مقاتلو وحدات حماية الشعب الكردي القتال على بعد 28 كيلومترا عن المدينة، في محاولة لصد الهجمات.
وفي حال تمكن التنظيم المتطرف من السيطرة على كوباني الحدودية مع تركيا، فسيكون ذلك توسعا إضافيا في المنطقة الحدودية التي يسيطر عليها في شمال سوريا وشرقها، وسيصبح خطره داهما على المناطق الكردية في شمال شرقي سوريا التي يحاول الأكراد منذ بدء النزاع السوري قبل أكثر من ثلاث سنوات التفرد بإدارتها.
وقال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن إن آلاف الأكراد يدافعون عن المنطقة، مشيرا في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية، إلى أن مدينة كوباني «باتت محاصرة بشكل كامل تقريبا»، وأن «المنفذ الوحيد لها هو الأراضي التركية»، علما بأن حصار كوباني بدأ في 16 يوليو (تموز) 2013، بعد سيطرة «داعش» على معظم أنحاء محافظة الرقة في شمال سوريا.
ورفض مسؤول العلاقات العامة في «وحدات حماية الشعب الكردي» د.ناصر الحاج منصور، القول إن الهجوم كان مفاجئا، مشيرا، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الهجوم بدأ فعليا في شهر يوليو الفائت «مما خوّلنا إجلاء السكان المدنيين من القرى باتجاه بلدات قريبة أو باتجاه الحدود التركية»، لافتا إلى أن هجوم أمس «كان الأعنف، وأسهمت القوة النارية التي يمتلكها (داعش) في تقدمه وسيطرته على القرى، بسبب عدم التوازن بيننا وبينهم بالسلاح والذخيرة، مما دفعهم للسيطرة على قرى ذات أغلبية عربية وكردية في المنطقة».
وأكد منصور أن «أعدادا هائلة من الدبابات من طراز (ط 72) استولى عليها (داعش) من مواقع النظام في مطار الطبقة في الرقة ومن مواقع في دير الزور ومواقع عسكرية في الرقة، هاجمت القرى مترافقة مع قصف مدفعي وصاروخي عنيف لتأمين التغطية النارية»، مشيرا إلى أن «داعش» حشد لكل قرية نحو 500 مقاتل يستخدمون «أحدث الأسلحة التي استولوا عليها من العراق وسوريا». وإذ نفى أن يسمي ما حصل بـ«الانهيار المفاجئ»، حذر من «مجازر ستقع في مدينة كوباني في حال حصلت انهيارات بصفوف المقاتلين الذين يستميتون بالدفاع عن المدينة، ويبدون مقاومة كبيرة». ولفت إلى أن الهجوم «انطلق من جهة جرابلس بريف حلب الشرقي، ومن الشرق من جهة تل أبيض، إضافة إلى الهجوم من جهة الأوتوستراد الدولي».
وتدور معارك عنيفة بين الطرفين على مسافات قريبة في مناطق عدة في محيط كوباني، بحسب المرصد، أوقعت خسائر بشرية بين المدنيين والمقاتلين. وتشهد المنطقة حالات نزوح إلى قرى ومناطق قريبة.
وبعدما استخدم «داعش» مقاتلي «لواء داود»، الذي بايع التنظيم لقتال الأكراد في ريف عين عرب في شهر يوليو الماضي، حشد التنظيم في الهجوم أمس المئات من مقاتليه، بموازاة طردهم على يد مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردي في ريف تل حميس في محافظة الحسكة (شمال سوريا). واشتدت المعارك في ريف كوباني الأسبوع الماضي، إثر تشكيل غرفة عمليات مشتركة بين وحدات حماية الشعب الكردي و5 فصائل من الجيش السوري الحر، أطلق عليها «غرفة عمليات بركان الفرات».
وقال منصور إن المقاتلين المعتدلين في الجيش السوري الحر «يقاتلون إلى جانبنا، وسقط منهم شهداء أيضا»، مشيرا إلى أن «إعلان غرفة العمليات المشتركة كان سببا إضافيا للهجوم على قرى عين عرب، إضافة إلى سبب آخر تمثل في الانتقام من هذا الحلف ومن الشعب الكردي بعد الهزيمة التي ألحقت بهم في ريف تل حميش في الحسكة». وأعرب منصور عن اعتقاده أن «عدم دخول تركيا في التحالف الدولي ضد (داعش) أعطى، بطريقة غير مباشرة، الضوء الأخضر للتنظيم أن يتحرك في المنطقة»، في إشارة إلى تحركات لـ«داعش» على الحدود التركية من الجانب السوري، سبقت تنفيذ الهجوم. وقال «كانت أرتال (داعش) التي تنقل المسلحين والسلاح تتحرك في مواقع قريبة من الحدود مع تركيا». وتعتبر كوباني المدينة الكردية الثالثة في سوريا بعد القامشلي (شمال شرق) وعفرين في شمال حلب. ومن شأن السيطرة على كوباني أن يؤمن لتنظيم داعش تواصلا جغرافيا على جزء كبير من الحدود السورية التركية، وأن يعطيه دفعا في اتجاه مناطق أخرى مثل محافظة الحسكة.
ونشط المسؤولون الأكراد في أوروبا والولايات المتحدة، أمس، على خط التواصل الدبلوماسي مع المسؤولين الأوروبيين، بهدف حثهم على التحرك لمنع «داعش» من ارتكاب مجزرة في كوباني، في حال التقدم إليها.
وقال مصدر بارز في حزب «بي واي دي» الأوسع انتشارا في المناطق الكردية في سوريا، لـ«الشرق الأوسط»، إن مسؤولي الحزب «تحركوا لوضع المسؤولين الأوروبيين في صورة الخطر القادم، والتحذير من أن هناك مجازر إضافية بحق الأكراد والعرب يمكن أن تقع، في حال تمكن (داعش) من الدخول إلى كوباني، كما ستتسع الهجمات ضد عفرين والجزيرة»، مشددا على «اننا نقاتل نيابة عن جميع السوريين في المنطقة، وعن دول العالم الحر التي حشدت 40 دولة لقتال (داعش) في المنطقة»، مشيرا إلى «اننا وحدنا وفصائل الجيش الحر نقاتل في ريف كوباني». وقال «الدفاع عن كوباني اليوم هو دفاع عن كل المنطقة»، مطالبا واشنطن بأن توسع ضرباتها للتنظيم «إلى داخل سوريا»، معربا عن استعداد الحزب ووحدات حماية الشعب الكردي تقديم كل الإمكانيات المتاحة ووضعها تحت تصرف التحالف الدولي للقضاء على «داعش».
وإذ أكد المصدر أن تنظيم داعش «يقاتل اليوم الكرد والعرب معا»، استغرب ما وصفه بـ«صمت الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية تجاه ما يحصل»، و«موقف المجلس الوطني الكردي المخجل الذي لم يبادر إلى إدانة ما جرى في ريف كوباني»، إضافة إلى «صمت حكومة إقليم كردستان التي لم تقدم أي بيان إدانة للهجوم على كوباني».
وفي سياق متصل، دعا حزب العمال الكردستاني، أمس، الشبان في جنوب شرقي تركيا الذي تقطنه أغلبية كردية للانضمام إلى القتال ضد تنظيم داعش في شمال سوريا. وقال الحزب الذي أمضى ثلاثة عقود يقاتل من أجل حكم ذاتي لأكراد تركيا، في بيان على موقعه الإلكتروني «يتعين على شبان شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) التوجه إلى كوباني والمشاركة في المقاومة التاريخية والمشرفة».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.