عمالة الفلسطينيين في لبنان... مقاربات اقتصادية وطائفية

تفعيل قانون العمل بحق الأجانب يطال اللاجئين

عمالة الفلسطينيين في لبنان... مقاربات اقتصادية وطائفية
TT

عمالة الفلسطينيين في لبنان... مقاربات اقتصادية وطائفية

عمالة الفلسطينيين في لبنان... مقاربات اقتصادية وطائفية

بعد مرحلة غابت خلالها المخيمات الفلسطينية في لبنان عن واجهة الاهتمام المحلي، لتحل مكانها ملفات كملف اللاجئين السوريين ومعالجة الوضع الاقتصادي الصعب في البلد، أعادت خطة وزارة العمل لمكافحة اليد العاملة غير الشرعية والتي بدأ تطبيقها منتصف هذا الشهر، الواقع الفلسطيني إلى صدارة الاهتمامات. حصل هذا بعد رفض الفصائل مجتمعة تطبيق هذه الخطة على اللاجئين الفلسطينيين، وبالأخص مطالبتهم بالحصول على إجازات عمل كسائر العمال الأجانب، والتشديد على وجوب المحافظة على «الخصوصية الفلسطينية» في لبنان.
شهدت المخيمات الفلسطينية في لبنان منذ بدء تطبيق خطة مكافحة اليد العاملة غير الشرعية إضرابات واحتجاجات واسعة لحثّ وزير العمل كميل أبو سليمان، على التراجع عن الإجراءات التي اتخذها.
الوزير، من جهته، يؤكد أن ما يقوم به ليس إلا تطبيقاً لقانون العمل الذي لم يكن الوزراء السابقون يطبقونه، وأن كثيراً من الاستثناءات تلحظ العمالة الفلسطينية في القانون نفسه مراعاةً لخصوصيتها. وللعلم، فرضت الوزارة اللبنانية على أصحاب العمل الفلسطينيين في إطار الخطة الجديدة، الحصول على إجازة عمل بمبلغ 320 دولاراً أميركياً (ويُعفى الأُجَراء الفلسطينيون اللاجئون المسجلون وفقاً للأصول في سجلات وزارة الداخلية من هذا الرسم)، وإيداع مبلغ يفوق الـ66 ألف دولار أميركي في البنك، والتعهد بتوظيف لبنانيين (موظف فلسطيني مقابل كل 3 لبنانيين).
- مواقف القوى المسيحية
سلّطت هذه القضية على مواقف القوى السياسية المسيحية من القرار. وبعد إعلان «القوات اللبنانية» تأييدها تماماً لخطة الوزير المحسوب عليها، استنكر حزب «الكتائب اللبنانية» ما اعتبرها «عراضات فلسطينية مسلحة»، وشدد على «إلزامية تطبيق القوانين اللبنانية على جميع القاطنين على أراضي الوطن، وبالأخص قانون العمل، وعدم التراجع أمام أي ضغط أو تهويل، حمايةً لليد العاملة اللبنانية وتنظيم سوق العمل، في زمن اقتصادي صعب». وقبل أيام خرج رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل، ليعلن تضامنه المطلق مع وزير العمل قائلاً: «نحن مع تطبيق قانون العمل ومع التشدّد في النصوص لحماية فرص عمل اللبنانيين»، معتبراً أن «كل ما يسهم في تطبيع الوجود الفلسطيني والسوري في لبنان هو شكل من أشكال التوطين».
وبينما كانت للمسيحيين في لبنان هواجس من الملف الفلسطيني، وهي هواجس تعود إلى زمن الحرب الأهلية، فإن مصادر «التيار الوطني الحر» رفضت تصوير الموقف من قرار وزير العمل كأنه ذو خلفيات طائفية. وشدد ناطق منها في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «ما تقوم به وزارة العمل تطبيق للقانون، وهو ما ندعمه تماماً وسنتمسك به سواء في حال طرح الملف على طاولة مجلس الوزراء أو على أي طاولة أخرى»، مضيفاً: «كل من يطالب بتعليق تطبيق القرار إنما يضرب المصلحة العليا للبنانيين ويتماهى مع مضامين صفقة القرن».
-- العمالة الفلسطينية في القانون اللبناني
تتوزّع العمالة الفلسطينية في لبنان، حسب «المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان» (شاهد)، إلى ثلاث فئات:
- فئة أولى صغيرة تتميّز بالثراء، وهذه الفئة حملت معها من فلسطين الأموال، وتنشط في الأعمال العقارية والمصرفية، بعدما انخرطت في الاقتصاد اللبناني وتمكن قسم كبير منها من الحصول على الجنسية اللبنانية في مراحل مبكرة.
- فئة ثانية متوسطة من أصحاب الخبرات المهنية التعليمية، تركت لبنان منذ الخمسينات بعدما أُغلقت في وجهها إمكانات العمل وتوجهت إلى أوروبا أو إلى الخليج العربي.
- فئة ثالثة من العمال، هي الأكبر عدداً، ولقد تحولت إلى يد عاملة رخيصة في الأعمال الموسمية والشاقة.
وتقدّر قوة العمل الفلسطينية بنحو 75 ألف عامل يتمركزون في مجالات العمل الصعبة والشاقة كالزراعة والبناء والأفران ومحطات الوقود. ويأخذ قانون العمل اللبناني في تعاطيه مع العمال الأجانب في لبنان مسألتين أساسيتين في منحه إجازة العمل: أولوية العامل اللبناني على غيره من الأجانب، إضافةً إلى مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل. وهو ما يُستثنى منه العمال الفلسطينيون للاستفادة من تقديمات الضمان الاجتماعي.
هذا، وتوفر الجمعيات الأهلية الفلسطينية والمنظمات غير الحكومية الدولية، لا سيما «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (أونروا)، فرص العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان من خلال برامجها الإغاثية والتنموية بما في ذلك مشاريع القروض الصغيرة ومشاريع توليد الدخل.
كذلك يدير بعض الفلسطينيين، حسب مشروع «الخطة الوطنية لحقوق الإنسان» الواردة على موقع مجلس النواب اللبناني، بمعزل عن رقابة السلطات المعنية، مشاريع حرفية صغيرة في المخيمات وفي محيطها، إضافة إلى عيادات وصيدليات ومختبرات طبية غير مرخصة يديرها أطباء وصيادلة وفنيون مختصون.
القوى السياسية اللبنانية تشدد على أن الإجراءات التي تتخذها وزارة العمل هدفها حماية العامل اللبناني ومنحه الأولوية على العمال الأجانب، كما يحصل في كل دول العالم، خصوصاً بعد ارتفاع نسبة البطالة بين اللبنانيين وبلوغها مستويات غير مسبوقة (قرابة الـ35%). إلا أن الفلسطينيين كانت لهم إسهامات كبيرة في الاقتصاد اللبناني، أبرزها تحويلات الفلسطينيين الموجودين في الخارج لأسرهم في لبنان، وصرف معظم مداخيل اللاجئين الفلسطينيين وادخارها في الاقتصاد اللبناني، إذ تقدر بنحو 10% من إجمالي الاستهلاك الخاص. و1 من 4 لاجئين فلسطينيين هم إما أصحاب عمل وإما يعملون لحسابهم الخاص، بجانب أن العديد من المنشآت بما فيها مصارف أساسية أسّسها لبنانيون من أصول فلسطينية، وبالتالي يسهمون في خلق فرص عمل وفي توسيع الاقتصاد اللبناني.
