تمثيل رمزي للإمبراطوريّة البريطانيّة بكل مثالبها

300 عام على صدور رواية «روبنسون كروزو»

فيلم رسوم متحركة مستوحى من «روبنسون كروزو»
فيلم رسوم متحركة مستوحى من «روبنسون كروزو»
TT

تمثيل رمزي للإمبراطوريّة البريطانيّة بكل مثالبها

فيلم رسوم متحركة مستوحى من «روبنسون كروزو»
فيلم رسوم متحركة مستوحى من «روبنسون كروزو»

بعد أن أصبحت الطباعة شائعة في غير ما بلد أوروبي، وصارت هناك سوق واسعة للكتب بين الناس العاديين المتعطشين للقراءة خارج النصوص الدينيّة وكتب الصلوات، لم يكن غريباً أن رواية مثل «روبنسون كروزو»، بما فيها من مغامرات مشوّقة وغرائبيّات مدهشة، ألهبت فور صدورها عام 1719 خيال القرّاء، فذاع صيتها وتضاعف الطلّب عليها، حتى أنها طبعت أربع مرات قبل انقضاء ذلك العام.
ورغم انتشاء مؤلفها دانيال ديفو بذلك الاستقبال، وسعيه للبناء عليه، بإصدار جزء ثانٍ مكمّل، بل ولاحقاً جزء ثالث على شاكلة تأملات بشأن رحلات بطله «روبنسون كروزو»، فإن الرواية الأصليّة بدت وكأنها خرجت نهائياً عن سلطان ديفو، واكتسبت لنفسها حياة مستقلّة، فتعددت طرق قراءتها وتحليلها، وأُعيدت صياغتها على يد عدد لا نهائي من الكتّاب الآخرين، وألهمت أعمالاً كثيرة. والتحقت شخصيّة كروزو بروايات أخرى لاحقة كتبها مشاهير الأدب العالمي، بينما يصعب الآن حصر النتاجات السينمائيّة والتلفزيونيّة والإذاعيّة والموسيقيّة والغنائيّة والأدبيّة التي اقتبست عنها أو تأثرت بها في الفضاءات الفنيّة الموازية لعالم الرواية، ناهيك عن أكثر من مائة مليون نسخة تداولها القراء عبر الأجيال، بما في ذلك ترجمات إلى لغات العالم كلّه تقريباً، حتى صارت كناية عن نوع أدبي متكامل في أدب الرحلات والمغامرات، يُعرف بين المتخصصين بـ«الروبنسانيات». وقد كتب كثير من النقاد الأدبيين نصوصاً مطوّلة عنها، بعضها يدرس سيرة الرواية ذاتها بعد إطلاقها إلى وقتنا الراهن، بينما يبحث البعض الآخر في المصادر التاريخيّة أو الأدبيّة الممكنة التي ربما يكون ديفو قد استند إليها في صياغة روايته العتيدة. وبالطبع، فقد تعددت الرؤى والآراء حول الجانبين، لكن الإجماع قائم على أنها صارت ظاهرة عالميّة، وجزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الكون الأدبي، ورائدة للأدب الواقعيّ، وواحدة من أهم الرّوايات الإنجليزيّة، إن لم تكن أهمها على الإطلاق؛ بل إن البعض يعدّها أول النصوص التي يمكن تصنيفها تحت اسم «الرواية» في الأدب الإنجليزي كلّه.
الرواية التي عنوانها الأصلي كما في الطبعة الأولى «حياة روبنسون كروزو»، البحّار المنحدر من مقاطعة يورك، ومغامراته الغريبة المدهشة خلال 28 عاماً عاشها على جزيرة مهجورة في الساحل الأميركي، بالقرب من مصب نهر أورينوج الكبير، إثر تحطم السفينة التي كان يستقلها، وبعد أن هلك جميع ركابها باستثنائه، مع سرد قصة إنقاذه التي لا تقل غرابة من قبل مجموعة قراصنة - دفعت بعض معاصريه إلى الاعتقاد بأنّ النصّ مذكرات سجلتها شخصيّة حقيقيّة، بينما