الاستثمارات الأجنبية في الهند تتقدم على خلفية سياسية وإصلاحية قوية

تخطت الصين للمرة الأولى منذ 20 عاماً... واقتصادها أصبح الأسرع نمواً عالمياً

تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
TT

الاستثمارات الأجنبية في الهند تتقدم على خلفية سياسية وإصلاحية قوية

تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)

بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الهند نحو 44.37 مليار دولار للسنة المالية 2018 - 2019، حيث حققت نمواً بنسبة 6 نقاط مئوية، إثر دعمها بحزمة تدفقات قوية في مجالات التصنيع التحويلي، والاتصالات، والخدمات المالية.
ووفقاً لتقرير الاستثمار العالمي لعام 2019 والصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، نجحت الهند في جذب 77 في المائة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي وصلت إلى منطقة جنوب آسيا. وكان إجمالي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى جنوب آسيا قد بلغ 54 مليار دولار. وتحتل الهند المرتبة التاسعة عالمياً من حيث جهات استقبال الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وتعتبر الاستثمارات الأجنبية ذات ضرورة حيوية للهند مع حاجة البلاد الماسة إلى نحو تريليوني دولار لإصلاح قطاع البنية التحتية، مثل الموانئ والمطارات والطرق السريعة، بهدف تعزيز النمو الاقتصادي في البلاد. ويساعد تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة القوي في البلاد على تحسين ميزان المدفوعات وتعزيز قيمة العملة المحلية مقابل العملات العالمية الأخرى، سيما الدولار الأميركي.
- كبار المستثمرين
وكانت سنغافورة قد برزت كأكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في الهند، مما يؤكد على العلاقات التجارية المتنامية بين البلدين، التي تليها اليابان، ثم الإمارات، وهولندا، وفرنسا، وألمانيا.
ووفقا لآخر الأرقام الصادرة عن وزارة تعزيز الصناعة والتجارة الداخلية الهندية، تلقت البلاد النصيب الأكبر من تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة من سنغافورة، بقيمة بلغت 16.23 مليار دولار، وذلك في السنة المالية الهندية الأخيرة التي انتهت في مارس (آذار) لعام 2019.
وإحقاقا للحق، فإن أغلب الاستثمارات الصادرة عن سنغافورة ليست لشركات سنغافورية بالضرورة، وإنما من الشركات الأجنبية التي لها تواجد تجاري ومالي في سنغافورة، والتي تأسست هناك للاستفادة من بيئة العمل الجيدة والمتيسرة بشكل كبير، فضلا عن وضعها الدولي كمركز مالي عالمي.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، كان أكبر استثمار في الهند من سنغافورة خلال السنة المالية الماضية ناشئ عن كيان «وولمارت» في سنغافورة الذي قام بشراء 77 في المائة من متاجر «فليبكارت» للتجزئة الهندية عبر الإنترنت مقابل مبلغ 16 مليار دولار في مايو (أيار) عام 2018، ويقع مقر ذلك الكيان المختار في سنغافورة.
وليست هذه المرة الأولى التي حازت فيها سنغافورة قصب السبق في هذا المجال. فلقد كانت مصدراً لتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الهند أيضاً في عام 2015 - 2016، الأمر الذي يمثل نحو ثلث إجمالي التدفقات المذكورة.
ويقول خبراء الاستثمار في الهند إن صعود سنغافورة في السوق الهندية كمصدر الاستثمارات الأجنبية المباشرة يرجع إلى التعديلات على المعاهدة الضريبية التي وقعت عليها الهند مع سنغافورة خلال السنوات الأخيرة، والتي تعززت بالمزايا الهيكلية التي تحظى بها سنغافورة على بلدان أخرى في المنطقة، مثل سهولة ممارسة الأعمال التجارية، وموقع البلد كمركز تجاري رئيسي مما يجعلها من أفضل الوجهات للشركات الرئيسية التي يجري من خلالها توجيه تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى بلدان أخرى.