مصادر حركة «فتح» تؤكد أن الاعتراضات الفلسطينية لن تهدأ قبل التراجع عن تطبيق خطة وزارة العمل على اللاجئين الفلسطينيين. ويلفت أحدها في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أكثرية القوى السياسية اللبنانية تؤيد المطالب الفلسطينية وتدفع باتجاه تراجع وزير العمل عن قراره، وهو ما عبّر عنه صراحة رئيس المجلس النيابي نبيه برّي و«حزب الله» ورئيس الحكومة سعد الحريري. ويضيف المصدر: «إلا أن الأزمة السياسية في لبنان وعدم انعقاد مجلس الوزراء في الأسابيع القليلة الماضية هما ما آخّرا البت بالموضوع».
من جهته، يبدو جهاد طه، نائب المسؤول السياسي لحركة «حماس» في لبنان، مطمئناً لكون أول جلسة حكومية ستبتّ بالإجراءات الجديدة المتخذة بحق اللاجئين الفلسطينيين، ولأن التوجه هو إلى تجميد قرار وزير العمل. وشدّد طه في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن ما يحصل «ليس قضية تحدٍّ على الإطلاق بقدر ما هي عملية تصويب للأمور»، متابعاً: «الواقع الفلسطيني يرزح تحت ظروف إنسانية واجتماعية قاسية، ولم يكن ينقصه قرار مماثل ليزيد من التحديات التي يواجهها آلاف الفلسطينيين في مخيماتهم خصوصاً بعد تقليص (أونروا) خدماتها».
وتستغرب مصادر فلسطينية استثناء كل وزراء العمل السابقين العمال الفلسطينيين مما يقول وزير العمل الحالي إنها مواد في القانون اللبناني يتوجب تطبيقها، وتعرب عن خشيتها من «السعي لنزع الصبغة السياسية عن اللاجئ ما يعطي مبرراً للمجتمع الدولي لإنهاء دور وكالة (أونروا)، وهو ما لا ينسجم على الإطلاق مع المواقف التي أعلنها الرؤساء الـ3 في لبنان الرافضة بالمطلق لصفقة القرن ومضامينها».
- أمن المخيمات الهشّ
من ناحية ثانية، لم تقم الحكومات اللبنانية المتعاقبة بأي إجراءات لمعالجة الأزمات المتعددة التي ترزح تحتها المخيمات، سواء الأمنية أو الاجتماعية والاقتصادية. ولعل الخطوة الوحيدة التي اتُّخذت عام 2017 بإطار السعي لتنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان، هو التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، ولقد أشرفت عليه «لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني» وأنجزته إدارة الإحصاء المركزي اللبناني والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
التعداد خلص إلى وجود 230 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان يعيشون في 12 مخيماً و156 تجمّعاً فلسطينياً في المحافظات الخمس في لبنان، مع الإشارة إلى أن «أونروا» في إحصاء أجرته قبل نحو 11 سنة، أوردت وجود أكثر من 483 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان 449 ألفاً منهم مسجلون لديها. وهي لا تزال تؤكد ذلك من خلال موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت. ويقيم أكثر من نصف اللاجئين الفلسطينيين حالياً في 12 مخيماً منظماً ومعترفاً به من قبل «أونروا» هي مخيمات: «الرشيدية، والبرج الشمالي، والبص، وعين الحلوة، والمية ومية، وبرج البراجنة، وشاتيلا، ومار إلياس، وضبية، وويفل (الجليل)، والبداوي، ونهر البارد». وتتولى لجان أمنية مشتركة تضم ممثلين عن أبرز الفصائل الفلسطينية، الأمن في مخيمات «عين الحلوة، والبداوي، وبرج البراجنة»، التي تعد أكبر تجمعات للاجئين الفلسطينيين في لبنان. ولا وجود للجيش والقوى الأمنية اللبنانية داخل 12 مخيماً فلسطينياً موزعة في معظم المناطق اللبنانية، ما أدى إلى هرب عدد كبير من المطلوبين إلى داخل هذه المخيمات التي تشهد انتشارا ًظاهراً للسلاح من دون أي ضوابط، وإلى تحوّل بعضها -خصوصاً «عين الحلوة» الواقع قرب مدينة صيدا بجنوب لبنان- إلى أشبه ببؤرة أمنية تنفجر بين الحين والآخر سواءً نتيجة الخلافات بين الفصائل الفلسطينية أو على وقع استحقاقات داخلية لبنانية أو أخرى إقليمية. وكانت الأحداث الأمنية الأخيرة التي شهدتها المخيمات قد وقعت في «المية ومية» المتاخم لـ«عين الحلوة» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 بين حركتي «فتح» و«أنصار الله»، ما أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى ومنذ حينها تنعم المخيمات بنوع من الهدوء والاستقرار.
اليوم تخشى القوى الفلسطينية في لبنان أن تؤدي الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها وزارة العمل اللبنانية لجهة التشدد بملاحقة العمالة الأجنبية غير الشرعية، والتي طالت اللاجئين الفلسطينيين بعدما كانت تركز أساساً على اللاجئين السوريين، إلى انفجار اجتماعي وأمني في المخيمات الرازحة أصلاً تحت فقر مدقع ونسبة بطالة قاربت الـ70%، حسب مصادر فلسطينية.
وبينما يؤكد جهاد طه أن هناك حرصاً وإجماعاً فلسطينيين «على ضبط إيقاع التحرّكات الاعتراضية التي تحصل في المخيمات بإطار الرفض المطلق للمساس بأمن لبنان والمخيمات»، لا يستبعد الباحث في الشؤون الفلسطينية صقر أبو فخر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تتطوّر الأمور إلى «انفجار اجتماعي داخل المخيمات في حال تُجمَّد الإجراءات المتخذة من قبل وزارة العمل وإيجاد الحكومة اللبنانية مخرجاً مناسباً للأزمة»، منوهاً بـ«الانضباط الكبير الذي مارسه اللاجئون الفلسطينيون خلال اعتراضاتهم في الأيام الماضية بحيث لم تسجل حتى ضربة كف واحدة». ويخشى أبو فخر من تحريك خارجي للمخيمات في حال ظلت الأمور على ما هي عليه «خصوصاً أننا لمسنا محاولات في هذا الإطار في أول الاحتجاجات، تم تطويقها واستيعابها تماماً وفوراً كالدعوات لمقاطعة البضائع اللبنانية أو سحب الأموال الفلسطينية في المصارف في لبنان». وتابع الباحث: «للأسف، تصوّر المسألة اليوم لبنانياً على أنها تتخذ بُعداً طائفياً، بحيث إن معظم القوى المسيحية أعلنت تأييدها لقرار الوزير أبو سليمان مقابل معارضته من القوى المسلمة، لكن ما نؤكده أنه لا علاقة للفلسطينيين بتطييف المسألة، وهم يخضعون قسراً لأحكام الكيان اللبناني، ويتعاطون مع المسألة حصراً من منطلق المطالب الاجتماعية».