اعتبرها آخرون مستندة إلى وقائع منشورة لحياة بحّار اسكوتلندي من تلك الفترة، يُدعى أليكسندر سيلكريك، عاش منعزلاً بالفعل لأربعة أعوام في جزيرة مقابل سواحل تشيلي (أميركا الجنوبيّة)؛ أعادت سلطات تشيلي تسميتها عام 1966 بجزيرة «روبنسون كروزو». ولعل مردّ ذلك أن فضاء الرواية وأحداثها وكأنها مرآة عاكسة للأجواء الفكريّة، وتصورات سكان الجزيرة البريطانيّة عن أنفسهم وعن العالم في المرحلة ما بين بدايات الاستعمار الأوروبي في القرن السادس عشر (بداية من رحلة كريستوفر كولمبوس 1492) والعصر الإمبراطوري الفيكتوري في القرن التاسع عشر (لغاية 1901). وتمجّد القصّة روح الفردانيّة، وحبّ التمرد والاستقلال عن سلطة الوالدين، بحثاً عن المغامرة في «مستعمرات» ما وراء البحار، وفيها نزعة دينية بروتستانيّة - بيورتانيّة ظاهرة، وتجارة عبيد يقودها المغاربة، وحكايات قراصنة إسبان وبرتغاليين وإنجليز، وتمردات ومؤامرات في قلب البحر، وشعوب محليّة بدائيّة متوحشّة، تتعاطى أكل لحم البشر ولا صلة لها بالحضارة، وهي تمتدح الدّور التنويري لهؤلاء المغامرين الشقر الأوائل في تحرير السكان الأصليين من جهلهم وتعاسة أقدارهم. ورغم أن هذه الثيمات تبدو أوروبيّة حصراً، فإن كثيرين اعتبروها إعادة سرد متأورب لرواية عربيّة كانت ترجمتها متوفرة حينها في إنجلترا، كتبها ابن طفيل القيسي الأندلسي في القرن الثاني عشر، واشتهرت باسم بطلها «حي بن يقظان»، وتنويعاً على مسألة الفرد مقابل المجتمع، وأصل الفطرة البشريّة قبل الحضارة.
ديفو رفض في حياته، وقد عاش 12 عاماً بعد نشر «روبنسون كروزو»، الإقرار بمصدر إلهامه، الأمر الذي تسبب بظهور مجموعة نقاد أدبيين تخصصت في التنقيب، كما علماء الآثار أو المحققين البوليسيين، عن نصوص متداولة كانت متوفرة قبل نشر الرواية عام 1719، ويمكن أن تكون مصادر كليّة أو جزئيّة لشخصياتها وأحداثها. ولعل أكثر كتب هؤلاء المنقبين إثارة هو «البحث عن روبنسون كروزو» (2002)، للناقد البريطاني تيم سيفيرين الذي يضيف إلى قائمة المُلهمين المحتملين شخصيّة هنري بيتمان، وهو بحار إنجليزي خاض تجربة مماثلة في مغامرات البحر، سجلّها لاحقاً كتابة، ودفعها للطبع ناشر بريطاني يدعى جون تايلور، تبيّن - بحسب سيفيرين - أن ابنه ويليام تايلور كان ناشر الطبعة الأولى من رواية ديفو!
على أن هذي النقاشات والبحوث بشأن مصادر إلهام الرواية - على أهميتها للبعض أقله - تتضاءل قيمتها مقابل القيمة الثقافيّة التي يحملها العمل، وفي ذلك انقسمت الآراء بين مدارس كثيرة، أولها أطلقه جان جاك روسّو، المفكر الفرنسي الشهير في كتابه «إميلي، أو عن التعليم» (1762)، وتبعه معنيون بالتعليم خاصة، معتبراً رواية ديفو وحدها من دون الكتب الأخرى ينبغي أن توفّر للناشئة قبل الـ12 عاماً، ربّما بعد تخليصها من بعد الأجزاء المتطرفة بعض الشيء، ليساعدهم على تحدي ذواتهم، وفتح آفاقهم نحو الاستقلالية والاعتماد على النفس. واعتبر آخرون أن الرّواية المتخمة بالرموز