تقول كالبانا مورباريا، المديرة التنفيذية لشؤون جنوب وجنوب شرقي آسيا لدى «جيه بي مورغان تشيس وشركاه»: «كانت لدى الهند قائمة مزدحمة من الاندماجات والاستحواذات، ولسوف نواصل رؤية المزيد من عوامل الجذب الجيدة في ذلك المجال. كما حققت الهند وثبات متعددة على مسار التطور التكنولوجي، ونتوقع الكثير من النشاط في المجال التقني والخدمات المالية خلال الفترة المقبلة».
وارتفعت صفقات الأسهم الخاصة في الهند إلى 19 مليار دولار في عام 2018، وهو أعلى مستوى مسجل خلال عشر سنوات على الأقل، وذلك وفقاً للبيانات الصادرة عن شركة «بيتشبوك». كما شاركت صناديق الثروة السيادية والصناديق التقاعدية في نحو ثلثي المبلغ المذكور. وبلغت قيمة تدفقات المستثمرين من المؤسسات الأجنبية إلى الأسهم الهندية حتى الآن نحو 11.42 مليار دولار، فضلاً عن 1.53 مليار دولار في أسواق الديون الهندية منذ بداية عام 2019 وحتى الآن.
وأسفرت تدفقات الصناديق الأجنبية مع تراجع الدولار الأميركي عن ارتفاع الاحتياطي الهندي من العملات الأجنبية التي بلغت مستوى قياسياً بقيمة 426.42 مليار دولار حتى نهاية يونيو (حزيران) الماضي.
وتواصل صناديق الثروة السيادية تدفقها صوب الهند، من حيث شراء الحصص في جميع المشاريع من المطارات إلى الطاقة المتجددة، وتجذبها إلى البلاد حالة الاستقرار السياسي، والطبقة الوسطى المتنامية، والإصلاحات المتعددة، الأمر الذي يجعلها أكثر استمالة لمغريات الاستثمار. كما توسع صناديق التقاعد والثروات الحكومية من آفاق أعمالها لتشمل الأسواق الخاصة استكمالا للتركيز الحالي على الأسهم والسندات.
ومن بين الصفقات المبرمة مؤخراً، يواصل صندوق الثروة السيادية السنغافوري مع هيئة أبوظبي للاستثمار الإماراتية الدخول في استثمارات إضافية بقيمة 495 مليون دولار في مؤسسة «غرينكو» القابضة للطاقة المتجددة، التي تعمل على مشاريع طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، والطاقة المائية.
كما توسع الهند كذلك من نطاق استخدامات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح للمساعدة في الحد من اعتمادها على الوقود الأحفوري. وفي أبريل (نيسان) الماضي، قامت هيئة أبوظبي للاستثمار مع صندوق الاستثمار والبنية التحتية الوطني الهندي بشراء حصة تبلغ 49 في المائة في وحدة المطار لدى شركة «جي في كيه» للطاقة والبنية التحتية الهندية.
وأفاد أحد المصادر المطلعة بأن هناك صندوق ثروات آخر يجري حاليا محادثاته مع الحكومة الهندية بشأن الاستثمار في مشاريع البنية التحتية، في حين تسعى صناديق التقاعد الكندية إلى إبرام صفقات مماثلة. وشارك مجلس استثمار خطط التقاعد الكندية مع صندوق الثروة السيادية السنغافوري، في وقت سابق من العام الجاري، في شراء «مدرسة أوكريدج إنترناشيونال» بقيمة 145.8 مليون دولار، وهي من أبرز مؤسسات إدارة المدارس في الهند.
وقالت شخصيات على اطلاع بخطط هيئة أبوظبي للاستثمار الإماراتية، إن الهيئة التي تعتبر ثالث أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، والتي واصلت الاستثمار في الأسهم الهندية والدخل الثابت لسنوات، تخطط لتوسيع مجالات أعمالها كي تشمل فئات الأصول مثل البنية التحتية، والعقارات، والأسهم الخاصة. وينبع اهتمام الهيئة المتزايد بالعمل في الهند من واقع إمكانات النمو الاقتصادي القوية في البلاد، فضلاً عن التركيبة السكانية الإيجابية، والتنمية الاقتصادية المستمرة. وتأتي تلك الدفعة في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الهندية مع الحكومة الإماراتية إلى تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية الثنائية.
وتمكن المستثمرون العالميون من جمع السندات الهندية بقيمة 216.3 مليون دولار بعد يوم واحد من فوز رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بفترة ولاية ثانية.