- التفاهمات اللبنانية حول الملف الفلسطيني
على صعيد متصل، تُعرّف الوثيقة السياسية التي تحمل عنوان «رؤية لبنانية موحّدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان»، الصادرة عن «مجموعة العمل اللبنانية» المكوّنة من ممثلين عن الأحزاب السبعة الرئيسة في لبنان، اللاجئ بأنه: «كل فلسطيني هُجِّر إلى الأراضي اللبنانية منذ عام 1947 بسبب عمليات الاقتلاع وما رافقها من أشكال التهجير القَسري، وما تلاه من احتلال إسرائيلي لكامل فلسطين عام 1967 وتداعيات ذلك، وكل متحدّرٍ من لاجئ فلسطيني في لبنان بالمعنى المحدّد أعلاه». ولقد توصّلت «مجموعة العمل اللبنانية» إلى صياغة ورقة تضمنت «التوافقات اللبنانية المنجزة في موضوع اللاجئين الفلسطينيين». وأبرزها الموقف الحاسم الرافض للتوطين باعتباره موقفاً لبنانياً جامعاً وموقفا لبنانياً –فلسطينياً مشتركاً. كذلك تشمل معالجة مسألة السلاح وفق مندرجات مقرّرات «هيئة الحوار الوطني» في عام 2006. وفي الجانب المعيشي، تؤكّد «المجموعة» ضرورة مضاعفة العمل لمعالجة المسائل الإنسانية والمعيشية للاجئين الفلسطينيين من خلال توفير الحقوق الإنسانية للاجئين من ناحية، وتحسين أوضاع المخيمات وتطبيق القوانين اللبنانية بهذا الشأن من ناحية أخرى.
الجدير بالذكر، أن «لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني»، وهي هيئة حكومية أُسست عام 2005 تعنى بالسياسات العامة التي تستهدف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وتعمل «اللجنة» كحلقة ارتباط مركزية بين اللاجئين الفلسطينيين وبين المؤسسات الرسمية والدولية، كما تقدّم النصح حول السياسات العامة الواجب تبنّيها من قِبل الحكومة اللبنانية، مرتكزة بذلك على المصالح الوطنية للشعب اللبناني وحقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعيش الكريم لحين عودتهم إلى ديارهم.
واستنكرت «اللجنة» أخيراً ما وصفته بـ«تغييب» وزارة العمل، في إجراءاتها المسماة «مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية على الأراضي اللبنانية»، الخصوصية التي يتمتع بها اللاجئون الفلسطينيون بموجب تعديل القانونين 128 و129 اللذين أقرهما المجلس النيابي عام 2010، واعتبارهم عمالاً أجانب «متجاهلة ما نص عليه التعديلان من الحفاظ على خصوصية العامل الفلسطيني وعدم معاملته بالمثل». ودعت إلى بحث موضوعي وعلمي هادئ بما يقود إلى حلول فعلية، وألا تكون الخطوات المعتمدة جزءاً من الصراع بين القوى السياسية، من دون حسابات دقيقة لمصالح الاقتصاد اللبناني ومصالح الإخوة اللاجئين الفلسطينيين على أرضه.
- فلسطينيو لبنان... بين السلاح والحقوق
> شكّلت مطالبة الفلسطينيين في لبنان باستثنائهم من الإجراءات التي تتخذها وزارة العمل بحق العمال الأجانب مدخلاً لبعض القوى الفلسطينية واللبنانية، على حد سواء، لربط تحصيل الحقوق الفلسطينية بحل موضوع السلاح الفلسطيني المنتشر خارج وداخل المخيمات.
وكان القرار الوطني اللبناني الذي اتُّخذ في عام 2006 بُعيد انعقاد أول «طاولة حوار» بين القيادات اللبنانية، قد قضى بسحب السلاح من المجموعات الفلسطينية المتمركزة خارج المخيمات، ومن ثم، أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، خلال زيارته الأخيرة للبنان العام الماضي رفضه وجود السلاح بيد الفلسطينيين في المخيمات وخارجها، معتبراً أنه من حق الحكومة اللبنانية أن تسحب كل السلاح الفلسطيني على أراضيها من منطلق أن الفلسطينيين في لبنان في حماية الجيش اللبناني والحكومة. ولكن مع هذا، لم تحرك الدولة اللبنانية ساكناً بل ظلت في موقع المتفرج في معظم الأحيان على تحول إشكالات فردية داخل المخيمات إلى صراعات دموية، وهي أن بادرت فقامت بذلك من موقع الوسيط، وعلى أساس حل على قاعدة «تبويس اللحى».
ويعد الوزير السابق حسن منيمنة، رئيس «لجنة الحوار اللبناني- الفلسطيني»، أنه «لا حل للأحداث الأمنية المتكررة في المخيمات إلا من خلال سحب السلاح الفلسطيني؛ سواء من داخل أو خارج المخيمات، بعدما بات دوره يقتصر على تغذية الصراع بين الفصائل وخدمة أجندات خارجية». وكان منيمنة قد اتهم النظام السوري بمنع تطبيق الاتفاق اللبناني الذي قضى بسحب السلاح من خارج المخيمات، لافتاً إلى أنه لا يجب رمي الموضوع على الفلسطينيين، لأن الرئيس محمود عباس أعلن في أكثر من زيارة للبنان موافقته على سحب السلاح الفلسطيني ودخول الجيش إلى المخيمات.
وبدا لافتاً، ما نُقل أخيراً عن أمين سر حركة «فتح الانتفاضة» العقيد سعيد موسى «أبو موسى» خلال زيارته رئيس بلدية صيدا الدكتور عبد الرحمن البزري، إذ أعلن رفض إلغاء وجود السلاح الفلسطيني بالمطلق خارج المخيمات الفلسطينية في لبنان. واعتبر أن للسلاح الفلسطيني خارج المخيمات أهدافاً ورؤية تختلف عن وجوده داخل المخيمات، وهو يتعلق بمواجهة العدو الصهيوني. كذلك أجمع موسى والبزري على رفض محاولات ربط موضوع الحقوق المدنية الفلسطينية بموضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات أو داخلها، واعتبرا أن ذلك يدخل في إطار «البازار السياسي».
وفي موقف مقابل، طالب حزب «الكتائب» الحكومة بالإسراع في تنفيذ مقررات «طاولة الحوار» لجهة نزع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها.



إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
TT

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من الخريطة، منازل تُسوّى بالأرض، وجسور ومدارس ومستشفيات تُستهدف بشكل متكرر، فيما يُمنع السكان من العودة إلى أراضيهم. وفي حين «يبرّر» المسؤولون الإسرائيليون ما يقومون به - في هدنة مفترضة مع «حزب الله» - بالسعي لتوسيع «المنطقة العازلة» جنوباً بهدف حماية المستوطنات الشمالية من خطر «حزب الله»، تؤكد الوقائع أن التدمير - الذي يتم بالجرافات والمتفجرات - تحوّل حقاً إلى أداة استراتيجية إسرائيلية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية. وتُلقى تبعاتها الثقيلة على المدنيين اللبنانيين الذين يشاهدون من بعيد منازلهم وذكرياتهم ومستقبلهم يدمّر أمام أعينهم، وهم ودولتهم عاجزون عن التصدّي لواقع مرير، يرى البعض أن الذي جرّهم إليه «حزب الله»... تنفيذاً لأجندة إيرانية تتحكم بقراره.

حتى الساعة، يبدو من الصعب جداً الوصول إلى معطيات دقيقة حول حجم الدمار ووضعية القرى الحدودية في جنوب لبنان، التي بات من المستحيل الوصول إليها بعدما صارت خاضعة تماماً للاحتلال الإسرائيلي الذي تمدّد إلى بلدات ومناطق جديدة خلال فترة الهدنة.

دخان القصف الإسرائيلي يغلف إحدى البلدات الحدودية في جنوب لبنان (أ ف ب)

عدد القرى المدمّرة

وفق تحليل أجرته «هيئة الإذاعة البريطانية» (البي بي سي) فقد جرى تدمير أكثر من 1400 مبنى في جنوب لبنان منذ يوم 2 مارس (آذار) الماضي، استناداً إلى أدلة بصرية موثّقة.

ومن ناحية ثانية، وفق معطيات أولية ومصادر متقاطعة، تأكد تدمير أكثر من 25 ألف منزل في المنطقة الحدودية خلال جولة الحرب الحالية وحدها، بينها 56 مدرسة دمّرت بالكامل، بينما تضرّرت 120 مدرسة أخرى. كذلك طال التدمير 15 مستشفى، خرج 8 منها عن الخدمة تماماً، وهذا بالإضافة إلى 10 جسور حيوية، من بينها 4 جسور رئيسة على نهر الليطاني.

العميد المتقاعد منير شحادة يوضح خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «حتى الآن لا توجد لائحة رسمية مكتملة تحدد القرى التي دُمّرت كلياً - أي بنسبة 100 في المائة - لكن المعطيات الميدانية المتقاطعة تشير إلى أن نحو 24 قرية حدودية باتت مفرغة بالكامل أو بشكل شبه كامل من سكانها. وثمة عشرات آلاف الوحدات السكنية دُمّرت أو تضرّرت، وآلاف المنشآت (منازل، مؤسسات، بنى تحتية) خرجت من الخدمة، كما أنه في بعض المناطق الحدودية، تم تجريف شريط بعرض مئات الأمتار بشكل كامل»، قبل أن يعلّق قائلاً: «ما حصل تدمير واسع ومنهجي لشريط القرى الأمامية يصل في بعض البلدات إلى شبه إبادة عمرانية».

أبرز المدن والقرى التي تعرّضت لدمار كبير أو شبه كامل في قضاء مرجعيون (القطاع الشرقي من الحدود اللبنانية - الإسرائيلية) فهي: كفركِلا، والعُدَيسة، ومَركَبا، الطَّيّبة والخِيام.

أما تلك الواقعة في قضاء بنت جبيل (القطاع الأوسط) فهي عَيتا الشعب، ورامية، يارون، ومارون الراس، بليدا، ومَيس الجبل.

وأما تلك الواقعة في قضاء صور (القطاع الغربي) فهي: الضُّهَيرة، ومَروَحين، وأم التوت، وعلما الشعب، والناقورة. وهذا إضافة إلى بلدات أخرى متضرّرة بشدة هي من الشرق إلى الغرب: حُولا ودير سريان وعَيترون وبيت ليف وكَفرا ومجدل زون.

«التبريرات» الإسرائيلية

في الحقيقة، لم يعد خافياً أن إسرائيل تنتهج سياسة «الأرض المحروقة» في مسعى واضح منها لإفراغ المنطقة وفرض واقع جديد بالقوة. وبالفعل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، صراحةً، نية الجيش الإسرائيلي هدم المنازل في القرى الحدودية جنوب لبنان، «على غرار ما جرى في مدينتي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة»، بزعم استخدامها من جانب «حزب الله».

وتتقاطع تصريحات كاتس هذه مع مواقف سابقة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي كان أعلن اعتزامه توسيع «المنطقة العازلة»، ومنع عودة آلاف النازحين اللبنانيين إلى مناطقهم جنوبي نهر الليطاني.

وفي منتصف الشهر الماضي، تكلّم الجيش الإسرائيلي لأول مرة عن «خط أصفر» في لبنان، على غرار الخط الذي «رسمته» إسرائيل في قطاع غزة، وأقرّ بالاستهداف المتعمد لأشخاص بزعم اقترابهم من المنطقة، مشيراً إلى أن السكان اللبنانيين «لن يُسمح لهم بالعودة إلى 55 قرية لبنانية تقع داخل هذه المنطقة».

