الاستثمارات الأجنبية في الهند تتقدم على خلفية سياسية وإصلاحية قوية

تخطت الصين للمرة الأولى منذ 20 عاماً... واقتصادها أصبح الأسرع نمواً عالمياً

تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
TT

الاستثمارات الأجنبية في الهند تتقدم على خلفية سياسية وإصلاحية قوية

تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)

بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الهند نحو 44.37 مليار دولار للسنة المالية 2018 - 2019، حيث حققت نمواً بنسبة 6 نقاط مئوية، إثر دعمها بحزمة تدفقات قوية في مجالات التصنيع التحويلي، والاتصالات، والخدمات المالية.
ووفقاً لتقرير الاستثمار العالمي لعام 2019 والصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، نجحت الهند في جذب 77 في المائة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي وصلت إلى منطقة جنوب آسيا. وكان إجمالي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى جنوب آسيا قد بلغ 54 مليار دولار. وتحتل الهند المرتبة التاسعة عالمياً من حيث جهات استقبال الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وتعتبر الاستثمارات الأجنبية ذات ضرورة حيوية للهند مع حاجة البلاد الماسة إلى نحو تريليوني دولار لإصلاح قطاع البنية التحتية، مثل الموانئ والمطارات والطرق السريعة، بهدف تعزيز النمو الاقتصادي في البلاد. ويساعد تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة القوي في البلاد على تحسين ميزان المدفوعات وتعزيز قيمة العملة المحلية مقابل العملات العالمية الأخرى، سيما الدولار الأميركي.
- كبار المستثمرين
وكانت سنغافورة قد برزت كأكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في الهند، مما يؤكد على العلاقات التجارية المتنامية بين البلدين، التي تليها اليابان، ثم الإمارات، وهولندا، وفرنسا، وألمانيا.
ووفقا لآخر الأرقام الصادرة عن وزارة تعزيز الصناعة والتجارة الداخلية الهندية، تلقت البلاد النصيب الأكبر من تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة من سنغافورة، بقيمة بلغت 16.23 مليار دولار، وذلك في السنة المالية الهندية الأخيرة التي انتهت في مارس (آذار) لعام 2019.
وإحقاقا للحق، فإن أغلب الاستثمارات الصادرة عن سنغافورة ليست لشركات سنغافورية بالضرورة، وإنما من الشركات الأجنبية التي لها تواجد تجاري ومالي في سنغافورة، والتي تأسست هناك للاستفادة من بيئة العمل الجيدة والمتيسرة بشكل كبير، فضلا عن وضعها الدولي كمركز مالي عالمي.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، كان أكبر استثمار في الهند من سنغافورة خلال السنة المالية الماضية ناشئ عن كيان «وولمارت» في سنغافورة الذي قام بشراء 77 في المائة من متاجر «فليبكارت» للتجزئة الهندية عبر الإنترنت مقابل مبلغ 16 مليار دولار في مايو (أيار) عام 2018، ويقع مقر ذلك الكيان المختار في سنغافورة.
وليست هذه المرة الأولى التي حازت فيها سنغافورة قصب السبق في هذا المجال. فلقد كانت مصدراً لتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الهند أيضاً في عام 2015 - 2016، الأمر الذي يمثل نحو ثلث إجمالي التدفقات المذكورة.
ويقول خبراء الاستثمار في الهند إن صعود سنغافورة في السوق الهندية كمصدر الاستثمارات الأجنبية المباشرة يرجع إلى التعديلات على المعاهدة الضريبية التي وقعت عليها الهند مع سنغافورة خلال السنوات الأخيرة، والتي تعززت بالمزايا الهيكلية التي تحظى بها سنغافورة على بلدان أخرى في المنطقة، مثل سهولة ممارسة الأعمال التجارية، وموقع البلد كمركز تجاري رئيسي مما يجعلها من أفضل الوجهات للشركات الرئيسية التي يجري من خلالها توجيه تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى بلدان أخرى.
تقول كالبانا مورباريا، المديرة التنفيذية لشؤون جنوب وجنوب شرقي آسيا لدى «جيه بي مورغان تشيس وشركاه»: «كانت لدى الهند قائمة مزدحمة من الاندماجات والاستحواذات، ولسوف نواصل رؤية المزيد من عوامل الجذب الجيدة في ذلك المجال. كما حققت الهند وثبات متعددة على مسار التطور التكنولوجي، ونتوقع الكثير من النشاط في المجال التقني والخدمات المالية خلال الفترة المقبلة».