تقول لاكشمي أيير، كبيرة مسؤولي الاستثمار لشؤون الديون لدى شركة «كوتاك ماهيندرا» لإدارة الأصول: «لم يكن هناك خيار أمام الصناديق الأجنبية سوى التوجه صوب الهند في الآونة الراهنة. فإن كانت العقود الآجلة مستقرة والعائدات مرتفعة فذلك هو الوقت المناسب لجني المكاسب والأرباح الجيدة هناك. ومن شأن العائد أن يقترب من 7 نقاط مئوية دفعة واحدة».
ويبلغ إجمالي الناتج المحلي لدى الهند 2.9 تريليون دولار. وتهدف الهند لأن تصل باقتصاد البلاد إلى مرتبة 5 تريليونات دولار خلال السنوات الخمس القادمة.
- أسباب اجتذاب الهند للاستثمارات الأجنبية
ساعدت شخصية رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المؤيدة لقطاع المال والأعمال، فضلا عن الشريحة الواسعة من الشباب الهندي، في جذب المزيد من المستثمرين الأجانب إلى البلاد.
وتحظى الهند بقاعدة واسعة من القوى العاملة المتعلمة والمتمرسة من المهندسين، والإداريين، والمحاسبين، والمحامين. كما يوجد في الهند قاعدة كبيرة ومتنامية من المستهلكين، مما يجعلها واحدة من أكبر الأسواق العالمية في قطاع السلع والخدمات المصنعة. وعلاوة على ذلك، فإن القرب من مواقع التصنيع الرئيسية، والموردين الرئيسيين، مع تكاليف التطوير المنخفضة، هي من العوامل التي تجعل من الهند قاعدة فعالة يمكن للشركات متعددة الجنسيات الاعتماد عليها في التصدير إلى الأسواق الناشئة الأخرى ذات حافظات النمو المرتفعة.
يقول الخبير الاقتصادي أشوين جيه. بونين: «يضمن النظام الديمقراطي عميق الجذور وفائق الفعالية توافر البيئة السياسية الهادئة والمستقرة. كما أن الإدارة المتطورة والنظام القضائي المستقل، فضلا عن الجغرافيا مترامية الأطراف، تجعل البلاد مستودعا هائلاً للموارد على اختلاف أنواعها».
ومنحت منظمة الشفافية الدولية الشركات الهندية المرتبة الأولى بين الشركات متعددة الجنسيات في الأسواق الناشئة من حيث احترام معايير الشفافية والامتثال.
وارتفع الحد الأقصى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع الاتصالات، والطيران المدني، والدفاع في البلاد. كما سهلت الحكومة الهندية من معايير الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع تجارة التجزئة متعددة العلامات التجارية، مع الالتزام بنسبة 100 في المائة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تجارة التجزئة وحيدة العلامة التجارية. وتجري الآن معالجة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الكثير من القطاعات التي ينخفض فيها سقف الاستثمار عن 50 في المائة عبر المسار التلقائي.
ويتمكن المستثمرون الأجانب المؤهلون الآن من الاستثمار المباشر في صناديق الاستثمار، والأسهم، وسندات الشركات الهندية. وجرى تعزيز الحد الأقصى للديون في شركات الاستثمارات المالية على نحو تدريجي. ويستشهد بعض المراقبين بقوانين الضرائب الهندية، وبقاعدة مكافحة التهرب الضريبي العامة، ذات الأثر الرجعي، بأنهما من أبلغ الأضرار التي تلحق بالاستثمار في البلاد.
وخلال العام الماضي، تلقت الهند المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بأكثر مما حصلت عليه الصين؛ وذلك للمرة الأولى منذ عقدين من الزمان. وفي حين أن الاقتصاد الصيني قد تباطأ بشكل ملحوظ في العام الماضي، فقد برزت الهند بأنها الاقتصاد الرئيسي الأسرع نمواً على مستوى العالم.
وصرح الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمارات المصرفية «غولدمان ساكس» في مقابلة مع صحيفة «ذي إيكونوميك تايمز» قائلاً، إننا «نأمل في ظل فترة الولاية الثانية لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن يستمر برنامج الإصلاح وتزداد وتيرته لتوفير أكبر قدر ممكن من النمو التصاعدي للاقتصاد وللشعب الهندي. وإذا استمر الأمر على منواله، فسوف يكون مثيراً للاهتمام إزاء منصة أعمالنا في الهند كذلك. وجاءت نتائج الانتخابات الأخيرة بدفعة قوية من الثقة في الاستثمارات التي قمنا بها في البلاد، فضلا عن الاستثمارات الأخرى التي نعتزم القيام بها قريباً هناك، في كل من بنغالورو ومومباي، ومع عملائنا أيضا سواء كمستثمرين أو كجهات مخصصة لرؤوس الأموال. وتبلغ حالتنا الأساسية على الناتج المحلي الإجمالي الهندي نسبة 7.5 نقطة مئوية، لكن مع النظر إلى أبحاثنا، فإنها تشير إلى أنه إذا تسارع برنامج الإصلاح فنرجو أن يؤدي ذلك إلى تحقيق نمو كبير في الناتج المحلي الإجمالي على اعتبارات آجلة».