إسرائيل تعتبر أنها مخوّلة بـ«مواصلة تدمير» ما تصفه بـ«البنى التحتية لـ(حزب الله)»، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار. وبالتالي، يعتمد «المشروع» الإسرائيلي الساري على استراتيجية تدمير شامل للمرافق الحيوية ومقوّمات الحياة تحت مسمى «عمليات تطهير وتنظيف»، باستخدام معدّات وشركات مقاولات سبق لها أن شاركت في عمليات هدم وتجريف مشابهة بقطاع غزة، وفق ما ورد في تقرير لصحيفة «هآرتس» Haaretz الإسرائيلية. كذلك كشفت الصحيفة الإسرائيلية، نقلاً عن شهادات ميدانية لضباط وجنود يعملون في جنوب لبنان، عن أن جزءاً محورياً من النشاط العسكري الإسرائيلي هناك «لا يتركز على القتال المباشر»، بل على «عمليات هدم واسعة و«ممنهجة» تطال المباني والمنشآت في القرى والبلدات اللبنانية». وبحسب الشهادات ذاتها، فإن هذه العمليات تشمل تدمير كل ما يمكن الوصول إليه داخل مناطق الانتشار الإسرائيلي «من دون استثناء يُذكر».

ويوم الثلاثاء الماضي، في تصعيد ميداني لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير ما وصفه بأكبر نفق تابع لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، في عملية وُصفت بأنها من الأضخم من حيث حجم التفجير والرسائل العسكرية المرافقة لها. وسبق هذه العملية تحذير استثنائي وُجّه إلى سكان المستوطنات الشمالية، الممتدة من رأس الناقورة غرباً حتى هضبة الجولان شرقاً، طُلب فيه منهم الابتعاد عن النوافذ والشرفات، «تحسباً لقوة الانفجار».

وبالتوازي، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن العملية نُفذت باستخدام نحو 570 طناً من المتفجّرات، مستهدفة نفقاً وبنىً تحتية على عمق يقارب 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة اعتُبرت من بين الأكبر في سياق العمليات الميدانية الأخيرة.

يُجمع الخبراء على أن الهدف الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع من دون إعلان رسمي عبر التدمير

الأهداف ليست عسكرية حصراً

ومما يؤكد أن الكثير من عمليات التدمير الحاصلة جنوباً لا تلحظ حصراً أهدافاً عسكرية، بل لها أبعاد أخرى، أقدم الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع على تفجير «ملعب بنت جبيل» بمدينة بنت جبيل الذي كان قد ألقى فيه أمين عام «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله خطابه الشهير قبل 26 سنة. ويُذكَر أن نصر الله قال في ذلك الخطاب - الذي أُلقي بعد إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 - إن إسرائيل «أوهن من بيت العنكبوت». ولقد حرصت وسائل إعلام إسرائيلية على بث عملية التفجير التي ترافقت مع هتافات لجنود إسرائيليين يعبّرون عن فرحهم وغبطتهم.

الأهداف الإسرائيلية الحقيقية

وهنا يوضح العميد المتقاعد منير شحادة عن وجود «أكثر من هدف وراء التدمير المنهجي الإسرائيلي»، أبرزها اثنان: الأول، الهدف العسكري المباشر الذي يلحظ إزالة أي غطاء ميداني يمكن استخدامه في القتال، وتحويل المنطقة إلى أرض مكشوفة نارياً، ما يؤدي تلقائياً لمنع نصب الكمائن، وقطع الطريق على التسلل واستخدام المنازل كنقاط قتال. وهنا لفت شحادة إلى أن «هذه سياسة عسكرية معروفة تقوم على تدمير بيئة القتال، وليس فقط استهداف المقاتلين».

أما الهدف الثاني، بحسب شحادة، فهو «تكتيكي قصير المدى، ويقوم على إنشاء ما يشبه حزاماً أمنياً بالنار؛ وهو إبعاد السكان ومنع عودتهم وتقليل الاحتكاك المباشر مع المقاومة».

ومن ثم يتابع شحادة شارحاً الهدف النفسي والاجتماعي «للضغط على البيئة الحاضنة ومنعها من العودة لإحداث خلل ديموغرافي في الجنوب، ورفع كلفة الحرب على المجتمع المحلي، وأيضاً ضرب الاقتصاد الحدودي، وخصوصاً قطاع الزراعة».

وفي هذا السياق، يُجمع الخبراء على أن الهدف و«السيناريو» الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع (de facto) أي من دون إعلان رسمي عبر التدمير، ومنع العودة والسيطرة النارية. وهذه المنطقة قد تمتد بعمق يتراوح بين مئات الأمتار وعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

أما على المدى المتوسط، فيبدو أن الهدف الإسرائيلي هو تثبيت هذا الواقع كـ«أمر دائم» شبيه بتجارب سابقة، وبخاصة «الشريط الحدودي» قبل عام 2000.

مشهد مأساوي صادم

من جهته، يرى عباس ضاهر، مدير «مركز الاستشراف للمعلومات»، أن «التدمير الممنهج الذي تمارسه إسرائيل في جنوب لبنان يهدف إلى فرض أمر واقع، لا يقتصر على ما يُعلن عن تدمير أنفاق لـ(حزب الله)؛ فمتابعة مسار العمليات تُظهر سعياً لخلق واقع جديد في الجنوب، وبالأخص في القرى الأمامية المصنّفة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»... إذ إن هذا التدمير يطال منازل وقرى وأحياء بكاملها، بما فيها مناطق لا صلة لها، لا من قريب ولا من بعيد، بالحزب؛ أي بيوت المدنيين اللبنانيين».

وبحسب ضاهر، تُظهر المعطيات أن «الرغبة الإسرائيلية تتّجه نحو واحد من ثلاثة سيناريوهات، هي: أولاً، احتلال دائم لهذه المنطقة، وهو احتمال وارد. ثانياً، إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، وهو ما يعزّزه التدمير الممنهج. وثالثاً، سيناريو يرتبط بفرض واقع معيّن حيث لا يكون هناك سيادة كاملة للدولة اللبنانية على أراضيها في الجنوب».

ويصف ضاهر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، المشهد الحالي جنوباً بـ«المأساوي الذي قد يُدخل اللبنانيين في حالة صدمة، وسيزيد إرباك النازحين، مع اتساع حجم الدمار الذي طال المنشآت والمباني والمدارس والبنى التحتية والآبار. وذلك لأن كل ما أُنجِز خلال عقود، لا سيما عبر مجلس الجنوب، يتعرّض اليوم للتدمير».

ومن ثم، يشدد على أن «ما يجري راهناً جريمة حرب، لاعتبارات أساسية عدّة أهمها: أولاً، استهداف بيوت ومنازل اللبنانيين الآمنين. وثانياً، تدمير مراكز الخدمات العامة التابعة للدولة اللبنانية، بما فيها مراكز التعليم والمؤسسات التربوية، ومرافق الري والآبار، إضافة إلى مباني البلديات، وهي جميعها مرافق مدنية. كما يشمل ذلك تدمير وسائل العيش في المنطقة الجنوبية، من اقتلاع الأشجار إلى سرقة الممتلكات، فضلاً عن تهجير السكان من أرضهم».