وارتفعت صفقات الأسهم الخاصة في الهند إلى 19 مليار دولار في عام 2018، وهو أعلى مستوى مسجل خلال عشر سنوات على الأقل، وذلك وفقاً للبيانات الصادرة عن شركة «بيتشبوك». كما شاركت صناديق الثروة السيادية والصناديق التقاعدية في نحو ثلثي المبلغ المذكور. وبلغت قيمة تدفقات المستثمرين من المؤسسات الأجنبية إلى الأسهم الهندية حتى الآن نحو 11.42 مليار دولار، فضلاً عن 1.53 مليار دولار في أسواق الديون الهندية منذ بداية عام 2019 وحتى الآن.
وأسفرت تدفقات الصناديق الأجنبية مع تراجع الدولار الأميركي عن ارتفاع الاحتياطي الهندي من العملات الأجنبية التي بلغت مستوى قياسياً بقيمة 426.42 مليار دولار حتى نهاية يونيو (حزيران) الماضي.
وتواصل صناديق الثروة السيادية تدفقها صوب الهند، من حيث شراء الحصص في جميع المشاريع من المطارات إلى الطاقة المتجددة، وتجذبها إلى البلاد حالة الاستقرار السياسي، والطبقة الوسطى المتنامية، والإصلاحات المتعددة، الأمر الذي يجعلها أكثر استمالة لمغريات الاستثمار. كما توسع صناديق التقاعد والثروات الحكومية من آفاق أعمالها لتشمل الأسواق الخاصة استكمالا للتركيز الحالي على الأسهم والسندات.
ومن بين الصفقات المبرمة مؤخراً، يواصل صندوق الثروة السيادية السنغافوري مع هيئة أبوظبي للاستثمار الإماراتية الدخول في استثمارات إضافية بقيمة 495 مليون دولار في مؤسسة «غرينكو» القابضة للطاقة المتجددة، التي تعمل على مشاريع طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، والطاقة المائية.
كما توسع الهند كذلك من نطاق استخدامات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح للمساعدة في الحد من اعتمادها على الوقود الأحفوري. وفي أبريل (نيسان) الماضي، قامت هيئة أبوظبي للاستثمار مع صندوق الاستثمار والبنية التحتية الوطني الهندي بشراء حصة تبلغ 49 في المائة في وحدة المطار لدى شركة «جي في كيه» للطاقة والبنية التحتية الهندية.
وأفاد أحد المصادر المطلعة بأن هناك صندوق ثروات آخر يجري حاليا محادثاته مع الحكومة الهندية بشأن الاستثمار في مشاريع البنية التحتية، في حين تسعى صناديق التقاعد الكندية إلى إبرام صفقات مماثلة. وشارك مجلس استثمار خطط التقاعد الكندية مع صندوق الثروة السيادية السنغافوري، في وقت سابق من العام الجاري، في شراء «مدرسة أوكريدج إنترناشيونال» بقيمة 145.8 مليون دولار، وهي من أبرز مؤسسات إدارة المدارس في الهند.
وقالت شخصيات على اطلاع بخطط هيئة أبوظبي للاستثمار الإماراتية، إن الهيئة التي تعتبر ثالث أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، والتي واصلت الاستثمار في الأسهم الهندية والدخل الثابت لسنوات، تخطط لتوسيع مجالات أعمالها كي تشمل فئات الأصول مثل البنية التحتية، والعقارات، والأسهم الخاصة. وينبع اهتمام الهيئة المتزايد بالعمل في الهند من واقع إمكانات النمو الاقتصادي القوية في البلاد، فضلاً عن التركيبة السكانية الإيجابية، والتنمية الاقتصادية المستمرة. وتأتي تلك الدفعة في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الهندية مع الحكومة الإماراتية إلى تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية الثنائية.
وتمكن المستثمرون العالميون من جمع السندات الهندية بقيمة 216.3 مليون دولار بعد يوم واحد من فوز رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بفترة ولاية ثانية.
تقول لاكشمي أيير، كبيرة مسؤولي الاستثمار لشؤون الديون لدى شركة «كوتاك ماهيندرا» لإدارة الأصول: «لم يكن هناك خيار أمام الصناديق الأجنبية سوى التوجه صوب الهند في الآونة الراهنة. فإن كانت العقود الآجلة مستقرة والعائدات مرتفعة فذلك هو الوقت المناسب لجني المكاسب والأرباح الجيدة هناك. ومن شأن العائد أن يقترب من 7 نقاط مئوية دفعة واحدة».