وأضاف أنه بصفته مستثمراً متمرساً، من الذين ساعدوا بالفعل في تنمية وتطوير الشركات الهندية، فسوف تكون هناك فرص سانحة بالنسبة إلى شركته لإضافة المزيد من القيم عبر عدد من أعمالها هناك. «وبالإضافة إلى ذلك، وباعتبارنا من الوسطاء والمستثمرين في الأسواق الهندية، فمن شأن مؤسستنا جلب المزيد من المستثمرين الأجانب، وتسهيل الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلاد. ولسوف يتطابق نمونا المتحقق مع نمو الاقتصاد الهندي بشكل وثيق».
هذا، وقد نجحت شركة «غولدمان ساكس»، كمستثمر كبير في الهند، في بناء رأس مال بقيمة تزيد على 3.6 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية.
- الإصلاحات
منذ عام 2017، أطلقت الهند سلسلة من الإصلاحات المعنية بتحرير معايير الاستثمارات الأجنبية في مختلف القطاعات من شاكلة البنية التحتية، والتشييد والبناء، والتطوير، وتجارة التجزئة وحيدة العلامة التجارية. وكانت هذه الإصلاحات أساسية ومفيدة في تيسير الحصول على التصريحات والموافقات الحكومية اللازمة، وبالتالي تسهيل الاستثمارات الأجنبية في البلاد.
وفي الآونة الراهنة، تعتبر الهند من بين أكثر الأنظمة الاقتصادية انفتاحاً على مستوى العالم فيما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية. وتسمح الحكومة الهندية للاستثمارات الأجنبية المباشرة بالتدفق بنسبة تصل إلى 100 في المائة من حصص الأسهم ضمن أغلب القطاعات تحت مظلة المسار التلقائي.
كما اتخذت الحكومة الهندية الكثير من التدابير المهمة، مثل تحديد توقيت الحصول على الموافقات، وتبسيط الإجراءات بغية تحسين ممارسة الأعمال التجارية وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.
يقول براسانتو روي، محلل السياسات التقنية ومستشار عدد من الشركات التكنولوجية العالمية: «من الواضح أن عودة رؤوس الأموال الأجنبية إلى الهند هي من الإشارات الجيدة على قوة الاقتصاد الهندي. ولكن ينبغي على صناع القرارات السياسية توخي المزيد من الحذر من اعتبار المستثمرين الأجانب كأمر مسلم به في البلاد. وينبغي على الحكومة الهندية الحذر لأن المستثمرين الأجانب يملكون خيارات أخرى في الخارج إن لم يتم التخفيف من السياسات والقوانين المالية الهندية الصارمة. ومن شأن الحد من البيروقراطية والرقابة الحكومية الروتينية أن يساعد كثيراً في هذا المضمار. إذ يحتاج المستثمر الأجنبي إلى الإحساس بالمرونة اللازمة لاستثمار، وتصفية، واستعادة أمواله ضمن دورة تتسم بالكفاءة والفعالية الضريبية. كما هناك حاجة أيضا إلى خلق الاستثمارات الأجنبية عبر أدوات الدين من دون المزيد من الشروط والإجراءات المتصلة بالاستخدام النهائي».
وأضاف روي: «ينبغي زيادة وتيرة الإصلاحات الهيكلية مع ضمان الإدارة السليمة للاقتصاد الكلي بمساعدة من البنك المركزي الهندي. وتعتبر الإصلاحات التي طال انتظارها في أسواق العمالة والأراضي من أكثر التغييرات الهيكلية ضرورة من حيث تأثيرها المباشر على مسار النمو طويل الأجل في البلاد. ويعد العجز المالي الكبير في الحكومة المركزية وحكومات الولايات التابعة، فضلا عن التدفقات المذهلة لرؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد من بين التحديات الاقتصادية الكلية الأخرى التي تطل برأسها على السياسات والإصلاحات القوية الجارية».



العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.


«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».