ويختتم عباس ضاهر قراءته للوضع بالقول: «كل هذه الممارسات يُفترض أن يُحاسَب عليها وفق القانون الدولي، في حال قرر لبنان المضي في ملاحقتها. لكن الشرط الأساسي لذلك هو وحدة الموقف الداخلي اللبناني. فإذا لم تتحقق هذه الوحدة، ولم يحصل تقدّم رسمي في اتخاذ خطوات قانونية لمتابعة الملف دولياً، وبقي السجال الداخلي قائماً بين أكثر من خط، فلن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من الارتباك والضياع والتعقيد السياسي، وهو ما لا يفيد اللبنانيين إطلاقًاً.

تدمير القرى: انتهاك للقانون الدولي

وفعلاً، ثمة المفاعيل القانونية للتدمير الإسرائيلي الممنهج، يتطرق إليها المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين قائلاً إن «القانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً صارمة على كيفية إدارة العمليات العسكرية، وتُعتبر مخالفتها جرائم حرب في حال ثبوت القصد أو الإهمال الجسيم».

ويتابع يمين شارحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «المادة الـ53 من اتفاقية جنيف الرابعة، تحظر على دولة الاحتلال أو القوة المهاجمة تدمير الممتلكات الثابتة أو المنقولة الخاصة بالأفراد أو الجماعات. وفوق ذلك، فإنّ تحويل قرى كاملة إلى (مناطق عازلة) عبر التدمير الشامل يمثل انتهاكاً جسيماً؛ لأنه يؤدي إلى تهجير قسري طويل الأمد، وهو ما يرقى إلى مستوى التطهير العرقي أو النقل القسري للسكان».

ثم يضيف أنه على مستوى القانون البيئي الدولي، تنتهك إسرائيل في جنوبيّ لبنان «بروتوكولات الأسلحة التقليدية» التي تحظّر استخدام الأسلحة القاتلة للبيئة. وفيما خصّ التراث، فـ«إن حماية المواقع التاريخية في الجنوب (مثل صور أو القلاع التاريخية) مكفولة بموجب «اتفاقية لاهاي لعام 1954»، وأي تدمير يلحق بها يُعدّ جريمة ضد التراث الإنساني».

ويشدد يمين على أنه «يترتّب على لبنان توثيق الجرائم الإسرائيلية وجمع الأدلة وحفظها، وتقديم شكاوى متلاحقة إلى مجلس الأمن الدوليّ بها، وعند الاقتضاء للجمعية العمومية للأمم المتحدة، مع طلب إدانة إسرائيل وإلزامها بوقف اعتداءاتها والانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية. وكذلك عليه أن يطلب من مجلس الأمن الدولي تحريك المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب والادعاء ضد إسرائيل، أمام محكمة العدل الدولية، لانتهاكها المعاهدات الدولية المرتبطة بالقانون الإنساني والدولي والقانون الدولي العام والقانون الدولي البيئي، وطلب إلزامها بالتوقف عن جرائمها والتعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة للبنان».


تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
TT

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها، ثم غادرها إلى عالم الدفاع الجنائي الرفيع، عاد إليها من أضيق أبواب السياسة وأوسعها حساسية: بوصفه أحد محامي دونالد ترمب الشخصيين في القضايا الجنائية التي لاحقته قبل عودته إلى البيت الأبيض. لذلك؛ فإن تكليفه مهام وزير العدل بعد خروج بام بوندي لا يختصر فقط قصة رجل قانون صعد بسرعة، بل يكشف أيضاً عن طبيعة المرحلة الثانية من إدارة ترمب، حيث تتداخل مفاهيم العدالة، والولاء، والثأر السياسي، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية الرئيس. إذ تزامن هذا الصعود مع إعادة فتح ملف جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) الأسبق، في قضية بدت في ظاهرها مرتبطة بصورة أصداف على شاطئ حملت عبارة «86 47»، لكنها في جوهرها أعادت إلى الواجهة سؤالاً أوسع، هو: هل ستبقى وزارة العدل في عهد بلانش أداة تنفيذية لرغبات ترمب ضد خصومه، أم يستطيع الرجل الذي يعرف الوزارة من داخلها أن يعيد إليها شيئاً من التوازن المؤسسي؟ هذا الاتهام الجديد لكومي يضع بلانش مباشرة في قلب هذه المعضلة، من خلال دفاعه العلني عن القضية وتجنبه الإجابة بوضوح عن طبيعة الأدلة التي تثبت نية كومي تهديد الرئيس.

وُلد تود والاس بلانش في مدينة دنفر عاصمة ولاية كولورادو وكبرى مدنها عام 1974، لأب كندي كان لاعب هوكي وأم تعمل ممرضة. ونشأ في دنفر قبل أن تنتقل عائلته إلى مدينة غينزفيل بشمال ولاية فلوريدا عام 1987 إثر نزاع قانوني بين والده، الذي كان يدير جماعة دينية في قبو منزله، والسلطات المحلية بسبب مخالفات تقسيم المناطق.

تلقى بلانش تعليمه في معهد نيومكسيكو العسكري، حيث برز رياضياً، ثم تنقّل بين جامعة ولاية لويزيانا وكلية بيلويت (ولاية ويسكونسن)، قبل أن يتخرّج في الجامعة الأميركية بالعاصمة واشنطن، ثم حصل على إجازة في الحقوق كلية بروكلين للحقوق عام 2003. وبعدها التحق بوزارة العدل وعمل فيها نحو 15 سنة، وفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الوزارة.

بلانش متزوّج من كريستين، الاختصاصية في علم الأحياء في الجامعة الكاثوليكية الأميركية، وكان التقاها في أستراليا، وأنجبا طفلين.

ووظيفياً، تنقل بلانش في مناصب إدارية وقانونية. ثم صار مساعداً للمدعي العام الفيدرالي في المنطقة الجنوبية من نيويورك، وهي واحدة من أكثر النيابات الفيدرالية نفوذاً في الولايات المتحدة، قبل أن يصبح مشرفاً فيها. ووفق وزارة العدل، يشرف بلانش الآن، بصفته وزيراً بالوكالة ونائباً للوزير، على أكثر من مئة ألف موظف في الوزارة، بما في ذلك «مكتب التحقيقات الفيدرالي»، وإدارة مكافحة المخدرات، والمارشالات، ومكاتب المدعين الفيدراليين الـ93.