ويبلغ إجمالي الناتج المحلي لدى الهند 2.9 تريليون دولار. وتهدف الهند لأن تصل باقتصاد البلاد إلى مرتبة 5 تريليونات دولار خلال السنوات الخمس القادمة.
- أسباب اجتذاب الهند للاستثمارات الأجنبية
ساعدت شخصية رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المؤيدة لقطاع المال والأعمال، فضلا عن الشريحة الواسعة من الشباب الهندي، في جذب المزيد من المستثمرين الأجانب إلى البلاد.
وتحظى الهند بقاعدة واسعة من القوى العاملة المتعلمة والمتمرسة من المهندسين، والإداريين، والمحاسبين، والمحامين. كما يوجد في الهند قاعدة كبيرة ومتنامية من المستهلكين، مما يجعلها واحدة من أكبر الأسواق العالمية في قطاع السلع والخدمات المصنعة. وعلاوة على ذلك، فإن القرب من مواقع التصنيع الرئيسية، والموردين الرئيسيين، مع تكاليف التطوير المنخفضة، هي من العوامل التي تجعل من الهند قاعدة فعالة يمكن للشركات متعددة الجنسيات الاعتماد عليها في التصدير إلى الأسواق الناشئة الأخرى ذات حافظات النمو المرتفعة.
يقول الخبير الاقتصادي أشوين جيه. بونين: «يضمن النظام الديمقراطي عميق الجذور وفائق الفعالية توافر البيئة السياسية الهادئة والمستقرة. كما أن الإدارة المتطورة والنظام القضائي المستقل، فضلا عن الجغرافيا مترامية الأطراف، تجعل البلاد مستودعا هائلاً للموارد على اختلاف أنواعها».
ومنحت منظمة الشفافية الدولية الشركات الهندية المرتبة الأولى بين الشركات متعددة الجنسيات في الأسواق الناشئة من حيث احترام معايير الشفافية والامتثال.
وارتفع الحد الأقصى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع الاتصالات، والطيران المدني، والدفاع في البلاد. كما سهلت الحكومة الهندية من معايير الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع تجارة التجزئة متعددة العلامات التجارية، مع الالتزام بنسبة 100 في المائة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تجارة التجزئة وحيدة العلامة التجارية. وتجري الآن معالجة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الكثير من القطاعات التي ينخفض فيها سقف الاستثمار عن 50 في المائة عبر المسار التلقائي.
ويتمكن المستثمرون الأجانب المؤهلون الآن من الاستثمار المباشر في صناديق الاستثمار، والأسهم، وسندات الشركات الهندية. وجرى تعزيز الحد الأقصى للديون في شركات الاستثمارات المالية على نحو تدريجي. ويستشهد بعض المراقبين بقوانين الضرائب الهندية، وبقاعدة مكافحة التهرب الضريبي العامة، ذات الأثر الرجعي، بأنهما من أبلغ الأضرار التي تلحق بالاستثمار في البلاد.
وخلال العام الماضي، تلقت الهند المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بأكثر مما حصلت عليه الصين؛ وذلك للمرة الأولى منذ عقدين من الزمان. وفي حين أن الاقتصاد الصيني قد تباطأ بشكل ملحوظ في العام الماضي، فقد برزت الهند بأنها الاقتصاد الرئيسي الأسرع نمواً على مستوى العالم.
وصرح الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمارات المصرفية «غولدمان ساكس» في مقابلة مع صحيفة «ذي إيكونوميك تايمز» قائلاً، إننا «نأمل في ظل فترة الولاية الثانية لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن يستمر برنامج الإصلاح وتزداد وتيرته لتوفير أكبر قدر ممكن من النمو التصاعدي للاقتصاد وللشعب الهندي. وإذا استمر الأمر على منواله، فسوف يكون مثيراً للاهتمام إزاء منصة أعمالنا في الهند كذلك. وجاءت نتائج الانتخابات الأخيرة بدفعة قوية من الثقة في الاستثمارات التي قمنا بها في البلاد، فضلا عن الاستثمارات الأخرى التي نعتزم القيام بها قريباً هناك، في كل من بنغالورو ومومباي، ومع عملائنا أيضا سواء كمستثمرين أو كجهات مخصصة لرؤوس الأموال. وتبلغ حالتنا الأساسية على الناتج المحلي الإجمالي الهندي نسبة 7.5 نقطة مئوية، لكن مع النظر إلى أبحاثنا، فإنها تشير إلى أنه إذا تسارع برنامج الإصلاح فنرجو أن يؤدي ذلك إلى تحقيق نمو كبير في الناتج المحلي الإجمالي على اعتبارات آجلة».