والإشارات الدينيّة ما هي إلا كتاب توجيهي تعليمي ديني لمؤلف شديد التديّن ترك عدّة كتب عن مفاهيم الخلاص والعيش الطهراني تردد المفاهيم ذاتها الموجودة فيها، ويذكرون في معرض تأييدهم لهذه القراءة حقيقة أن زميل ديفو على مقاعد الدراسة وصديقه - يدعى للمصادفة تيموثي كروزو - كان داعية متديناً وضع كتاب «الدّليل في الوصول إلى الله للناشئة» (1695)، وتوفي شاباً قبل نشر ديفو لمغامرات «كروزو» بثمانية أعوام. بينما اعتبر علماء اقتصاد، وعلى رأسهم كارل ماركس، أن الرّواية مثال ممتاز لفهم تطور الرأسماليّة الأولى، ونظريّات الإنتاج، وإمكان التجارة، كما دور مؤسسة العبوديّة كأداة الإمبرياليّة الكلاسيكيّة في تعظيم العوائد.
ومقابل هؤلاء، لحظ جيمس جويس، الروائي الآيرلندي المعروف، أن «روبنسون كروزو» تمثيل رمزي للإمبراطوريّة البريطانيّة بكل مثالبها، من نظرتها الفوقيّة العنصريّة تجاه سكان ما اعتبرته مستوطنات إلى صبغتها الأنجلوساكسونيّة المائلة إلى العنف اللاواعي، وطول الأناة، والبرود الجنسي، كما الأوهام الدينيّة المتأصلة.
ويسرد جويس أمثلة عدّة لتأكيد أنها في نصّها الأصلي توفّر قراءة ممكنة للعقل الاستعماري الأوروبي، ولفضاء تلك المرحلة الفكري والثقافيّ، فكروزو مثلاً يرى نفسه في غير مكان من الرواية (ملكاً) للجزيرة، وهو يشير لها بعد مغادرتها بـ«المستوطنة»، بينما العلاقة المحور بين كروزو وفرايدي (العبد الذي استرقه كروزو) هي وصف مباشر لعلاقة السادة - العبيد التي تحكمت - وربما ما زالت - بالنظرة الأوروبيّة لسكان البلاد الأصليين فيما وراء البحار، الذين هم بدائيّون متخلفون متوحشون، وخلاصهم ممكن إن هم اعتنقوا ديانة أسيادهم، وتعلموا لغتهم، وقبلوا دونيتهم أمام العرق السيّد الأبيض.
هي سخريّة القدر ربمّا! فالسيّد ديفو جمع بعض المال القليل من وراء «روبنسون كروزو» ومغامراته، قبل أن يمضي لقدره المحتوم، ليترك لنا كلّ هذا الجدل، وبطله البحار المتمرّد على سلطة الوالدين، ضحيّة القراصنة وشريكهم، المتديّن حدّ الهلوسة، الرأسمالي طليعة الاستعمار الأبيض، مسترق البشر الملونين، حياً يرزق لـ300 عام إلى الآن، فلا هو بعازم على الرّحيل في وقت قريب، ولا قيمه التي ما تزال رغم كل شيء معشعشة في الثقافة الجمعيّة للغربيين.


مقالات ذات صلة

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

ثقافة وفنون فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

يتناول كتاب «فتحي عبد السميع... شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة» تجربة الشاعر والباحث فتحي عبد السميع، ويضيء جوانب متعددة من مشروعه الشعري والفكري...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟».

هاشم صالح
كتب «ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، يقدّم الكاتب، خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد

«الشرق الأوسط» (الدمام)

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».