الشرعية المهنية

هذه الخلفية تمنح الرجل شيئاً من الشرعية المهنية التي لا يملكها كثيرون ممن دخلوا إدارة ترمب من بوابة الولاء السياسي وحده. فهو ليس ناشطاً حزبياً طارئاً على سلك القانون، ولا محامياً تلفزيونياً جاء مباشرة من استوديوهات التعليق السياسي. بيد أنه في الوقت عينه ليس بيروقراطياً محايداً بالمعنى التقليدي. ذلك أنه غادر الوزارة إلى القطاع الخاص، وعمل محامياً للدفاع. ثم مثّل ترمب في ثلاث من القضايا الجنائية التي واجهها في 2023 و2024، حسب السيرة الرسمية نفسها.

وهنا تكمن مفارقة بلانش... إذ إن خبرته القانونية حقيقية، لكنها لم تعد منفصلة عن علاقة شخصية وسياسية مباشرة بالرئيس. وفي واشنطن، لا يُقاس المسؤولون الكبار فقط بما يعرفونه، بل أيضاً إلى مَن يدينون بصعودهم. وبلانش، منذ ترشيحه نائباً لوزير العدل، حمل معه سؤالاً يصعب تجاوزه هو: هل يستطيع محامي ترمب السابق أن يتحوّل حارساً مستقلاً للقانون، أم أن موقعه الجديد هو امتداد لعلاقة الدفاع عن الرئيس، ولكن بأدوات الدولة؟

تثبيت... بصعوبة

في مارس (آذار) 2025، ثبّت مجلس الشيوخ بلانش نائباً لوزير العدل بغالبية 52 صوتاً مقابل 46. ولم يكن ذلك التصويت مجرد انقسام حزبي مألوف، بل عَكَس قلقاً عميقاً من أن يتولّى محامي ترمب السابق موقع «الرجل الثاني» في الوزارة التي يُفترض بها أن تشرف على التحقيقات الفيدرالية، ومكاتب الادعاء، والوكالات الأمنية.

وللعلم، ذكرت وكالة «رويترز» أن بلانش، بصفته نائباً للوزير، كان مسؤولاً عن الإشراف على المدّعين الفيدراليين الـ93 وعلى أجهزة مثل «إف بي آي» و«دي إي آيه» (إدارة مكافحة المخدّرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجّرات) والمارشالات (وهي من وكالات إنفاذ القانون الأميركية).

الأهم، أن تثبيت بلانش السابق جاء في سياق أوسع من مجرّد إعادة توجيه وزارة العدل. إذ إن بام بوندي، في يومها الأول كوزيرة للعدل، كلّفت مكتب نائب الوزير إطلاق مجموعة عمل لـ«مراجعة» ما وصفته الإدارة بـ«تسليح» العدالة ضد ترمب، بما يشمل قضايا المحقق الخاص جاك سميث، وقضية الوثائق السرّية، ومحاولة قلب نتائج انتخابات 2020، وقضية نيويورك المتعلقة بمدفوعات إسكات الممثلة ستورمي دانييلز.

كذلك، أشارت «رويترز» إلى أن بلانش تفادى خلال جلسة تثبيته الإجابة بوضوح عما إذا كان سيتنحّى عن مراجعة قضايا شارك سابقاً في الدفاع عن ترمب فيها. ومن هنا، لم يكن وصوله إلى منصب الوزير بالوكالة، بعد بوندي، قفزة مفاجئة تماماً. فهو كان موجوداً في قلب الآلة منذ البداية. لكنه بعد خروج بوندي لم يعد مجرّد منفّذ ثانٍ أو مشرف خلفي، بل صار الوجه العلني للوزارة في لحظة تتّهم فيها المعارضة الديمقراطية الإدارة بأنها حوّلت وزارة العدل ذراعاً لمحاسبة الخصوم لا لمحاسبة المخالفين.

قضية كومي

من جهة ثانية، جاء اتهام جيمس كومي ليمنح بلانش أول اختبار كبير في موقعه الجديد. فالقضية، كما ورد في الصحف الأميركية، تستند إلى صورة نشرها كومي عام 2025 لأصداف مرتبة على هيئة «86 47». وبما أن ترمب هو الرئيس السابع والأربعون، اعتبر مسؤولون جمهوريون العبارة تهديداً مبطناً؛ لأن «86» قد تُستخدم عامياً بمعنى التخلّص من شخص أو قتله. أما كومي فأزال المنشور لاحقاً، مؤكداً أنه لم يكن يدعو إلى العنف، وأنه افترض أنها رسالة سياسية لا أكثر.

المشكلة القانونية هنا ليست في حساسية أي تهديد محتمل ضد رئيس الولايات المتحدة؛ فالقانون الأميركي يتعامل مع ذلك بجدّيّة قصوى. بل تكمن المشكلة في إثبات النية. ذلك أن القضايا المتعلقة بالتهديدات لا تقوم عادة على العبارة وحدها، وإنما على السياق، والقصد، ومدى إدراك المتهم لمعناها، وما إذا كان الشخص العاقل سيفهمها كتعبير جاد عن نية إلحاق الأذى. لذا؛ بدا بلانش، في مؤتمره الصحافي، كأنه يحاول تثبيت معادلة سياسية أكثر منها قانونية، عندما قال: «لا يُسمح لك بتهديد رئيس الولايات المتحدة!».

العبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تجيب عن السؤال الأصعب: هل ما فعله كومي تهديد جنائي... أم تعبير سياسي فجّ، غامض، أم غير موفّق؟

إبستين جُرح أسقط بوندي ويلاحق بلانش

من جانب آخر، إذا كانت قضية كومي تمثّل اختباراً لهوية وزارة العدل تحت قيادة بلانش، فإن ملف جيفري إبستين يمثل اختباراً لصدقيتها. فقد تحوّل هذا الملف عبئاً سياسياً على إدارة ترمب الثانية، ليس فقط بسبب حساسيته الأخلاقية والقانونية، بل أيضاً بسبب اتهامات بالتلاعب بالإفراج عن الوثائق، أو استخدام حجب واسع يمنع الجمهور والصحافيين والضحايا من معرفة الحقيقة الكاملة.

وفق «الغارديان» البريطانية، رفعت الصحافية والمحلّلة القانونية كايتي فانغ دعوى ضد بلانش، متّهمة وزارة العدل بـ«انتهاك قانون الشفافية» المتعلق بملفات إبستين عبر الإحجام عن نشر كل الوثائق المطلوبة، أو الإفراط في حجبها، أو تفويت المهل القانونية. وذكرت الصحيفة أن بلانش، الذي كان نائباً للوزير قبل أن يصبح وزيراً بالوكالة بعد إقالة بوندي، واجه اتهامات بتعطيل العملية وإصدار جزء فقط من الوثائق.