وأضاف أنه بصفته مستثمراً متمرساً، من الذين ساعدوا بالفعل في تنمية وتطوير الشركات الهندية، فسوف تكون هناك فرص سانحة بالنسبة إلى شركته لإضافة المزيد من القيم عبر عدد من أعمالها هناك. «وبالإضافة إلى ذلك، وباعتبارنا من الوسطاء والمستثمرين في الأسواق الهندية، فمن شأن مؤسستنا جلب المزيد من المستثمرين الأجانب، وتسهيل الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلاد. ولسوف يتطابق نمونا المتحقق مع نمو الاقتصاد الهندي بشكل وثيق».
هذا، وقد نجحت شركة «غولدمان ساكس»، كمستثمر كبير في الهند، في بناء رأس مال بقيمة تزيد على 3.6 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية.
- الإصلاحات
منذ عام 2017، أطلقت الهند سلسلة من الإصلاحات المعنية بتحرير معايير الاستثمارات الأجنبية في مختلف القطاعات من شاكلة البنية التحتية، والتشييد والبناء، والتطوير، وتجارة التجزئة وحيدة العلامة التجارية. وكانت هذه الإصلاحات أساسية ومفيدة في تيسير الحصول على التصريحات والموافقات الحكومية اللازمة، وبالتالي تسهيل الاستثمارات الأجنبية في البلاد.
وفي الآونة الراهنة، تعتبر الهند من بين أكثر الأنظمة الاقتصادية انفتاحاً على مستوى العالم فيما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية. وتسمح الحكومة الهندية للاستثمارات الأجنبية المباشرة بالتدفق بنسبة تصل إلى 100 في المائة من حصص الأسهم ضمن أغلب القطاعات تحت مظلة المسار التلقائي.
كما اتخذت الحكومة الهندية الكثير من التدابير المهمة، مثل تحديد توقيت الحصول على الموافقات، وتبسيط الإجراءات بغية تحسين ممارسة الأعمال التجارية وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.
يقول براسانتو روي، محلل السياسات التقنية ومستشار عدد من الشركات التكنولوجية العالمية: «من الواضح أن عودة رؤوس الأموال الأجنبية إلى الهند هي من الإشارات الجيدة على قوة الاقتصاد الهندي. ولكن ينبغي على صناع القرارات السياسية توخي المزيد من الحذر من اعتبار المستثمرين الأجانب كأمر مسلم به في البلاد. وينبغي على الحكومة الهندية الحذر لأن المستثمرين الأجانب يملكون خيارات أخرى في الخارج إن لم يتم التخفيف من السياسات والقوانين المالية الهندية الصارمة. ومن شأن الحد من البيروقراطية والرقابة الحكومية الروتينية أن يساعد كثيراً في هذا المضمار. إذ يحتاج المستثمر الأجنبي إلى الإحساس بالمرونة اللازمة لاستثمار، وتصفية، واستعادة أمواله ضمن دورة تتسم بالكفاءة والفعالية الضريبية. كما هناك حاجة أيضا إلى خلق الاستثمارات الأجنبية عبر أدوات الدين من دون المزيد من الشروط والإجراءات المتصلة بالاستخدام النهائي».
وأضاف روي: «ينبغي زيادة وتيرة الإصلاحات الهيكلية مع ضمان الإدارة السليمة للاقتصاد الكلي بمساعدة من البنك المركزي الهندي. وتعتبر الإصلاحات التي طال انتظارها في أسواق العمالة والأراضي من أكثر التغييرات الهيكلية ضرورة من حيث تأثيرها المباشر على مسار النمو طويل الأجل في البلاد. ويعد العجز المالي الكبير في الحكومة المركزية وحكومات الولايات التابعة، فضلا عن التدفقات المذهلة لرؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد من بين التحديات الاقتصادية الكلية الأخرى التي تطل برأسها على السياسات والإصلاحات القوية الجارية».



خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.