هذا الملف، تحديداً، يفسّر جانباً من معضلة بلانش. فإذا كشف عن الكثير من المعطيات، قد يثير غضب دوائر قريبة من السلطة، أو يفتح أسئلة محرجة عن علاقات قديمة بإبستين. وإذا حجب الكثير فسيعزّز اتهامات التستر. أما إذا حاول الموازنة بين الخيارين فسيبدو في نظر قاعدة ترمب متردّداً، وفي نظر خصومه متواطئاً.

الولاء كمعيار حكم

واقع الأمر، أنه في إدارة ترمب الثانية، لا يبدو الولاء شرطاً جانبياً، بل جزءاً من هندسة الحكم.

بام بوندي، التي جاءت إلى الوزارة وهي محسوبة أصلاً على عالم ترمب السياسي، غادرت أو أُقيلت لأنها، حسب تقارير أميركية، لم تكن فعالة بما يكفي في ملاحقة أعداء الرئيس. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن مقتصرة فقط على اتجاه الوزارة، بل أيضاً في سرعة تنفيذ هذا الاتجاه وحدّته.

بلانش يفهم هذه الرسالة جيداً. فهو لم يأت من خارج تجربة ترمب القضائية، بل من داخلها.

لقد دافع عن الرئيس في لحظة كان فيها الأخير يرى نفسه ضحية «دولة عميقة» وقضاء مسيّس. ومن ثم، فإن ترمب لا ينظر إليه كموظف قانوني فحسب، بل كشاهد سابق على «المظلومية» التي بنى عليها حملته للعودة إلى السلطة. وهذا، وإن منح بلانش ثقة الرئيس، فإنه يضعف، في المقابل، قدرته على إقناع خصوم الإدارة بأنه مستقل عنها.

وهنا يصبح السؤال عن النساء اللواتي غادرن أو تعرّضن للتهميش في إدارة ترمب، جزءاً من نمط أوسع. وذلك ليس لأن المشكلة مرتبطة بالنوع الاجتماعي وحده، بل لأن إدارة ترمب تُخضع كبار مسؤوليها، رجالاً ونساءً، لاختبار ولاء دائم.

بلانش وتحدي إصلاح ما كسرته السياسة

في أي حال، قدرة بلانش على معالجة أسباب سقوط بوندي تبدو محدودة. فهو يملك خبرة قانونية لا يمكن إنكارها، ويعرف وزارة العدل من الداخل، ويفهم آليات الادعاء الفيدرالي، لكنه وصل إلى المنصب محمولاً على موجة سياسية لا تشجّع «الاستقلالية». وإذا كانت بوندي فشلت لأنها لم تذهب بعيداً بما يكفي لإرضاء ترمب، فإن نجاح بلانش، في قاموس البيت الأبيض، قد يعني الذهاب أبعد لا التراجع.

في قضية كومي، سيُقاس نجاح بلانش بقدرته على تحويل الغضب السياسي إلى قضية قابلة للصمود أمام قاضٍ وهيئة محلفين. وفي ملف إبستين، سيُقاس بقدرته على إقناع الرأي العام بأن الوزارة لا تخفي ما يجب كشفه ولا تكشف ما يضرّ بالضحايا. وفي ملفات خصوم ترمب، من مسؤولي عهد أوباما إلى شخصيات ديمقراطية أخرى، سيُقاس بمدى الفصل بين المساءلة القانونية والانتقام الرئاسي.

المؤشرات الأولى لا تمنح الرجل هامشاً كبيراً. فوزارة العدل، التي يقودها الآن، ليست مؤسسة تدخل مرحلة تهدئة، بل مؤسسة يُطلب منها أن تكون رأس الحربة في معركة سياسية داخلية. وبلانش، مهما بلغت مهارته القانونية، لا يستطيع الهروب من أصل تعيينه: فهو محامي ترمب السابق، الذي صار حارس القانون الاتحادي.

هذه الجملة وحدها تكفي لتفسير قوته وضعفه معاً.


صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)
TT

صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)

وزير العدل الأميركي هو عملياً رأس وزارة العدل وكبير مسؤولي إنفاذ القانون الفيدرالي. وهو يمثّل الحكومة الأميركية في المسائل القانونية، ويقدّم المشورة القانونية للرئيس ورؤساء الوزارات والوكالات، ويشرف على تطبيق القوانين الفيدرالية والتحقيقات والادعاءات الكبرى. كما يدير جهازاً واسعاً يشمل مكاتب المدعين العامين الفيدراليين في الولايات والدوائر القضائية، ويؤثر في أولويات الملاحقة الجنائية، من الإرهاب والفساد والجرائم المالية إلى الحقوق المدنية والهجرة والمخدرات والسلاح.

إريك هولدر (آ ب)

تتبع الوزارة، أو تعمل تحت مظلتها، وكالات ومكاتب بالغة الأهمية، أبرزها «إف بي آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي)، و«دي إي إيه» (إدارة مكافحة المخدرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات) وخدمة المارشالات الأميركية ومكتب السجون الفيدرالي، إضافة إلى أقسام متخصّصة مثل الحقوق المدنية، ومكافحة الاحتكار، والقسم الجنائي، وقسم الأمن القومي، ومكتب المستشار القانوني، ومكتب مكتب المحامي العام للحكومة (السوليسيتور جنرال) الذي يترافع أمام المحكمة العليا. وتقول الوزارة إن لديها أكثر من 40 مكوّناً، بينها 94 مكتباً للمدّعين الفيدراليين.

من أبرز وزراء العدل الأميركيين خلال العقود الأخيرة، جانيت رينو في عهد بيل كلينتون، وكانت أول امرأة تتولى المنصب، وارتبط اسمها بملفات كبرى، مثل حصار واكو عام 1993 في ولاية تكساس، عندما حاصرت السلطات الفيدرالية مجمّع جماعة دينية تُعرف باسم «فرع داود»، وقضية الطفل الكوبي إليان غونزاليس عام 1999 الذي كان في السادسة ونجا من الغرق بعدما أقدمت والدته التي توفيت على تهريبه بقارب من كوبا إلى فلوريدا، وهناك اندلع خلاف بين أقاربه ووالده الذي طالب بإعادته.

جون آشكروفت (غيتي)

أيضاً، برز جون آشكروفت وألبرتو غونزاليس إبان عهد جورج بوش الابن، في مرحلة ما بعد «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، حين توسّعت صلاحيات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. وجاء بعدهما مايكل موكاسي في نهاية عهد بوش.

أما في عهد باراك أوباما، فقد برز إريك هولدر، أول أميركي من أصل أفريقي يتولى المنصب، ثم لوريتا لينش. وفي عهد ترمب الأول تولى المنصب جيف سيشنز ثم وليام بار، الذي صار أشد منتقديه، قبل أن يأتي ميريك غارلاند في عهد جو بايدن، ثم بام بوندي في إدارة ترمب الثانية.